المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هاشمي رفسنجاني يتذكر ويروي «سيرة قائد وثورة»



جليل
01-31-2005, 10:25 AM
الذين يتحدثون عن سيّر الثورات، عادة ما يحكون عنها من خارجها,,, وأمامنا العديد من الثورات العظيمة التي لم يتمكن قادتها من الكتابة عنها، لكون الكتابة في حينها عن الثورة تعني أساسا الاجابة عن الأسئلة التي تحتاج اليها الثورة، أما عندما تنتهي الثورة، فان حال الكتابة عنها ينتقل من أيدي صانعي الثورة الى يد المؤرخين لها، والفرق شاسع بين ثورة تتحدث عن نفسها، وأخرى يحكى عنها, وقد فطن لينين الى هذه المفارقة حين كتب، ان «الثورة سوداء، والواقع رمادي اللون»,,, وهو بذلك يختزل وضعية الانتقال القسري من أفكار الثورة الى واقع الثورة.

علماً أن كل الثورات التي عرفها العصر الحديث انطلقت على هذا النحو، وتطورت الى أنظمة تتعايش مع أوضاع جديدة فرضت عليها، وتواجه بشكل يومي قياس أجوبتها عن أسئلة الداخل والخارج بموازين القوى والاكراهات الكبرى، اضافة الى الضغوطات والتحرشات الخارجية,,, وبمعنى آخر فان كل الثورات تبدأ جميلة ومنتشية، لكن تتحول مع مرور الزمن الى أنظمة سياسية باردة وجافة، وتحديداً الى أنظمة براغماتية، تجيب عن أسئلتها في حدود الأهداف والمصالح,,, حتى أن المعاينة العادية لتاريخ الثورات، تظهر البدايات وما آل اليه حال الثورات كردات رجعية وتخلياً عن روح وثوابت الثورة، أو تملصاً وانقلاباً عليها، والحال أن الأمر ليس دائما كذلك، فالثورات تأكل نفسها، على هذا النحو أو بغيره.

أي أنها تنتقل من ميتافيزيقا الثورة الى واقعية التأسيس والتراكم وممارسة صراع الاستمرار_ وليس خفياً أن كل الثورات الحديثة التي صنعت نفسها بقوة الشعوب أو على ظهور الدبابات تحولت الى نماذج سياسية مبتعدة أو مناقضة لأفكارها ومنطلقاتها، بل ان ما تبقى من الثورات التي عرفها القرن الماضي كالثورة الصينية والايرانية تمثلان فرادة عجيبة لقدرتهما على ملاءمة ثوابت ثورتهما مع تطورات العصر، لدرجة تكاد تكون فيها الصين البلد الوحيد الذي ينظم نفسه بمؤسسات شيوعية بخلفية اقتصادية رأسمالية واضحة، وتكاد تكون ايران البلد الاسلامي الوحيد الذي يدير شأنه السياسي بمؤسسات على قدر كبير من الاختلاف مع السائد من الأنظمة في العالم العربي والاسلامي, ولهذا السبب ظلت صعبة على الامساك والتحكم فيها من قبل الغرب، وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية، أو عصية على الدخول في الطابور، كما أريد لها منذ أزيد من ربع قرن, وان كانت الأسئلة حول قدر هذه الثورة ومصيرها لم تكتمل بعد! ولكن ثمة تراكما قد حققته لجعلها نموذجا يستحق الاهتمام والمتابعة.

والواقع أن ايران الثورة، كانت دائماً موضوع اهتمام الدارسين منذ انطلاقتها، وقد كتب عنها الكثير,,, وكذا عن قادتها ومفكريها، لكن الحديث عن الثورة الاسلامية الايرانية بأقلام قادتها يبقى استثناء نادرا وغير مكرور في العديد من الثورات، فالثورات يكتب عنها الآخرون، وليس قادتها، وقد فطن الرئيس الايراني السابق هاشمي رفسنجاني الى هذه القاعدة، فكان متهيباً للكتابة عن تاريخ الثورة الايرانية التي مازالت في طور النشوء والاستمرار، اضافة الى أن الكتابة عن ثورة من طرف أحد صانعيها، هي كتابة عن وجهة نظر خاصة من الثورة، وتحديدا عن مفصل من فصولها الكثيرة والمتباينة.

لذلك فقد كتب الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، عن دوره في الثورة، وهو مفصل طبيعي ومشروع لشخصية فاعلية، ساهمت في انجاح الثورة الايرانية، فكتب عن الأسباب التي أدت الى اندلاعها، أي عن أوضاع عاشها الشعب الايراني وتقاسم ضراوة مرارتها كما كتب عن نشأته، وبداياته وانخراطه في النضال السياسي، الى حين تقلده منصب رئيس الجمهورية, كون الكتابة عن أدوار شخصية في تحولات مجتمع وأمة لا تكتمل الا بالاحاطة بالمنطلقات والنوازع والغايات، لذلك فان مذكرات الرئيس هاشمي رفسنجاني قد ضمنت تفاصيل مهمة من تاريخ الثورة الايرانية___ وانْ كانت لا تؤرخ للثورة الا في جوانب جزئية منها، فجاءت أكثر من سيرة ذاتية، ووثيقة تاريخية مهمة، لكنها أقل من تأريخ لثورة، صنفت من بين أهم الثورات التي عرفها القرن العشرون، وشكلت منذ عام 1979 منعطفاً تاريخياً واستراتيجياً شغل العالم كله، ودفع الغرب الى التحرك لاحتواء امتداداتها، والهائها بحرب طويلة، وحصارها اقتصادياً وتجارياً,,, ومواصلة الضغط عليها بالوسائل نفسها الى الآن.

