كشمش افندي
03-23-2026, 12:14 PM
https://pbs.twimg.com/media/HECOjfQW4AAxUj_?format=jpg&name=900x900
وداع رمضان.. وأحزان فاطر
عبدالله بشارة - القبس
عمري الآن ثماني وثمانون سنة، توقفت عن الصيام من سنتين بناء على توصيات طبية بأن الصوم لا يتلاءم، ليس بسبب العمر، وإنما لمسببات لا تتحمل أثقال الصوم، ولهذا توقفت عن الصيام وفقدت بهجة الصيام، كما راحت عني خطوط البهجة المرافقة للصيام، وجاءت وحشة الجسارة في تحدّي شهر الصيام والعبادة مع استذواق الطعام في منتصف النهار بالانتماء الى قوافل الفطار، ومعظمهم من العصاة الجهلة المستثقلين لمعاني الصيام.
وبكل وضوح ابتعدت عني حقيقة الوهج، الذي يصاحب الصيام، والتي تذوقتها في سنوات الصيام، وخرجت من بيئة الصيام، حاملاً أثقال الحزن لفقدان سحرها وتحصينها للصائم، وأعرف حجم الوهج الذي يصاحب حياة الصائم، وندمت كثيراً على حالة الهجر التي تسبب في وجودها عجزي عن الصوم. وإذا ضاعت مني البهجة التي ترافق كل صائم، فقد شعرت بأنني خرجت من عالم الرضا الى موقع الأحزان، التي تتراكم في مجتمع العاصين، الذين ينتشون بعصيانهم لطاعة الله.
والحقيقة أنني اخترت الكتابة عن هذه الحالة التي أخذتني الى حالة ما يمكن أن نسميها «أحزان الفاطر»، وتعبّر عن عجز المسلم عن الصوم لمسببات كثيرة فيها استحالة التوافق بين شروط عمله ومتطلبات الصيام. عشت قبل هذا الواقع، عندما كنت مندوباً للكويت في الأمم المتحدة، حيث تستمر أعمال المنظمة واجتماعات اللجان ولقاءات مجلس الأمن بلا توقف، وليس من السهل التجاوب مع شروط العمل في الأمم المتحدة مع إملاءات شهر رمضان، فكنا نقضي أيام الصوم وفق قدرة كل شخص على التماثل مع واقع الشهر، وكانت الأغلبية من الدول الإسلامية تلتزم مواعيد العمل، مع مرونة تراعي ظروف كل شخص.
وبصراحة لم أستطع خلال عملي في الأمم المتحدة أن استجيب لمتطلبات الصوم مع مقتضيات العمل، فكانت الفتوى، التي نلتزم بها السعي الحثيث للوفاء لشروط رمضان، مع الوفاء لواجبات العمل. وهكذا كانت ظروف العمل في مدينة نيويورك وفق ما يتلاءم مع مستلزمات الصيام، وخلاصة السعي لمراعاة التوافق بين حقوق الدين وواجب المسؤولية. خرجت من نيويورك عام 1981، متوجهاً الى الرياض للعمل كأمين عام لمجلس التعاون، كانت فترة استمرت اثنتي عشرة سنة، عدت بعدها الى الكويت ومنها الى التقاعد.
وحافظت على الاستمرار في الصوم الى أن وصل عمري الى 85 سنة، وبعدها تحولت المتعة الى مراعاة حقوق العمر، ومن أبرزها الالتزام بواقع العمر، ومراعاة حقوقه، وتجنّب ما يثقله، والابتعاد عن إرضاء الشهية البشرية في التنقل والعمل وأسلوب المعيشة المعتدل، ورفض ما يثقل العمر ويجهده.
ومن المستجدات في الحرص على السلامة، واتباع نصائح الأطباء والمتخصصين، توقفي عن الصوم، جاء من هذه النصيحة الطبية، وعمري 86 سنة، وتوقفت من ذلك التاريخ عما يجهد وما يتطلب من تنقل، مع التواضع في متعة الطعام والأسفار والسهر والتوجه للانضباط في أسلوب الحياة.
