المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفضائيات العربية وراء انتفاضة العرب في فرنسا؟



فاطمي
11-20-2005, 12:00 AM
يريدون أن يصبحوا مواطنين فرنسيين بشكل كامل لا أكثر ولا أقل


هاشم صالح

ساهم في تأليف هذا الكتاب القيم والسلس كل من الصحافي الفرنسي دومينيك فيدال نائب رئيس تحرير مجلة «اللوموند ديبلوماتيك» الشهيرة التي تطبع في عدة لغات من بينها اللغة العربية، والصحافي من أصل عربي كريم بورتيل الذي يشتغل ايضا في نفس المجلة وفي وسائل اعلام فرنسية اخرى.

والكتاب يقدم صورة عن وضع العرب في فرنسا وشعورهم بالحرج والقلق نتيجة التمييز العنصري الذي يعانون منه احيانا وبخاصة اذا كانوا فقراء او عمالا مغاربة او من أبناء هؤلاء.


يتركز الحديث في هذا الكتاب على العرب الذين ولدوا في فرنسا، اي ابناء الجيل الثاني او الثالث الذين يشغلون وسائل الاعلام حاليا بتمردهم في الضواحي البائسة التي تحيط بباريس او بقية المدن الاخرى كالزنار: زنار الفقر المدقع والاهمال، المقصود هم العمال المغتربون المهملون من قبل الدولة.

ويرى المؤلفان ان اسباب الامتعاض الذي يشعر به مئات الآلاف من الشبان والفتيات العربيات في فرنسا ذات جذور عميقة وتعود الى التاريخ البعيد كما القريب بالطبع فان الحديث يتركز هنا على العرب المغاربة بالدرجة الاولى لا المشارقة. فالمغاربة من جزائريين وتونسيين ومغاربة هم الذين يشكلون ملايين المهاجرين الذين يعيشون في بلاد فولتير وموليير. والانتفاضة الجارية حاليا هي انتفاضتهم بالدرجة الاولى والاخيرة. انهم يشعرون بان وضعهم غير طبيعي على الاطلاق. والبعض يتحدث عن وضع شيزوفريني، عن اصابتهم بانفصام في الشخصية على عكس ابائهم او اجدادهم. فهم ولدوا في هذا البلد ولا يعرفون اي بلد آخر غيره ولا لغة اخرى غير لغته.. ومع ذلك فيشعرون بانهم غير مرغوب بهم في فرنسا، انهم مكروهون بسبب سحنة وجوههم او لون شعرهم او فقرهم او دينهم او حتى اسمائهم الخ. وبالتالي فلا هم فرنسيون حقيقة ولا هم عرب حقيقة. انهم بين بين او قل انهم لا شيء على الاطلاق! لقد ضاعت هويتهم، او قل انهم ولدوا بدون هوية، فلا هم يستطيعون العودة الى بلاد ابائهم واجدادهم الذين هاجروا الى فرنسا في الخمسينات او الستينات وانجبوهم هنا. ولا هم يستطيعون البقاء في فرنسا بسبب اهمال الدولة لهم وكل انواع التمييز التي يتعرضون لها: سواء من حيث حرمانهم من العمل في معظم الاحيان، او حرمانهم من التربية والتعليم، او حتى من السكن اللائق والاستشفاء والتمتع ببقية الخدمات التي يتمتع بها الفرنسيون الاصليون، او حتى العرب المشارقة الاغنياء او الموسرون.

في الفصل الاول من الكتاب اعطى المؤلفان حق الكلام للعرب لكي يعبروا عن تذمرهم وغضبهم واحزانهم في فرنسا. ولذلك اتخذ العنوان المؤثر التالي: كلام عرب. وهنا نجد استجوابات للعديد من الشبان والشابات من اصل مهاجر. وهم من كل الاصناف والمستويات الاجتماعية وشكواهم مرة.

اما الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث عن الارث الكولونيالي لفرنسا، فهؤلاء الشباب ينتمون في اصولهم الى بلدان شمال افريقيا التي كانت مستعمرة من قبل فرنسا حتى الخمسينات او الستينات من القرن الماضي. او قل ان آباءهم ينتمون اليها، اما هم فلم يعرفوا الا فرنسا ولغتها. ولكنهم يذكّرون فرنسا بماضيها الاستعماري بمجرد وجودهم على ارضها..

