المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : «شقة ويخت لكل مواطن!» إنها وظيفة السوق وليس الدولة



دشتى
05-10-2005, 07:19 AM
جمال احمد خاشقجي


عشت في بلدي اكثر من عشرين عاما بعد تخرجي في الجامعة، اترقى من وظيفة الى اخرى فلم انقطع يوما عن العمل في شركة او صحيفة ما، ولكن بالرغم من ذلك لم استطع ان اشتري بيتا او حتى شقة متواضعة، اما هنا في بريطانيا، فانني وان لم اكمل بعد عامين من العمل فيها فلقد تمكنت من شراء شقة انيقة استعد للانتقال اليها خلال اسابيع قليلة. فكيف حصل ذلك؟

لم تهبط علي ثروة هائلة، ولم اكسب اللوتري، وانما لسبب بسيط هو ان ثمة نظام بنكي، اجتماعي وقضائي في بريطانيا لا يسمح بذلك فقط بل يشجع عليه، ولو استعرنا هذا النظام وطورناه بما يوافقنا فسوف يحدث طفرة عقارية غير مسبوقة في بلادنا، وتغير ايجابي في نمط العيش وعلاقة المواطن بحيه والموظف بوظيفته.

انه نظام حياة لا يخص البريطانيين وحدهم وانما هو مجرب بنجاح في كل الدول المتقدمة ذات الانظمة الرأسمالية المعتمدة على اقتصاديات السوق بعيدا عن الوظيفة الشمولية للدولة والتي يقتصر دورها على المراقبة والتقنين، بينما تترك لقطاع الاعمال او ما يمكن تلطيفه بالقول «الرأسمالية الوطنية» ممثلة في شركات التطوير العقاري وهيئات الاقراض والبنوك الدور الاساسي في توفير السكن المناسب للمواطن قدر حاجته وقدرته، وكل المؤسسات المذكورة عادة ما تكون مساهمة عامة لا يملكها فرد فيمارس احتكارا، تقع دوما تحت رقابة الدولة التي تضع تشريعات البناء والتطوير وعادة ما يقوم بهذا الدور مجالس محلية منتخبة، بالاضافة الى البنك المركزي المناط به ضبط وربط عملية الاقراض والتمويل وسعر الفائدة.

ان الدولة لا تستطيع ان توفر سكنا لكل مواطن، وقد حاول الشيوعيون ذلك فوفروا علبا اسمنتية اضحت شاهد في البلاد التي ابتليت بهم على تخلف حقبة ماضية، ولكن «السوق الحر» يستطيع ذلك، والمملكة العربية السعودية ليست «دولة في مدينة» ترضي سكانها بالهبات، وانما دولة مترامية الاطراف مع ملايين السكان ما اسرعهم في التكاثر، والارقام تقول ان مدينة الرياض وحدها بحاجة الى 409 آلاف مسكن جديد خلال العامين القادمين، ما يعني رقما تريليونيا يصعب قراءته لو ضربنا عدد الوحدات في الثلاثمائة الف ريال المتواضعة وهي قيمة القرض المتاح من صندق التنمية العقاري، الامر الذي يعني ان مبلغ 9 بليون دولار الذي امر به سمو ولي العهد لدعم صندوق التنمية لن يوفر الا 30 الف وحدة سكنية فقط وهي نسبة بسيطة من المطلوب، وبالتالي لا يوجد حل سوى اللجوء الى آليات اقتصاد السوق الحر التي تنعش الاقتصاد وتحركه وتستوعب الاستثمارات الحائرة بين المخططات العقارية في البراري والقفار والشركات المساهمة التي لم تحقق ارباحا بعد الا في سوق الاسهم.

يقول الخبراء ان المملكة العربية السعودية من اقل دول العالم في نسبة تملك مواطنيها للعقار الذي يسكنونه، ذلك ان معظم السعوديين يسكنون في بيوت مستأجرة او تعود ملكيتها للاب، ويعزون ذلك ليس لارتفاع قيم العقار فقط وانما لانعدام اليات القرض المناسبة فالبنوك تقتصر بقروضها على من يستطيع ضمان القرض بعقار آخر، او بكفالة ملزمة وهؤلاء في العادة ليسوا بحاجة لقرض، ومؤخرا اخذت البنوك تعرض قروضا لطائفة منتقاة من الموظفين «المضمونين» من العاملين في مؤسسات الدولة او الشركات الكبرى، ويربطون عادة بين موافقتهم على القرض مع مقدار نهاية الخدمة التي يستحقها الموظف، ما يضيق رقعة المستحقين للقروض خاصة السكنية منها الى طائفة محدودة جدا، وهنا لا يجوز اتهام البنوك بالتشدد او لنستعير تعبيرا يساريا «الرأسمالية المتوحشة» فهي مؤتمنة على اموال اصحابها والنظام القضائي المحلي لا يعطيها الثقة الكافية لاستعادة مالها المقترض وارباحه.

