صدر قبل ايام تقرير الشفافية العالمي لعام 2010 والذي تصدره منظمة الشفافية الدولية سنويا، ولازال العراق يقبع في نهاية القائمة التي تضم دول العالم مرتبة حسب درجة النزاهة والشفافية فيها ، وبحصول العراق على المركز الثالث عالميا في الفساد وللسنة الخامسة على التوالي فانه يعني إن العراق بات يحتل مقعدا دائما في صدارة الدول الأكثر فسادا في العالم ، تشاركه الصومال ومينمار وأفغانستان كدول دائمة العضوية ضمن مجموعة الدول الأكثر فسادا في العالم ، يشار إلى إن منظمة الشفافية الدولية تعتمد مقياسا من (10 ) درجات لتحديد الدول الأكثر نزاهة في العالم وهي التي تحصل على درجات قريبة من الدرجة العليا(10) وفي هذا العام تنافست كل من : نيوزلندة وسنغافورة والدنمارك بحصول كل منها على درجة ( 3 ،9 ) من (10 ) وجاءت فنلنا والسويد في المرتبة الثانية حيث حصل كل منها على ( 2،9 ) في حين كانت الصومال في صدارة الدول الأكثر فسادا في العالم وحصلت على درجة (1،1) من (10) تلتها مينمار والسودان اللتان جاءتا بالمركز الثاني في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم وحصلت كل من الدولتين على درجة (4،1 ) من (10) في حين حصد العراق المركز الثالث في الفساد من بين 178 دولة شملها التقرير لهذا العام ، وحصل على درجة (5،1) من ( 10 ).. إما سجل العراق في هذا المجال فقد كان كما يلي : . 1 . قبل عام 2003 لم يكن متاحا لا لمنظمة الشفافية الدولية ولا غيرها الحصول على معلومات بشكل مباشر أو غير مباشر عن الأوضاع في العراق.. . 2 . بعد سقوط نظام صدام بات من الممكن الحصول على معلومات .. فتم شمول العراق بتقارير منظمة الشفافية الدولية : وفي عام 2003 كان ترتيب العراق 112 من مجموع الدول المشمولة والبالغ عددها 133 في تلك السنة وحصل على 2 ،2 من 10 ، وفي عام 2004 كان ترتيب العراق 141 من أصل 159 دولة مشمولة وحصل على 1 ،2 من 10 ، وفي عام 2005 حصل العراق على درجة 2 ،2 من 10 ، أما في عام 2006 فقد كان ترتيب العراق الثاني عالميا في الفساد وأحتل التسلسل 161 من أصل 163 دولة مشمولة وحصل على درجة 9 ،1 من 10 ، وفي عام 2007 كان ترتيب العراق الثالث فتسلسل الدول الأكثر فساد في العال وأحتل التسلسل 178 من أصل 180 دولة مشمولة بالتقرير وحصل على درجة 5 ،1 من 10.. وفي عام 2008 كان ترتيب العراق الثالث عالميا واحتل التسلسل 161 من 163 دولة مشمولة وحصل على درجة 3 ،1 من 10 ، وفي عام 2009 كان ترتيب العراق الثالث عالميا في الفساد واحتل التسلسل رقم 161 من أصل 163 دولة مشمولة وحصل على درجة 5 ،1 من 10 ، أما في هذه السنة ( 2010 ) فقد احتل العراق الترتيب الثالث في الفساد عالميا وحصل على درجة 5 ،1 من 10 بعد الصومال التي حصلت على 1،1 من 10 ومينمار وأفغانستان اللتان حصلتا على 4 ،1 من 10 ... . وبمناسبة صدور تقرير الشفافية العالمي واستقرار أسم العراق ضمن صدارة الدول الأكثر فسادا في العالم ..