المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غوطة الشام الأنسب في العالم لزراعة المشمش



هاشم
10-28-2005, 10:11 AM
الباعة في الشام يطلقون على رمضان شهر قمر الدين

دمشق ـ جاسم عباس


دمشق، كانت ولاتزال ملهمة للشعراء والكتاب، حيث سطروا أجمل قصصهم وأشعارهم فيها، كما كانت الملاذ الحقيقي لكل من التجأ إليها، فهي مدينة الناس، التي أدت، وإلى الآن تؤدي دورها الحضاري، دون انقطاع منذ أكثر من خمسة آلاف سنة أو أكثر.

هذه دمشق اليوم كما كانت بالأمس، درة المشرق، وهي أقدم مدينة في العالم، أخبارها مستمرة، وأهلها لم يهجروها، وهي «إرم ذات العماد» ويقال بناها غلام ابراهيم الخليل وكان اسمه «دمشق»، وقيل أيضا ان بانيها هو «دمشق بن نمرود بن كنعان» وسميت كما قيل «دمشق بن إرم بن سام بن نوح».

وقيل ان هابيل وقابيل قد نزلا فيها ولايزال للأول قبر يتوافد عليه السياح.

وفي الحديث عن زراعتها لابد أن نتوقف عند (غوطة) الشام بأشجارها المثمرة المتنوعة خاصة المشمش والتوت والرمان والسفرجل، فيما المدينة هي بحد ذاتها مليئة بالورود والنباتات الزهرية.

التقينا المهندس الزراعي وصاحب مزارع المشمش وغيره أمثال محمد اسماعيل بقاعي قال: كل الخيرات المتوافرة في سوريا تجدها في أسواقها القديمة المزدانة بالمحلات التي تعد من معالم السياحة لاسيما «سوق الحميدية، مدحت باشا، السروجية، المناقلية، النحاسين، والحدادين».

واضاف: سوق البزورية مختص ببيع البهارات والمكسرات، والسكاكر، وقمر الدين الذي يتنافس عليه محبوه، لم تجد أي مسوق في هذا السوق إلا ومعه هذه الفاكهة المجففة أو المصنوعة على شكل صفائح تبدو جذابة كالذهب البراق.

وإذا انتقلت الى مطاعم دمشق فتجد طيب الأكل والشراب، ولم تزل مطاعمها محافظة على أصالتها فمائدتهم لا تخلو من قمر الدين شرابا أو أكلا، وخاصة في الأرياف وفوق الجبال.

وقال: في جولة على الحدائق السورية تجد أشجار المشمش باسقة، فيماالأيدي الناعمة تقطف من ثمارها، خاصة وادي بردى المزدان بهذه الأشجار فهذه الفاكهة مرتبطة بالسوري زراعة وأكلا وشرابا، والسوريون يذكرون دائما جمال المشمش خلال متعة النفس وراحتها.

أصل المشمش ينحدر من جنوب شرق الصين ثم انتقل الى روسيا وايطاليا والشرق الأوسط قبل الميلاد، أما في اميركا فعرف قبل 250 سنة في ولايات فرجينيا وفلوريدا، انها شجرة معمرة يمتد عمرها الى 90 سنة من الحياة والانتاج، ويبلغ ارتفاعها ما بين 7 ـ 11 مترا.


أنواع المشمش
وتابع بقاعي: مشمش الكلابي أفضل الأنواع لعمل قمر الدين وبخاصة النوع ذو البذور (المرة)، واذا تغير لونه إلى غامق فهذا ليس من الكلابي، ونوع آخر يعرف باسم «المائدة» أي يؤكل على المائدة مع بقية الفواكه، ونوع يسمى بلسم او بسبوسة الذي ينضج في شهر مايو ويسمى ايضا «المبكر»، ونوع آخر هو الوزري، والتدمري طيب المذاق ويصدر لأنه لا يتلف بسرعة، وشكر بكر، وشكر بار ايضا من الأنواع الجيدة، وكذلك العجمي المشهور.


