المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إلى هيئة علماء المسلمين..... المشاريع الجهادية لن تبقي زرعا ولا ضرعا للعراق..!



على
09-21-2005, 07:30 AM
الشرق الأوسط


بعد التاسع من ابريل 2003 وجد علماء السُنَّة العراقيون أنفسهم بلا مرجعية: لا مفتي الديار العراقية، ولا وزارة أوقاف. وبدل الأذان الواحد أخذت «حي على خير العمل» تأخذ طريقها عبر الأثير. مشهد مفاجئ غير متوقع أن يكون دين الدولة الرسمي بمذهبين، وهي ذات المذهب الواحد منذ ولاية أبي يوسف (ت 182هـ): القضاء والإفتاء للرشيد، وقيل لوالده المهدي. وبطبيعة الحال كانت هناك انقطاعات قصيرة قياساً بعمر بغداد تصدر فيها التشيع. وإلى جانب رسمية المذهب السُنَّي الحنفي، الذي يستعاض عنه أحياناً بالشافعي، هناك المرجعية الشيعية غير الرسمية والمؤسسة على فكرة حق الإمامة.

وبعد مرور خمسة أيام فقط على سقوط البعث، وحل الرابط بين المذهب والدولة، أُعلن عن تأسيس هيئة علماء المسلمين، وأصبح الدكتور حارث الضاري رئيساً لها، وبانتخاب ديمقراطي حصل فيه الشيخ أحمد الطه على أكثر الأصوات، لكنه تنازل بعداً عن الأضواء. جمعت الهيئة كل نواحي العراق السُنَّية تقريباً: أحمد البيلساني من كردستان، وإبراهيم الحسان من البصرة، وإبراهيم النعمة من الموصل، وإبراهيم المدرس من بغداد. وتكون مجلس شورى الهيئة من مئة وثلاثين عضواً، منهم ثلاثة عشر عضواً في الأمانة العامة.

تدرج الشيخ حارث في التحصيل الديني، حتى نال شهادة الدكتوراه من الأزهر (1978) برسالته «الإمام الزُهري وأثره في السُنَّة»، ونشرت في كتاب (1985) قيم بالموصل. ورغم صدورها في ذلك الزمن إلا أنها جاءت خالية من عبارة إهداء أو تمجيد لصدام حسين. بينما فعلها رجال دين آخرون. وتولى الشيخ التدريس في كلية إعداد الأئمة، وجامعة بغداد، وعاش وعمل أستاذاً خارج العراق. كذلك دأب ولده مثنى، الناطق الرسمي باسم الهيئة، على الدرس الديني، وكانت رسالته للدكتوراه «الضوابط الأصولية للسياسة الشرعية». وهو باحث في الدراسات الإسلامية بجامعة بغداد. الأب والابن وشيوخ الهيئة الآخرون مؤهلون لجعلها مؤسسة قادرة على فعل دور من أجل خير السُنَّة والعراق، وخدمة شؤون الدين والدنيا. إذا علمنا أن رئيسها من أوائل المتضررين من الإرهاب بأخيه عضو الهيئة الشيخ ضامر، وبزملائه من أعضاء الهيئة.

وحسب رئيسها تضمنت مهام الهيئة: توعية الناس، والعمل على وحدة الصف العراقي. وهي إذ تتحدث باسم الشعب العراقي فمعنى هذا أنها لا تميز بين السُنَّة والشيعة أو بقية العراقيين. وما يذكر لها الصلات مع بقية المذاهب والأديان، ففي اجتماع لشيخها مع شيخ المندائيين ستار جبار حلو وقفت الهيئة ضد الاعتداء على هذه الطائفة المستضعفة بالمناطق الغربية.

