المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثقافة القرابين البشرية



مقاتل
07-09-2003, 11:45 AM
خالص جلبي - الشرق الأوسط

مع اول لحظات تشكل الخلق الانساني سألت الملائكة عن جدوى هذا الخلق فلم يؤرقها (الكفر)، بل (القتل). «اتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء»؟ وكأن القتل هو الكفر مكثفا، لكن الجواب الإلهي انه رأى جانبا مختلفا لم يتحقق بعد «قال إني اعلم ما لا تعلمون»؟. فهذه المقدمة تختصر ثلاثة أشياء: ان القتل أم المسائل الإنسانية. وان افظع القتل قتل الانسان من اجل اختلاف وجهات النظر. وان هناك برمجة في الكون سوف تتمخض عن استبدال ثقافة القرابين البشرية بثقافة السلام.

والانسان اليوم يراوح بين تهمة الملائكة و(علم الله) فيه. فأما الاجرام فقد سجله التاريخ، لكن التوقعات الإلهية في الانسان شيء مختلف. وبقدر تخلص الثقافة من مؤشر القتل بقدر ارتفاع الانسان وتحقيق (علم الله) فيه.
وحب التدمير يحيي ظنون الملائكة القديمة عن كائن لا ينسجم مع السلام في الكون. وعندما يحدث شيء يوظف كل فريق الدين في صفه، مخضعا الحدث الكوني الى تفسيراته. ففي الأول من نوفمبر عام 1755 زلزلت الارض زلزالها في لشبونة عند 9.40 دقيقة صباحا في عيد «كل القديسين»، فلم تبق كنيسة ولا قديس. وخرّ تحت السقوف ثلاثون كنيسة وألف بيت وثلاثون الف قتيل وجريح. وفرح المسلمون في المغرب بالانتقام الإلهي من اعدائهم جماعة محاكم التفتيش، لكن الزلزال لم يوفر المسلمين وكمل طريقه الى الرباط.

وهلل البروتستانت ان الله اراهم عجائب خلقه في الكاثوليك اعداء الانسانية واعتبر القس (وليم روبرتون) في بريطانيا ان مذبحة لشبونة ابرزت عظمة الله في ابهى صورها للمؤمنين بالانتقام من الكاثوليك. لكن الزلزال لم يرحمهم، فبعد 18 يوما قتل من البروتستانت في مدينة بوسطن في اميركا بزلزال مشابه أكثر مما قتل من الكاثوليك في برشلونة.

وذهب البعض إلى ان الله عاقب البرتغاليين لفسوقهم، لكن اصحاب الحانات والمراقص في باريس استمروا في مجونهم دون ان يلمسهم الزلزال؟
واليوم يرى الفلسطينيون ان حل مشكلتهم هو بقتل اليهود سواء بضرب الرصاص او بتفجير انفسهم في حافلاتهم. كما يرى اليهود ان الله معهم ويرسل لهم من ينجز عملهم نيابة عنهم دليلا على حسن اخلاقهم وطاعتهم لرب العزة؟ كما فعلت اميركا مع العراق. وان (خريطة الطريق) الى فلسطين يجب رسمها كما كانت قبل ثلاثة آلاف عام. وهي حجة تتطلب ارجاع الاميركيين الى اوروبا، والاوروبيين الى شرق افريقيا، حيث خرج اجدادهم قبل 200 الف سنة مع الهوموسابينز، وبموجب هذه الحجة يجب تغيير خرائط العالم اجمعين وحشد جماهير لا عد لها في «ترانسفير» من بقعة الى اخرى في العالم مما يتطلب حربا كونية.

وعندما يفجر الفلسطينيون انفسهم يعتبرونه استشهادا في الوقت الذي يراه الصهاينة عملا ارهابيا. ومن قتل في الطرف المقابل من اهل النار؟
وفي بلد ثوري دعا مفتي الجمهورية الى حملة استشهادية بتفجير الناس انفسهم ضد الحملة الاميركية في العراق وانها شهادة في سبيل الله لا تقل عن استشهاد الصحابة في معركة مؤتة. ومات الكثيرون بموجب هذه الفتوى.

وعندما خرت الابراج دكا في نيويورك ساجدة على الارض اعتبرها بن لادن ذروة الجهاد في الوقت الذي اعتبرها بوش حربا جديدة يجب ان يكيل فيها الصاع صاعين، فدمر كهوف «تورا بورا» تدميرا واحال طالبان الى التقاعد، فسجلاتهم اليوم في ملفات التاريخ. وصعقت بغداد بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر ويل يومئذ للمكذبين.

