المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف كانت كربلاء عندما مر بها أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى صفّين؟



jameela
01-01-2026, 09:34 PM
https://ar.shafaqna.com/wp-content/uploads/2025/12/%D9%83%D8%B1%D8%A8%D9%84%D8%A7%D8%A1-2.jpg






قبل واقعة الطف بأربعة وعشرين عامًا، كانت كربلاء حاضرة في ذاكرة التاريخ، لا كمدينة عامرة، بل كبقعة صامتة تختزن في ترابها نبوءة الألم القادم. ففي عام 36 للهجرة، وبينما كانت الأمة الإسلامية على أعتاب واحدة من أعقد مراحلها السياسية والعسكرية، مرّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بهذه الأرض ونزل بها ردحًا من الزمن، وهو في طريقه من الكوفة إلى صفّين.

وتشير موسوعة كربلاء الحضارية الصادرة عن مركز كربلاء للدراسات والبحوث إلى أن ذكر كربلاء عاد ليؤدي دورًا مؤثرًا على مسرح التاريخ بعد أربعة وعشرين عامًا من فتحها، حين أبصرها الإمام علي (عليه السلام) بعين القائد وبصيرة العارف، فشاهد معالمها الدارسة وآثارها الخاوية، وما يحيط بها من كرب وبلاء، لتستحضر في نفسه العظيمة مشاهد الرزايا الآتية، وكأن الأرض كانت تهمس له بما سيجري على ثراها في مستقبل قريب.

وجاء مرور الإمام بكربلاء ضمن حملة عسكرية كبرى، إذ كان متوجهًا إلى الشام لمواجهة معاوية بن أبي سفيان الذي شق عصا الطاعة ورفض الانقياد لإمام زمانه، بعد انتقال الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) إثر مقتل عثمان بن عفان. وكان معاوية قد تولى ولاية الشام منذ عهد أبي بكر، إلا أنه تمرّد على السلطة الشرعية عندما خرج الحكم من يد الأمويين.

وانطلق الإمام من الكوفة على رأس جيش قوامه نحو خمسين ألف مقاتل، متجهًا شمالًا باتجاه الشام، فعبر الجزيرة الفراتية وقطع نهر الفرات، حتى اقترب من مدينة الرقة، حيث كانت الأرض تمهّد لمعركة ستغيّر مسار الصراع السياسي في الدولة الإسلامية.

وفي سهل صفّين غرب الرقة، التقى الجيشان، وبدأت المناوشات بين الطلائع، قبل أن يتوقف القتال مؤقتًا. ووجّه الإمام دعوة للبيعة، لكنها قوبلت بالرفض، لتدخل المعركة مرحلة طويلة من الاشتباكات استمرت قرابة شهر، وذلك في ذي الحجة سنة 36هـ (657م).

ومع حلول شهر محرم من سنة 37هـ، عُقدت هدنة قصيرة خُصصت للمفاوضات دون أن تفضي إلى نتيجة، لتُستأنف بعدها المعارك بضراوة أشد. وكادت الكفة أن تميل حسمًا لصالح جيش الإمام حين اندفع مالك الأشتر النخعي (رضوان الله عليه) مخترقًا صفوف جيش الشام حتى اقترب من مركز القيادة، قبل أن تنتهي المعركة برفع المصاحف وفرض التحكيم، في واحدة من أكثر محطات التاريخ الإسلامي إثارةً للجدل، والتي أسفرت عن خديعة سياسية ثبّتت أقدام معاوية في الحكم.

وفي خضم هذه الحملة المصيرية، نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) بكربلاء في أوائل شهر ذي القعدة من عام 36هـ مع خيله ورجاله.

ولم تكن كربلاء يومئذٍ بأحسن حالًا مما ستكون عليه لاحقًا في عام 61هـ عند قدوم الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ بدت أرضًا خالية، وديارًا منهدمة، وآثارًا بالية بلا سكان، تعلوها التلال والروابي، وتنتشر عند أطرافها نخيل متناثرة وأشجار قليلة على ضفاف الفرات المتدفق بمياهه.

وهكذا بدت كربلاء أرضًا صامتة في ظاهرها، صاخبة في قدرها، تستقبل خطى الإمام علي (عليه السلام) قبل عقود من احتضانها الدم الطاهر للإمام الحسين (عليه السلام)، لتؤكد أن هذه البقعة لم تكن يومًا عابرة في مسيرة التاريخ، بل كانت منذ ذلك الحين محطةً للوعي والابتلاء والرسالة.

*وكالة كربلاء الان