وقد حاول هاشمي رفسنجاني في سيرته الذاتية الحديث عن حلقات الضغط التي تعرضت لها الثورة الايرانية، لكن قبل ذلك تحدث عن سيرة رجل عاش تقلبات بلده، منذ أن فتح عينيه وسط أسرة كبيرة ومشهورة في رفسنجان في مقاطعة كرمان، وسنوات تعليمه الأولى، الى حين انتقاله الى مدينة قم، وتتلمذه على يد قائد الثورة آية الله الخميني، وتخرجه بدرجة «حجة الاسلام» في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، واختياره بعد ذلك معارضة نظام محمد رضا شاه بهلوي، حيث وجد نفسه منذ البداية في الصفوف الأولى لحركات الاحتجاج، ثم تقلده منصب منسق القوى السياسية الايرانية المؤيدة للخميني، وسجن بسبب نشاطه هذا ثلاث سنوات ما بين 1975 و1977.

بعد سقوط نظام الشاه، اختير رفسنجاني عضواً في مجلس الثورة، ثم قياديا في الحزب الجمهوري الاسلامي، الذي أسس مباشرة بعد تقلد الخميني نظام الحكم في ايران، الا أن رفسنجاني ذاعت شهرته، وعرف على نطاق واسع كرئيس للبرلمان الايراني في السنوات العشر الأولى من الثورة، وبعد ذلك أثناء رئاسته للقوات المسلحة الايرانية في السنوات ما بين 1988 و1989.

بعد رحيل الخميني في عام 1989، كان رفسنجاني قد راكم تجربة سياسية مكنته من الفوز بالانتخابات الرئاسية بنسبة 95 في المئة، ودشن فترة حكمه بانتهاج برنامج سياسي واقتصادي قائم على قدر كبير من الانفتاح والليبرالية، وهو ما مكنه من التغلب على العديد من الصعوبات والمشاكل الاقتصادية التي كانت تعاني منها ايران، فتميزت فترة حكمه بتشجيع المبادرة الحرة، ودعم قانون السوق الحرة، وانفتاح ايران على الاستثمارات الأجنبية، اضافة الى قدرته على ابقاء بلاده بعيدة من ضغوطات الحصار الأميركي، واعتماد الحياد في الحرب الأميركية على العراق، مقابل تجديد علاقة بلاده مع العديد من الدول الأوروبية.

أما على المستوى الداخلي فقد قام بدور ملحوظ في دعم قوى الاصلاح والحداثة والانفتاح, فكانت فترة حكمه التي تمت على فترتين رئاسيتين، فترة عضدت من قوة ايران وشكلت بالنسبة للتيار الليبرالي جسراً للاستفادة من قوة النظام، وظهر ذلك جلياً في دعم هاشمي رفسنجاني عام 1997 لترشيح الاصلاحي خاتمي لرئاسة الجمهورية، وتدخله شخصياً لمنع عمليات تزوير محتملة للانتخابات، كان المحافظون يعدون لها، حيث تمكن خاتمي بسبب هذا الدعم من الفوز 70 في المئة من أصوات الناخبين، لكن الرجل وانْ كان بارعاً في استثمار التوازنات السياسية، فان انقلاب الاصلاحيين عليه، ومعارضتهم له لرئاسة البرلمان، دفع به الى الاحتماء بالمحافظين الذين أوصلوه الى رئاسة «مجمع تشخيص مصلحة النظام» ومهمته البت في القوانين العالقة بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وهي هيئة يعتبرها الاصلاحيون معرقلة للاصلاح بحجة اعتراضها على القوانين الصادرة عن البرلمان الذي يشكل الاصلاحيون الأغلبية فيه.

لكن هاشمي رفسنجاني الذي يضع قلبه مع الاصلاحيين، ومصلحته مع المحافظين، يقدم نفسه حاليا بتصنيف سياسي جديد، يسمى تيار «المحافظون الجدد»، وهو تيار يحكم المعاملات السياسية، بقواعد براغماتية صرفة، تراهن على التجديد في الثورة وحركية ثوابتها، وذلك على خلفية أن جموح الاصلاح قد يقتل توابث الثورة، والمحافظة المتطرفة، قد تحنط الثورة وتنهيها,,, وتبقى الحاجة الى طريق ثالث، يأخذ من المحافظين والاصلاحيين ويتباين معهما.
ونعرض في ما يلي موجزا من أهم فصول كتاب مذكرات رافسنجاني التي تناول فيها بكثير من التفصيل مجمل المحطات السياسية التي قادت الى الثورة وما بعدها، مع تقديم حلقات يومية للكتاب بداية من اليوم الاثنين.