والذي دفع الثمن في حادثة نيويورك ثلاثة آلاف من الابرياء لا ناقة لهم ولا جمل في القصة. فهذه هي جدلية التاريخ والفكر والانسان.
وكل حزب بما لديهم فرحون؟
وللحكم على جدوى اسلوب من فشله فهي نتيجته. وفي يوم حذر المسيح عليه السلام من الانبياء الكذبة الذين يأتون «في الخارج حملان، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة» فقال الحواريون: وكيف لنا معرفتهم؟ قال من ثمراتهم تعرفونهم؟ هل يجتنون من الشوك عنبا أم هل تنبت شجرة الحسك تينا؟ وعندما يختلف الاطباء في حالة مريض، هل تنفعه الادوية أم شق البطن فإن نتيجة العلاج هي التي تشهد على صحة التشخيص مهما زعق صاحبها لطريقته وتحمس؟

وعندما ماتت ريشل (راحيل) الاميركية وهي تدافع امام بيت فلسطيني تنوي الجرافات الاسرائيلية هدمه فماتت هرسا، هزت الضمير العالمي اكثر من كل قتلى جنين. وفي حرب لبنان قتل الكل الكل. لكن مذبحة صبرا وشاتيلا حركت المظاهرات في اسرائيل. ومقتل ألف اعزل لا يدافعون عن انفسهم هز الضمير اكثر من كل قتلى الحرب الاهلية اللبنانية.

وفي احدى الصحف استخدم كاتب ببراعة مصطلح (مؤسسة الثأر) ويقصد بها ان الحماس لقتل اليهود يجمع الناس مؤقتا، ولكنه ليس الحل.
وفي الحديث اعتبر القاتل والمقتول في النار بسبب انطلاق الاثنين من نفس الارضية النفسية «انه كان حريصا على قتل صاحبه» وهو تفكيك سيكولوجي في غاية الاهمية.

ونحن لم نستوعب حتى اللحظة صورة الاستشهاد ليس بقتل الآخرين، بل الاستعداد للموت من اجل فكرة بدون مد اليد بالقتل. ولكن من يطرح فكرا من هذا النوع يهرطق.
وفي سورة المائدة جاءت خمس آيات يقرأها المسلمون بعيون الموتى وكأنها لا تنتسب لثقافتهم «لئن بسطت الي يدك لتقتلني ما انا بباسط يدي اليك لأقتلك اني اخاف الله رب العالمين».

وعندما حذر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة من انقلابهم الى الكفر اعتبره القتل «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
ان مشكلة الدم انه يحرض الدم. والقتل يأتي بالقتل. والعنف دورة تزداد اتساعا وضراوة، مثل الشرر في غابة جافة في صيف قائظ تضربه رياح مجنونة. والعنف والحرب هما الصورة العملية للجنون.

وعندما درس المؤرخ البريطاني توينبي دورة الحروب في التاريخ اكتشف ان كل دورة كانت اشد ترويعا من التي قبلها. ولم يوقف الحرب الا العلم. ومن رحم العلم ولد السلم. وقنبلة هيروشيما لم تتكرر. فكان الحريق النووي بردا وسلاما على الجنس البشري. كما خرج ابراهيم من الاتون سليما. ومشروع الانترنت كان عسكريا للبنتاغون فأصبح الناس بنعمته اخوانا. واليوم يستنشق الناس من خلاله الحرية بأنفاس الكترونية.

وحرب العراق الاخيرة لم تكلف الضحايا اكثر من مقبرة واحدة من مقابر صدام. والقرآن تنبأ بأن مصير الحرب الى توقف «حتى تضع الحرب اوزارها».
واليوم كف البشر في شمال الارض عن الاقتتال بعد ان جربوا كل الحروب القومية والدينية والعالمية.
وعندما تغضب اميركا من فرنسا او المانيا لا يستخدمون الهراوات والفؤوس فقد ودعوا تلك المرحلة الى غير رجعة.

وسوف تصبح اوروبا في عام (2004) 25 دولة تضم 450 مليونا من الانام. وهذا الاتحاد يتم ليس بمدفعية نابليون او مدرعات هتلر ولا مخابرات ستالين، بل يتحدون بميثاق الايمان. ليس المانيا فوق الجميع، بل المانيا مثل الجميع. وتحت تجمع سياسي لا يتخذ الناس فيه بعضهم بعضا اربابا من دون الله. في الوقت الذي يهتف الناس في العالم العربي للحاكم كذبا وبهتانا بالدم بالروح نفديك يا أبو الجماجم؟

انها آيات نمر عليها ونحن عنها معرضون.
سئل جحا يوما عن فضيلة السير في الجنازة وايهما افضل المشي أمام الجنازة أم خلفها؟ قال المهم ان لا تكون في النعش وبعدها امش حيث شئت.