المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنــــاس مــصــــابـون بـ«إدمـــــان الصيدلية»



على
02-22-2005, 08:25 AM
بعضهم يذهب إليها كأنه ذاهب إلى سوبر ماركت

تحقيق: محمد حنفي

تنتشر الصيدليات في كل مكان بالكويت، بل نجد في بعض الشوارع أربع أو خمس صيدليات، وإذا كانت الصورة التقليدية للصيدلية قد تغيرت فإن مرتاديها أيضا تغيروا، فهناك فئة من الناس ـ رجالا ونساء من الكبار والصغار ـ تتعامل مع الصيدلية كما لو كانت جمعية أو «سوبر ماركت». هؤلاء يقومون بزيارتها يوميا، بل إن بعضهم يرتاد الصيدلية عدة مرات في اليوم الواحد كأنهم أدمنوا الذهاب إليها.

يؤكد الدكتور عبد النبي العطار استشاري الباطنية أن افتقاد الناس إلى الثقافة الطبية هو الذي أسهم في إدمان البعض على الذهاب إلى الصيدلية لشراء الدواء. ويردف قائلا:

الكثير من الناس في بلادنا العربية ومن بينها الكويت مصابون بالوسواس القهري فيما يتعلق بالمرض والدواء والصحة. هؤلاء يعتقدون أنهم مصابون بكل أمراض الدنيا، ويعتقدون أن الذهاب إلى الصيدلية لشراء هذا الدواء أو ذاك سيشفيهم أو سيمنحهم الاطمئنان على صحتهم، فمجرد الذهاب إلى الصيدلية يعطيهم شعورا بالأمان. بل إن البعض مصاب بما يمكن أن نطلق عليه «آخر صرعة» في عالم الدواء، فما أن يسمعوا او يشاهدوا إعلانا عن دواء جديد أو يأخذوا علما بنزوله إلى الأسواق حتى يسعوا إلى الحصول عليه لتجربته كأن أجسامهم حقل تجارب.

ومن بين السلبيات الناتجة عن ضعف هذه الثقافة الطبية ما يتعلق بالأمراض المزمنة التي يحتاج المريض بها إلى عدة مستويات من العلاج، بعضها نحاول من خلاله استئصال المرض وبعضها نحاول من خلال الدواء السيطرة على الحالة وأعراضها. وإيقاف العلاج يمكن أن يضر بالمريض، وحالته قد تنتكس كما في حالات الضغط والسكر والقلب مثلا، فلا يوجد علاج لشفائها والمريض بها يتعاطى العلاج على فترات زمنية طويلة.

وما يحدث أن البعض يعتقد أن العيب في الدواء. وبسبب عدم وجود ثقافة طبية لدى المريض نفسه أو نتيجة لسماع كلام بعض مدعي الثقافة الطبية فإن البعض يلجأ إلى تغيير الدواء من تلقاء نفسه ويذهب إلى الصيدلية مرارا من أجل ذلك.

أطباء الديوانية
ويشير د. العطار إلى خطورة التأثر بما يدور في الديوانيات من كلام في الطب قائلا:

ساهم في حالة إدمان البعض للذهاب إلى الصيدلية أيضا تأثير الديوانيات والدوائر الاجتماعية، وهذا ينتشر في عالمنا العربي وفي الكويت بصفة خاصة فالجميع خبراء في كل شيء، وما يحدث أن البعض يتأثر بما يدور في جلسات الديوانيات، فالمريض يسمع أن فلانا الذي يعاني من مرضه نفسه تعاطى دواء ما وشعر ببعض التحسن، فهنا ينصحه رواد الديوانية بترك الدواء القديم الذي وصفه له الطبيب المختص وتعاطي هذا الدواء الجديد الذي حقق نتائج باهرة لصاحبه. وهذا التصرف خطير فالطبيب وحده هو الذي يحدد ما اذا كان هذا الدواء يفيد أم لا في حالة كل مريض على حدة وليس كلام الديوانيات.

وهنا أحمل وسائل الإعلام أيضا جزءا من إدمان البعض للذهاب إلى الصيدليات وشراء الأدوية، فمثلا نشاهد الآن في الفضائيات إعلانات عن بعض أدوية الضعف الجنسي كما حدث مع «الفياغرا» والشخص هنا يتأثر بالإعلان ويذهب من تلقاء نفسه إلى الصيدلية لشراء الدواء من دون معرفة أي معلومات عنه. كما أن بعض الأطباء لدينا أيضا يقعون في خطأ كبير ولديهم تقصير يتعلق بشرح الحالة للمريض بشكل دقيق بحيث يعرف طبيعة مرضه ومن أين جاء والتوقعات الإيجابية والسلبية على المدى القريب والبعيد. هنا يجب ان ندرب المرضى على أن يتمتعوا بالثقافة الطبية ليعرفوا كل شيء عن حالتهم وما يجب أن يتعاطوه وما يجب أن يبتعدوا عنه.