الحلقة الاولى

احدى ذكرياتي الجميلة، كانت جائزة قدمها اليّ المرحوم آية الله العظمى البروجردي، الذي كنا نحبّه حبًّا جماً، وكنا نشعر بالسعادة لمجرد النظر الى وجهه، كنت في ذلك الحين قد درست «السيوطي» و«الحاشية»، فكتبت رسالة الى السيد البروجردي، ذكرت فيها أنني أحفظ أشعار «ألفية ابن مالك»، ومتن «تهذيب المنطق»، وجزءاً ونصف الجزء من القرآن الكريم، وأنني مستعد لأن أُمتَحَنَ في حضوره, كان دأبُه تشجيع الطلبة الذين يبذلون مثل هذه الجهود، ويوفّقون، مع اهتمام خاص بحفظ القرآن الكريم وأشعار «ألفية ابن مالك» التي هي دورة صعبة من قواعد اللغة العربية.

في أحد الأيام، في منزل حضرته، وقد أقيم مجلس عزاء، وصعد السيد فلسفي المنبر، انتهزت الفرصة، وسلمته الرسالة يداً بيد، وجلست في مواجهته, قرأ رسالتي مباشرة وقال:

أحفظتَ هذا كلَّه؟
ـ قلت: نعم.
قال: أأنت مستعد للامتحان؟
ـ قلت: نعم.
بعد الجلسة، أضاف الحاج محمد حسين الى تلك الجائزة ثياباً مستعملة، لم يعجبني الأمر، فقد جرح كبريائي، فغادرت المكان باكياً.
لم يتصارع الخميني فربح المستقبل
يمكننا أن نقول اليوم، انطلاقاً من قراءة المعلومات التي نملكها قراءة سياسية، وتجميع المواضيع السياسية ـ في مرحلة مرجعية السيد البروجردي:

1 ـ لو أن الامام الخميني في عصر السيد البروجردي، تدخّل في الصراعات السياسية، لما نجح، لعدم الانسجام بينهما، ولضاعت الفرص المستقبلية، وقد عرفت في ما بعد أن الامام كان يحسب حساب المستقبل.

2 ـمثل هذا التحرك، كان بحاجة الى القوى الموالية, في عصر السيد البروجردي كانت الأكثرية المطلقة من الطلبة تابعة له، ولم نكن نحن مستعدين نفسياً لتحمل أعباء أي اهانة يمكن أن توجّه اليه، وحين كنا نسمع أحياناً أن بعض الأشخاص ينتقدونه، كنا نتألم بشدة، ونعد هذه المعارضة منافية للاسلام وللايمان.

3 ـ كان مقام السيد البروجردي يفرض عليه حيث يرى مصلحة، أن يقيم علاقات، وزيارات، ويوجه برقيات تعزية، ولم تكن هذه المواقف تضر بقيمته المعنوية، مع أن بعض القوى في الحوزة كانت في موقع النضال ضد البلاط ونظام الشاه.

4 ـ كان حزب «توده»، قد أفسد بمواقفه المعادية للدين واهانته للمقدسات، ساحة العمل السياسي والنضالي، وأوجد ذهنية لدى المتدينين ترى أن الخطر الأساسي يكمن في انتصار «حزب توده».

5 ـ مع الأخذ في الاعتبار نفوذ المرجعية العظيم، الا أن البعض كان يعتقد أن فرصاً كثيرة قد ضاعت في عصر السيد البروجردي، انما كان له في جميع الأحوال تأثير ايجابي في تاريخ المرجعية.

6 ـ بعض انجازات السيد البروجردي، كتأسيس «دار التقريب»، وتأسيس «مركز هامبورغ الاسلامي»، يدل على تفكيره الراقي، كان يتردد أحياناً، أنه كان يشير بحسرة الى الوضع القائم قائلاً: «ما أكثر الأفكار والأهداف التي كنت أملكها، وها أنا الآن مشغولٌ باعطاء المال وقبضه», يؤكد ذلك، موقع فتاواه وميوله الثقافية التي انعكست في بعض الميادين، كصلاة الجمعة، والتجديد في أساليب الاجتهاد، والحث على تحضير «جامع الأحاديث».

7 ـ تمتعت المرجعية في عصر السيد البروجردي بالمنعة والمكانة الرفيعة, لم يكن يَسمح بأن يهان الطلبة, وكمثال على ذلك، دفاعه عن السيد خزعلي: الذي اتُهم أنه أورد في احدى خطبه في رفسنجان عبارة قاسية بحقّ الشاه، مضمونها التقريبي، أن الشاه كالخاتم في يد السيد البروجردي، يستطيع ساعة يشاء أن يخلَعَه، وقد نُفي بسبب هذه التهمة، فتدخل البروجردي وأرسل رسالة يحتج فيها على معاملة الطلبة بهذه الطريقة.

8ـ في الوقت نفسه، كان موقفه في بعض الأحيان موضع انتقاد الخاصة، مع أن مثل هذه المواقف كانت تحمّل عادةً لأحد أتباعه.

