المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفنادق غير المصنفة في المغرب ملاذ الفقراء والبخلاء



سياسى
11-23-2005, 09:38 AM
كتاب يبحثون عن عوالم غريبة لرواياتهم وقصصهم


الرباط: عبد الله الدامون


الفنادق غير المصنفة في المغرب يرتادها زبائن غير مصنفين. ومن العادي جدا أن يوجد في فندق متواضع وخارج تماما من لعبة النجوم زبائن من شرائح اجتماعية مختلفة، لكن لا يوجد بينهم أبدا زبائن يمكن أن يصنفوا فوق الطبقة المتوسطة. ومن النادر جدا أن يرتادها موظفون يصل دخلهم الشهري إلى 800 دولار مثلا أو ما فوق. إنها فنادق فتحت خصيصا لذوي الدخل المحدود، أو منعدمي الدخل تماما، أو من الذين مازالوا يحاولون كل يوم العثور على عمل مثل مئات من أصحاب الشهادات العاطلين الذين يشكلون شريحة مهمة من نزلاء هذه الفنادق في العاصمة المغربية الرباط.

وفي المنطقة القديمة من الرباط ينتشر الكثير من الفنادق التي تقتات من زبائن يأتون إلى المدينة ليومين أو أكثر من أجل قضاء أغراض إدارية في الغالب، أو لزيارات عائلية، وفي أحيان أخرى تكون الفنادق المصنفة آخر حل للطلبة والطالبات الذين يعاكسهم الحظ والإجراءات الإدارية المعقدة في الظفر بغرف في الأحياء الجامعية، فيضطرون إلى البحث عنها في الفنادق غير المصنفة كحل مؤقت، في انتظار استئجارهم بشكل جماعي لمنزل يقتسمون اداء ايجاره بالتساوي.

أما في آخر الموسم الجامعي ، فإن هذه الفنادق تكاد تكون حكرا على الطلبة الذين يتركون الأحياء الجامعية، فيضطرون إلى الإقامة في هذه الفنادق التي تتلاءم أسعارها مع مقدراتهم المادية المترنحة.

ويعكس عدد الفنادق غير المصنفة في المغرب واقعا اجتماعيا وماديا لأغلب المغاربة. ففي مدينة الدار البيضاء مثلا، وهي أكبر مدن البلاد وعاصمتها الاقتصادية، يوجد 50 فندقا مصنفا، في الوقت الذي يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات فيما يتعلق بالفنادق غير المصنفة.

وتعكس أسعار هذه الفنادق طابع الرواج الذي تعرفه، وإن كان في الغالب رواجا اضطراريا لسبب أن أغلب من يقصدون هذه الفنادق يفعلون ذلك هربا من غلاء الفنادق المصنفة، التي يصل سعر المبيت فيها لليلة الواحدة أزيد من 100 دولار في بعض الأحيان، في الوقت الذي تكفي فيه خمسة دولارات فقط من أجل قضاء ليلة في فندق غير مصنف، غير أن الفارق في مجال الخدمات والراحة لا يقارن بالمرة.

مهام الفنادق غير المصنفة في المغرب تتفاوت من مدينة أو منطقة إلى أخرى. ففي مدينة وجدة مثلا بأقصى الشمال الشرقي من البلاد، تصبح هذه الفنادق مأوى للعابرين بين الحدود المغربية ـ الجزائرية حين تكون مفتوحة بقرارات رسمية. ويقصد الكثير من التجار من البلدين مدينة وجدة لجلب البضائع، سواء القانونية أو المهربة، فالتجار المغاربة يجلبون البنزين الرخيص من الجزائر، والجزائريون يجلبون البضائع الأوروبية الرخيصة من المغرب، وفي كل هذا وذاك فإنهم يلتقون في الفنادق غير المصنفة في وجدة حين يضطرون إلى ذلك.

وفي مدينة الناظور (شمال) تتحول فنادقها غير المصنفة إلى مأوى لتجار يقصدونها من كل مناطق المغرب، ومن الجارة الجزائر أيضا، والذين يجلبون السلع المهربة من مدينة مليلية التي تحتلها إسبانيا بشمال المغرب، مادامت أن المدينة تفتقر لنشاط سياحي حقيقي.

