المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مستقبل حزب الله بين التفاعلات الداخلية والضغوط الخارجية



مجاهدون
03-19-2005, 07:46 AM
يشكل امتداداً للمرجعية الدينية الشيعية الإيرانية ومبادئ الثورة الخمينية

حزب الله كقوة عسكرية.. دولة داخل الدولة لا يتوافق مع النظام الديمقراطي


أحمد سيد أحمد

دخل لبنان بؤرة الاهتمام الدولي, في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري, حيث أخذت الأحداث في التدافع, بدءا من صعود المعارضة, وانتهاء بقرار سورية بسحب قواتها من لبنان.
ووسط التفاعلات السياسية اللبنانية الساخنة, وتصاعد الضغوط الخارجية خاصة من جانب الولايات المتحدة, برزت من جديد قضية حزب الله, وأثيرت التساؤلات حول مستقبل الحزب, واحتمالات وإمكانيات نزع أسلحته? وكيف يمكن للحزب مواجهة تلك التحديات?

وإذا كان هناك اتفاق على دور الحزب كتنظيم سياسي, إلا أن الخلاف يدور حول مستقبل جناحه العسكري, فإلى أي مدى يمكن نزع أسلحة الحزب, وما هي تحديات ذلك?

نشأة وتطور الحزب:
نشأ حزب الله الشيعي في عام 1982, كمجموعات مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان, ثم أخذ في الظهور العلني في عام 1985 كتنظيم سياسي تحت عنوان »مقاومة الاجتياح والاحتلال الإسرائيلي«, وتطور الحزب منذ ذلك الحين حتى أضحى الآن مؤسسة كاملة لها قواعدها السياسية والاجتماعية الراسخة وحقق إنجازات كبيرة في المجال الاجتماعي ولعب دورا مهما في تقديم الخدمات في مجال الطب والرعاية والتعليم وتوفير فرص العمل ورعاية وكفالة أسر الشهداء والجرحى.

وفي عام 2003 انخرط الحزب في العمل السياسي ودخل التجربة النيابية عبر كتلة الوفاء, وضم المجلس النيابي في عام 2003 ثمانية نواب للحزب , ارتفعوا إلى 13 نائبا في البرلمان الحالي.
والحزب يشكل امتدادا للمرجعية الدينية الشيعية الإيرانية, حيث اعتمد على نفس منطلقات ومبادئ الثورة الإيرانية الخمينية. ومن ثم توجد علاقة وثيقة بين الحزب وإيران, حيث تقدم الأخيرة له الدعم اللوجستي والمالي, وتقوم بتدريب عناصر الحزب سواء في إيران أو في لبنان,
وقد استمد الحزب قوته بشكل أساسي من دوره في المقاومة وفي تحرير الجنوب, ويضم الحزب حوإلى ثلاثة آلاف مقاتل, إضافة إلى مئات الآلاف من أعضائه كتنظيم سياسي.

ويمتلك الحزب عددا من الناقلات المدرعة ومدافع وقذائف وصواريخ متعددة ومضادات للدبابات من طراز »إيه سي« إلى جانب صواريخ أرض جو »إسي إيه -7« ومدافع مضادة للطائرات, إضافة إلى صواريخ الكاتيوشا التي يقدر عددها بألف صاروخ, منها ثلاثون صاروخ إيراني الصنع عيار 240 مم ويصل مداها ل¯40 كيلو متراً, والجزء الأكبر من الصواريخ من عيار 130مم و127 مم , كما أدخل الحزب تطورا ً على قنابل يستخدمها يتم تفجيرها لاسلكيا.
وقد زودت إيران الحزب في أغسطس 2003 بثمانية طائرات استطلاع بدون طيار من نوع »مهاجر« التي تنتجها, وسماها الحزب (المرصاد1) وتحمل 3 كاميرات ورادار ديجتال ونظام إرسال الكتروني , وتستطيع التحليق على ارتفاع 6 آلاف قدم وتصل سرعتها القصوي إلى 120كم , وقد استخدمها مرات عديدة فوق الحدود الشمالية لإسرائيل.