كان لابد من إلقاء الضوء على بالرغم من أن منظمة الشفافية الدولية جهة غير حكومية ولا تملك سلطة اتخاذ قرارات ملزمة للحكومات ولا تملك قوة الإجبار الرسمية التي تفرض من خلالها توصياتها ولا يقف خلفها مجلس الأمن الدولي .. إنما تتبنى نشر ثقافة الشفافية والنزاهة والسعي للحد من الفساد في مختلف دول العالم ، وتهيئ أدوات ثقافية ومؤسسية للحكومات بقصد تلمس السبل الأنجع والأكثر فعالية للحد من مشكلة الفساد ـ إن رغبت تلك الحكومات ـ وتزود شعوب العالم والأفراد بثقافة تبصر بمخاطر الفساد وأثاره المدمرة على حياة الشعوب ومستقبلها وأدوات تتمكن من خلالها الشعوب من ممارسة الضغوط على الحكومات من أجل اعتماد توجه صادق لمحاربة الفساد، واستخدام طرائق وأدوات فعالة لتحقيق هذه الغاية .. إلا أن الحكومة العراقية وتحديد في عهد رئيس الوزراء المالكي واجهت تقارير منظمة الشفافية الدولية بحساسية مفرطة وعدائية ملموسة تقترب كثيرا من منهج صدام حسين في تعامله مع تقارير الأمم المتحدة خلال السنوات 1990 ـ 2003، بدلا من اعتماد المنهج العقلاني والموضوعي في التعامل مع تلك التقارير والذي يقوم على فحص ومناقشة ما يتعلق بالعراق ضمن تلك التقارير والتجاوب مع التوصيات الموضوعية في محاربة الفساد. . وللوقوف على حقيقة موقف الحكومة من تقارير منظمة الشفافية الدولية أبين الآتي :. . أولا: اتهمت الحكومة منظمة الشفافية الدولية بأنها تستقي معلوماتها بشأن الفساد في العراق من بعثيين موالين لصدام حسين كانوا يشغلون مراكز متقدمة في حزب البعث ويقيمون في عمان وهم معادون للنظام الجديد في العراق .. . وللرد على هذه الحجة أشير إلى الآتي :. . 1 . على افتراض التسليم بهذه الحجة وان البعثيين معادون للنظام الجديد وهم يسعون لإسقاطه بقصد العودة إلى نظام البعث والحال التي سبقت سقوط صدام حسين عام 2003، وإنهم يستغلون موضوع فساد الحكومة لهذا الغرض وهو ادعاء صحيح نراه ونلمسه وندركه ..فان التصرف العقلاني من قبل الحكومة يكون بتجريد البعثيين من هذا السلاح وتحويله إلى سلاح ضدهم لقطع الطريق أمام عودة الدكتاتورية والاستبداد من جديد إلى العراق ..ويكون ذلك بتفعيل جهود الحكومة وتجاوبها أكثر باتجاه محاربة الفساد وتجفيف منابعه ..وعند ذلك تحقق الحكومة نتائج عظيمة تأتي في مقدمتها الآتي :. . الأولى: توظيف كامل إمكانات العراق البشرية والمالية والمادية لتوفير العيش الكريم للمواطنين، وعندها يقارن الشعب العراقي بين ما كان يواجهه من فقر وحرمان وشحه في عهد صدام وبين ما يتمتع به الآن في ظل النظام الجديد من رخاء وازدهار وعندها يكون الشعب بالذات حاجز عظيم وشاهق يمنع عودة النظام القديم ويواجه بازدراء كل من يحاول ويسعي لعودته. . الثانية : وتحقق الحكومة أيضا عندما تحارب الفساد نتيجة عظيمة أخرى لا تقل عن الأولى أهمية وهي شعور المواطن والشعب بان حقوقه باتت محترمة ولم يعد حاله مثلما كان عليه في عهد صدام من استبداد وتعذيب وقتل وتشريد وظلم ..وعندها يتمسك الشعب والمواطن بالنظام الجديد وقادته ويرفض ويقاوم أية محاولات للعودة إلى عهد الاستبداد والظلم والاعتداء على حقوق الإنسان والتمييز بين المواطنين الذي كان سائدا في عهد صدام ونظام البعث. . الثالثة : إلى جانب هاتين النتيجتين العظيمتين فان نتيجة ثالثة تتحقق وهي خلق وتعميق الثقة بالنظام الجديد ومنطلقاته وفلسفته وقادته والاطمئنان إلى المستقبل والثقة بان هؤلاء القادة هم دون غيرهم القادرون على بناء نظام ديمقراطي تحترم فيه حقوق الإنسان وتتوفر به سبل الرخاء والازدهار فيتمسك الشعب بقادته الحاليين ويرفض من هم سواهم.. . 2 .