اذا تجاوزنا المسائل السياسية، فقد كانت بعض مواقفه الأخرى تثير التساؤلات: كمعارضته الجدّية لالتحاق طلبة العلوم الدينية بالجامعة، بحيث حُرِموا من مخصّصاتهم الشهرية.

أول منعطف سياسي
في ذلك الوقت، كان لدى الطبقة الدينية التقليدية، حساسية خاصة بالنسبة الى النساء، فكان لا بد من الاستفادة من مثل هذه المجالات، لتنوير الرأي العام وتثويره ردًّا على مغالطات الحكم.
وقد عالج الامام الخميني هذا الجانب بطريقة ذكية جداً؛ وكان منطقه هو التالي:

ـ متى منحتم الرجال الحرية، وأعطيتموهم حق الانتخاب، لتفكروا الآن بالنساء؟ وبهذا البيان يكون النظام قد سُلب شعاره التقدمي هذا.

الأحزاب ومقاومة رجال الدين
في أثناء جهاد «العلماء» الذي استمر شهرين، كان للأحزاب والتنظيمات السياسية: حزب توده (الحزب الشيوعي)، الجبهة الوطنية، نهضت آزادي (المقاومة الحرة) موقف مشترك معبّرٌ عن استيائهم جميعاً من قوة العلماء.

ربما كان يروق للبعض منهم الاستفادة من حركة العلماء سياسياً، بحيث يعبّئون الناس، دون أن يصيروا قوة، وقد كان لنا مع بعضهم لقاءات ومباحثات، كانوا الى حدّ ما يعتقدون أن «المؤسسة الدينية» بسيطة، ليست متعمقة في جذور المشكلات، بل انها تأخذ الأمور على المحمل السطحي، لذلك كانوا في أعماقهم قلقين من انتزاع العلماء الساحة من بين أيديهم، وأن تتميز عليهم في معارضة النظام ومقاومته, في كل الأحوال كان القاسم المشترك بين الشيوعيين والآخرين معارضتهم لمحورية العلماء في المقاومة.

نهج الامام في المقاومة
منذ اليوم الأول، كان هدف الامام النضال لاسقاط الشاه ونظام حكمه، وكان يستفيد بذكاء من جميع الفرص المتاحة لتحقيق هذا الهدف، على الرغم من أنه لم يكن يحظى بدعم جميع الأطراف.
لم يمرّ وقت طويل حتى تيسّرت الظروف الملائمة، وأصبحت وللمرة الاولى المواجهة علنية، حين اتخذ الامام وسائر العلماء موقفاً من سفر الشاه الى قم، سنة 1341 (1962م).

فقد فكر الامام بالتنسيق مع آخرين، بتدبير يقضي بأن يلازم الناس بيوتهم في أثناء هذه الزيارة، وقد كان تجاوب الناس جيداً، وهذا معناه، أن الشعب لا يؤيد الشاه، لذا لم يشارك في مراسم استقباله.

تحريم احتفالات النوروز

حادثة تحريم احتفالات العيد، أحرجت الحكم، فلجأ الى تضليل الجماهير بعبارات من قبيل: «هؤلاء لا يريدون للناس الا البكاء، وبما أن الناس يفرحون في عيد النوروز، يريدون أيضاً أن يحرموهم من هذا العيد».

اضافة الى ذلك لجأوا الى نوعٍ آخر من التضليل، بأن أظهروا القضية وكأنها قضية دينية محضة، وأغفلوا وجهها السياسي، متذرعين بأن موعد العيد في ذلك العام صادف ذكرى استشهاد الامام الصادق، ولكنّ جهودهم لم تثمر، وكان لتحريم العيد تأثير جيد.

الاعتقال الأول
كان أول اعتقال لي في الواقع، قبل بدء المقاومة بسنوات عدة، وربما كنت أول طالبٍ، اعتقاله مرتبط بمقاومة العائلة الپهلوية_ كنت قد سافرت الى همدان، للتبليغ، في العشر الأوائل من المحرّم، التي صادفت سقوط النظام الملكي في العراق، في كلامي، حذّرت حكومة ايران، ووجهت اليها انتقادات لاذعة؛ كنت شاباً وكانت مواعظي لافتة، ومعرفتي وثيقة وعلاقاتي حميمة بالشيخ ملا علي، وآية الله بني صدر والعلماء والطلاب، بعد احدى الخطب، في التاسع أو العاشر من المحرم، اعتُقلتُ في أحد متاجر أصفهان، ونُقلتُ الى المخفر.
نقلونا بعد يومين الى «فيشر اباد», هناك أجبرونا على أن نرتدي الزيّ العسكري الرسمي, عند ذلك صدّقنا أننا مجنّدون.