وتأتي تساؤلات عن الكيفية، التي تقضي فيها وقتك، وهذا سؤال جوهري في عمر الإنسان، ويكشف مدى الحرص على توظيف الوقت للاستفادة، واتساع ساحة المعرفة عبر القراءة، فالعلم لا يتطوع، وإنما يفرض شروطاً، وأهمها ضرورات القراءة، فلا يوجد في الحياة شيء اسمه هدايا، فهناك جهد وبحث وملاحقة وأولوية وسهر الليالي، وهي الطريق المناسب للوصول الى المعرفة، ومن فضائل التكنولوجيا الآن تقديمها تسهيلات للوصول الى مواقع المعرفة، وتتواجد في الكتب والأبحاث ومؤلفات كثيرة تشرح حياة العباقرة في هذه الحياة، وفيها تنوع في المادة، وفي الثقافات، وفي التواصل مع مختلف الشعوب، فما كان مستحيلاً الوصول إليه سابقاً توفر الآن، وفي مطبوعات فيها إغراء شديد نحو القراءة، كما أن التكنولوجيا تجاوزت الجغرافيا، واستحضرت مخزون المعرفة لكل دار، ولكل من يتطلع إلى المزيد من العلم والثقافة، ولم يعد السفر والتنقل ضروريين للوصول الى العلم والمعرفة، فكلها وضعت في آليات سهلة التملك، وفي متناول كل بلد وكل شخص.
وأشعر شخصياً بضرورة التواصل في القراءة، لأن الحجم المتوفر يتحدّى قدرة الإنسان ويتطلب تنظيم حياة كل فرد، يعمل أو متقاعد، للانسجام مع واقع الحياة التي اتسعت في سخائها وفي حجم المخزون فيها.
وبعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، لابد لي أن أقول وبوضوح إن تطورات التكنولوجيا استحضرت جميع صناديق العلم والمعرفة الى غرفة نوم، من يريد الاستفادة منها، ومن دون مقابل، سوى التمنيات بالاستفادة الحقيقية منها. ومن المؤكد أن الجيل القادم سيكون أوفر حظاً من جيلنا الحالي في تسخير العلم والمعرفة لمصلحة الإنسان، فقد تحولت لخدمته في كل مسارات الحياة. ومع المستقبل تبرز المزيد من أسرار الحياة، ويضعف الغموض الذي يغطي محتوياتها، ومن دون ضجة سيقف الإنسان على أدق محتوياتها، وكل ذلك يتم بالتدرج، ويأتي من اكتشافات الإنسان العلمية في ملاحقته للمزيد من المعرفة.
أعود الى شعوري الكثيف حول أحزان الفاطر، وهي حالة عشتها في رمضان لإحساسي بفقدان وهج الصوم، بما فيه حوارات الصائم الهادئة مع الخالق العظيم.
عبدالله بشارة
https://alqabas.com/article/5961697 :إقرأ المزيد
وداع رمضان.. وأحزان فاطر
عبدالله بشارة - القبس
عمري الآن ثماني وثمانون سنة، توقفت عن الصيام من سنتين بناء على توصيات طبية بأن الصوم لا يتلاءم، ليس بسبب العمر، وإنما لمسببات لا تتحمل أثقال الصوم، ولهذا توقفت عن الصيام وفقدت بهجة الصيام، كما راحت عني خطوط البهجة المرافقة للصيام، وجاءت وحشة الجسارة في تحدّي شهر الصيام والعبادة مع استذواق الطعام في منتصف النهار بالانتماء الى قوافل الفطار، ومعظمهم من العصاة الجهلة المستثقلين لمعاني الصيام.
وبكل وضوح ابتعدت عني حقيقة الوهج، الذي يصاحب الصيام، والتي تذوقتها في سنوات الصيام، وخرجت من بيئة الصيام، حاملاً أثقال الحزن لفقدان سحرها وتحصينها للصائم، وأعرف حجم الوهج الذي يصاحب حياة الصائم، وندمت كثيراً على حالة الهجر التي تسبب في وجودها عجزي عن الصوم. وإذا ضاعت مني البهجة التي ترافق كل صائم، فقد شعرت بأنني خرجت من عالم الرضا الى موقع الأحزان، التي تتراكم في مجتمع العاصين، الذين ينتشون بعصيانهم لطاعة الله.
والحقيقة أنني اخترت الكتابة عن هذه الحالة التي أخذتني الى حالة ما يمكن أن نسميها «أحزان الفاطر»، وتعبّر عن عجز المسلم عن الصوم لمسببات كثيرة فيها استحالة التوافق بين شروط عمله ومتطلبات الصيام. عشت قبل هذا الواقع، عندما كنت مندوباً للكويت في الأمم المتحدة، حيث تستمر أعمال المنظمة واجتماعات اللجان ولقاءات مجلس الأمن بلا توقف، وليس من السهل التجاوب مع شروط العمل في الأمم المتحدة مع إملاءات شهر رمضان، فكنا نقضي أيام الصوم وفق قدرة كل شخص على التماثل مع واقع الشهر، وكانت الأغلبية من الدول الإسلامية تلتزم مواعيد العمل، مع مرونة تراعي ظروف كل شخص.