إن كانت تلك الغايات حاضرة في فكر الحكومة وتشكل أولويات لها فانه يجعل من الحكومة متعطشة لسماع أي نقد وأي ادعاءات بوجود الفساد، أو فشل في الأداء الحكومي لتنقب عن أسبابه وتعالجها برغبة صادقة وتفاعل عميق ، إما أن تنغمس الحكومة في الفساد أكثر مما كان عليه الحال في عهد صدام وتنعدم رغبتها ومصداقيتها في مغادرة الفساد أو الحد منه على الأقل وتنشغل في المماحكات السياسية والسعي إلى الحكم والتمسك به عن معيشة الناس، وتفشل في تحقيق نتائج على الأرض يتحقق من خلالها رفع للمستوى المعيشي للناس وتقليل الفقر وتقليل البطالة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات ذات المساس المباشر بحياة المواطنين خصوصا: السكن والكهرباء والماء والمجاري والتعليم والثقافة والخدمات البلدية.. فان كل مفردة من تلك المفردات تمثل باب تفتحه الحكومة بيدها لعودة نظام صدام ، و كل مفردة من تلك المفردات يعتبر سلاح ماضي وإضافي تضعه الحكومة بيد المستميتين في السعي لعودة نظام صدام من جديد .. 3 .كما أن الحاجات الإنسانية لا تقف عند حدود الحاجات المادية والمعيشية الملحة للإنسان إنما توجد حاجات أخرى لا تقل أهمية تلك الحاجات تشمل: حاجته لأن يكون حرا ، ومطمئنا، وواثق بالمستقبل ، وانه يحصل على تعليم فعال، وثقافة راقية ،ومطمأن إلى إن خياراته في الحياة محترمة ..تلك الحاجات يتم إشباعها عندما يشعر الإنسان بأنه غاية البرامج السياسية والحكومية وليس وسيلتها فقط ، وانه مشارك فعال في إدارة شؤون بلده ، وفي رقابة ما يجري ،وانه يحاسب من يرتكب أخطاء بحقه ، هذه الأمور تتحقق عندما يكون الإنسان حرا في اختيار ممثليه دون وجود قوانين تحول دون ذلك أو تعرقل بلوغه هذا الهدف ، وعندما يشعر أن لا احد يستغفله أو يستغفل غيره بادعاءات عرقية أو دينية أو مذهبية أو طائفية ليجيرالأنتخابات ومن ثم الحكم لصالحه ويمارس الفساد من خلاله، وعندما يشعرالأنسان بان إرادة الناخب كانت حرة وغير مكبلة بقوانين معيقة ، ودون تزوير لأرادته بأي شكل كان، ويشعر أن من وصلوا إلى مجلس النواب أو الحكومة هم فعلا أفضل الموجودين من أبناءه ، ويرى ويلمس بأنهم يمثلونه حقا ويعملون على خدمته حقا ..فالديمقراطية ليست مجرد صندوق للانتخابات ..عندما تتوفر في العراق سلطة سياسية وحكومية تتوفر فيها تلك المواصفات ..عندها تكون عودة البعث مستحيلة ، لكن الذي حصل أن اكبر خطيئة على الإطلاق ارتكبتها الأطراف السياسية والحكومية في العراق إنها قدمت أسلحة للساعين لإعادة العراق إلى ظروف ما قبل 2003 ،وإنها مكنت تلك الجهات للانقضاض على الشعب العراقي من جديد وان استمرت أوضاعها على ما هو عليه الآن فان ذلك حاصل لا محال هوانها ستسلم مفاتيح العراق للدكتاتورية والاستبداد من جديد ، تلك الأسلحة هي : فسادها هي وفشل أداءها ، وعدم احترام معاناة الشعب وحقوقه الأساسية . . . ثانيا : تحول الاتهام الحكومي لاحقا إلى اتهام تقارير منظمة الشفافية الدولية بأنها غير دقيقة .. وهذه الحجة يمكن تفنيدها أيضا بأنه إذا كانت منظمة الشفافية الدولية غير مسموح لها بالوصول إلى الوثائق والوقائع الرسمية المتعلقة بالفساد في أية دولة من دول العالم فإنها تحاول سد هذه الثغرة من خلال معايير أعدها ويستمر في تطويرها خبراء عالميون في الاقتصاد والفساد والسياسة على درجة عالية من المهنية والعلمية ، ثم أن المنظمة تستخدم مصادر عديدة لجمع اكبر كمية ممكنة من المعلومات سواء كان ذلك من مؤسسات دولية معروفة مثل البنك الدولي أو من خلال الاستقصاءات والاستطلاعات واسعة النطاق .. . ثالثا : تحول موقف الحكومة من تقارير منظمة الشفافية الدولية إلى القول بأنها جهة غير حكومية وبالتالي فأنها تفتقر إلى المصداقية وأنها يمكن أن توظف ضد النظام الجديد وأنها قد تشترى من قبل جهات وأشخاص مناوئين للنظام الجديد، مستغلة في ذلك عمق التخلف في الوعي العام لدى المواطنين والقياس على أساس المنظمات الأهلية الفاسدة في العراق في معظمها .. في حين أن المنظمة عندما تكون غير تابعة للحكومة وغير ممولة منها تتمتع باستقلالية أكبر في ممارسة اختصاصاتها ..