المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور الإخوان المسلمين في الأصولية الارهابية السعودية



سياسى
06-19-2005, 01:06 AM
د. شاكر النابلسي

في الستينات من القرن العشرين، كانت في السعودية مجموعات كبيرة من الإخوان المسلمين الذين جاءوا منذ منتصف الستينات هرباً من حكم عبد الناصر بعد الصدام العنيف والملاحقة المستمرة لهم. وجاء قسم من هؤلاء كلاجئين سياسيين أثناء حكم الملك فيصل الذي رحب بهم كمطرودين من الحكم الاشتراكي القومي الناصري الذي كان الملك فيصل يعاديه بقوة، ويقود ضده تياراً سياسياً معادياً (التضامن الإسلامي) ويتنقل من بلد إسلامي لآخر للدعوة إليه. كما جاء فريق منهم بقصد الحج والعمرة، وبقوا في السعودية حيث وجدوا البلد الآمن لهم. والفريق الثالث جاء كطلبة في الجامعات الإسلامية حيث كانوا غير مرغوب فيهم بين صفوف الطلبة في مصر الناصرية القومية آنذاك. وكان من بين هؤلاء الطلبة مجموعة كبيرة من الطلبة المصريين من الإخوان المسلمين في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، حيث كان يدرس أسامة بن لادن أثناء ذلك في كلية الاقتصاد والإدارة، وتخرج من هناك في العام 1979، وهو العام الذي غزا فيه الاتحاد السوفياتي أفغانستان.

مما لا شك فيه أن هناك تربة دينية غنية متشددة ومتزمتة كانت موجودة في السعودية أنبتت أسامة بن لادن وأمثاله كثيرين من الشباب الذين لم يستطيعوا فعل ما فعله ابن لادن لعدم توفر المال والرفعة العائلية التي كانت متوفرة لابن لادن.


مواصفات التربة الأصولية السعودية في السبعينات


كانت مواصفات هذا التربة الدينية في حقبة السبعينات تتلخص في كون المجتمع السعودي هو ما أطلق عليه الكاتب والناقد السعودي عثمان الصيني "الحضانة الفكرية" للثقافة السعودية من قبل المؤسسة الدينية السعودية. وكانت أهم ملامح هذه الحضانة فرض الوصاية الدينية على الثقافة المقروءة والمسموعة والمشاهَدة. كما كان هناك شرخ ديني/اجتماعي واضح في المجتمع السعودي.

ففي الوقت الذي كانت تنتشر فيه المساجد انتشاراً هائلاً في كافة أنحاء السعودية، وفي الوقت الذي كانت فيه المؤسسة الدينية السعودية وراء كل قرار اقتصادي أو اجتماعي أو تربوي وحتى سياسي في بعض الأحيان، وفي الوقت الذي كانت فيه "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (المطاوعة) وهي "الشرطة الدينية" التي تحكم الشارع السعودي وتقوم بالضبط الاجتماعي، وتتحكم في أوقات عمله وتعاقب المخالفين لأداء الشعائر الدينية، وتقوم بضبط الأخلاق والسلوك الديني في الأسواق، وتتصرف في بعض الأحيان وكأنها خارج سلطة الحاكم.. في هذه الأوقات كانت هناك شريحة من المجتمع السعودي تعيش حياة مختلفة أقرب إلى الحياة الغربية منها إلى الحياة الدينية السعودية. فكنت تجد لدى هذه الطبقة النساء يجلسن مع الرجال كأصدقاء، وكنت تسمع الموسيقا الغربية والغناء الغربي، وتشاهد برامج التليفزيون، وتشاهد آخر الأفلام الغربية والأمريكية على وجه الخصوص.

وكنت ترى أحدث أزياء النساء في العالم. وكنت تشاهد الرجال والنساء في عطلات نهاية الأسبوع وهم يسبحون سوياً في المنتجعات البحرية الخاصة. وكنت تسهر في ليالي رأس السنة الميلادية حتى الصباح في حفلات باذخة صاخبة. وكنت تعيش في بيوت وكأنها في ضواحي لندن أو لوس انجيلوس. وقد غزت "المطاوعة" كثيراً من حفلات هذه البيوت وأساءت إلى أصحابها.

