المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العراق.. فيدرالية الشيعة وصيحة الحكيم .. إلى أين؟



زهير
08-12-2005, 08:17 AM
رشيد الخيون



تصاعدت على لسان زعامات الشيعة بالعراق الدعوة إلى فيدرالية شيعية في الجنوب والوسط، فقد دعا السيد عبد العزيز الحكيم في ذكرى مقتل أخيه آية الله محمد باقر الحكيم إلى تشكيل مثل هذه الفيدرالية، معللاً ذلك أمام حشد نجفي, بالأمس, بالقول: « بات من الضروري إقامة إقليم واحد يضم جميع مناطق الشيعة على غرار إقليم كردستان في شمال العراق». واعتبر ذلك مطلباً مقدساً. ثم تبعه أمين عام منظمة بدر هادي العامري، وهي الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق، بتصريح داعم، قائلاً: «على الشيعة المضي قدما في إقامة فدرالية في الجنوب وإلا سيندمون على ذلك».

توحي هذه الدعوة وغيرها من الدعوات الملوحة بتقسيم العراق إلى أن وجهاء السياسة العراقية، من كل الأطراف، لم يحسنوا التعايش مع الديمقراطية، ولم يتمكنوا من الانفكاك من تركة الماضي وقسوته. وهم بهذا يعطون يوماً بعد يوم حجة على عدم أفضليتهم ممن كان يمارس العنصرية والطائفية، ويفكك أوصال العراق بالمركزية القاتلة، وبنظام حزبي تعد ممارساته من تركة القرون الوسطى تخلفاً وقسوة.

كانت بداية الخلل في تأسيس الدولة العراقية، التي حاولت جهد الامكان أن تمحو صورة العراق الواحد، على المستوى الجغرافي في الأقل. لقد تم التثقيف تاريخياً وسياسياً أن العراق كوطن ما هو إلا صناعة إنكليزية، وعندما يتحدث السياسيون اليوم، عرباً وكرداً، يتحدثون عن قسيمة زواج بين مناطق العراق تمت في العام 1921. بينما الحقيقة مخالفة تماماً، فالعراق ككيان جغرافي وسياسي كان موجوداً قبل الانكليز وقبل العثمانيين، تشهد بذلك خرائط الجغرافيا ويوميات الخلافتين الأموية والعباسية، ثم ارشيف الدولة العثمانية، فوالي بغداد كان يسمى بوزير العراق، وأن الولايات الثلاث: بغداد والبصرة والموصل، كانت متصلة بسلطة هذا الوزير. لكن هذا لا يمنع من ترتيب أمر العراق السياسي والإداري بعد رحيل العثمانيين، فالكل كانوا، من شيعة وكرد، تحت مظلومية واحدة تحت العهد العثماني.

إذا كان الشيعة قد عانوا من الطائفية في كل العهود السابقة، ويصعب عد فترة الحكم الجمهوري الأولى من بين تلك العهود لانه قد كان فيها محاولة جادة لتأسيس عراق خال من التفرقة على أساس الدين والمذهب والقومية، فإن الوقت قد حان لأن يسعى الشيعة إلى تكريس نظام لا طائفي، لا أن يجعلوا المطالب الطائفية، أو الهم الطائفي، في المقدمة، وبذلك تأتي الآية معكوسة: أن تظهر المظلومية من الطائفة الأخرى، وهذا ما يحصل تماماً...

فالاستعجال في الانتخابات، وجعل المرجعية الدينية الشيعية هي المرجع في الصغيرة والكبيرة قد شحنا الطرف الآخر، وجعلاه يستنفر، ويقلق على وجوده، بل جعلاه لا يطمئن إلى العملية السياسية برمتها.