وتنأى بعيدا عن الضغوط التي تفرضها السلطة والمال عليها .. رابعا : تم التحول لاحقا من قبل الحكومة إلى استخدام تقارير منظمة الشفافية الدولية في ما يعمق من استشراء الفساد وبشكل مطرد من خلال الإدعاء بان الفساد من وجهة نظر منظمة الشفافية الدولية يقصد منه الرشاوى فقط ، وان الحكومة وأجهزة مكافحة الفساد فيها جادة في ملاحقة قضايا الفساد وتم توجيه الأعلام على التركيز فقط على الرشاوى .. وأي نوع من الرشاوى ؟.. ذلك النوع من الرشاوى الذي يعرفه المواطنون ويشكون منه ..! والمقصود به الرشاوى التي تؤخذ مباشرة من المواطن من قبل صغار الموظفين في حافات الجهاز الحكومي لانجاز معاملاتهم اليومية ...! في حين أن الرشاوى الكبيرة هي ليست ما يأخذه الموظف الصغير في حافات الجهاز الحكومي من المواطن لإنجاز معاملته ..! رغم أنها وحدها التي تتسبب في غضب المواطن ..بل أن الرشاوى الكبيرة هي التي تسرق من جيب الشعب دون أن يدري ودون أن يعترض لأنه لا يصطدم بها مباشرة ، تلك الرشاوى لا تتسبب في غضب وتذمر من يدفعها.. بل بالعكس هو يسعى لأن يدفعها ، لأنها تجلب له عائدا بأضعاف مبلغها ..تلك الرشاوى هي الخاصة بالعقود والمقاولات والاتفاقات... تلك الرشاوى مبالغها طائلة، والراشي ( من يدفع الرشوة ) لا يتذمر منها بل يقابلها بسرور لأنها منفذ أمامه للإثراء!.. يأخذه من جيوب الناس دون أن يعلموا فهو يضيفها إلى الكلفة ويسرق بسببها أضعاف ما دفع.. أما من خلال حصوله على سعر أعلى للمقاولة أو من خلال أفلاته من تنفيذها بشكل سليم وخلافا لما يجب أن تكون عليه ، وعندها تنزل كلفة انجازها إلى النصف وفرق الكلفة يشكل عائدا لما دفعه من رشوة مقابل تغافل الجهة الحكومية عن عيوب التنفيذ .. ولكن بالنتيجة من يدفع تلك العوائد ..؟ المواطن بالطبع .. لأن المواطن هو الذي دفع..ولكن ليس من جيبه الصغير بل من جيبه الكبير وهو خزينة الدولة ..!! وليس مباشرة كي يتذمر ولكن بصورة غير مباشرة ـ من دوائر الدولة ـ في وقت كانت مخصصة له هو بالذات ـ المواطن ـ ... ثم انه من قال إن الرشوة هي الشكل الوحيد للفساد ؟ومن قال إن الاختلاس هو الشكل الوحيد للفساد ..؟ لنضرب مثلا : لو أن قرية ما .. فيها بئر ماء، يشكل المصدر الوحيد لسد احتياجات سكان القرية من الماء وان سكان القرية يدفعون مبالغ لشخص مكلف بإدامة البئر والحرص عليه ..وفي احد الأيام أفاق سكان القرية على بئرهم وقد وجدوه مجرد أثر.. لا ماء فيه لأن المكلف بإدامة البئر والحرص عليه لم يبذل أي جهد في القيام بواجبه، أو أنه غير كفء للقيام بهذه المهمة ، ولا يعرف كيفية القيام بذلك ولا يتعامل مع البئر باهتمام ..في نفس الوقت الذي جلبوا لك فيه هذا الشخص ،جلبوا لك شخص آخر متهم بأنه كان قد سرق دلو من ماء من البئر .. من منهما أكثر ضررا ؟ .. ومن منهما يستحق عقوبة أكبر ..؟.. عندما تكون قاضيا نمطيا فأن العقوبة المترتبة على السرقة أشد من العقوبة المترتبة على الإهمال أو عدم الكفاءة، وطبقا لذلك فأن عقوبة السارق تكون السجن أما عقوبة المتسبب بخسارة مصدر الماء كليا ..