مدى قوة نفوذ حزب الله في لبنان
يشير السفير محمود شكري الخبير في الشؤون اللبنانية, إلى أن حزب الله يعد أقوى التجمعات في الداخل اللبناني, ليس لأنه مدعوم من الخارج, خاصة من سورية وإيران, وإنما لأن قوته تستمد بالأساس من كونه رمزا للمقاومة اللبنانية في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي, وأدت مقاومة الحزب المستمرة إلى قرار إسرائيل بالانسحاب الانفرادي من الجنوب .
كذلك استمدت قوة الحزب من نفوذه السياسي وشعبيته الكبيرة داخل لبنان, وكانت المظاهرة الأخيرة التي حشدها الحزب وضمت مئات الآلاف خير مثال على ذلك, إضافة إلى خدماته الواسعة في المجال الاجتماعي ودوره في تحقيق الاستقرار في الجنوب, وصد الهجمات الإسرائيلية.

لماذا حزب الله الآن
يرى د. رفعت سيد أحمد أن إثارة مسألة ملف حزب الله الآن تأتي بالأساس من جانب الولايات المتحدة, ووراءها إسرائيل, وليست مثارة من الداخل اللبناني, وأن واشنطن تستهدف فى المقام الأول صرف الأنظار عن مشكلاتها في العراق وفشلها في تطبيق الديمقراطية هناك, وتريد أن تتخذ من لبنان نموذجا لتعويض هذا الفشل ليكون مثالا لباقي دول المنطقة في الديمقراطية, وذلك في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

أما السفير أحمد حسن, فيختلف مع سيد أحمد ويعتبر أن من الضروري فتح ملف حزب الله الآن بعيدا عن الالتفات للضغوط الخارجية, لأنه مسألة تمس سيادة ومستقبل لبنان, فلا يعقل أن يظل الجناح العسكري للحزب , ويظهر أنه دولة داخل الدولة, وأن الديمقراطية والسيادة تقتضي إزالة جميع صور التسلح غير الرسمي, وأن الجيش اللبناني والشرطة هي الجهة الوحيدة فقط التي ينبغي لها أن تحتكر القوة, وتستخدمها في حماية النظام الداخلي وفرض القانون, والدفاع عن سيادة واستقلال لبنان, أما تسلح حزب الله, فهو يتعارض بشكل أساسي مع اتفاق الطائف الذي نص على نزع أسلحة جميع المليشيات اللبنانية, كما أنه يمكن إحتواء عناصر الحزب المسلحة في إطار الجيش اللبناني الموحد, ويظل الجناح السياسي لحزب الله كطرف فاعل في الساحة السياسية اللبنانية في إطار لبنان موحد وديمقراطي, ونبذ الطائفية والفئوية التي تعطي الفرصة للآخرين للعبث باستقرار هذا البلد.

ويعتبر أحمد حسين أنه على الرغم من أن الظروف الحالية وموازين القوى لا تسمح بإمكانية نزع أسلحة الحزب, فعلى الأقل من المهم اتخاذ سياسات تدريجية تقوم على تقوية الجيش اللبناني وإحلال عناصره في الجنوب, وتأهيل مقاتلي حزب الله وإحتوائهم إما في الجيش أو توفير الوظائف المدنية لهم.

مستقبل حزب الله
يشير د. محمد عبد السلام الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والستراتيجية, إلى أن الحديث عن مستقبل حزب الله طرح ثلاث مرات من قبل:
الأولى مع ظهور احتمالات التسوية السلمية على المسار السوري الإسرائيلي في وايت بلنتيشن في عهد الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون, حيث طرحت قضية الحزب بسبب علاقته مع سورية وتوظيفه في إطار الستراتيجية السورية تجاه إسرائيل:
الثانية: أثناء إعلان إسرائيل عزمها الانسحاب من جنوب لبنان, حيث طرحت تل أبيب شروطا تتعلق بتسوية أوضاع الحزب, وذلك في إطار المسار اللبناني الإسرائيلي, لكن القضية لم تحسم نتيجة لانسحاب إسرائيل الانفرادي دون اتفاق مع الحكومة اللبنانية.