إن السياسة، كما هو معروف، هي فن الممكن، وقد تجاوز سياسيو الشيعة هذا الممكن إلى التلويح أو التهديد بالأكثرية. ففي أول يوم من تحرير العراق من النظام السابق ظهر إلى العلن أذانان للصلاة ، وبوشر ببعث مشاكل الوقف الديني، وترك الحديث عن العراق إلى الحديث عن الطائفة، وحقوق الطائفة. وكأن هناك عصا سحرية تحقق تلك العدالة وتمحي ذلك الاختلاف. فإذا علمنا أن العراق محكوم من قبل سلطات سنية طوال الخلافة الأموية والعباسية ثم العثمانية، مروراً بالسلطنات الإيلخانية والجلائرية والتركية: مثل دولة الخروفين الأبيض والأسود، فهل من المعقول أن يتخلى الطرف الآخر عن ذلك التاريخ بكل مرونة وسهولة؟ إن تغيير النفوس والعقول يحتاج إلى فترة زمنية، وتبادل ثقة، والحرص على عدم حصول العكس.

يبدو أن الزعامات الشيعية لم تحسن اللعبة السياسية، لذا فوضت أمر التحكم بالفعل السياسي إلى رجال الدين، وهؤلاء بجمعهم ليسوا من العراقيين. أقول هذا من باب اعتراض الآخر وترصده للهفوات في الأداء السياسي. وإلا لو كان الظرف طبيعياً فآية الله علي السيستاني كان الأحرص على العراق والعراقيين، وكثيراً ما نسب إليه تصريحات دعم قائمة الائتلاف الشيعي (169) في انتخابات يناير (كانون الثاني) الماضي، بل إن السيد عبد العزيز الحكيم والدكتور إبراهيم الاشيقر الجعفري كانا يصران على ما يحاول مكتب السيستاني إبعاده عنه، وقد اشتهر عنه أنه قال للسفير بريمر: «أنا إيراني وأنت أمريكي». بمعنى دع أمر العراق للعراقيين.

أما الدعوة إلى فدرالية شيعية لكل مناطق العراق، الوسط والجنوب، فهي خطأ آخر يرتكبه وجهاء الشيعة السياسيون. لأن ذلك إذا أضيف إلى اصرار الكرد على حل كل المتعلقات مع الدولة المركزية السابقة، على الرغم من وجود السيد جلال الطالباني رئيساً لكل العراق، لا يسفر إلا عن تقسيم العراق إلى دويلات، ربما سيترحم العراقيون في ظلها على الحكم العثماني، وترابط أقاليمه.

خطأ فظيع يمارسه الساسة الشيعة عندما يعطون المبرر تلو المبرر لتزمت الطرف الآخر، والشعور بالقلق من الأداء السياسي. والسؤال الذي يطرح نفسه، هو هل أن الإقليم الشيعي سيكون الجنة الموعودة للشيعة، وأن هناك أصواتا تعلو يوماً بعد يوم لتحقيق فدرالية للمحافظات الجنوبية الثلاث، وهي: البصرة، والعمارة، والناصرية. بل إن هناك أصواتا تعلو يوما بعد آخر مطالبة بفصل البصرة واستقلالها المالي والادراي.

يبدو أن العراق أصبح لعبة بيد ساسة العراق اليوم، وهو حسب المعطيات السياسية، والجدل الدائر ، مجرد خيال أو وهم وطن، وليس وطنا على الحقيقة. وقد سبق أبو الحسن المسعودي الجميع وشخص حدود العراق الجغرافية من آثور، حيث أبعد نقطة في شمال العراق الحالي، شمالاً وحتى عبادان جنوباً. كذلك لا يمكن التعالي على خصوصية كردستان العراق وما قدر له من حكم ذاتي أو فدرالية، فهناك اللغة والتاريخ القومي. ومع ذلك هناك ما يقلق بشأن هذه الفيدرالية إذا كان الأمر محسوباً بالوقت، بمعنى أن الظروف الدولية لا تسمح بانفصال كردي تام، فكان الرضا بالفدرالية مع بقية العراق أنه منوط بالظروف لا بالشعور الوطني العراقي.