وبصراحة لم أستطع خلال عملي في الأمم المتحدة أن استجيب لمتطلبات الصوم مع مقتضيات العمل، فكانت الفتوى، التي نلتزم بها السعي الحثيث للوفاء لشروط رمضان، مع الوفاء لواجبات العمل. وهكذا كانت ظروف العمل في مدينة نيويورك وفق ما يتلاءم مع مستلزمات الصيام، وخلاصة السعي لمراعاة التوافق بين حقوق الدين وواجب المسؤولية. خرجت من نيويورك عام 1981، متوجهاً الى الرياض للعمل كأمين عام لمجلس التعاون، كانت فترة استمرت اثنتي عشرة سنة، عدت بعدها الى الكويت ومنها الى التقاعد.
وحافظت على الاستمرار في الصوم الى أن وصل عمري الى 85 سنة، وبعدها تحولت المتعة الى مراعاة حقوق العمر، ومن أبرزها الالتزام بواقع العمر، ومراعاة حقوقه، وتجنّب ما يثقله، والابتعاد عن إرضاء الشهية البشرية في التنقل والعمل وأسلوب المعيشة المعتدل، ورفض ما يثقل العمر ويجهده.
ومن المستجدات في الحرص على السلامة، واتباع نصائح الأطباء والمتخصصين، توقفي عن الصوم، جاء من هذه النصيحة الطبية، وعمري 86 سنة، وتوقفت من ذلك التاريخ عما يجهد وما يتطلب من تنقل، مع التواضع في متعة الطعام والأسفار والسهر والتوجه للانضباط في أسلوب الحياة.
وتأتي تساؤلات عن الكيفية، التي تقضي فيها وقتك، وهذا سؤال جوهري في عمر الإنسان، ويكشف مدى الحرص على توظيف الوقت للاستفادة، واتساع ساحة المعرفة عبر القراءة، فالعلم لا يتطوع، وإنما يفرض شروطاً، وأهمها ضرورات القراءة، فلا يوجد في الحياة شيء اسمه هدايا، فهناك جهد وبحث وملاحقة وأولوية وسهر الليالي، وهي الطريق المناسب للوصول الى المعرفة، ومن فضائل التكنولوجيا الآن تقديمها تسهيلات للوصول الى مواقع المعرفة، وتتواجد في الكتب والأبحاث ومؤلفات كثيرة تشرح حياة العباقرة في هذه الحياة، وفيها تنوع في المادة، وفي الثقافات، وفي التواصل مع مختلف الشعوب، فما كان مستحيلاً الوصول إليه سابقاً توفر الآن، وفي مطبوعات فيها إغراء شديد نحو القراءة، كما أن التكنولوجيا تجاوزت الجغرافيا، واستحضرت مخزون المعرفة لكل دار، ولكل من يتطلع إلى المزيد من العلم والثقافة، ولم يعد السفر والتنقل ضروريين للوصول الى العلم والمعرفة، فكلها وضعت في آليات سهلة التملك، وفي متناول كل بلد وكل شخص.
وأشعر شخصياً بضرورة التواصل في القراءة، لأن الحجم المتوفر يتحدّى قدرة الإنسان ويتطلب تنظيم حياة كل فرد، يعمل أو متقاعد، للانسجام مع واقع الحياة التي اتسعت في سخائها وفي حجم المخزون فيها.
وبعد أن ودعنا شهر رمضان المبارك، لابد لي أن أقول وبوضوح إن تطورات التكنولوجيا استحضرت جميع صناديق العلم والمعرفة الى غرفة نوم، من يريد الاستفادة منها، ومن دون مقابل، سوى التمنيات بالاستفادة الحقيقية منها. ومن المؤكد أن الجيل القادم سيكون أوفر حظاً من جيلنا الحالي في تسخير العلم والمعرفة لمصلحة الإنسان، فقد تحولت لخدمته في كل مسارات الحياة. ومع المستقبل تبرز المزيد من أسرار الحياة، ويضعف الغموض الذي يغطي محتوياتها، ومن دون ضجة سيقف الإنسان على أدق محتوياتها، وكل ذلك يتم بالتدرج، ويأتي من اكتشافات الإنسان العلمية في ملاحقته للمزيد من المعرفة.
أعود الى شعوري الكثيف حول أحزان الفاطر، وهي حالة عشتها في رمضان لإحساسي بفقدان وهج الصوم، بما فيه حوارات الصائم الهادئة مع الخالق العظيم.
عبدالله بشارة
https://alqabas.com/article/5961697 :إقرأ المزيد