المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضل الله: يدعو إلى مبادرة وحدوية «تخرجنا من جحيم المذهبية المغلقة»



مرتاح
09-01-2005, 05:09 PM
التلاحم الإسلامي للخروج من المذهبية المغلقة


سئل العلامة المرجع، السيّد محمد حسين فضل الله، في ندوته الأسبوعية، حول انغماس الحركات الإسلامية بالأمور الداخلية والإقليمية؟

فأجاب: "ثمّة أمور نمت في أوساطنا ومجتمعاتنا الإسلامية، من خلال الأحداث والمسارات التاريخية التي فرضت نفسها على الواقع العربي والإسلامي، بحيث استطاعت أن تؤثّر في ذهنياتنا الفكرية والسياسية، وفي طريقة تصوّرنا للقضايا العامة في حركة الأمة، وبالتالي، في أسلوب العمل لدى الحركيين من الإسلاميين وغيرهم، مع أن الإسلام حرّك عنوان العدل على مستوى العالم، وأراد للمنتمين إليه أن يحملوا العناوين التي تهمّ البشرية كلها. ومن هذه الأمور، بروز الشخصية الإقليمية أو القطرية أو الوطنية، وطغيانها في حركة الأفراد والجماعات على حساب الشخصية الإسلامية أو العربية الجامعة، وتحكّمها في طريقة معالجتنا للملفّات العامة أو الخاصة، الأمر الذي أفضى في الغالب الأعم، إلى الاهتمام بالتفاصيل الداخلية وإيلائها الكثير من الاهتمام، على حساب الكليات أو القضايا العامة التي تتصل بحياة الأمّة ووجودها وقوّتها بعامة.

وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة، كيف أن الحركات أو الأحزاب الإسلامية انكمشت ـ في معظم تحركاتها ـ في الإطار الداخلي، لا على المستوى الوطني أو القطري فحسب، بل على مستوى العمل لحل مشاكلها الخاصة، وإن اصطدم هذا الحل بالمصلحة العامة للأمة أو للأحزاب والحركات الأخرى، وأضحى الأسلوب السياسي في العمل يعتمد على مقولة: فليقلّع كلٌ شوكه بأظافره، وليعمل كل فريق على حل مشاكله بنفسه. ونحن في الوقت الذي نعرف أن هذه المشكلة انطلقت في الأساس من ضغط الآخرين على الواقع الإسلامي والعربي، ومن محاصرة الاستكبار العالمي لهذه الحركات، إلا أننا لا نستطيع أن نبرى‏ء هذه الحركات من أنها وقعت في الفخّ المذهبي تارةً، وفي الأفخاخ السياسية التي نصبت لها هنا وهناك تارةً أخرى، وسلكت سبل الآخرين في تحقيق نجاحات سياسية موضعية على حساب الصورة العامة للإسلام، واعتمدت طرقاً غير إسلامية في التعامل مع الأوضاع والمعطيات السياسية في كثير من الأحيان، الأمر الذي سهّل على الجهات المعادية، اختراق الساحة الإسلامية والعربية باللعب على العناوين الخاصة والتناقضات المفتعلة.

لقد شدّد الإسلام في تعاليمه وأحكامه ومفاهيمه، وفي سيرة النبي الأكرم(ص) والأئمة الأطهار(ع) والصحابة الطيبين، على التلاحم داخل الجسم الإسلامي، وعلى اعتبار المسلمين بمثابة الجسد الواحد الذي تتداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر إذا اشتكى أي عضو من أعضائه، وعلى تقديم الشخصية الإسلامية العامة على أية شخصية أخرى، سواء كانت إقليمية أو قطرية أو حتى مذهبية، لأن الإحساس بحضور هذه الشخصية، يدفع بالأفراد والجماعات والحركات إلى تلمّس الأهداف الكبيرة، انطلاقاً من شعور كل هؤلاء بأهمية الانتماء إلى هذه الشخصية، والعمل وفق المقتضيات التي يفرضها هذا الانتماء. وهكذا عمل النبي الأكرم(ص) على صوغ المجتمع الإسلامي على أساس الوحدة التي تدفع كل شرائح هذا المجتمع إلى التفكير في أن ثمة مسؤولية تقع على عاتقهم تقتضيهم الاهتمام بأمور المسلمين، وأن الهروب منها يعني الخروج من الدائرة الإسلامية بشكل عملي، ولا يعني ذلك بأن يعمد المسلمون إلى إلغاء خصوصياتهم وانتماءاتهم الإقليمية أو الوطنية، ولكن ألا يفسحوا في المجال لهذه الخصوصيات أن تتحكم في ذهنيتهم في مسألة التفاعل مع القضايا الكبرى.