بابا: أصبحت شرطياً؟
طُرِحت مسألة الثياب في الاجازات، فقد كان يُحظر على الجنود استخدام لباسهم الشرعي، وكان بعض الطلبة يخرجون باللباس العسكري، أما أنا فقد كنت أحتفظ بملابسي معي، وكنت أبدّلها في مكتب أخ زوجتي الذي كان قريباً من ثكنة «باغ شاه».في البال خاطرة جميلة بشأن اللباس تتعلق بابنتي الكبرى «فاطمة»، وقد كانت في الثالثة من عمرها، جاءت بصحبة أمها للزيارة، وكان قد حضر أيضاً بعض العلماء من بينهم السيد علوي بروجردي, لم تكن فاطمة تتوقّع أن تراني بلباس الجيش، فما أن نظرت اليّ وعرفتني حتى قالت: بابا، صرت شرطيّاً؟ هذا المشهد أبكى الحاضرين.

الفرار من الثكنة
أُعلنت حالة التأهب وأُلغيت الاجازات كليّاً، ولم يُسمح لأحدٍ بالخروج,,, قصدت ضابطا، وقلت له انّ طفلتي مريضة، كانت قد أصيبت بمرض الشلل، كنت قد عرفت هذا الخبر في احدى الزيارات السابقة، وقد كان هو على علم بالأمر، تذرّعت بمرض الطفلة، وقلت له ان عائلتي قلقة، وكيفما كان الأمر أريد تصريحاً بالخروج، فأخذ لي تصريحاً.تهيّأت للخروج، ولم أخبر الطلبة أنني قد صممت أن لا أعود، أظن أن ذلك كان في الواحد والعشرين من شهر خرداد، بعد خمسة أو ستة أيام من حادثة 15 خرداد، لا أتذكر التاريخ بدقة، ولكن اذا حسبت مدة التجنيد التي بلغت ستين أو واحداً وستين يوماً، يكون تاريخ المغادرة في العشرين أو الواحد والعشرين من خرداد.

اسم مستعار
بعد هذه الحادثة، وقد تأكدت أنني ملاحق، احتطت للأمر، ولم يكن وضعنا المادي في تلك الأيام مرضياً منذ بدأ التجنيد، فقررت أن أسافر للتبليغ الى مكان بعيد، تحت اسم مستعار، فسافرت في الأيام العشرة الأواخر من صفر الى بيرجند، وقضيت هنالك عشرة أيام، كنت أقيم في المدرسة، وأذهب الى المنبر، لم يكن الوضع سيئاً، كنت قلقاً الى حد ما، ولكن الشعور بالواجب من ناحية، والحاجة المادية من ناحية أخرى، اضافةً الى التّعب النفسي من حالة الفرار والاختفاء، أمدّتني مجتمعة بالجرأة والشجاعة.

كتاب القضية الفلسطينية
قرّرت أن أنجز عملاً، على الرغم من الحياة السرية، وقد كنت قد كتبت في العدد الأخير من نشرة «مكتب تشيع» مقالة عن فلسطين، كان لها وقع كبير في تلك الأيام، فقد كانت القضية الفلسطينية مسألة غير مطروحة في ايران، استعنت لكتابة هذه المقالة، بكتاب أعطانيه المرحوم آية الله الحاج ميرزا خليل كمره اى، بعنوان «القضية الفلسطينية» لأكرم زعيتر, وقد تأثرت بهذا الكتاب الى حدّ أنني بكيت أكثر من مرّة وأنا أطالعه.

تحقير وتعذيب
هذه المرة حضر عَضُدي، قال لي: «أريد أن أقدم لك عيديّة وأريد منك مثلها، عيديّتي لك هي حريتك، وعيديتنا منك أن تساعدنا في اجتثاث جذور الارهاب، فزوِّدْنا بما تعرف من معلومات!».

بما أنني كنت قد سمعت أن السيد الحكيم قد تدخّل، وبناءً على ذلك تمّ الافراج عن المعتقلين، كنت أشعر بالدّعم، فوقفت بثبات، وقلت محتدّاً: «أنتم جلادون، ما هذه المعاملة التي عاملتموني بها؟» توجه نحوي قليلاً: «أتظن أننا نخاف من السيّد الحكيم أو من غيره؟» ثم شرع من جديد بتطبيق برنامج مشدّد لتعذيبي.

سجن القصر: القسم 4
دخلنا سجن القصر، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها الحبس العمومي، لم أجرب في الماضي سوى الحبس الانفرادي فقط، ففي اعتقالي الأول قضيت المدة كلها (عدا بضع ساعات) في الحبس الانفرادي، وهذه المرة أيضاً قبل اكتمال الملف كنت في الانفرادي.
حسناً، الحبس العمومي كانت له بالنسبة الينا جاذبية خاصة، وجميع الذين يسجنون لدوافع سياسية يحبون رؤية السجن العمومي، في تلك الأيام كان نزلاء الجناح رقم/4 في سجن القصر خليطاً من بقايا المقاومة الحرة، مثل الدكتور شيباني وعلي بابايي والسيد محمد جواد حجّتي، الذي اعتقل لعلاقته بحزب الملة الاسلامي, الذين كانوا في الجناح رقم/3 - ومجموعة من معتقلي 15 خرداد مثل السادة خاقان ومحمد أقاي باقري وشهاب ومجموعة من القوى الاسلامية المتحالفة ومجموعة من الشيوعيين وكان هنالك أيضاً الشهيد محمد منتظري.