اما الفصل الثالث من الكتاب فيتحدث عن العنصرية بصفتها نظاما ايديولوجيا متكاملا. وهو منتشر خصوصا في الاوساط اليمينية او بالاحرى اليمينية المتطرفة من الشعب الفرنسي. وكثيرا ما يعاني ابناء المهاجرين من النظرة العنصرية الاحتقارية سواء في الشارع، او في المدرسة، او في الاماكن العامة بشكل عام. ولكن لا ينبغي ان نفهم من ذلك ان كل الشعب الفرنسي عنصري! فهذه صورة مغلوطة عن فرنسا وغير صحيحة على الاطلاق. وربما كان المجتمع الفرنسي ـ عموما ـ من اكثر المجتمعات انفتاحا على الشعوب الاخرى. ولكن شريحة اليمين المتطرف التي تشكل حوالي العشرين بالمائة من هذا الشعب لا تحب الاجانب ويمكن وصفها بالعنصرية.

اما في الفصل الرابع من الكتاب فيتحدث المؤلفان عن كيفية اصلاح الاسلام. فمن الواضح ان هناك اقلية متزمتة داخل الجالية. وهي تفهم الدين بطريقة قديمة، متعصبة، مضادة للحداثة الفرنسية والمجتمع العلماني المتطور. ولكن الاكثرية ليست كذلك. ويرى الكتاب ان وسائل الاعلام والطبقة السياسية الفرنسية، ضخمت من مشكلة الحجاب لكي تغطي على السبب الحقيقي للامتعاض الذي يشعر به العرب في فرنسا، وهذا السبب هو اقتصادي بالدرجة الاولى وليس دينيا أبداً، فالفقر الذي تعاني منه احياء المهاجرين هو سبب الامتعاض والشكوى والألم وربما الحقد على فرنسا والفرنسيين. وهو حقد ينفجر الآن على هيئة انتفاضة متمردة تحرق الاخضر واليابس في طريقها. ولا ريب في انه تندس فيها بعض العصابات من الزعران وتجار المخدرات. ولكن الانتفاضة ككل ليست كذلك. وانما تعبر عن مشكلة عميقة وحقيقية، مشكلة ينبغي ان تأخذها السلطات الفرنسية بعين الاعتبار اذا ما ارادت حلها بشكل جذري.

ففرنسا بلد حضاري كبير.. انها بلد الثورة الفرنسية التي بلورت لأول مرة في التاريخ قيم الحداثة السياسية وقدمت للعالم الاعلان الشهير لحقوق الانسان والمواطن. وبالتالي فلا يليق بها ان تعامل هؤلاء المهاجرين (الذين اصبحوا الآن يعدون بالملايين) وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية او الثالثة ولو انها انتبهت الى مشاكلهم الحارقة وحاولت حلها لما حصلت كل هذه الانتفاضة الاخيرة التي سببت الكثير من الاضرار المادية والمعنوية وأساءت الى سمعة فرنسا في الخارج.

اما فيما يخص اصلاح الاسلام فيعطي المؤلفان حق الكلام لبعض الشخصيات من امثال محمد اركون ومفتي مرسيليا صهيب بن شيخ، وآخرين. وكلهم يدعون الى تفسير عقلاني منفتح لرسالة القرآن والاسلام. وفرنسا بلد مناسب لبلورة مثل هذا التأويل لانها كانت منارة التنوير بالنسبة لاوروبا المسيحية يوما ما، ولا تزال بشكل من الاشكال.

اما الفصل الخامس من الكتاب فيتحدث عن تنافس الاحزاب السياسية الفرنسية على اصوات العرب، اي المغتربين المغاربة، اثناء الانتخابات التشريعية او الرئاسية، فالكثير من هؤلاء المهاجرين اصبحوا يحملون الجنسية الفرنسية ويشكلون بالتالي قوة انتخابية يحسب لها الحساب، وربما كان عدد المتجنسين يتجاوز الثلاثة ملايين نسمة من اصل خمسة ملايين عربي مقيم في بلاد السين. ولذلك فان احزاب اليمين واحزاب اليسار تتنافس على كسب ودهم. ولكنها في ذات الوقت لا تفعل شيئا يذكر لتحسين اوضاعهم المعيشية.