إن الواقع قد يفرض على الأحزاب والحركات الإسلامية أن تعمل للاستفادة من الخصائص الذاتية أو الظروف الموضوعية التي تتيحها هذه الساحة أو تلك، لتحريك الحلول الواقعية الإسلامية في المشاكل العامة أو الخاصة، وإن التجارب السياسية قد تدعم توجهاتها في الانفتاح على الآخرين، والاستفادة من أساليب العمل الإداري أو التقني لديهم، ولكن لا بدّ للعمل من أن يتحرك على أساس تحريك الخصوصيات في خدمة الخط الكبير، لأن الاستغراق في الجوانب الذاتية، غالباً ما يؤدي إلى تخدير المشكلة التي ما تلبث أن تعود من جديد، ولأن النجاح في موضع معين على أساس الابتعاد عن الخطوط الاستراتيجية العامة، سوف يؤدي إلى مشاكل أكبر على المستوى الأبعد، وإن أفضى إلى نجاحات جزئية في الحاضر...

إننا نلاحظ في هذه الأيام استغراقاً غير مبرّر لدى معظم الحركات الإسلامية في همومها المحلية، وإمعاناً في قراءة الأوضاع والأحداث السياسية من هذه الزاوية، وهذا ما جعل الأمور تدار على أساس ما هي المصلحة التي تجعل هذا الحزب أو هذه الحركة تكسب في هذا البلد موقعاً في السلطة، أو في ذاك مركزاً في البرلمان أو ما إلى ذلك، ومن ثم توجيه الهدف من خلال التنظير الخاص الذي يفرضه الانتماء إلى هذا الموقع السياسي أو ذاك. ومن هنا تبعثرت الأهداف، وتعثّرت الحركة، ودخلنا في كهوف الذاتيات، وأضعنا البوصلة في الاستراتيجية العامة للأمة.

إن واحدة من الأخطاء الكبرى التي ارتكبت، تتمثّل في التعامل مع القضايا الكبرى بروح المصلحة الذاتية، وقد انعكس ذلك على الجسم العام للأمة التي وضعت على مفترق طرق خطير، بين أطماع المحاور الدولية، وبخاصة الأمريكية، وبين الفتنة المذهبية التي بدأت تطل برأسها، وبدأت التعبئة الإعلامية الموجهة من الأعداء تشعل نيرانها، وبدأ الحديث عن عمالة هذا الطرف وخضوعه للاحتلال، وأصالة ذاك ومواجهته للطامعين والغازين وأعداء الأمة. إن الحديث عن التخوين والعمالة، يتحمل مسؤوليته في كثير من الأحيان، أولئك الذين ركزوا خطابهم على الأسس المذهبية حتى في القضايا التقليدية غير الثابتة، والذين عملوا على تثقيف الأجيال بالحساسيات الطائفية المغلقة، حتى أفسحوا في المجال للمحتل أن يطل برأسه من أكثر من شباك داخلي، بعدما تمّ إخراجه من الباب الرئيسي في أكثر من حالة حضارية على المستوى الجهادي، ولكن المسألة الجهادية، كانت بحاجة دائماً إلى رفد على مستوى البناء الفكري بالطريقة الوحدوية التي لطالما اصطدمت بجدار الذاتيات والأنانيات أو الفهم السطحي للدين أو المذهب وما إلى ذلك.

إننا بحاجة في هذه الأيام إلى مبادرات وحدوية غير عادية تعمل على تلمّس آليات واقعية متحركة، لإخراج الأمة من جحيم المذهبية المغلقة التي يتثقّف بها الناس يومياً، من خلال انفعالهم بالأحداث بطريقة موجهة وغير حكيمة، وعلى الحركات والأحزاب الإسلامية، أن تتنبّه لخطورة ما يجري، لتعمل على كل المستويات لإعادة تحريك العنوان الإسلامي في الأمور السياسية، بحيث يخرج هؤلاء من انغلاقهم على العنوان الداخلي على حساب العنوان العام، سواء كان ذلك في العراق أو في فلسطين أو لبنان أو في غير ذلك من المواقع. إن الساحة تنتظرنا بكل التحديات التي فرضتها أمريكا وإسرائيل علينا، وعلينا أن نتحرك على المستويات كافة، حتى نملأها وعياً وحركةً سياسية وجهادية هادفة، قبل أن تلتف علينا كل الطفيليات والأحقاد التي تعمل على إعادتنا إلى الجاهلية باسم الدين والتحرّر وما إلى ذلك".