المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عايض القرني: طريق الإصلاح والتأهيل أجدى من محاكمة المغرر بهم



على
01-25-2006, 12:36 PM
عن تجربته التي تثير جدلاً في السعودية ...


الرياض - مصطفى الأنصاري - الحياة

25/01/06//



للمرة الرابعة يبدو الداعية السعودي الشيخ الدكتور عايض القرني مادة إعلامية مثيرة للجدل. وكانت الأولى حين عاد إلى نشاطه الدعوي بعد حظر دام عشر سنوات، والثانية حين قال للصحافيين السعوديين: «منع قيادة المرأة السيارة ليس من الثوابت»، والثالثة عندما أدلى برأي مخالف للمدرسة الدينية حول تغطية المرأة وجهها.

أما في المرة الرابعة فقد فجر الشيخ «قنبلة» لم يتوقعها أحد، بإعلانه قبل نحو شهرين اعتزال الساحة الدعوية والإعلامية والانطواء في منزله، في قصيدة سمّاها «القرار الأخير»، وصفها محبوه ومبغضوه جميعاً بـ «المؤثرة»، ثم عاد عن الاعتزال.

وفي حديث الى «الحياة» تناول القرني قضايا عربية وسعودية، والإرهاب والمقاومة وتنظيم «القاعدة»:

كثر الجدل في سفر شبان سعوديين إلى العراق، هناك من يرى أنهم مجاهدون وفريق آخر يرى غير ذلك؟

- المسألة مصيرية وحساسة وساخنة، وأنا لا أنصح بذهاب الشبان السعوديين الى العراق، وأرى أنه ليس من المصلحة، بل فيه مفاسد كثيرة، لأن غالبية من يذهبون يفعلون ذلك من دون إذن آبائهم وأولي الأمر، ويرتكبون أموراً هي من التفريط في حقوق أهلهم وما أوجب الله عليهم، إضافة إلى أنني أرى أن مسائل الجهاد تخص العراقيين، حتى مسألة مدافعة المحتل. ما زلت أقول: العراقيون أعلم بوطنهم، أما الشبان السعوديون فلا أرى صواب ذهابهم أبداً.

> ولكن، لا يزال الخلاف قائماً حول هذه المسألة بين العلماء السعوديين؟

- أرى أن علماء كل بلد هم المخولون بالفتوى في نوازلهم، ولو كان هنا اتحاد للفتاوى في العالم الإسلامي لطالبناه بقول رأيه في المسألة.

> وماذا عن المقاومة في فلسطين؟

- لا أعرف عالماً معتبراً في السعودية يختلف في أن المقاومة في فلسطين جهاد، ومواجهة للمحتل المغتصب، وهي محل إجماع بين كل السعوديين.

> هل ولى الفكر الإرهابي الذي يغرر بالشباب السعوديين للذهاب إلى مناطق ساخنة في العالم الإسلامي، أو التفجير داخل الوطن، نهائياً أم يشهد مجرد تراجع؟

- أرى أنه في إدبار وانحسار، لأسباب منها الدفاع الفكري من جانب الدعاة والعلماء، والأمني من جانب الدولة بالقوة والحزم.

> نحن نتحدث عن الفكر الذي يغذي التطرف... وليس الأعمال الإرهابية نفسها؟

- بهذا الفكر موارد ومنابر، ونحن عندما حاورناهم في السجون، وجدنا أن أهم الأسباب التي دفعتهم إلى اعتناق أفكار الغلو هي: قراءة النص خطأ من جانب الشباب من غير أن يتصلوا بالعلماء فيفتوهم ويجلسوا معهم. هم يؤوّلون الآيات والأحاديث على آرائهم، فنواجههم بشروح لعلماء كبار مثل الإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن باز وابن عثيمين، فيقولون: لا، هذا القرآن أنزل لنا وكذلك الحديث، فنقول لهم: هذا تأويل فاسد للنص كما فعل الخوارج.

ومن الأسباب، أنهم بلا شك تأثروا بمدارس أجنبية مثل كتب المقدسي، وأمثالها من الكتب التي تروج للتطرف في الساحة، لكن العجيب أنني لم أر داعية بارزاً مشهوراً وله حضور، قالوا إنهم تأثروا بأشرطته وعلمه وفتاويه. كانوا يسمون لنا أسماء غير موجودة في بلادنا.

