المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يوجد عبد الله بن سبأ في العراق؟



على
09-08-2005, 05:12 PM
باتر محمد علي وردم

في التاريخ الإسلامي تعتبر الفتنة الكبرى التي قسمت العالم الإسلامي إلى السنة والشيعة هي الحدث الأكثر مأساوية وتأثيرا على مستقبل المسلمين، ولا يزال العديد من المؤرخين المسلمين يجد صعوبة أخلاقية وعلمية كبيرة في محاولة تفسير الكيفية التي حدث فيها هذا الانقسام الذي كان مبنيا على خلافات في شرعية الخلافة والسلطة أكثر من كونه خلافا عقائديا وفقهيا. ولكن بالنسبة للكثير من المسلمين فإن هناك جوابا بسيطا ومريحا يفسر الفتنة الكبرى وهو وجود عبد الله بن سبأ.

عبد الله بن سبأ شخصية غامضة في التاريخ الإسلامي، ويجادل بعض المؤرخين بأنها شخصية وهمية، ولكن بالنسبة للتاريخ الإسلامي التقليدي فإن هذه الشخصية هي السبب الرئيسي في الفتنة وهي التي ساهمت في إحداث سوء الفهم والخلاف بين المسلمين بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وهذا ما جعل المسلمين ينقسمون ويتحاربون حتى في ظل وجود شخصيات هامة من الصحابة في الطرفين. ومن أجل إضافة المزيد من الإثارة والحبكة على شخصية عبد الله بن سبأ فإن معظم المؤرخين الإسلاميين يؤكدون بأن هذا الشخص كان يهوديا يتظاهر بالإسلام ليساهم في تدمير بنية المجتمع الإسلامي وإحداث الفتنة.

بالنسبة لي كمسلم أحس بالكثير من الاستياء لمحاولة تفسير الفتنة الكبرى التي وقع بها عدد من أعظم الشخصيات الإسلامية في التاريخ وربطها برجل يهودي داهية، فهذا يعتبر إساءة إلى العقل الجماعي للمجتمع الإسلامي والذي وقع كله ضحية شخص واحد، وأجد راحة أكبر في البحث في الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية للفتنة حتى نتعلم دروسا من الماضي ولا يتم تكرار الأخطاء في المستقبل.

إن الاستكانة الذهنية للمسلمين في تفسير حادثة الفتنة تساهم في ترك المجال لتكرارها في القرن الحادي والعشرين، وما يحدث حاليا في العراق هو حالة مشابهة من الفتنة والانقسام الذي سيتأثر به كل العالم الإسلامي إذا لم يتدخل العقلاء لوضع حد للكراهية والحقد المتبادل بين فقهاء وقادة السنة والشيعة السياسيين، بدون وجود عبد الله بن سبأ هذه المرة لنتهمه بالفتنة والتفرقة بين المسلمين.

الانقسام الشيعي-السني في العراق بدأ يتجذر ويمتد إلى الدول الإسلامية المجاورة، وهو انقسام يحمل جذوره منذ فترة حكم صدام حسين وزادت حدته أثناء التحالف الذي أبداه القادة السياسيين للشيعة مع الإدارة الأميركية، والرد العنيف والإرهابي الذي حمله بعض الأصوليين من السنة ضد الشيعة، والرد المقابل من الشيعة بمحاولة تقسيم العراق فدراليا. إنها دائرة من الانقسام تتوسع تدريجيا لتشمل الجميع في ظل مناخ فقهي واجتماعي وديني يشجع على المزيد من الفرقة في المجتمعات الإسلامية.

علينا أن نفهم الأسباب الجذرية لهذا الانقسام الذي لا يتحمل وزره عبد الله بن سبأ هذه المرة، حتى ولو كان البعض يعتقد بأن بن سبأ الجديد يسكن في البيت الأبيض! أن الأسلوب الوحشي لحكم الرئيس صدام حسين واضطهاد الشيعة كان واضحا وبدون أي نقد أو رفض من العالم الإسلامي الذين لم يتحدث عن "تهميش" الشيعة أثناء حكم صدام، وهذا ما جعل القادة السياسيين للشيعة يتحالفون مع المخطط الأميركي لغزو العراق طموحا بالخروج من طغيان صدام والحصول على السلطة السياسية بطريقة الانتخابات بناء على هيمنة الأغلبية الشيعية في المجتمع العراقي.

هذا التحالف السياسي أثار رفض كل الدول الإسلامية وأعطى المجال للأصوليين من الفقهاء السنة والتنظيمات الإرهابية لشن حملات سياسية وعسكرية وإرهابية ضد المجتمع الشيعي في العراق بداية من قادته السياسيين (اغتيال محمد باقر الحكيم بعد أيام من سقوط نظام صدام) وامتداد ذلك إلى حملة كراهية منظمة ضد المواطنين الشيعة (الرافضة، حسب تعبير التنظيمات الأصولية السلفية) والذي ظهر في عمليات إرهابية وحشية ضد المدنيين الشيعة في الحلة وفي كراجات بغداد والعديد من المواقع التي تسهد تجمعات شيعية وغياب مرجعية سياسية سنية تساهم في العملية السياسية وترك القرار السياسي للسنة بيد التنظيمات الأصولية وبقايا البعثيين.

وكان رد الفعل المقابل هو تصفيات جسدية لقادة السنة وعمليات رد ضد المواطنين السنة في العراق وهي عمليات لا زالت محدودة ولكنها قابلة للتوسع بشكل مروع في حال تركت الأمور تخرج عن نطاق السيطرة خاصة مع اقتراب استحقاق الاستفتاء الدستوري الذي يهدد بتعميق الشرخ الاجتماعي والطائفي في العراق إلى مستوى الانقسام الفعلي.
ما يحدث في العراق يثير الذعر ويمهد لانقسام إسلامي لن يستفيد منه أحد إلا أعداء الإسلام، وفي هذه الحالة ومع عدم وجود تأثير للقادة العقلانيين فإنه لا مكان لتحميل المسؤولية لعبد الله بن سبأ لأن المسلمين أنفسهم من الطرفين للأسف قرروا المضي قدما في هذه الفتنة بحثا عن أهداف سياسية محدودة يتم تغذيتها بوابل من الفتاوى والبيانات الفقهية المتطرفة التي تكفر بعضها البعض، فمن يملك الجرأة والحكمة لايقاف هذا التدهور الذي يهدد وحدة المسلمين في كل العالم ويضعه بمعزل عن الخلافات السياسية المشروعة؟


* نقلا عن جريدة "الدستور" الأردنية