فتكون التوبيخ ..! أما عندما تكون مراقب ضد الفساد فأن اهتمامك بردم البئر يساوي بمقدار عدد الدلاء التي يوفرها البئر لسكان القرية على مدى عمر البئر، وإذن تكون عقوبة المتسبب بطمر البئر أكثر بإضعاف المرات لتلك المترتبة على سرقة كمية الماء التي تملأ دلوا !... لو نقلنا الصورة لتكون على مستوى الحكومة وأن البئر هو موازنة الحكومة السنوية وانه ثروة البلاد ... فأن فشل الأداء الحكومي في تحقيق نتائج ملموسة ومرئية مساوية للمبالغ الموضوع تحت تصرفها يقابل فشل المكلف بإدامة بئر الماء في القرية وان الاختلاسات من المال العام تقابل نسبة كمية الماء ( الدلو) الذي سرقه السارق من ماء البئر.. هل أن فشل الأداء الحكومي في تحقيق نتائج مناظرة للأموال التي تم وضعها تحت تصرفها ..فساد...نعم فساد ..وأضخم جريمة فساد على الإطلاق .. فهو ناجم عن فساد الحكومة المتمثل باحتكارها وظائف الدولة لأتباعها دون غيرهم ، وحجبها عن الكفوئين والمخلصين من أبناء الشعب وتوظيف الفاشلين وغير الكفوئين بدلا منهم ، لمجرد أن من وظفتهم هم من المقربين للحكومة أو الساكتين عن خروقاتها ..ومثل هذا المثال مئات بل آلاف الأمثلة في الواقع الحكومي العراقي ... . خامسا : ثم ظهر نوع جديد من تعامل الحكومة مع تقارير منظمة الشفافية الدولية ..وهو القائم على توظيف تلك التقارير من أجل جني منافع بالضد من أهداف ومنطلقات تقارير منظمة الشفافية الدولية ولكن بشكل مغلف ومموه جيدا ..كيف ؟.. الحكومة تعلم بان منظمة الشفافية الدولية تعتمد في معاييرها في إعداد تلك التقارير.. وفي تحديدها لدرجة الفساد في كل دولة من دول العالم على معيار يقول : هل إن الدولة تؤسس وتستحدث جهات محلية رسمية لمحاربة الفساد أم ترفض ذلك ؟..هذا الأمر سهل تلبيته في العراق.. لأنه باب لاستحداث عشرات بل مئات المناصب العالية فرئيس هيئة النزاهة في العراق بدرجة وزير ونائبه بدرجة وكيل وزير وفيها عدد لا يقل عن ثمانية بدرجة مدير عام، وطبعا يوجد من هم بدرجة معاون مدير عام ، وفي كل وزارة مفتش عام بدرجة وكيل وزير، وفي كل مكتب مفتش عام يوجد عدد من المدراء العامين .. ولأن الحكومة لا تمارس اختصاصاتها من منطلق الراعي للجميع وإنما الراعي للمقربين والحزب ، فإنها وبدلا من حصر الأمر في هيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العامين في الوزارات، فأنه تم استحداث مكتب مفتش عام في جهات أخرى ربما يزيد عددها على عدد الوزارات وهي ليست وزارات وقد يكون المفتش العام أعلى وظيفيا من رئيس الجهة.. هل أن الهدف من ذلك تشديد الحرب على الفساد ..؟ لا ..وأبدا ..إنما الهدف منه توفير المزيد من المناصب للمقربين من الحكومة والأحزاب الحاكمة ..تسبب ذلك في تدني دور الأجهزة الرقابية في مواجهة الفساد..ليس لأنها تعددت بل لأنها أخضعت لسطوة وسيطرة الحكومة التنفيذية ، ورسم لها دور لا يجوز أن تتخطاه ..والمفتش العام أو المسئول الرقابي الذي يتجاوز تلك الحدود يتم إبعاده نقلا أو إقالة.. وهذه العملية مربحة أيضا للحكومة لأنها تتيح مناصب أخرى للمقربين منها !.. . . سادسا : جانب آخر في تقارير منظمة الشفافية الدولية استغلته الحكومة .. ما هو ..؟ هو أن منظمة الشفافية الدولية ترى أن الحكومات التي توقع على المعاهدات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد .. إنما تسعى فعلا لمحاربة الفساد .. بالنسبة للعراق ومعظم الحكومات العربية فان هذه العملية بالنسبة لها مربحة أيضا ..! وأيضا دون ثمن ..