الثالثة: في منتصف التسعينيات مع حدوث توتر في العلاقات السورية الإيرانية, حيث كانت هناك علاقات قوية لسورية مع الولايات المتحدة التي كانت تضغط في اتجاه وقف دعم دمشق للحزب باعتباره منظمة تهدد أمن إسرائيل.
الرابعة: بعد انسحاب القوات السورية, حيث بدأت تطرح قضية الحزب بشكل متصاعد داخل وخارج لبنان .
لكن الحديث الآن ليس عن تفكيك حزب الله, فهو حزب سياسي وله نشاطات اجتماعية عديدة على الأرض اللبنانية, وإنما الحديث بشكل أساسي حول الجناح العسكري للحزب, أي المليشيات المسلحة التابعة له.

فهناك توافق في الحياة السياسية اللبنانية على أن الحزب يشكل طرفا أساسيا في المعادلة السياسية اللبنانية, كما أن الحزب التزم بالمناخ السياسي اللبناني, ولم يطرح أجندة خاصة به مثل أسلمة الدولة أوالإخلال بالتركيبة الطائفية الداخلية, كما اتسم سلوكه العسكري بالانضباط ولم يتسبب في إثارة القلاقل داخل لبنان, بل تمركز بشكل أساسي في الجنوب ليمارس دورا وظيفيا بحيث يبعد الحرج عن الجيش اللبناني .

لكن المشكلة أن الجناح العسكري يثير التساؤل حول وجود حزب له مليشيات عسكرية, خاصة بعدما تم تفكيك المليشيات المسلحة الأخري, ونزع أسلحتها. ولكن لماذا لم تحسم قضية الحزب خلال المرات الثلاث, وهل يمكن أن تحسم هذه المرة بعد الانسحاب السوري?
يؤكد د. عبد السلام, أن المرات الثلاثة السابقة التي أثيرت فيها مسألة مستقبل حزب الله, لم تفض إلى حسم هذه المسألة, خاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي الانفرادي من لبنان وذلك لعاملين:

الأول: أن إسرائيل انسحبت انفراديا وليس وفق اتفاق أو معاهدة سلام مع لبنان
وثانيها: استمرار إحتلال إسرائيل لمزارع شبعا التي تعتبرها لبنان تحت سيادتها وسيطرتها, وهو ما أعطى مبررا لاستمرار الجناح العسكري للحزب باعتباره حركة مقاومة وطنية, ومن ثم استخدم الحزب كورقة مساومة مع إسرائيل .

لكن هل ستحسم المسألة هذه المرة, وما هي احتمالات نزع أسلحة الحزب, وتفكيك مليشياته في الظروف الحالية, خاصة بعد الانسحاب السوري?
يرى د. عبد السلام أن هناك تسليحا خفيفا للحزب فلديه عددا من العربات العسكرية وصواريخ الكاتيوشا ومضادات الدبابات , ولديه 13 ألف عنصر مسلح, وهذا الأخطر فهؤلاء مقاتلون مدربون ومن الصعب نزع أسلحتهم بسهولة .
ويشير عبد السلام إلى أن هناك عددا من العوامل التي ترجح احتمال تسوية مسألة الحزب, وخاصة نزع أسلحته: وتتمثل في:

خروج القوات السورية من لبنان, وبالتإلى ضعف الدعم السوري المباشر للحزب.
الضغط الأميركي والإسرائيلي, وقيام واشنطن بحملة إعلامية وديبلوماسية دولية لاعتبار الحزب منظمة إرهابية تهدد الأمن والسلم الدوليين.
الظروف الدولية الحالية, والمناخ الدولي الضاغط على سورية والداعم للمعارضة.
الضغوط اللبنانية الداخلية , التي نجحت في إخراج القوات السورية.

لكن في المقابل هناك عوامل ترجح بقاء الحزب وجناحه العسكري وهي:
الانضباط الشديد للحزب في سلوكه السياسي داخل لبنان والتزامه بقواعد اللعبة السياسية.
عدم توقيع اتفاق سلام نهائي وشامل بين لبنان وإسرائيل.