مقابل ذلك لا تخلو الهيئة من تشدد حرف دورها إلى مواقف حملت للمناطق السُنَّية خاصة، والعراق عامة أضراراً فادحة، وفي مقدمتها مقاطعة الانتخابات. وللأسف يأتي اسم الشيخ حارث في مقدمة المتشددين، وكل الذين عرفوه لا يذكرون خلة له غير حدة الطبع والتشدد يجاريه فيها شيوخ آخرون من بينهم: عبد السلام الكبيسي وبشار فيضي. أدت غلبة التشدد إلى استقالة المعارضين لموقف الهيئة من العملية السياسية، ومعاملة الإرهاب على أنه مقاومة. وبالوقت الذي تدين فيه الهيئة، وتشجب أي اتصال للأحزاب والمؤسسات الشيعية بإيران سعت إلى تعميق صلاتها بالخارج تحت شعار دعم المقاومة. ويكفي إحباطاً لضحايا الإرهاب وجودها بشخص ناطقها الرسمي في مؤتمر لتنظيم قومي متشدد ببيروت، والصلة مع الجماعة الإسلامية ببيروت أيضاً.

تعلم الهيئة قبل غيرها، أن جلاء المحتل لا يُنال بتشجيع العمليات المسلحة، بقدر ما ينال بإنجاح العملية السياسية. وتعلم أيضاً أن وجود فضاء الحرية فرصة لا تعوض لتأكيد حضورها، ليس بين أهل السُنَّة فقط بل بين عموم العراقيين. ذلك لو سعت إلى المساهمة، فالزمن ليس زمن إفراغ إدارة البلاد من طالباني أو جعفري، بل زمن التعايش. وهنا يؤخذ عليها بيانها الموجه إلى الأزارقة، وكان ضد قتل الشيعة من خارج السلطة، وهي بادرة تحسب لها، لكن ما يحسب عليها هو التأجيج ضد مكافحة الإرهاب، والكل يعلم أن المتمترسين بتلعفر وغيرها من القصبات العراقية يحملون من الشر ما لا تحتمله الدنيا بأسرها.

جاء في بيانها (157) والمؤرخ في 15 سبتمبر (أيلول) الجاري: «إن من يرغب من سُنَّة العراق في المشاركة بالعملية السياسية استفتاءً وانتخاباً فهذا شأنه. والأسلوب الصحيح للتعامل معهم هو الحوار والتفاهم لبيان الواقع لهم وعدم الانخداع بظواهر الأمور. لا بالتهديد والوعيد لبعده عن الحكمة والتقدير الصحيح لمصلحة العراق والجهاد والمجاهدين. وكان الواجب على من جاء لنصرتهم ضد الاحتلال الأجنبي لبلدهم هو الاستشارة والتسديد لا القتل ومصادرة آراء الآخرين ... فإننا نذكّر بالله تعالى أبا مصعب الزرقاوي ـ من منطلق أن الدين النصيحة ـ أن يتراجع عن هذه التهديدات ويعتذر عنها، لأنها تسيء لصورة الجهاد وتعرقل نجاح المشروع الجهادي المقاوم في العراق».

أقول: ماذا يفهم من عبارة «المشروع الجهادي المقاوم في العراق» غير الاعتراف بشرعية أصحاب أبي مصعب الزرقاوي، وإباحة قتال الدولة! بينما تكمن مصلحة العراقيين والهيئة منهم برحيل هذه الجماعة. أولاً، انها جماعة غير عراقية، ومطلوبة بجرائم من قبل بلدانها، وهذا يقدم مبرراً أن تسعى جهات أخرى إلى جماعات من خارج الحدود مدافعة، ولنا أن نتخيل حال البلاد والعباد! وثانياً انها متورطة بقطع رؤوس العراقيين وإباحة مقدساتهم؟

لا ندري، ما هي ثقة الهيئة من أن انتصارات هذه الجماعة سيوفر لها أجواء أفضل، تصدر في ظلها بياناً تطالب فيه برأس الدولة نفسها من دون موانع. وأن تجعل من رفع العقوبة عن البعثيين همها، وكأن شيوخها لم يتذكروا شيخهم الحنفي عبد العزيز البدري، الذي حمل جثمانه من دائرة الأمن إلى مرقد الإمام أبي حنيفة، وفُتح التابوت ليرى المصلون حرق لحيته وتشويه وجهه من شدة التعذيب. فُعل ذلك به، لأنه جابه عودة البعثيين (1968) مستذكراً ماذا فعلوا في جولتهم الأولى (1963). وهل ستسعد الهيئة بعودة ذلك الزمن الأرقط مصحوباً في الجولة الثالثة بذباحين أزارقة؟ قلوبهم كالحجارة. «وان من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر». أما هؤلاء فلا.