> ما مدى تأثير جهود المتنورين من الدعاة السعوديين، في المتطرفين؟

- الدعاة المتنورون لهم دور بارز، ولله الحمد، وهنالك جهود لا تعلمون عنها شيئاً، مثل الجلسات الطويلة التي تصل إلى خمس أو سبع ساعات في السجون، هذه لا تعلن. ولو أعلنت الحلقات التي تجرى في السجون، وسمع الحوار العقلي والنقلي بالأدلة والبراهين، وتهافُت أدلة الغلاة كأنها أوهى من بيت العنكبوت، لرأيتم العجب العجاب، ولكنها ليست جهوداً مثل محاضرة تلقى أو كتاب يؤلف.

ولكن، بات واضحاً أنهم تأثروا بالمواجهة والحوار، لأنهم إذا علموا شبهتهم، وأتيت تفندها أنت من كل جانب، ثم يقتنعون ويتراجعون بعد ذلك، فهذا أعظم انتصاراً من مسائل دعائية في الصحف.

وأنا أنحو باللائمة على أناس لم يشاركوا أساساً في محاربة هذا الفكر، ومع ذلك لم يسلم منهم الدعاة ولا طلبة العلم، فهم يجلدونهم في الصحف على أنهم الذين سببوا الإرهاب، بينما هؤلاء الدعاة أنفسهم في الليل يسهرون مع الشباب في السجون، ويحاورونهم ويقنعونهم ببطلان ما هم عليه، وفي الصباح نجد هؤلاء يصمون الدعاة بأنهم كذا وكذا! هذه صراحة، تضايق الإنسان وتشعرنا بالغبن، فلا سلم الإنسان من الغلاة ولا من الكتّاب الذين ليس لديهم علم شرعي، ويتشاغلون بسقطات العلماء والدعاة.

> بما أنك أحد المناصحين في اللجنة التي شكلتها وزارة الداخلية، هل لا يزال هنالك أناس مصرون على فكرهم ولم يتراجعوا؟

- المحتجزون في السجون قسمان: قسم لا يزال على ضلاله وغيّه، وهم قلة سيأتي بهم الله عز وجل مع الحوار والمناقشة. فهم محتجزون لأنهم رفضوا الاقتناع، ورفضوا قبول النصيحة والحوار.

والقسم الثاني وهم الأكثر، وأعتقد أنهم يمثلون 70 في المئة، هؤلاء قبلوا النصيحة، وتم التأكد من توبتهم وتراجعهم، وكتبنا للمسؤولين في وزارة الداخلية، وأطلق كثير منهم.

> هل يفهم من ذلك أن عدم تقديم أي من الإرهابيين للمحاكمة يعني محاولة إصلاحهم وتعديل سلوكهم؟

- هذا صحيح، وأنا كلمت الأمير محمد بن نايف (مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية) في بعض الأسماء، وكان من حكمته أن أخر تحويل بعضهم إلى القضاء، وتفضل بإخراج الكثيرين من الذين شفعنا فيهم أنا والشيخ عبدالمحسن العبيكان وسعد البريك ونحوهما، لكن المقصد أن الدولة تريد أن تصلحهم وتعفو عنهم من دون عرضهم للمحاكمة، وهذا في رأينا أنفع وأجدى.

> وهل قابلت شخصياً أناساً من القيادات التكفيرية الفكرية بعد الأقطاب الثلاثة، مثل فارس آل شويل؟

- هذا الاسم لم يعرض علينا، وليس من ضمن القائمة التي عرضت عليــــنا، ولكن هـــناك أسماء كثيرة ليست معروفة عند الناس حاورنا أصحابها، بعضهم في الجامعة، وبعضهم في الثانوية، وبعضهم في المتوسط ونحو ذلك.

> من واقع تجربتك في التحاور مع هؤلاء، هل ترى أن المنحرفين فكرياً يمكن فعلياً إصلاحهم؟ هنالك من يزعم أنه لا يمكن إصلاحهم، ويستدل بأناس كانوا مسجونين وأطلق سراحهم فعادوا إلى سلوكهم السابق... ما رأيك؟

- يا أخي هذه حجة غير صحيحة، الواحد الأحد بعد أن ذكر كفر الذين قالوا «إن الله ثالث ثلاثة» عرض عليهم التــوبة، في قوله: «أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه»، ولهذا فأنا أرى أنه ليس هنالك ذنب في العالم إلا ويمكن إصلاح مرتكبه، وعلي بن أبي طالب رضي الله عـنه، لما أرسل ابن عبـاس إلى الخوارج أقــنع مــنهم 4 آلاف، ونحن رأيــنا أناساً كانوا مصـــرين على صدق منهجهم في الجلستين الأولى والثـــانية، ويسقـــطون في الثـــالثة أو الرابعة، بعد تفنيد كل حججهم، فيصبحون بلا دليل منطقي، فيتراجعون.