وبالتإلى السؤال أي العوامل ستكون أقوي?

يري عبد السلام أن من الخطأ الاعتقاد بأن تفكيك الجناح العسكري للحزب من شأنه أن يضعف الجناح السياسي, وأنه سبب شهرته وقوته في الساحة اللبنانية, لكن مع ذلك فهو يرجح عوامل بقاء الجناح العسكري لعدة أسباب:

أن الحزب ذو وضعية خاصة في لبنان, وبالتالي مسألة نزع أسلحته مسألة معقدة ولن تحدث على الأقل في المدي القصير, ويؤكد على ذلك بأنه إذا كانت الضغوط الخارجية التي قادتها الولايات المتحدة وفرنسا ومعهما الأمم المتحدة, قد نجحت في إخراج القوات السورية, فذلك لأنه كان هناك توافق بين تلك الضغوط والضغوط الداخلية في لبنان والتي تصاعدت في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري, أما في حالة حزب الله فعلى الرغم من أن الضغوط عليه موجودة منذ فترة طويلة, خاصة من أميركا التي وضعته على قائمة المنظمات الإرهابية, إلا أنها لم تتلاق مع أية ضغوط داخلية, فالمعارضة اللبنانية انحصرت مطالبها في إقالة قادة الأجهزة الأمنية, وخروج القوات السورية, وتشكيل لجنة تحقيق دولية, ولم تطرح أبدا أو تطالب بنزع أسلحة الحزب, بل إنه بعد مظاهرة الحزب الضخمة والتي تجاوزت المليون شخص في ساحة رياض الصلح, تراجع خطاب المعارضة وأبدت مرونة كبيرة في علاقتها بالحزب وأبدى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط رغبته في توثيق التعاون مع الحزب, كما أن الولايات المتحدة أبدت واقعية في مسألة نزع أسلحة الحزب, حيث أشار الرئيس بوش في خطابه الأخير إلى أهمية أن يثبت حزب الله أنه ليس داعما للإرهاب, وأن يوقف تهديداته لإسرائيل.

من هنا يرى عبد السلام أن هناك أوراقا وقضايا كثيرة تشغل الداخل اللبناني مثل الانتخابات البرلمانية وانتخابات الرئاسة والوضع الاقتصادي المتدهور, وأن مسألة حزب الله هي آخر الأوراق والقضايا التي سيتم طرحها والتعامل معها. ولا أحد يريد فتح جبهة الآن تؤدي إلى قلقلة الوضع الداخلي وتكرار عملية الحريري, خاصة أن الشعب اللبناني قد بلغ مرحلة النضج السياسي التي تجعله حريصا ومجتمعا على تجنب العودة إلى استخدام السلاح أو معالجة الخلافات الداخلية بصورة عسكرية أو مسلحة تهدد بعودة شبح الحرب الأهلية التي عانوا وما يزالون من مرارتها ودمارها.

كذلك يرى عبد السلام أن نزع أسلحة الحزب وتفكيك المليشيا العسكرية تثير العديد من المشكلات, أهمها كيف سيتم استيعاب الثلاثة آلاف عنصر من المقاتلين في الحياة المدنية, وإيجاد وظائف لهم وإعادة تأهليهم, كذلك هل الجيش اللبناني قادر الآن على الانتشار في الجنوب, وحماية الحدود مع إسرائيل.

ثلاثة سيناريوهات:
يرى الخبير الستراتيجي د. عادل سليمان أن هناك ثلاثة سيناريوهات لمستقبل حزب الله:
الأول: أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بعقد صفقة مع إيران, بموجبه تقدم واشنطن تنازلات لطهران فيما يتعلق بملف برنامجها النووي وعدم إحالته لمجلس الأمن الدولي, مقابل أن توقف إيران دعمها القوي, خاصة اللوجستي, لحزب الله وبالتإلى يؤدي ذلك لإضعافه وسهولة الضغط عليه باتجاه نزع أسلحته.