شوبنج في الصيدلية
كما يلفت العطار الأنظار إلى نقطة أخرى ساهمت في هذا الإدمان وجعل الذهاب إلى الصيدلية بمثابة «شوبنج» قائلا:

ـ هذا الضعف المنتشر في الثقافة الطبية جعل البعض يقع في أسر الصيدلية ويذهب إليها مرارا لعمل «شوبنج» للأدوية خصوصا فيما يتعلق بالهوس بالفيتامينات. فالبعض يدخل إلى الصيدليات لشراء الفيتامينات من دون وعي وعلى رغم أن لها دوراً حيوياً مهما للصحة إلا أن تناولها في أكثر الأحيان ليس له داع طبي، إذا استثنينا بعض الحالات مثل فيتامين «د» للكساح مثلا، وعلى هؤلاء أن يعلموا أنه في أكثر الحالات فإن هذه الفيتامينات ليس لها مزايا تفوق تأثيرها الموجود في الأطعمة بل إن البعض يصر على أن يكتب له الطبيب فيتامينات وإذا رفض يذهب بنفسه إلى الصيدلية لشرائها.

كما أن بعض المرضى إذا لم يكتب لهم الطبيب أي أدوية لأن حالتهم لا تستدعي يعتقدون أن هذا الطبيب لديه تقصير ويذهبون بأنفسهم لشراء الأدوية.

و هناك نقطة تتعلق أيضا بعدم وجود الثقافة وهي الخلط بين عمل الطبيب وعمل الصيدلي فمن المألوف دخول الكثيرين إلى الصيدلية لوصف حالتهم للصيدلي ويطلبون منه بعض الأدوية وهذا خطأ مع كل احترامي للصيادلة. أنا استفيد من الصيدلي فيما يتعلق ببعض الأدوية لكن لكل منا حدود في تخصصه والطبيب وحده هو الذي يصف الدواء وليس الصيدلي، وهذا الخلط جعل البعض كلما شعر بأي أعراض غير طبيعية يذهب إلى الصيدلي وليس إلى الطبيب.

وأخيرا فإن صورة الصيدلية التقليدية تغيرت، فالصيدلية الآن لا تبيع الدواء فقط بل أصبحت تبيع الإكسسوارات والصابون والشامبو والأدوات الرياضية ومواد التجميل وغيرها وليس لدي اعتراض على ذلك لأن الصيدلية في النهاية مشروع تجاري وصاحبها لديه الكثير من الفواتير والمصاريف. لكن يجب ألا نحول الصيدلية إلى سوبر ماركت فتطغى هذه السلع على الهدف من وجود الصيدلية وهي بيع الدواء.

الصيدلية رايح جاي
أما الصيدلي حجاج حسن فيرصد حالة الإدمان التي يشعر بها البعض حيال الصيدلية بقوله:

الكثير من الناس يأتون إلى الصيدلية بصفة يومية، بل يأتي بعضهم في اليوم الواحد أكثر من مرة، وبعضهم لا يكتفي بالحضور وإنما يتصل على مدار 24 ساعة للحصول على بعض الاستشارات خصوصا أن البعض لا يتسرع في الذهاب إلى الطبيب أو المستوصف ويفضل الحضور إلى الصيدلية للحصول على دواء لاسيما في الحالات البسيطة مثل البرد والكحة، وهذا من صميم عملنا لكن في أكثر الحالات نرفض صرف الدواء إذا كانت الحالة تستدعي العرض على طبيب. كما أننا لا نصف الدواء للمرضى، فعندما يكون المريض مصابا بالسكر مثلا ويريد تغيير دوائه ننصحه بأن يكون ذلك عبر الطبيب المختص، لكن عندما يحضر المريض ويطلب دواء بالاسم فنحن لا نمانع مادام لا يتطلب صرفه وصفة طبية. وعموما فالأدوية التي يتطلب صرفها وصفة طبية لا تزيد عن 5% والبقية لا تتطلب هذه الوصفة.

نساء ورجال وشباب
ويؤكد حسن أن من يترددون على الصيدليات يوميا من الجنسين ومن كل الأعمار وإن كان التفوق للنساء. ويضيف قوله:

بعض الأشخاص يأتون إلى الصيدلية ليسألوا عن الأدوية الجديدة التي سمعوا عنها مؤخرا في وسائل الإعلام وفي الإعلانات، فالرجال يسألون عن أدوية الضعف الجنسي وبعضها لا يباع إلا بوصفة طبية مثل «الفياغرا» و«السياليس» وبعضها عبارة عن أعشاب تباع بلا وصفة مثل «الغينسينج» والنساء تسأل عن مستحضرات التجميل والأدوية التي تساعد على زيادة الوزن أو النحافة بل إن هناك فئة من الشباب يترددون بكثرة على الصيدليات وهؤلاء يسألون عادة عن المنشطات ونرفض بالطبع بيعها لهم.

ليست سوبر ماركت
ويدافع حسن عن صورة الصيدلية الجديدة باعتبارها سوبر ماركت قائلا:

بالطبع صورة الصيدلية تغيرت مع التغيرات التي طرأت على حياتنا. ويتهم البعض الصيدلية بأنها أصبحت سوبر ماركت وهذا خطأ لأن كل ما يباع في الصيدلية له علاقة بالصحة سواء الأدوية وهي الأساس، أو مستحضرات التجميل والأدوات الرياضية والإكسسوارات التي تتعلق بالصحة، فلم تخرج الصيدلية عن إطار صحة الإنسان، كما تتوافر في الصيدلية أجهزة قياس الوزن والضغط ونبضات القلب وهي من الأسباب التي تجعل الناس يرتادون الصيدلية ربما عدة مرات في اليوم الواحد فبعضهم لديه وسواس ويريد القياس يوميا وربما عدة مرات في اليوم.