كان معنا في القسم أيضاً منصوري وكامراني اللذان سجنا بعد حادثة قصر المرمر ومحاولة اغتيال الشاه، وكذلك آية الله طالقاني والمهندس بازرگان كانا هنا، وقد أفرج عنهما قبل بضعة أسابيع بمناسبة احتفالات التتويج.

كان تحت تصرفنا غرفتان باسم مقر المتدينين، ومقر لقدامى الشيوعيين المسجونين مؤبداً، باسم مقرّ الشيوعيين.
تأمين سبل العيش
مُنع في هذا الحين عدد من الأصدقاء من الوعظ والكتابة، فأحسسنا بثقل أعبائهم: كانوا بحاجة الى مصروف جيب، والى تأمين أسباب الحياة,,, كان يجب أن نفكر بحلّ هذه المشكلات على نحو يشغل أوقاتهم، ويساعدهم في تدبير شؤون حياتهم؛ كنا في الوقت نفسه بحاجة الى ستار كي لا ينكشف نشاطنا, فقد كنا تحت المراقبة.
أنا كنت أعمد أحياناً - كي يكون الستار محكماً - الى شراء قطعة أرض أبني عليها منزلاً، أسكن فيه سنة أو سنتين، ثم أبيعه بربح معقول يساعدني في حل مشاكلي الحياتية، وفي مساعدة من يحتاج من رفاق المعركة.

مع المجموعات المسلّحة
كان في الحبس العمومي عدد كبير من المعتقلين، فنحو ست عشرة مجموعة مسلحة، وبأسماء مُختلفةٍ، كانت قد كُشفت، وكان هنالك أيضاً السيد ربّاني شيرازي، كما أن معظم أعضاء منظمة مجاهدي خلق ـ عدا المجموعة المركزية ـ كانوا هنالك, من الأشخاص الذين أتذكرهم المهندس سحابي والسيد محمد توسلي، اللذين كانا يشاركانني التهمة نفسها تقريباً, مجموعة المجاهدين كانوا ينتهجون أسلوب (التأطير)، وكانوا قد وضعوا السجن تحت تصرفهم, كان لنا هنالك برنامجٌ خطابي، وهم كانوا ينشدون الأناشيد الحماسية، وكان بينهم واحد يدعى سحر خيز ـ من مجموعة فدائيي خلق - كان يردد نشيداً، أعجبني كثيراً وقد حفظته:
«قم وناضل، أيها الشعب المناضل، حطّم الأغلال، كسّر الأقفاص».

احدى ذكريات «قزل قلعة»
احدى ذكريات هذا السجن الطيبة، التي لا تزال في خاطري، هي تلك المرة التي اشترى فيها السيد مرواريد صندوق فاكهة، وأعطاه لعائلتي لتقدّمه اليّ في السجن, في «قزل قلعة» لكنهم رفضوا السماح لهم بادخال الصندوق، وبما أن اعادته صعبة ومتعبة والعائلة بحاجة الى المال، قررت بيعه الى تاجر فاكهة قريب من السجن، وهنالك التقت العائلة وجهاً لوجه بالسيد مرواريد، فكان الموقف محرجاً ومخجلاً، وحُلّ الاشكال بعد التوضيح.

اللقاء بعرفاتكان للقائي بياسر عرفات قيمة كبيرة، وأهمية تاريخية، لا أتذكر تفاصيل المحادثات التي دارت في ذلك اللقاء، الذي تبين لي فيه أن ياسر عرفات والفلسطينيين المشاركين، كانوا يعرفونني من خلال ترجمتي لكتاب أكرم زعيتر «القضية الفلسطينية»، أما ياسر عرفات فقد كان بالنسبة لي ولجميع المناضلين شخصية معروفة.كان النقاش حول أساليب الثورة هو محور اللقاء، وقد كنا نحن في تلك الأيام، متأثرين جداً بتجاربهم في أساليب النضال، واقامة التنظيمات، وشبكات الارتباط السريّة والواسعة، التي كانوا يمتلكونها، وقد أنشأوا لهم قواعد في عدد كبير من البلدان.

العباءة والتشادر
حكمت عليّ المحكمة البدائية بالسجن لمدة ست سنوات، ففكرت أن أكمل العمل في السجن، ولكن في الاستئناف، بعد توصية من العلامة الخوانساري، اختُصِرت المدة الى ثلاث سنوات، فأدركتُ أنني لن أتمكّن من اتمام العمل في السجن، لذلك قررت أن أهرّب الدفاتر من السجن، خوفاً من مصادرة السافاك لحصيلة التعب، وكنا قد رأينا الكثير من أفعاله المؤذية والدنيئة هذه، كما أن الأصدقاء نبّهوني الى هذا الأمر.يسّر الله لنا طريق الخلاص حين صار يُسمح للزوار بالدخول، بعد أن كانت اللقاءات تتم من وراء الزجاج، كنت في أثناء كل زيارة من الزيارات أسلّم وأنا خائف مضطرب، دفتراً أو أكثر الى زوجتي من تحت العباءة الى تحت التشادر، وكانت هي تعرض نفسها بهذا العمل للخطر، بشجاعة مميزة_ فقد كانت زوجتي تعرف أن حصاد عملي هذا، قيمته عالية، لي وللمجتمع الاسلامي، لذلك قامت بتهريب الدفاتر من السجن، ولم تواجه أيّ خطر بحمد الله ومنّته.