فالأمر بالنسبة لتوقيعها على الاتفاقيات لا يتعدى توقيعا في حفلة مدفوعة التكاليف ..وانتهى الأمر.. في وقت يجلب لها ذلك التوقيع سمعة جيدة وقد يضفي عليها حصانة ضد اتهامات شعوبها لها بإعاقة جهود مكافحة الفساد ...ولكن هل أن الحكومة تلتزم بالمعاهدات التي توقع عليها في هذا المجال ..؟ لا .. لأنها ليست معاهدات خاصة بالحد من الأسلحة النووية وتوجد جهات دولية تراقب ذلك وتملك صلاحيات ملزمة للحكومات وتوجد دول لها مصلحة مباشرة في تحريم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية من قبل غيرها من الدول ومستعدة للضغط على المجتمع الدولي لفرض عقوبات على الحكومات التي لا تلتزم ببنود معاهدات حظر إنتاج وامتلاك السلاح النووي ، بل ومستعدة حتى إلى الدخول في حرب ضد الدول التي لا تلتزم بتلك المعاهدات .. في حين أن التوقيع على معاهدات مكافحة الفساد أو منع انتهاك حقوق الإنسان لا يترتب عليه مثل ذلك ..فما المانع من أن تسارع الحكومات بالتوقيع عليها مادام أقصى ما يمكن أن تتعرض له مجرد إحراج أو تبعات أخلاقية، ما دامت أصلا لا تقيم وزنا لتلك الاعتبارات ..؟ بالعكس فقد وظفت الحكومات في منطقتنا ذلك لمصلحتها في التمادي أكثر في الفساد وفي انتهاك حقوق الإنسان .. ( أثناء كتابتي لهذا المقال تابعت لقاء على الجزيرة ضم ممثل عن المنظمة الدولية لحقوق الإنسان وعضو في الهيئة القيادية للحزب الحاكم في المغرب وهو يرد على اتهامات المنظمة الدولية لحقوق الإنسان بشأن انتهاكات من قبل الحكومة لحقوق الإنسان في المغرب بقوله: إن في المغرب قوانين جيدة لمنع انتهاك حقوق الإنسان، وان المغرب ومنذ عام 1996 قد وقع على المعاهدة الدولية لمنع انتهاك حقوق الإنسان !..) وهو دليل على ماذكرته من أن الحكومات العربية لا تمتنع عن إصدار قوانين لكنها تعيق تنفيذها، ولا تمتنع من التوقيع على معاهدات مكافحة الفساد .. لكنها تنساها قبل أن يجف حبر التوقيع عليها، و تستخدمها فقط بقصد الحصول على تزكية لأفعالها .. وأذن فان الأمر يتوقف أولا وأخيرا على شعوب تلك الدول، ودرجة وعيها بالنتائج المترتبة على استمرار وتفاقم الفساد ومدى حيوية الشعوب في دفاعها عن حقوقها ..كنت أتابع حجم المظاهرات التي خرجت في المدن الفرنسية أمس بسبب تعديل قانون التقاعد فيها ..وهو أمر لا تتعدى الأضرار الناجمة عنه نسبة الواحد بالألف من حجم الأضرار الناجمة عن الفساد في عشرات من القطاعات في العراق مثل الكهرباء والمحروقات والبطاقة التموينية والواقع الصحي والواقع الخدمي وتأخير تشكيل الحكومة لـ 8 أشهر وتصدر العراق دول العالم في الفساد والانتهاكات الحاصلة لحقوق الإنسان واحتكار وظائف الدولة لأتباع الحكومة والأحزاب الحاكمة وعدم اتخاذ إجراءات فعالة للتخلص من الألغام غير المنفلقة والوضع البيئي الكارثي .. مع ذلك فان الشعب العراقي بات يدرك كم هو حجم الفساد في العراق دون الحاجة إلى تقرير منظمة الشفافية الدولية ..أنه يقارن بين ما يوضع من أموال بصيغة موازنات سنوية وبين النتائج على الأرض وبين درجة الحرمان والفر وانعدام الخدمات ، مع ذلك يبقى لتقرير الشفافية العالمي دويا في كل دول العالم ..واخشي أن يتعود الناس في العراق عليه فيفقد مفعوله في ايقاضهم .. لأن المرء في الحرب قد يتعود على دوي المدافع ويدفعه الإنهاك لأن ينام تحت دويها ...