أحدهم قلت له: أنت الآن وحدك في الزنزانة، ونحن عشرون مليوناً في الخارج، منا العلماء والدعاة والقضاة والصحافيون والكتاب والسياسيون، كلنا في ضلال إلا أنت وحدك في زنزانة، وبعد أن تناقشنا معه يسيراً طلب منا أن يجلس مع نفسه ويفكر، وبعد فترة قصيرة عاد إلى الرشد.

> هنالك من يرى أن هؤلاء المتطرفين امتداد لفكر بعض الدعاة لدينا، فهل واجهت من قال لك: ياعايض القرني ألست أنت من كان يقول كذا وكذا؟

- سأقول بكل صراحة إنني حاورت ثمانين شاباً ومعي الشيخ سعد البريك وبعض المشايخ، لماذا لم يجرؤ واحد منهم على اتهامي بأنه تأثر بكلام سمعه في محاضرة لي أو شريط، ورأيي أن القول بأن الفكر المنحرف امتداد لفكر الدعاة تجن واضح، ومع ذلك لا أستطيع كمّ أفواه الناس، وأنت تعرف أن الخليقة سبت حتى خالقها جلّ وعلا.

> هل تستطيع أن تتذكر بعضاً من المواقف التي حدثت أثناء محاورة بعض المتطرفين في السجون؟

- من المواقف، دخلنا أنا والشيخ سعد البريك على أحد الشباب، وكان متجهماً عبوساً، ولما مددنا إليه أيدينا مسلّمين رفض. قلنا: اتق الله، ألسنا مسلمين وإخوانك؟ قال: أبداً، ولن أخوض معكم في أي حوار، وأخذ يسخر بنا ويتندر، ويُضحك الذين حوله، ومع أنه يحمل الشهادة الإعدادية، يرد على ابن باز وابن عثيمين، ويصرّ إصراراً شديداً في المجلس الأول... والثاني... والثالث... وفي الرابع أذعن! وتبين له الخطأ. وكان ممن أطلق، وأنا لما رأيته للمرة الأولى قلت في نفسي: هذا ليس فيه أمل، ولن يعود ما أقام عسيب!

ورجل آخر من أهل المنطقة الشرقية، لما تحاور معهم أراد أن يلبس علينا، ويظهر لنا أنه تراجع لكي نكتب فيه توصية للمسؤولين ويخرج، فلما انتهى من التحاور معنا، ذهب إلى زملائه وقال لهم: أنا خدعت المشايخ وضحكت عليهم لكي يطلق سراحي. علمت الجهات الأمنية بذلك، فبقي ولا يزال في السجن.

وأحدهم شاب في الثانوية جئناه في الزنزانة، ورفض أن يسمع منّا وقال: أنا لست في حاجة إليكم، ولا أسمع فقط إلا من شيخ واحد هو أسامة بن لادن، قلت له أولاً: أسامة بن لادن دعه في ما له من سيئات وحسنات، لا نقول فيه شيئاً، وهو ليس عالماً. وأذكر أنه جاءني في جامع أبي بكر الصديق في أبها، ولما سألته إلى أين ستذهب، أخبرني أنه سيتجه إلى الشيخ ابن عثيمين ليسأله في بعض مسائل الجهاد، فهو نفسه يعترف بهؤلاء العلماء، وقد مر بابن باز وابن عثيمين في حوادث مشهورة. وشيخك هذا لا يستطيع أن يفتي في مسائل الجهاد إلا بعد أن يمر على علماء محددين ذكرتهم لك، ثم أنت ترفض الاعتراف بآرائهم. فاقتنع بالحوار معنا وتراجع.

> عندما ذهبت إلى أفغانستان في مرحلة الصحوة، هل كان المجاهدون العرب بالفعل يريدون إقـامة دولة الخلافة الإسلامية في أفغانستان، مثلما ينظر تنظيم «القاعدة» في الوقت الراهن؟

- ذهبت إلى أفغانستان برسالة من الشيخ ابن باز رحمه الله، وقابلت أربعة من القادة. نعم وجدنا منهم حتى في ذلك الوقت من يكفّر العلماء والولاة، حتى إن منهم من شتم ابن باز في المجلس، ومنهم من يسعى لإقامة الخلافة، ومنهم من يريد الجنة والحور العين فقط، وهم كما تعلم مدارس.