برنامج المطارحات الشعرية
من تسلياتنا، أننا كنا نتحلّق حول بعضنا، وقد تقرر أن يُنشد كلٌّ منا بيتاً أو بيتين من الشعر بصوت عالٍ، كان بعض الأصدقاء يستصعبون الانشاد، ولكننا كنا نصر على مشاركة الجميع، وكانت فرصة للتسلية؛ تخيلوا مشهد السيد طالقاني والسيد منتظري وهما ينشدان! أنا أيضاً لا أملك صوتاً جميلاً، وقد قال السيد طالقاني بعد أن أنشدت بيتين ممازحاً: «فهمنا الآن، ما هي الفلسفة الكامنة من وراء تحريم الغناء!».تتداعى الآن الى ذهني خاطرة تعود الى الزمن الذي كنت أذهب فيه الى أصفهان للتبليغ، أنشدت مرة مجلس العزاء بصوت عالٍ، بعد أن غادرت، صعد أحد معارفي الى جانبي في السيارة وقال لي: «لي عندك رجاء، أن لا تنشد بعد اليوم».

جليل
02-01-2005, 12:08 PM
الحلقة الثانية


اسم والدي: الحاج ميرزا علي هاشمي بهرماني

واسم والدتي: ماه بي بي صفريان, كان اختيار اسم «هاشمي» لعائلتنا، مع أننا لسنا من السادة الهاشميين، سببه أن اسم جد والدنا كان الحاج هاشم، وكان صاحب أملاك شاسعة في المنطقة، وإمكانات كبيرة، وكان متعدد الزيجات، وبقي من نسله عوائل عدة باسم هاشمي بإضافة سابقة أو لاحقة خاصة لكل منها: هاشمي پور، هاشمي بهرماني، هاشميان وغير ذلك.تلقى أبي قدراً من العلوم الحوزوية بحدود المعالم والمطوّل, وما أتذكره، أن السبب في أنه يعيش في الريف، كان إلى حدّ ما، الضغوطات التي يتعرض لها المتدينون في العهد الپهلوي, ولقد ارتضت عائلتنا بالطبع الحياة في الريف، ولقد كان أبي موضع تقدير الناس، يرجعون إليه في الأمور الاجتماعية والدينية، ويعمل على حلّ خلافاتهم.

في شهر رمضان، كان الناس ينظّمون برامج الإفطار والسحور وصلاة الصبح، باستماعهم إلى صوته مؤذناً وقارئاً للمنظومة المنسوبة إلى الإمام علي «لك الحمد يا ذا الجود والمجد العلي».
كان لسيرته وأفعاله تأثير كبير في التربية الدينية والأخلاقية لأبنائه وأقاربه وأنسبائه, وكان يأنس كثيراً لقراءة القرآن وأشعار مولوي وسعدي، وكان يتلوها أحياناً بصوت عالٍ، يصحو دائماً قبل مطلع الفجر، ويقضي وقتاً طويلاً على سجادة الصلاة، وكنا نستيقظ من النوم عندما نسمع صوت مناجاته, في الليالي أيضاً كان يقضي وقتاً طويلاً بعد صلاة المغرب بقراءة النوافل والتعقيبات والقرآن والأذكار، إلى أن يحين موعد صلاة العشاء.

من أخلاقه الحميدة أنه كان عادة، حين نُضوج أحد المحاصيل، يستقبل في الحديقة أو المزرعة عدداً من محتاجي القرية، يعطي كلاً منهم حصّةً، وكان هذا الوضع يتكرر في جميع الفصول، مثلاً في أوان نضج العنب والرمان والبطيخ والشمام والجزر واللفت والقمح والشعير والذرة، كان يقوم بعمل الخير هذا، وفي طريق العودة إلى المنزل كان يقدم ما يحمله، هدية إلى الذين يلتقيهم في الطريق.

اسم قريتنا «بهرمان»، إحدى قرى «نوق» القديمة في منطقة رفسنجان, «بهرمان» معناها: الياقوت الأحمر، ولعل من أسباب هذه التسمية الامتيازات الطبيعية التي حظيت بها هذه القرية - كالماء العذب، والقنوات الجارية ـ أو لعل هذا الاسم قديم يعود إلى ما قبل الإسلام.
من القرى المتصلة ببهرمان «نعمت آباد»«قاسم آباد».

كانت عائدات أملاكنا في هذه القرية، مصدر رزق عائلتنا, كان سهمنا منها - بعد أن كبرنا - بنسبة اثنتي عشرة وِحدة من كل ست وتسعين وِحدة.
كانت أمي وهي من أهل هذه القرية نفسها، في السنة الأولى من عمرها عندما قتل أبوها الحاج محمد رضا - الذي كان رجلاً فاضلاً قتله أحد الأشرار الذي لم تُكشَف هويته- وكانت إضافة إلى أنها ربّة منزل تساعد أبي في أمور الحياة، وكان لها، على الرغم من كونها أميّة، معرفةٌ جيدة بخواص الأعشاب الطبّية، معرفتها هذه وتجاربها عادت بالفائدة على أفراد العائلة وأهل القرية، وما زلنا حتى الآن نستفيد أحياناً من تلك التجارب نفسها.