وهذه الطبقة الأرستقراطية التي تعيش مثل هذه الحياة تتكون من بعض الشباب الأغنياء من رجال الأعمال الذين درسوا في الغرب، وبعض الشباب من كبار موظفي الدولة الذين درسوا في الغرب، وبعض الشباب الذين تزوجوا زوجات أجنبيات أثناء الدراسة في الغرب. ومن هنا ندرك سبب معارضة المؤسسة الدينية السعودية لتعليم الشباب في الغرب. كما ندرك سبب معارضة هذه المؤسسة لزواج الشباب السعودي من غير السعوديين ومن الأجنبيات الغربيات على وجه التحديد مما دفع وزارة الداخلية - تحت ضغط المؤسسة الدينية السعودية - وعوامل سياسية أخرى إلى اشتراط أخذ موافقة مسبقة من وزير الداخلية على زواج الشاب السعودي من فتاة غير سعودية. كما لم يفتأ مفتي السعودية السابق الشيخ عبد العزيز بن باز على إصدار الفتوى تلو الأخرى التي تحضّ السعوديين على عدم السفر إلى الغرب، لا للدراسة ولا للسياحة. كما قلّصت وزارة التربية والتعليم والرئاسة العامة لتعليم البنات تحت ضغط المؤسسة الدينية - عدد سنوات دراسة اللغة الانجليزية وحصرتها في المرحلة المتوسطة فقط، وبمناهج خفيفة جداً وتعيسة.

ومن هنا نرى أن المؤسسة الدينية السعودية قد لعبت دوراً ضخماً في إيقاع القطيعة الثقافية والحضارية بين الغرب وبين السعوديين، وعمّقت الكراهيـة للغرب. ولا نجد مجتمعاً يعادي الغرب ويكرهه كراهية عمياء كمجتمع المؤسسة الدينية السعودية التي لعبت دوراً كبيراً في وجود هذا الانفصام بين الطبقات السعودية، وأن يعيش جانب من المجتمع السعودي بوجهين مختلفين: وجه في النهار خارج البيت، ووجه في الليل داخل البيت.


دور الإخوان المسلمين الثقافي في الأصولية السعودية


كان فكر الإخوان المسلمين هو السائد في تلك الفترة. وكانت "رابطـة العالم الإسلامي" ومقرها مكة المكرمة، تتكون من مجموعة كبيرة من قيادات الإخوان المسلمين الذين طاردهم نظام عبد الناصر الاشتراكي "رائد القومية العربية" واحتضنهم الملك فيصل "رائد التضامن الإسلامي" الذي كان يقف في وجه الأنظمة الاشتراكية العربية في مصر وسوريا وفي الجزائر وفي جنوب اليمن وغيرها. وكان من بين هؤلاء:

محمد متولي الشعراوي، يوسف القرضاوي، محمد الغزالي، ، محمد قُطب (مصريون) عبد الفتاح أبو غدة، معروف الدواليبي، علي الطنطاوي (سوريون)، كامل الشريف، يوسف العظم (أردنيان) عبد المجيد الزنداني (يمني) حسن الترابي (سوداني) عبد رب الرسول سيّاف (أفغاني)، وغيرهم. وهؤلاء وغيرهم كانوا في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم وخطبهم وكتبهم ومقالاتهم ومجالسهم يهاجمون الغرب وحضارته وثقافته وفنه وفكره وقيمه الاجتماعية وأخلاقه بلا هوادة. وأن فكرة الغرب كغرب كافر وكجاهلية جهلاء وحضارة نكراء لم تكن ابنة التسعينات وما بعدها، ولكنها كانت ابنة الخمسينات التي خرجت من سجون عبد الناصر المظلمة على لسان سيّد قُطب وعبد القادر عودة وزينب الغزالي وفي كتبهم. وكان هؤلاء لا يتركون مناسبة أو فرصة إلا ويوغرون فيها صدور الشباب الطالع ضد الغرب، ويطلبون منه محاربة هذا الغرب، وصدِّ ثقافته وفنه وأخلاقه وسلوكياته عن المجتمع الإسلامي الطاهر النقي.

وفي الوقت الذي كانت فيه السعودية تمنع دخول كافة الكتب السياسية اليسارية، وكافة الكتب الفكرية والثقافية الليبرالية التي تنادي بالحداثة من شعر ومن نثر، كذلك كتب الفلسفة الإسلامية وكتب الفكر الصوفي وكتب الإسلام السياسي بالمفهوم العصري المتقدم، في الوقت الذي كانت تسمح فيه لدخول كتب الإخوان المسلمين وعلى رأسها كتب سيّد قُطب وحسن البنا التي بِيع منها أكثر مما بِيع في مصر نفسها أو في أي مكـان في العالم العربي والإسلامي، وذلك للقوة الشرائية الكبيرة التي يتميز بها هذا السوق وللضغط والتشجيع التي تتلقاه الرقابة الإعلامية التي تُجيز فسح هذه الكتب.

