المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل عاد عبدالكريم قاسم من القمر?!



مجاهدون
07-03-2005, 02:17 AM
يوسف ناصر السويدان

عنوان هذه المقالة الذي قد يبدو غريباً لغير المتابعين للشأن العراقي, مستمد من شائعة سرت في العراق وتحولت لبعض الوقت الى ما يشبه الاسطورة الشعبية, بعد مقتل رئيس الوزراء العراقي الاسبق الفريق الركن عبدالكريم قاسم وعرض جثته على شاشة تلفزيون بغداد في اليوم الثالث للانقلاب البعثي الدموي في 8/2/,1963 فلقد رفض البسطاء من انصاره تصديق حقيقة مصرعه فاختلقوا لانفسهم وهماً مفاده ان »الزعيم« لم يمت وانما هو بروحه وجسده وبدلته العسكرية قد غادر عالمنا الارضي الى القمر!!

ولذا خطر ببالنا هذا التساؤل الطريف: هل عاد عبدالكريم قاسم من القمر? ونحن نقرأ خبرين امتزجت فيهما الطرافة بالمأساة, احدهما دعوة اطلقها بعض القاسميون في بغداد لجمع التبرعات المالية لتمويل صنع تمثال ضخم لعبدالكريم قاسم يوضع في احد ميادين بغداد, والآخر هو قرار مجلس الوزراء العراقي اعتبار ذكرى الانقلاب العسكري الاسود في 14/7/1958 »عيداً وطنياً للاحتفال باعلان الجمهورية العراقية« في مفارقة لا تقل غرابة عن احتفال العراقيين بذكرى تأسيس الجيش العراقي في 6 يناير مع عزوفهم العجيب عن الاحتفال بذكرى تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ورجالها الذين أسسوا هذا الجيش. والاشكالية هنا هي ان الاحتفال بذكرى الانقلاب العسكري يتناقض مع الاحتفال بذكرى تأسيس الدولة الملكية الدستورية والعكس صحيح ايضاً, ولذلك فضل العسكريون الاحتفال بجيشهم وانقلاباته وتركوا ذكرى تأسيس الدولة!

ان اضرار واخطار الاحتفال بذكرى الانقلاب العسكري في 14/7/1958 واستيلاء حفنة من الضباط المغامرين على مقاليد السلطة في بغداد بقيادة عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف بعد القضاء على نظام الشرعية الملكية الدستورية في العراق, تكمن في الدلالات الثقافية والنفسية والسياسية السيئة لذلك الحدث المأساوي الذي لم يكن سوى جزء من توابع زلزال الحرب العالمية الثانية بما افرزته من حرب باردة وصراعات دولية عنيفة في اكثر من مكان في العالم, لم تكن الانقلابات العسكرية في بلدان العالم الثالث كمصر وسورية والعراق سوى بعض تجلياتها المحلية.

فما جلبه انقلاب 14 يوليو من كوارث ومآس في حياة العراقيين اكثر من ان تحصى بدءاً من المجزرة الدموية الرهيبة في قصر الرحاب, وما اعقبها من جرائم استبداد ودكتاتورية نظام عبدالكريم قاسم الذي صادر الحريات واخضع العراق لحالة من الفوضى العارمة والصراعات الدموية بين القوى السياسية في تحالفه مع الشيوعيين الذين سيطروا على الشارع السياسي العراقي وساروا فيه على نهج رفاقهم المجرمين عام 1956 في ممارسة القتل والسحل وتعليق الضحايا على اعمدة الكهرباء فأنشأوا لهذا الغرض المحاكم الميدانية كمحكمة حسن الرقاع وأطلقوا العنان لأسوأ نوازعهم وحشية وبربرية في مجازر الموصل وكركوك والكاظمية والاعظمية تحت شعارات »ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة«.

وأرواح الشعب فدوة لابن قاسم و»ماكو زعيم الا كريم« و»سبع ملايين تريد الحزب الشيوعي بالحكم« فمثلوا بذلك مخلب القط لمصالح اسيادهم في موسكو.

لقد اغدق الشيوعيون العراقيون على حليفهم الطاغية عبدالكريم قاسم صفات »الزعيم الاوحد« و»الملهم« و»ابن الشعب البار« وحتى بعد ان بدأ قاسم يتخلص من عبئهم عليه واطماعهم في سلطته فانهم استمروا يتوسلونه كما في آخر افتتاحية لجريدة الحزب الشيوعي العراقي »اتحاد الشعب« قبل اغلاقها وكانت بعنوان »مازال في القوس منزع«.

وحين بدأ بعض الشيوعيين العراقيين يستفيقون من سكرتهم الدموية كان كل شيء قد انتهى, بعد ان فرخ انقلاب 14 يوليو انقلاباً بعثياً اشد قسوة ودموية وبطشاً في 8/2/1963 ولذا لم تكن ثمة قيمة عملية ل¯ »الملاحظات الأولية« التي كتبها قبل اعتقاله السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل, وجاء فيها »ان انقلاب الردة في 8 فبراير قد بدأ فكريا وسياسياً واقتصاديا منذ أواسط عام 1959«.

كتاب سلام عادل »سيرة مناضل« صفحة 352 لثمينة يوسف ونزار خالد فلقد قضي الأمر وازف الموعد وانتج الاستبداد القاسمي - الشيوعي استبداد عارف والبعث اصبح قدر العراقيين, معاناة حياة الرعب والمأساة في متوالية الانظمة الدكتاتورية بدءاً من صبيحة يوم الاثنين الاسود 14/7/1958 وحتى سقوط النظام الصدامي المتوحش وانتصار الشعب العراقي في التاسع من ابريل 2003 على ايدي المحررين الاميركان والبريطانيين, فالفروقات بين قاسم والاخوين عارف والبكر وصدام هي محض فروقات كمية لا نوعية,

ولست ادري ما اذا كان المشغولون حالياً بتصميم تمثال لعبدالكريم قاسم سيضعون بجانبه تمثالاً آخر لشريكه في الجريمة عبدالسلام عارف وماذا سيفعلون بذكرى القاتل النقيب عبدالستار العبوسي الذي اطلق رصاص مدفعه الرشاش على رأس الشرعية الملكية الدستورية في العراق في حديقة قصر الرحاب? وغيرهما من رموز كارثة 14 يوليو التي قضت على فرص حقيقية للتطور الديمقراطي السلمي في العراق الذي كان فيه دستور حديث وبرلمان منتخب وصحافة حرة وتعددية حزبية, ولم يكن يسوغ فيه للشرطة تفتيش أي مسكن في العراق من دون اذن خطي من حاكم التحقيق وحضور مختار المحلة واثنين من الشهود.

وكم حري بالعراقيين في عهدهم الديمقراطي الجديد, ان يكرموا ويردوا الاعتبار لرموزهم الملكية الدستورية من شهداء العهد الملكي الزاهر كالملك الشاب فيصل الثاني ونوري السعيد وغيرهما, بدلاً من انشغال البعض باستدعاء رعاع الانقلابات الدموية والاحتفال بذكرى جرائمهم الفظيعة.

دعو عبدالكريم قاسم مستريحاً في »القمر« وتطلعوا بأمل نحو المستقبل المشرق المضيء لان استحضار روح هذا الدكتاتور لاغراض الدجل والألاعيب السياسية, سيستحضر معه بالضرورة سائر تداعيات المأساة العراقية ورموزها التافهة الاخرى, وسيكون هذا بداية خطيرة لاعادة انتاج الدكتاتورية لا سمح الله.

* كاتب سعودي