الثاني: أن تضغط الولايات المتحدة على إسرائيل وتقنعها بالانسحاب من مزارع شبعا, بشكل انفرادي وذلك لسحب الشرعية عن استمرار حزب الله كحزب مقاومة يهدف لتحرير الأرض اللبنانية, وبالتإلى يسهل الضغط.
الثالث: أن تستخدم واشنطن أسلوب الجزرة مع سورية, بعد انسحابها وذلك باتجاه وقف الدعم النهائي لدمشق للحزب, ومن ثم إضعافه.

ويختلف د.عبد السلام مع هذه السيناريوهات الثلاثة: فبالنسبة لإيران, يري أن مصلحة طهران استمرار تسلح حزب الله كورقة للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة, في حالة تعرضها لعملية عسكرية, وهو ما يتفق معه السفير شكري, الذي يرى أن إيران تدعم حزب الله, لأنه امتداد للنفوذ الشيعي في الدول العربية, حيث يتبع حزب الله إيران وليس النجف في العراق, كما تستخدمه إيران ورقة ضد إسرائيل والضغط على الولايات المتحدة فيما يتعلق بملفها النووي, وليس العكس, ومن ثم الحزب محور ستراتيجي لتحرك إيران في المنطقة.
كذلك فإن انسحاب إسرائيل لن يؤدي بالضرورة إلى نزع صفة المقاومة عن الحزب, فسيظل موجودا لوقف أو صد أية هجمات عسكرية إسرائيلية مستقبلية.

وبالنسبة للسيناريو الثالث, يرى د.عبد السلام أن سورية لا تشكل دعما أساسيا للحزب, حتى أثناء وجودها في لبنان, وبالتإلى فإن انسحابها يعني وقف الدعم المباشر للحزب, ويرد عليه شكري بأن سورية ساهمت بشكل كبير في تقوية حزب الله, وهي حريصة أن يظل ورقة مهمة لمقاومة الضغوط الأميركية المتزايدة عليها, وورقة في صراعها مع إسرائيل بعد أن انسحبت من لبنان.

وبالتالى يرجح عبد السلام بقاء الجناح العسكري للحزب على الأقل في المدى المنظور.

تناقضات عديدة
يرى نائب مدير مركز الدراسات السياسية والستراتيجية بالأهرام د. محمد السيد سعيد, أنه على المدى البعيد, لا يتوافق وجود »حزب الله« ومليشياته المسلحة مع نظام ديمقراطي طبيعي, لكن المشكلة أن حزب الله ظهر في ظل ظروف استثنائية وغير طبيعية, وهي مستمرة حتي الآن, فالفترة ما بين عام 1978, وهي بدء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان, وبين عام 2000, الانسحاب الانفرادي منه, شكلت مناخا مهما وسياقا تاريخيا ساهم في نشأة وتطور حزب الله وتزايد نفوذه الداخلي.

ويعتبر د. سعيد أن هناك عدة تناقضات في الفترة الحالية تحيط بمستقبل حزب الله:
-تناقض الضغوط الخارجية: أن الحزب تاريخيا يمثل جزءا من النظام الدفاعي والنضال اللبناني أمام الضغوطات الأميركية والإسرائيلية المفتوحة وليس لها حدود على لبنان سورية, وبالتإلى كيف يطالب الأميركان بحل مليشيات الحزب وهم مستمرون في الضغط على سورية وفي إثارة التوتر في المنطقة, وبالتالى عليهم أن يوقفوا أو يخففوا هذه الضغوط وذلك تمهيدا لنزع أسلحة الحزب. فأميركا عندما تطالب بذلك كمن تطالب بإلغاء الجيش السوري , وهذا أمر غير منطقي.