وفي مدينة تطوان (شمال) يحدث الشيء نفسه مع التجار الذين يتبضعون من مدينة سبتة. وفي طنجة، التي توجد على ضفة مضيق جبل طارق، يملأ المئات من المهاجرين السريين فنادق المدينة غير المصنفة التي عادة ما تعرف حملات أمنية تقوم بها الشرطة المغربية من أجل إلقاء القبض على مهاجرين، خصوصا الأفارقة، الذين اضطروا بعد ذلك إلى اللجوء إلى الغابات والأحراش في المناطق القريبة هربا من ملاحقات الأمن، أو بعد أن نفد ما لديهم من مال. غير أن هذه الفنادق في منطقة الشمال تعرف أيضا رواجا سياحيا ملحوظا في فصل الصيف حين يقصدها الآلاف من الزوار المغاربة بسبب رخص أسعارها ويقضون بين جنبات غرفها عطلة يريدون دائما أن تكون سعيدة وزهيدة.

الفرق بين 50 أو 100 دولار، وبين خمسة دولارات، هو الذي يعكس الفرق بين فندق غير مصنف وبين فندق من خمسة نجوم. وتشبه الإقامة في فندق غير مصنف، الإقامة في منزل جماعي كبير بحارة شعبية كل شيء فيها مشترك بين السكان. ويمكن لنزلاء الفندق غير المصنف أن يشتركوا في مرحاض واحد، وحمام (دوش) واحد. أما الغرف فلا تتوفر في الغالب سوى على فراش مهترئ وأشياء أخرى يمكن أن تكون مفيدة كما يمكن أن يكون وجودها من دون أي معنى. ويمكن للزبون أن يجد كرسيا لا يصلح للجلوس، أو مائدة للأكل أكلت «الأرضة» خشبها ، وحولتها إلى تحفة أثرية فرعونية، أو مرآة يمكن للناظر فيها أن يرى وجهه بصعوبة، أو فراشا يغرق فيه النائم كما لو أنه ينام في برميل، أو وسادة تحتاج إلى ثلاث وسادات أخرى حتى يستقيم الرأس، أو صنبور مياه يقطر طوال الوقت فيمنع النوم عن الزبون طوال الليل، أو رائحة هنا وهناك، أو صرصارا وأكثر تلهو من غير اكتراث بالضيوف.

عادة لا يتم تغيير الأفرشة في هذه الفنادق إلى مرة كل أسبوع في أحسن الحالات، وأحيانا تظل كذلك على أن يطلب زبون ما تغييرها بسبب الأوساخ أو الرائحة. لكن ليست كل هذه صفات الفنادق غير المصنفة. لأن حالة كل فندق تتعلق بطبيعة الاهتمام الذي يلقاه من طرف أصحابه. فهناك فنادق غير مصنفة يمكن اعتبارها محترمة ويستحق أصحابها أكثر مما يطلبون مقابل المبيت.

الإقبال الذي تعرفه هذه الفنادق لا يتلاءم مع نظرة أغلب المغاربة إليها. فهي في نظرهم غير نظيفة وتقدم خدمات سيئة ، ويتحملون وزرها بسبب حالتهم المادية فقط. وهي أيضا في نظر الكثيرين مكانا لكثير من الموبقات التي ترتبط بعادات وتقاليد البروليتاريا الرثة من دعارة وضيعة وإهمال وأوساخ.

سياح المغرب لا يجدون أنفسهم بعيدين عن هذه الفنادق. ويندر أن يوجد فندق غير مصنف لا يوجد فيه على الأقل سائحان أو ثلاثة، يكونون في العادة في مقتبل العمر بنزواتهم الخاصة. ويحتمل في هؤلاء واحدة من مجموعة صفات، وأحيانا بعضها أو كلها، إما فقراء أو بخلاء أو مدمنو مخدرات أو شواذ جنسيون أو صحافيون أو كتاب يبحثون عن عوالم غريبة لرواياتهم وقصصهم، وأحيانا حالات أخرى يصعب رصدها.