بينما في بلد مثل بريطانيا فان توفر وظيفة وراتب كافيان لتقديم قرض، والمعادلة ان البنك مستعد لاقراض الموظف بما يعادل اربعة امثال اجمالي راتبه السنوي لشراء بيت، طلما ان الموظف الشاب قادر على توفير 20 في المائة من قيمة البيت كدفعة اولى. وهم متفقون هنا على شيء سموه «السلم الاسكاني» وهدف كل شاب يدخل سوق العمل ان يحتل موقعا من اسفل هذا السلم بحسب قدرته واحتياجاته، كما ان البنك ومؤسسات الاقراض الاسكاني حريصة على مساعدة الشاب على وضع رجله في اسفل السلم، ذلك ان عملية الاقراض للسكن جزء اساسي من اعمال البنوك ومؤسسات الاقراض، وتصل قيمتها الى تريليونات الجنيهات من دون قلق او توجس.

سألت موظف البنك الذي صاغ عقد شراء بيتي وشرح لي الادوات والبدائل المالية العديدة المتاحة لي عن نسبة عجز المقترضين عن السداد ما يؤدي الى ان يضع البنك يده على العقار ويخرج المقترض المسكين وعائلته الى الشارع، فقال لي انها لا تتجاوز واحدا ونصف واحد في المائة، انها نسبة مدهشة عندما تقارن بنسب المتعثرين في السداد ممن يقترضون من صندوقنا للتنمية العقارية، رغم يسر القرض وكونه دون فوائد، والغريب انها تقريبا النسبة نفسها في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ما يعني ان الوصفة ناجحة وتستحق ان تستورد وتطبق عندنا.

اعود الى السلم الاسكاني الذي يرتقيه الموظف الصغير، فهو يتسلقه الى درجات اعلى كلما زاد ماله وكبرت اسرته الى بيت اكبر وحديقة اوسع وحي افضل بقدر ما يحقق من نجاح هو وأسرته في عمله، ولحرصه على البقاء في السلم سيحرص على وظيفته والحفاظ عليها، واحيانا يقبل بصعوبة العمل ورذالة المدير طالما ان لديه «مورقج» والذي يمكن ترجمته الى «قسط» لا بد من تسديده وهي روح يحتاجها شباب الموظفين عندنا الذين يتركون عملهم لابسط سبب او يعتذرون عن وظيفة لكثرة متطلباتها او بعدها عن بيت الاسرة، ان نظام «المورقج» يبقي الموظفين في وظائفهم ويجعل الساكن حريصا على حيه وبيئته فكلما شارك جيرانه في الرقي بالحي ارتفعت قيمة عقاره، كما انه يبقي الاسرة المشتركة في حماية استثمارها العقاري متماسكة فالزوجة ايضا شريك في «المورقج»، الم اقل انه اكبر من نظام تمويل؟ انه نظام حياة.

هناك ايضا المحامون الذين لا بد حسب القانون من الاستعانة بهم، والمفتشون الذين يتاكدون من صلاحية العقار، وشركات التامين الصحي على الحياة التي لا بد من التعاقد معهم، في منظومة متكاملة تحمي حقوق جميع المشتركين في عملية التعاقد هذه. ان استيراد نظام كهذا ليس بالعمل السهل بل يستدعي سلسلة من الاجراءات بدءا من البنوك وشركات التنمية العقارية وانتهاء بالقضاء ومرورا على مختلف اقسام البلديات والمجالس المحلية.

ان في العالم من حولنا افكارا رائعة، اجمل ما فيها انها مجربة وناجحة، ولا حاجة لنا في اعادة اختراع العجلة، فهي مخترعة وليس علينا سوى ان نتعلم وبسرعة كيف نستخدمها. وحينئذ سنلاحظ الفرق الذي سيطرأ على حياتنا فالمسألة اكبر من مجرد «شقة ويخت لكل مواطن».

ہ كاتب ومستشار اعلامي سعودي
jamal@khashoggi.com

لا يوجد
05-11-2005, 01:09 AM
مقالة تحتوى على الكثير من المعلومات الهامة عن الحياة فى الغرب والمميزات التى يحصل عليها المقيم والمواطن هناك من إقتصاديات السوق الحرة والتى يحكمها التنافس ، فى بلادنا العربية وبالرغم من إن أغلب الدول العربية تدعى إنها تتبنى الأنظمة الرأسماليه فى الإ قتصاد إلا أنها في واقع الأمر إشتراكية من خلال تعاملها مع إقتصاديات السوق ، إذ أنها تحتكر كل شىء فى الدولة من توظيف المواطن إلى مسألة دفنه فى المقابر .