تناقض العلاقة السورية اللبنانية:

هناك شعور شعبي جارف لدى غالبية الطوائف اللبنانية بضرورة العودة للحياة السياسية الطبيعية, وأن فكرة التلازم بين المسارين السوري واللبناني كأساس لتسوية الصراع مع إسرائيل, شكلت عبئا سياسيا ضخما على لبنان, برغم أنه الطرف الأضعف في هذا الصراع, وتحمل العبء الأكبر, في الوقت الذي توجد فيه علاقات سلام بين دول كبرى كمصر والأردن مع إسرائيل, وحتى الفلسطينيين دخلوا في تسويات مع إسرائيل, ومن ثم ليس منطقيا أن يظل لبنان جزءا وطرفا أساسيا في الصراع السوري الإسرائيلي, وأن يظل رهينة للسياسة والمصالح السورية للأبد, خصوصا أن الوضع الاقتصادي اللبناني بالغ السوء نتيجة لاستمرار مناخ الحرب, برغم من تحرر غالبية الأراضي اللبنانية, ولم تبق سوء مساحات صغيرة في مزارع شبعا.

ويرى د.سعيد أن هناك من يختلف مع تلك الحجة, فالذي تحمل العبء الأساسي ليس كل اللبنانيين, بل في الأساس هو حزب الله وغالبية الشيعة, وطالما هم راغبون في ذلك, فلماذا الامتعاض من جانب بقية الطوائف اللبنانية, التي تعيش في رخاء, وهي طرف غير مباشر في الصراع.
في المقابل فإن الجانب السوري لديه مشكلة فإذا كان غير راغب في تسوية الصراع مع إسرائيل بصورة سلمية وأضاع فرصا كثيرة لمبررات واهية تتعلق ببضعة أمتار على الحدود حول بحيرة طبرية, فلماذا يصر على استخدام لبنان كورقة تفاوضية والإصرار على تلازم المسارين?

بالتالى كما يرى سعيد هذا تناقض مهم يزيد الوضع اللبناني تعقيداً.

تناقض يرتبط بالحزب نفسه:
بقية الأحزاب اللبنانية قد تم نزع أسلحتها بعد الحرب الأهلية, فلماذا استثناء حزب الله من ذلك وإبقاء تسليحه, خاصة وأن إسرائيل انسحبت من جنوب لبنان طبقا للقرار 425, ولم يعد هناك مبررا قوي لاستمرار تسليحه.

أمام هذه التناقضات يطرح د. سعيد صيغة توازنية وسط بالنسبة لوضع حزب الله, تلبي الحد الأدني من مطالب كل طرف, تقوم على العودة التدريجية للحياة الطبيعية في لبنان وترسيخ سيادة الدولة, وهو ما يعني تقوية الجيش للانتشار في الجنوب وحماية الحدود اللبنانية, وهذا يلبي مطالب بقية الطوائف اللبنانية .

وفي نفس الوقت الحفاظ على أسلحة حزب الله كأداة لمواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية على كل من لبنان وسورية , مع سحب كل المظاهر العسكرية للحزب في الحياة الداخلية اللبنانية, وبالتإلى يعتبر نزع أسلحة الحزب فكرة عبثية.

ويتفق معه السفير محود شكري, فيري أنه برغم تصاعد الضغوط الدولية باتجاه نزع أسلحة حزب الله, إلا أنه مسألة صعبة نظرا لقوة تسليح الحزب ومهارة مقاتليه, وهم قادرون على خوض حرب عصابات شرسة, لن تتمكن أميركا من مواجهتها, إذا قررت مهاجمة الحزب كما حدث في العراق, كذلك ورقة لحماية لبنان من الهجمات الإسرائيلية.
ويعتبر شكري أن الانتخابات البرلمانية المقبلة في لبنان ستؤثر بشكل كبير على مستقبل الحزب, خاصة أنه يسعى للتحول لحزب سياسي كامل ونشط, وزيادة عدد مقاعده في البرلمان التي تبلغ 13 مقعدا, وتوظيف شعبيته في زيادة نفوذه وقوته في العملية السياسية اللبنانية.

وبالتالى على المدى البعيد ومع خروج لبنان من المرحلة الانتقالية التي يمر بها حاليا, يمكن أن يتحول حزب الله إلى حزب سياسي فقط ويتم تفكيك مليشياته المسلحة بقرار داخلي منه, وليس نتيجة لضغوط خارجية أو داخلية.
أما الوضع الحالى في لبنان فإنه لا يسمح بإثارة مسألة نزع أسلحة الحزب, لأن إثارة هذا الموضوع يفتح ملف أسلحة المخيمات الفلسطينية في لبنان, بما يعني فتح جبهة شائكة, غالبية الشعب اللبناني في غني عنها الآن, وبالتإلى طالما استمر الاحتلال الإسرائيلي سيظل الجناح العسكري لحزب الله, حتى يتم تحرير كافة الأراضي اللبنانية.