> وماذا كان في رسالة ابن باز؟

- كان فيها الدعوة إلى الوحدة والاتفاق ونبذ الفرقة.

> عدت إلى الساحة بعد التوقف وأغرقت الإعلام بمشاركاتك، ودور النشر بكتبك، بعد تلك المرحلة، هل كنت فعلاً مغرماً بأن تكون «رجل البلدة الوحيد» كما قيل؟

- لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، هنالك من قال حتى القصيدة الأخيرة التي جاءت مترجمة لمشاعري، قيل إنني أبحث بها عن الشهرة، مع أن الأخيرة ليست محمودة، ووجدت منها بعض المضايقات.

> يعني لو كان الأمر بيدك لما صرت إلى ما أنت عليه الآن؟

- لا أدري، الإنسان أحياناً يقول إنه على صواب وأحياناً يقول لا، لك أن تتصور أن المرء أحياناً لكي يشتري لأهله عشاء من المطعم لا بد من أن يذهب متلثماً! ثم إن الشهرة نفسها ماذا تغني؟

وعن الكتب: هل تتوقع أنني كنت أتوقع أن يباع من كتابي «لا تحزن» مليون نسخة؟ والآن تجاوزت المبيعات مليوناً ونصف المليون، ودعيت إلى جاكرتا لتوقيع النسخة الإندونيسية بعد شهرين، والدعوة وجهها إلي نائب رئيس الوزراء.

> كان الاختلاف على نتاجك الثقافي كبيراً، فهل كان عبارة عن ثقافة وجبات سريعة أردت تقديمها بقناعة، أم خطأ ناجماً عن قلة الخبرة في التأليف حينها، أم أن هناك أسباباً تجارية كما يزعم البعض؟

- الناس يتحدثون ويقولون، وأنا لا بد من أن أتحمل، وأنا مثلي مثل غيري من العلماء الموسوعيين، كما قال أخي عبدالرحمن العشماوي، كابن الجوزي وغيره، أقرأ في شتى فنون المعرفة، وأنت ترى مكتبتي فيها أكثر من 10 آلاف كتاب. أنا ما عندي وظيفة، ولست مزارعاً، كل وقتي معي الكتاب، وأنت الآن جئتني وفي يدي كتاب كما ترى.

> بعد تجربة الاعتزال كيف سيمضي منهجك في التأليف؟

- لن أغيّر منهجي في التأليف، وأراه مناسباً لمتطلبات الجماهير.

> معظم القضايا التي كنت فيها مثيراً للجدل كانت المرأة طرفاً فيها، هل تمثل هذه الأخيرة معضلة للمدرسة الصحوية؟

- كل الدعاة يطالبون بإعطاء المرأة حقوقها الشرعية، وأنا في آخر محاضرة لي، طالبت بالدفاع عن حقوق المرأة، مثل حرمانها من الميراث ومنعــها من الزواج، فدعوت إلى منـحها حقوقها الشرعية التي تحرم منها في مجتمعنا، قبل الحديث عن قضاياها المعاصرة.

> إذاً، ترى أن هناك قضايا ذات علاقة بالمرأة أجدر باهتمامك من أخرى هامشية، كالاختلاط وتغطية الوجه؟

- نعم، لدينا بعض المناطق تمنع فيها المرأة من الميراث، وفي بعضها تمنع من طلب العلم الشرعي، وبعض الناس يضرب المرأة ضرباً مبرحاً.

> السؤال: لماذا غابت هذه القضايا المهمة في خطابكم الصحوي؟

- أنا عالجت هذه الأمور في كتابي «صفات المرأة المسلمة»، لكن المسائل الحساسة هي التي تثار دائماً، وواضح أن بعض من يثيرها ليس قصده غيرة إسلامية، بعض الناس مثلاً يعارضون قيادة المرأة السيارة، هل هم بالفعل بلغوا من خوف الله حداً جعلهم أدوا الفرائض والنوافل، وخاف أن يسأله الله يوم القيامة: لماذا قادت المرأة السيارة؟ هو ليس كذلك، ولكن له غرض.