الطوق الأخضر
وقال أن اشهر المزارع التي تنتج فيها أشجار المشمش فاكهتها هي مزارع الغوطة التي تسمى الطوق الأخضر لكثرة اشجار المشمش والتوت والخوخ والدراق فيها.. الخ، لأن أرضها مرتفعة عن سطح البحر 700 متر، وهذا الارتفاع هو المناسب لزراعة هذه الفاكهة على ان تكون الارض متوسطة لا يابسة ولا ترابية، والغوطة هي أنسب ارض في العالم لزراعة المشمش، حيث تنتج شجرة هذا النوع من الفاكهة على مدى 3 سنوات الى 90 سنة تدريجيا من 10 كيلوغرام الى 300 وأحيانا 500 كغم، ويقوم المزارعون بترك فاصلة بين شجرة وأخرى بمسافة 10 أمتار، وثمرتها قصيرة العمر، تؤكل خلال 24 ساعة قبل ان تتلف وكما أن النوع الذي يصنع منه قمر الدين هو الناضج لاسيما المتساقط على الأرض.


المشمش في القديم
وقال بقاعي: حديثي عن المشمش هو امتداد او تكملة أو بداية لقمر الدين، وقديما في دمشق كان يعرف باسم «اللقيس» وقد ذكره أحد الشعراء بقوله:

إن لقَّيس جلّقٍ

واهنُ العَظمْ والقُوى

لم يُكلِّفْكَ كسْرهُ

فالق الحبِّ والنَّوى

والمشمش كان نعته الفرنسيون بصفة سيئة حين اطلقوا عليه اسم «الفاكهة الملعونة» رغم لونه الجذاب، لكنهم بعد أن تعرفوا على خصائصه وفوائده، اصبح لديهم في طليعة الثمار التي يأكلونها.

وقال الشاعر ابن رشيق:

كأنما المشمشُ لما بدتْ

أشجارُهُ وهو بها يَلْتَهبْ

خُضُر قباب الملك حَفَّت بها

جَلاجُلٌ مصقولةٌ من ذهب

وقال عنه ابن سيناء: يسكّن العطش، وخذه من الأنيسون، ودهن نواه ينفع من البواسير.

ووصفه أيضا شيخ النباتيين ابن البيطار: شجرة تجانس الخوخ إلا أنها افضل منه، ثمرها يبعد بالنجر عن المعدة، ويبردها تبريدا شديدا.

ونصح «ابن جزلة» بأكل المشمش حين تكون المعدة فارغة، فيما أثبت الطب الحديث أنه سهل الهضم وفيه أهم العناصر المغذية والمنشطة لأجسام الأصحاء، وأثبت الطب الحديث ايضا انه يعطي قوة للبصر، وينصح الرياضي، وأصحاب الأعمال المرهقة، والنساء الحاملات بتناوله، فضلا عن استخراج نوع منه من الزيت يشبه زيت اللوز.


قمر الدين
والتقينا محمد سكر صاحب معمل قمر الدين الذي يعتبر من المعامل الثلاثة الكبيرة في سوريا من بين 150 معملا لهذا الصنف المرغوب.

قال: غوطة دمشق منحت قمر الدين زينة وجمالا وطعما، وعطرا فواحا، فشمسها هي التي أعطته هذه المواصفات.


التصنيع
وقال سكر: في المرحلة الأولى نبدأ بوضع المشمش في جهاز خاص لغسله، ومن ثم ينقل الى جزء آخر من الجهاز نفسه هو يقوم بفصل النوى عن الثمار، وبعد ذلك تقشيرها، مع المحافظة على القيمة الغذائية، ثم ينقل الى جهاز آخر لإزالة الألياف، بعد ذلك تنقل المادة الى غرفة التعقيم والتخمير لمدة ست ساعات بعد أن تضيف اليها الصودا وسكر الكلكوز ثم ينقل بالعربات الى نجاخات العصر، فإذا كانت الكمية قليلة استعملنا الآلة الصغيرة، ولكن غالبا ما نعمل على النجاخات الكبيرة، ومن ثم تعرض على دفات من الخشب لاضافة الزيت البلدي الطبيعي الخالص اليها وتعرض للشمس لمدة 4 أيام.