سيناريو التحول السياسي الكامل:
يطرح د. عبد الله الأشعل, سيناريو أن يتحول حزب الله إلى كيان سياسي فقط, خاصة مع تصاعد الضغوط الدولية والداخلية, ومرحلة ما بعد الانسحاب السوري , ويدعم ذلك السيناريو أن كيان حزب الله داخل البرلمان ووضعه في الشارع اللبناني يجعله يطمع في المشاركة في الحكومة , وذلك لما يتمتع به من نفوذ في الشارع اللبناني , وتغلغله داخل المجتمع سواء في النقابات والاتحادات العمالية والطلابية والمهنية ونقابتي المهندسين والأطباء, كما فتح باب الحوار مع الهيئات والشخصيات الروحية المسيحية, ولا أدل على ذلك من أنه اختار رئيس كتلة حزبه في البرلمان »جورج نجم« وهو مسيحي وقد ساهم الحزب أيضا في اللقاء والتنسيق مع الأحزاب والقوى السياسية الأخري اليسارية والقومية وتعددت مواقفه مع الحكومات اللبنانية المتعاقبة بين النقد والمهادنة , وهو ما حدث أثناء مد فترة الرئيس إميل لحود , حيث عارض بشدة في البداية ثم تفاوض مع الحكومة وأعلن موافقته وأبدى استعداده للمشاركة في الحكومة.

كما أن الحزب يسيطر اقتصاديا على منطقة الجنوب, خاصة البقاع وجنوب لبنان والغبيري, وأخذت مؤسسات الحزب في الانتشار, حيث يمتلك مؤسسات خاصة بالرعاية الصحية والاجتماعية والتربوية وإعاد البناء والإعمار, وبناء المدارس والمستوصفات .. إلخ.
وبالتالي فإن الحزب يمتلك القاعدة الكبيرة التي تمكنه من أن يتحول إلى تنظيم سياسي فقط وجزء أساسي من المعادلة اللبنانية, وأن يقبل بنزع أسلحته تدريجيا بعد مرحلة المقاومة.
أخيرا, فإن لبنان يمر بمرحلة انتقالية خطيرة وفارقة في تاريخه, تتطلب معها تكاتف جهود جميع اللبنانيين للخروج بوطنهم إلى برالأمان.

وأن مستقبل حزب الله يجب أن يقرره اللبنانيون أنفسهم وفق توافق وطني وبما يخدم المصلحة العليا اللبنانية, وترك الفرصة أمام الضغوط والتدخلات الخارجية بشأن نزع أسلحة الحزب و تقرير مستقبله من شأنها أن تغذي عناصر الفتنة والصدام , سيكون الشعب اللبناني هو الخاسر الوحيد فيها.

لقد حقق حزب الله إنجازات عديدة سواء على صعيد المقاومة وتحرير الأرض, أو على الأصعدة الداخلية, لكن في ظل الظروف الحالية فإن من الضروري إعادة النظر في وضع هذا الحزب ليندمج بشكل كامل في النسيج اللبناني, لتكريس سلطة وسيادة الدولة اللبنانية على كافة أراضيه والتأكيد على اتفاق الطائف الذي ينص على نزع أسلحة جميع المليشيات اللبنانية دون استثناء وإذا كانت هناك ظروف استثنائية أتاحت صعود حزب الله وجناحه العسكري, فلم تعد تلك المبررات موجودة, وأن الدور القادم لحزب الله هو فى قدرته على العمل كفاعل سياسى فى الخارطة اللبنانية وفقا لدولة القانون, وهذا هو السبيل الوحيد فقط لمنع تدويل الأزمة اللبنانية ووقف التدخلات الخارجية الساعية لتشكيل مستقبل لبنان.