المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقامات عراقية



فاطمي
09-15-2005, 10:53 AM
خالد حسين الشطي

يتداول البعض تحليلا عن خلفيات الإرهاب السني في العراق، ويستندون الى أخبار ومعلومات استخبارتية في دعم تحليلهم الذي لا تنقصه العقلانية ولا يحتاج الى كثير تعسف والتواء وتحايل، كما هي بقية التحليلات الخيالية التي تنطلق من نظرية المؤامرة، فهذا التحليل وإن كان من تلك الطائفة، فإنه يتمتع بمعطيات منطقية.

يذهب التحليل الى أن غزو العراق وتحريره من صدام كان قبل كل شيء، عملية أمنية وقائية ضد الشبكات الإرهابية التكفيرية والبعثية.. وأن صنع النموذج العراقي القدوة، والديموقراطية، وقطع دابر الفساد، والحرية، وما إلى ذلك من معالم مشروع الشرق الأوسط الجديد، كلها أمور جاءت في المرحلة التالية لذلك الأصل.

كانوا يريدون أن يخلقوا معركة في قلب الجبهة الاسلامية، بل خلف الخطوط وفي عمق البلاد الإسلامية، حيث لا قيمة للعباد، ولا أهمية للبلاد! تشغل الاسلاميين وتجتذب طاقاتهم البشرية والتمويلية بعيدا عن أوروبا وأميركا. فاصطنعوا هذه البؤرة، لتستنهض الخلايا النائمة في العراق، وتستقطب شقيقاتها في المنطقة بأسرها، وتدور رحى معركة استنزاف، لا يهم كم تمتد وتطول، بل المهم استمرارها والانشغال بها عن أي عملية في الغرب.

هكذا يتحول العراق الى فرن لإحراق النفايات، أو مطمر لدفنها والتخلّص منها.

ويقال أن نزاعا شديدا يبلغ حد الصراع بين السلطة العراقية الجديدة، والقوات الاميركية، يعود لخلفية هذا الأداء المدمر... اذ يشتكي العراقيون من عدم جدية الاميركيين في القضاء على الارهابيين، وتعمدهم الإبقاء على رؤوس جسور توجه خطابا خفيا ونداءً معنويا للمتطرفين: يوجب عليهم النصرة، ويستنهض الغيرة والحمية ويدغدغ فيهم مشاعر إمكان النصر، إذ مازال لهم إخوة يجاهدون هناك! ولوجستية تؤمن الإمكان العملي لاستقبال الارهابيين وتمكينهم من العمل والجهاد!

وبعد العراق وشيعة العراق المستهدف الأول من هؤلاء الحمقى.. يأتي دور السنة ليدفعوا الثمن في أغلى ما يكون!

وفي الدعاء: اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني.

إن الشيعي في العراق اليوم يخسر ابنه وأخاه قتلا فجيعا بحيث لا يعثر لهما على جنازة، ويخسر مسجده وحسينيته هدما وتدميرا، ويفتقد أمنه وأمانه، ويحرم من رزقه وأكل عيشه، ويعدم الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، ولا يملك للراحة سبيلا.. فيحتسب قتلاه عند الله شهداء يشفعون له يوم القيامة، ويصبر على بلواه وفقره وما ينزل به، فهو ابن بجدتها، وقد عركته ويلات صدام فتحصن وغدت مناعة لا ينال منها شيء، ثم يعيش الأمل بغد زاهر له، أو لأبنائه، فيأتي من يبني مسجده ويشيد حسينيته ويداوي جراحه.

ولكن السني العراقي مصابٌ في دينه!

فهذه الجرائم التي تجري في العراق اليوم هي التي ترسم شكل الاسلام السني في العراق، هي التي تعكس صورته، وهي الآلية الوحيدة التي تطرحه وتعرفه للمجتمعات، وتسجله للتاريخ والأجيال القادمة.

فالحدث الذي يكتبه هذا القدر الخرافي من الدماء العظيمة، ويسطره هذا الكم المهول من الدمار والتخريب، لا يمكن ان يمحى من التاريخ، ولا يمكن أن يقفز عليه قلم أجير أو تطمسه أيد عابثة.. والبشرية مازالت تذكر المغول والتتار بما تذكر، ولا تستثني مغوليا كان معارضا لهولاكو، أو رافضا لما يقوم به جنكيز خان، أو ينفض جيبه ويتبرأ مما يفعل تيمور لنك؟ فالأمم تسجل بعناوين أعمالها وتحت رايات قادتها وباسمائهم.

هكذا تحول التسنن في العراق من حضارة الفن والجمال، ومن إبداع القبب والمآذن والمقرنصات، والخط الكوفي الخالد، من المدرسة المستنصرية، من تصوف معروف الكرخي وزهد بشر الحافي وعرفان الجنيد ومرونة أبي حنيفة وسماحته، إلى دموية الزرقاوي وجلافة حارث الضاري وقسوة الحديدي.

لقد أصيب السنة في العراق في دينهم، وهي ظلامة لا يقاس بها شيء..

ونقول ظلامة لأننا نعلم أنهم ليسوا جميعا على تلك الشاكلة، وأن فيهم من يرفض الإرهاب، ويأبى التدمير لبلده ولإخوانه من المواطنين، ولكن ماذا عساه أن يفعل، فإذا كانت تصفية الشيعي تحتاج الى تخطيط ومؤونة وعملية انتحارية، فإن إعدام السني في الرمادي والموصل والفلوجة وتكريت وسامراء وبعض ضواحي بغداد لا يكلف التكفيريين إلا ثمن الطلقة النارية.

ماذا جرى وكيف، ومن الذي سمح ببروز هذه الصورة عن الإسلام السني في العراق؟ هل هي المؤامرة الاميركية التي استدرجت شذاذ الآفاق وجعلت من العراق بؤرة تستقطبهم لتقضي عليهم هناك، بدل أن تواجههم في نيويورك؟ لست أدري، ولكن الأمر يحتاج الى وقفة شجاعة ينسلخ فيها السني عن خوفه أولا، ثم لا يبقى في نفسه ذرة من عصبية وحمية جاهلية، وينطلق كما انطلق وتحرر مثال الألوسي.. لعل وعسى.

كنت أشاهد قناة فضائية عراقية، تعرض حلقة ذكر لمولد تنشد فيه مدائح النبي وآل بيته الطاهرين، وفي مضامين الاشعار التي كانت الفرقة السنية تترنم بها، مالا يقوله بعض الشيعة في مقامات اهل البيت ومحبتهم.. بالله هل هؤلاء نواصب يبيحون دماء الشيعة؟ هل يمكن أن يخرج من هؤلاء الذين يأخذهم الطرب وتستغرق بهم النشوة على ذكر الحبيب فيتمايلون من العشق والوجد، هل يخرج من بينهم إرهابي يتمضمض بالدماء ويفطر على أشلاء الموتى؟ كلا وألف كلا..

حقا إن السنة مظلومون في العراق؟ لقد سرقهم الزرقاوي، وفتنهم الإرهاب باسم الجهاد، وصدقوا ابن لادن والملا عمر، وفتحوا بلادهم لطرائد الأفغان.. وانصاعت الجموع ونهضت العصبية، ولم يبق للعقل محل.