وفي الوقت الذي كانت فيه كتب الفارابي وابن سينا والمعري وابن رشد وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد أمين وغيرهم من الفلاسفة والكتّاب الذين يُشتمُّ من كتاباتهم رائحة الحداثة والدعوة إلى حرية الفكر والديمقراطية والعقلانية، في الوقت الذي كانت فيه مكتبات السعودية تغرق في أدبيات الإخوان المسلمين وكتاباتهم وكذلك في كتابات أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي التي كانت كلها في الستينات والسبعينات تعادي الغرب معاداة لا هوادة فيها، وترميه بالكفر والإلحاد برب العباد، وبالجاهلية الجهلاء والحضارة النكراء، وتحضَّ الشباب المسلم على نبذ قيم الغرب وثقافته وسلوكياته وأخلاقه، بل ومحاربتها أيضاً. ونتيجة لهذا الاضطهاد والقهر الثقافي كان الشباب السعودي بصفة خاصة والخليجي بصفة عامة "لا يكاد يدخل إلى بعض المكتبات في القاهرة وعمان وبيروت والمغرب حتى يأخذه البائع إلى المستودع السري ليعرض عليه كتباً صفراء دينية وسياسية واجتماعية وجنسية ليس فيها شيء سوى عنوانها الصارخ والمثير الذي يجعله يتلفت حوله قبل أن يشتريها بأسعار خيالية لثقة البائع بأنه يخاطب في المشتري نهمه للمعلومة الممنوعة، ثم يترك السائح الخليجي الكتاب في الفندق عند سفره خوفاً أو استخفافاً بما في الكتاب من معلومات" كما قال الناقد والكاتب السعودي عثمان الصيني.


دور الإخوان المسلمين في تشكيل العقل السعودي


من ناحية أخرى، كانت المدارس والمعاهد العليا والجامعات على وجه الخصوص تعجُّ بالمدرسين المصريين والفلسطينيين والأردنيين والسوريين من جماعات الإخوان المسلمين، أو من المتشددين دينياً. والذين لعبوا دوراً كبيراً في تشكيل العقل السعودي في فترة السبعينات. وقد قرأنا في السيرة الذاتية لأسامة بن لادن بأنه قد تأثر كثيراً بأساتذته من الإخوان المسلمين في كلية الاقتصاد والإدارة العامة بجامعة الملك عبد العزيز في جده أثناء كان يدرس هناك في السبعينات (1975-1979) وكـان من بين هؤلاء محمد قُطب. وقد وضع قُطب بين يدي أسامة بن لادن كافة كتب سيّد قُطب وخاصة ما يتعلق بفكرة "الحاكمية لله" أو الجانب السياسي في الإسلام وأدبيات الإخوان المسلمين الأخرى، وقام بشرحها وتدريسها لأسامة.

وقد ساعدت المؤسسة الدينية على بناء الكيان الثقافي الأصولي في السعودية. فكانت سلطة المؤسسة الدينية السعودية على المناهج الدراسية سلطة طاغية لا توصف. فقد تدخلت المؤسسة الدينية السعودية تدخلاً مباشراً في رسم السياسة التعليمية ووضع المناهج الدراسية. وكان معظم المؤلفين غير السعوديين لكتب الأدب والنصوص والتاريخ والدين من الإخوان المسلمين. أما المؤلفون السعوديون فكانوا من أشياخ المؤسسة الدينية.

وقد تم التركيز على المواد الدينية تركيزاً شديداً على حساب مواد العلوم والرياضيات وعلى حساب اللغات الأجنبية. فقد زادوا من حصص الدين بشكل كبير وقللوا من حصص العلوم والرياضيات واللغات الأجنبية التي أُهملت إهمالاً تاماً تكريساً للقطيعة الثقافية مع الغرب. وفي الوقت الذي تمّ فيه حشو كتب الدين بالأحاديث النبوية السياسية التي وُضعت في العصر الأموي عن ضرورة طاعة أولي الأمر وعدم مخالفتهم حتى ولو جلدوا الظهر وأخذوا المال، في الوقت الذي تمّ فيه منع تدريس نظرية دارون في "النشوء والارتقاء" ومنع تدريس نظريات فرويد في علم النفس ونظريات ماركس في الاقتصاد. كما مُنع تدريس الفلسفة بشكل عام والفلسفة الإسلامية بشكل خاص، والقول بأن "من تمنطَّق فقد تزنْدق"، ومُنع تدريس "القانون" بكافة صوره وأشكاله. وفي الوقت الذي تمَّ فيه التكريس على الخطاب الديني الأصولي، وتراث ابن تيمية وابن حنبل، في الوقت الذي تمَّ فيه شطب المدارس الدينية الأخرى والمذاهب الدينية الأخرى والاجتهادات الدينية الأخرى. وأصبح الخطاب العام خطاباً دينياً أُحادياً.