المنشر
وقال: المنشر عبارة عن ساحة كبيرة تقسم الى اربعة أقسام كل يوم نأخذ قمر الدين من قسم حتى لا يتوقف العمل، وكل دفة فيها 25 قطعة مليئة بالمادة التي تعرض للشمس، وهذه الطريقة قديمة جدا، ولكنها تعطي النكهة الطبيعية لقمر الدين.

وتحدث محمد عن الفرن التركي والأجهزة الحديثة التي تعوض عن النشر تحت شمس الغوطة، ولكنها فشلت ولم تفلح في المحافظة على الطعم الشهي.

وقال: المنشر نعرض فيه 500 طن في الموسم الواحد الذي يستمر من 60 حتى 70 يوما تقريبا، ثم نبدأ بمرحلة التحضير للموسم كله خاصة لشهر رمضان المبارك وفصل الشتاء، ونصدر 400 طن تقريبا الى جمهورية مصر، و100 طن بين الكويت والسعودية أما الإستهلاك المحلي فلا يزيد على 5 اطنان سنويا.


التجهيز
وأوضح سكر: بعد أن ينقل الى معمل التجهيز نبدأ بتحويل القطع الطويلة الى صغيرة لتزن الواحدة نصف كيلو غرام، ثم الى قسم الطي والتصفيف بعد أن تقطع أطرف قمر الدين، ثم تغلف القطع بعد الوزن للمرة الثانية للتأكد من صحته ببلاستيك معقم، بعد ذلك الى التغليف الثاني بورق السلوفان الخفيف مع وضع اسم المستورد والشركة التابعة له.

وقال: كل هذا يتم بأيادي فتيات أعمارهن دون العشرين يعملن خلال عطلة الصيف، ثم ننقله الى التعبئة بالصناديق الخشبية التي يزن الواحد منها 25 كيلوغراما اي 50 قطعة، وهذه الكمية تعتبر تقليدية وتراثية غير قابلة للنقص أو الزيادة، وأن الاوعية الخشبية ليست مرغوبة عند باعة قمر الدين خاصة عند التاجر المستورد المصري، وأضاف أن هذا العمل يتم بأيد سورية دون الاعتماد على الآلات الا بنسبة 10%، وقال: سبحان الله فاكهة المشمش الطيبة لا يرمى منها شيء فحتى بذورها تصدر الى ألمانيا لصنع الأدوية وبأسعار مرتفعة لله الحمد، ومنها أيضا تستخرج الزيوت.


شهر قمر الدين
تحدث محمد سكر عن الاستهلاك المحلي، مشيرا الى ان الإقبال على قمر الدين يزداد كثيرا خلال شهر رمضان بحيث ان باعته يطلقون على هذا الشهر اسم «شهر قمر الدين» بسبب زيادة الإقبال عليه في البيوت والمطاعم والمحلات في انحاء العالم العربي ولعل السوري هو أقل استهلاكا من غيره بينما المصري يعرف قيمته وخاصة قمر الدين في الغوطة الدمشقية، ويزداد الطلب عليه في رمضان إذا صادف في فصل الشتاء لأنه يقدم كشراب ويؤكل بعد اضافة النشا عليه، ومنهم من يأكله مع الخبز، ومعامل الفواكه المجففة تحشيه بالمكسرات لشهر رمضان ويمكن القول إن فاكهة المشمش مثل البلح يصنع منه الكثير وتشكيلات رائعة، أما بالنسبة لتغيير لون قمر الدين فهذا يتم في نوع آخر من الأنواغ غير مشمش (كلابي) وإذا ما انتهت صلاحيته.

وقال سكر: من خلال متابعاتنا لفوائد قمر الدين من المعاهد والأطباء المتخصصين عرفنا وبحكم عملنا أنه غني بفيتامين (أ) والسكر والاملاح المعدنية القلوية، وفيه حديد ونشا وبروتين، وهذا ما يجعله غذاء جيدا، ولانختلف عليه في انه منشط للدورة الدموية، وحيوية الجسم ويسهل الطبع، ويسكن العطش وهذا ما نريده خلال شهر رمضان.