واما القسم السادس من الكتاب فيتحدث عن موضوع نادرا ان يخطر على بال أحد: الا وهو تأثير الفضائيات العربية على عرب فرنسا! فنحن نعيش في عصر العولمة ويكفي ان تضغط على الزر في شقتك الباريسية لكي تنفتح امامك كل تلفزيونات العالم. أكتب هذه الكلمات وانا اتنقل بين فضائية العربية وفضائية الجزيرة على التوالي.. هل نعلم بأن عدد الذين يشاهدون هاتين الفضائيتين الكبيرتين يحاذي المليون شخص في فرنسا يوميا! وهو في حالة تزايد لا تناقص..

وبالتالي فان المسؤولين الفرنسيين اخذوا يحسبون الحساب لهذه الفضائيات التي تؤثر كثيرا على وعي جالياتهم المهاجرة. يقول المؤلفان هنا بالحرف الواحد: «منذ ضربة 11 سبتمبر 2001 اصبحت وسائل الاعلام العربية تثير الاهتمام والقلق في الولايات المتحدة وأوروبا. فالاجماع الغربي الاوروبي ـ الاميركي يعتبر هذه الفضائيات متدنية المستوى او متخلفة فكريا وثقافيا وسياسيا بالقياس الى الحضارة الغربية ومعاييرها». بمعنى آخر فان المسؤولين الاميركان والاوروبيين يخشون من التأثير السلبي لهذه الفضائيات على الجاليات العربية المقيمة على اراضيهم. ويخشون بالدرجة الاولى البرامج المتعصبة او الكارهة للآخر الذي لا ينتمي الى عالم العرب والاسلام. ولهذا السبب مثلا منعوا بث قناة «المنار» التابعة لحزب الله بعد ان اتهموها ببث برامج معادية لليهود بشكل مسبق. نقول ذلك على الرغم من رفض القناة لهذا الاتهام..

وفي ختام الكتاب يجري المؤلفان مقابلة شيقة ومهمة مع السيدة ليلى شهيد، مندوبة فلسطين في فرنسا. وهنا تقول هذا الكلام الاساسي الذي يجهله الكثيرون: «ما يدعونه في وسائل الاعلام (بمسلمي فرنسا) شيء غير موجود! المهاجرون يعتبرون انفسهم فرنسيين من اصل عربي او مغاربي، ليس الا، واغلبيتهم لا تمارس الطقوس والشعائر الدينية على عكس ما يشاع عنهم..

والاسلام بالنسبة لهم يشكل بالدرجة الاولى جزءا من ثقافتهم وهويتهم: انه دين آبائهم الذين هاجروا الى فرنسا قبل اربعين او خمسين سنة. وهم لا يريدون اطلاقا تشكيل «جمهورية اسلامية» في فرنسا كما تهول وسائل الاعلام والمغرضون!! على العكس انهم يريدون ان يندمجوا في المجتمع: اي ان يصبحوا مواطنين فرنسيين بشكل كامل، لا اكثر ولا اقل. ولكن الدولة حتى الآن ترفض ان تعطيهم هذا الحق.. انها ترفض ان تنظر اليهم كفرنسيين حقيقيين. ولذلك فهي تحشرهم في ضواحي معينة واحياء بائسة «وغيتوهات» مغلقة على ذاتها بحجة انهم غير قابلين للاندماج بسبب اصلهم العربي او الاسلامي!.. ولكن هذه حجة واهية لا اساس لها من الصحة. ربما كانت تنطبق على اقلية متشددة. ولكن ليس على الاغلبية. فالاغلبية مسالمة ولا تطلب الا الحياة الكريمة».

انتهى كلام ليلى شهيد الذي نقلته عنها ببعض التصرف والشرح الاضافي. مهما يكن من امر فان هذا الكتاب يعطي فكرة عامة عن هموم عرب فرنسا ومشاكلهم وكل ذلك بأسلوب صحافي سلس وممتع وغير ممل على الاطلاق. ومن يريد ان يعرف سبب انتفاضتهم الحالية ينبغي ان يطلع عليه..

ضيق عيش العرب في فرنسا

المؤلفان: دومينيك فيدال وكريم بورتيل

دار النشر: اغون ـ باريس، 2005