وبضغط من المؤسسة الدينية السعودية انتشرت مدارس تحفيظ القرآن في شتى أنحاء المملكة، وتدفقت عليها المعونات والجوائز من رجال الأعمال. وهذا عمل طيب وحسن. ولكن إلى جانب هذه المدارس لم تقم معاهد كافية للتدريب المهني أو لتدريس اللغات الأجنبية، مما أبقى مستوى الخدمات الفنية بين الشباب السعودي متدنياً، وسمح وأعطى الفرصة للعاملين الأجانب من عرب وعجم للقيام بهذه الخدمات الفنية في شتى المجالات. وأصبح جُلَّ الشباب السعودي من ذوي التخصصات الدينية أو قريب من هذه التخصصات، كأن يكون تخصص لغة عربية أو تاريخ أو خلافه.

وقد أدى هذا إلى اتساع نطاق الحوار الديني - موضوع الدرس - وأصبح هذا الحوار ومعه أهمية إحياء التراث وسيرة السلف الصالح هو الخطاب السعودي الرئيسي في المساجد والجامعات والنوادي الأدبية والصحف كذلك. " وأصبح الشباب مسكونين بالمسجد وإظهار التزام بالدين في المجالات العامة" كما قالت الباحثة السعودية مي يماني في كتابها (هويات متغيرة، ص 58). وبدت مظاهر السلف الصلح القشرية تظهر على الشباب من الطبقة الوسطى والفقيرة من تقصير الثوب وإطلاق اللحى وحلق الشوارب وخلاف ذلك.

"وانتشار التيار الديني بين الطبقات الوسطى وبخاصة الفئات الدنيا المسحوقة منها كان متزامناً مع الثورة الاستهلاكية التي أعقبت زيادة أسعار البترول في العام 1973 رغم أنهما يمثلان في الواقع تيارين متناقضين متعارضين. ففي حين تشجع الثورة الاستهلاكية على انشغال الناس بالكسب وتحقيق الثروة وحيازة السلع الكمالية عن السياسة، تعمل الحركات الدينية بصورة غير مباشرة أحياناً رغماً عنها على إعادة تسييس الناس وشغلهم بالقضايا العامة والأفكار الُمسيّسة مثل [الحاكمية لله] والدولة الإسلامية والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية البديلة"، كما قال الباحث الكويتي خلدون النقيب في كتابه ( المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص176،177). في حين أن العقل الديني التقدمي والعميق كان غائباً عن الساحة. ولعب الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية الأخرى التي بدأت تظهر في الساحة في عهد الرئيس السادات (1970-1981) في مصر، وتصدرها مصر إلى كافة أنحاء العالم العربي والإسلامي، دوراً كبيراً في هذا.

وبفضل المؤسسة الدينية السعودية تمَّ تشجيع ما يُسمّى بالأدب الإسلامي والنقد الإسلامي، والعلم الإسلامي، وطغت الثقافة الإسلامية الأصولية و"إحياء تراث السلف الصالح" على الأندية الأدبية والصحافـة والطقس الثقافي العام. وأصبحت الصفحات الدينية في الصحف السعودية من أهم الصفحات وأكثرها عدداً. وسُمح للمجلات الإسلامية المتشددة المصرية والخليجية والأردنية واللبنانية بدخول أسواق المملكة في حين مُنعت من دخول أسواق المملكة مجلات فكرية وثقافية رصينة كمجلة "الآداب"، ومجلة "المستقبل العربي"، ومجلة "الباحث"، ومجلة "مواقف"، ومجلة "دراسات عربية"، ومجلة "القضايا المعاصرة"، ومجلة "قضايا عربية" وغيرها.

وتعدَّت سلطة المؤسسة الدينية السعودية إلى التلفزيون والإذاعة. فقُننت البرامج الإذاعية والتلفزيونية تقنيناً دينياً صارماً. فأُفسحت البرامج المختلفة للمواد الدينية المُستهلَكة كالصلاة والحج والزكاة والحيض وأحكام الوضوء وحجاب المرأة ووصل الرحم والنواحي الأخلاقية الأخرى، وتحريم الغناء والموسيقا والمحافظة على حجاب المرأة وعدم السماح لها بمغادرة بيتها والاختلاط بالرجال، في حين كان يُمنع التعرّض للجانب السياسي أو الفلسفي أو العقلي في الإسلام، أو التعرّض للفساد الإداري والمالي. كما مُنعت الأفلام السياسية التلفزيونية التي تروّج للتفكير الوضعي، والتركيز على الأفلام التاريخية الإسلامية فقط. كما مُنعت المرأة من الظهور في التلفزيون، وتمَّ التخفيف من إذاعة الموسيقا والأغاني ما عدا بعض الأغاني السعودية المحلية. كما مُنعت البرامج الثقافية التي تتصف بالحداثة ومُنع المتحدثون فيها. وتمَّ تكريس البرامج الثقافية للثقافة الإسلامية والمثقفين الإسلاميين المتشددين من جماعة الإخوان المسلمين خاصة. كما مُنع الشعراء الشباب من الحداثيين كمحمد العلي، وعلي الدميني، ومحمد الدميني، وعبد الله الصيخان، وفوزية أبو خالد، ومحمد الحربي، ومحمد الثبيتي، وسعد الحميدين، وغيرهم من الظهور في التلفزيون أو الإذاعة.

وحاصرت المؤسسة الدينية السعودية الباحثين. فكنت تجد أن طالب رسالة الدكتوراه مثلاً في بحث ما عن الشيوعية يستند في مراجعه إلى الكتب التي تهاجم الماركسية فقط، دون أن يعتمد على كتاب واحد حول الماركسية من منابعها. وأصبح القارئ تبعاً لذلك حائراً بين أن يُصدِّق الردود دون أن يطَّلع على الكتاب الأصلي، أو يستعرض الكتاب بنهم ليقتنص النصوص المنقولة والمردود عليها. وهو في كلا الحالين لا يستطيع أن يبني موقفاً من أحدها أو يثق في شيء مما قرأه.

ولكي تُعمّق المؤسسة الدينية السعودية القطيعة بين الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة وبين الثقافة الغربية قامت بمحاربة الاستشراق محاربة عنيفة لا هوادة فيها. واعتبرت معظم المستشرقين من الكفار الملحدين الذين يهاجمون الإسلام ليلاً نهاراً بغية تقويضه. وقد جنَّدت المؤسسة الدينية السعودية لهذا الغرض فيما بعد مجموعة كبيرة من الدارسين الإسلاميين المتشددين في كافة أنحاء العالم العربي لمهاجمة حركة الاستشراق وبيان مطاعنها وأخطائها وتفنيد أقوالها ورميها بالكفر والإلحاد والجهل بالإسلام. وكان من بين هؤلاء الدارسين المجندين من قبل المؤسسة الدينية السعودية: التهامي نقرة التونسي الأستاذ بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، وجعفر شيخ إدريس الأستاذ في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض، وعماد الدين خليل الأستاذ العراقي في المعهد الحضاري العراقي، ومحمد الزرقاء السوري الأستاذ بجامعة الملك عبد العزيز في جدة، ومحمد بن عبود المغربي الأستاذ بمركز البحث العلمي بالمغرب، ومحمد هدارة المصري عميد كلية الآداب بجامعة طنطا، ومصطفى الشكعة السوري عميد الدراسات العليا في جامعة الإمارات، وغيرهم.


***


هذه هي التربة الأصولية التي أنبتت زرعاً كأسامة بن لادن وأنبتت زروعـاً أخرى كثيرة غير ابن لادن داخل السعودية وخارجها، ولكن هذه التربة بالقطع لم تكن السبب الوحيد الذي أورق شجراً وأثمر ثمراً كابن لادن. وكان من هذه الزروع من هو على درجة من الثراء والالتحام بالإخوان المسلمين وعلى صلة بالجماعات الإسلامية المتشددة كابن لادن. وكان من الممكن أن يفعلوا ما فعله ابن لادن ولكنهم لم يفعلوا ذلك، ربما لأن الفرص الأخرى (غير المال والتشدد الديني) التي تهيأت لابن لادن لم تتهيأ لهم، أو لم يكن حب السلطة وامتلاك القوة التي كانت تُلحُّ على ابن لادن والتي كان من الصعب امتلاكها داخل السعودية نتيجة للتركيبة السياسية والاجتماعية الخاصة في السعوديـة، والتي لن يستطيع ابن لادن تحقيقها إلا في خارج السعودية، وفي بلد متخلف وفقير ومحتاج وقبلي كأفغانستان.


shakerfa@worldnet.att.net