كان والدي إضافة إلى عمله، يقوم في القرية نفسها بالخدمات الدينية، ووعظ الناس وإرشادهم إلى حدّ ما، وكان يميل إلى التحرر من أي عملٍ يمكن أن يربطه بشكل من الأشكال بأجهزة الدولة - حتى توزيع القسائم في زمن الحرب.
أسرتنا تضم خمسة اخوة وأربع اخوات، توفي ثلاثة منهم, لم يكن مستوى معيشتنا- بالنسبة إلى مستوى الحياة في القرية - سيئاً, وكانت عائلات عدة أخرى تعيش بالمستوى نفسه، أما الباقون فقد كان وضعهم أدنى دخلاً (وِحدة أو وِحدة ونصف) من كل 96 وحدة، كانوا من العمال والأجراء المَوْسِميين, أما المُلاّك الأساسيون فقد كان وضعهم أفضل من وضعنا، يعيشون في المدينة، ولا يقضون في القرية أكثر من شهر أو شهرين في السنة.

في المسار
تاريخ ولادتي في شهادة الميلاد العام ش,1313هـ (1934م) ولا فرق يُذكر بين هذا التاريخ وبين تاريخ مولدي الحقيقي، وتدل القرائن على أن الفرق بين التاريخين ليس أكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر.

لا أذكر في عهد الطفولة سوى تلك الألعاب والتسليات الطفولية المعروفة, أتذكر بعض الخواطر الأكثر جدّية من مرحلة الكُتّاب: كُتّاب السيد حبيب الله، الذي كان رجلاً جدّياً وكنا نحسب له حساباً, كان بعض أطفال القرية يذهبون للدراسة في المدرسة الرسمية، التي كانت تبعد عن القرية نحو الفرسخين، يقصدها الأطفال على الدّراجات أو مشاةً, ولقد فضّل والدنا أن يُدخِلنا إلى الكُتّاب؛ وقد بدأت الدرس في الخامسة من عمري - برفقة أخي المرحوم الحاج قاسم - الذي كان يكبرني بسنتين.

في الكتَّاب كانوا يُدرّسوننا في كتب المدرسة الرسمية، إضافة إلى القرآن، ومواد أخرى مثل «گلستان سعدي»، و«نصاب الصبيان».
منذ السابعة من عمري استفدت من معارف الوالد ـ إضافة إلى دروس الكتّاب -, فالتقدم الدراسي تابِعٌ لاستعدادات الأفراد وجهودهم، وغير مرتبط بالأوقات المحصورة في البرامج المدرسية.

تعلمنا الخط على يد ابنة صاحب الكتّاب التي كانت جميلة الخط، وهي لا تزال حتى الآن على قيد الحياة, بعد ذلك بثلاث سنوات، توفي السيد حبيب الله، وتولّت مسؤولية التدريس في كتّاب القرية سيدة كانت تدعى «زوجة الشيخ»، وهي زوجة الشيخ عبد اللّه الذي كان صاحب الكتّاب في هذه القرية قبل السيد حبيب الله.

في هذه المرحلة قرأنا «مختار نامه» و«معراج نامه» و«بوستان سعدى» ـ إضافة إلى ما ذكرته آنفا -، إلى جانب الدراسة كنا نساعد العائلة في الزراعة وتربية المواشي والدواجن، وبخاصة في فصل جني الفستق، حيث كنا نبقى في البستان, إلى جانب العمل، كان هنالك لعب وتسلية - مثل المصارعة، واللعب بالصولجان - لم تكن هذه الألعاب قليلة التأثير في روحيتنا ونشاطنا, لذلك كنا نشعر بعد إنجاز العمل بالاستقلال والشعور بالذات.

الوضع الاجتماعي
في تلك الأيام، كانت مشاكل جدية تواجه الناس في تأمين الحاجات الضرورية، وغدا الفقر والعوز دافعين للسرقة، وكانت المنازل في قريتنا تتعرض أحياناً لغارات اللصوص، وكنا نشعر بفقدان الأمن, مع هذا لم نقتنِ بندقية، ولم أذهب إلى الصيد مطلقاً مع أن بعض أقاربنا كانوا يصطادون.

كان لدينا مخزن، وكان يقال إنه محميٌّ من الحشرات، وسبب هذه الحماية، أن جدتي لأبي التي كانت امرأة أمية وشديدة الإيمان، قد قرأت عليه دعاءً.
كانت مخازن الغلال تُبنى على نمط العِمارة التقليدي بحيث يكون بابها وحيطانها وسقفها غير ظاهرة، كان الناس الآخرون يُخبِئون محاصيلهم كالقمح تحت الأرض، ولكننا نحن استخدمنا ذلك القبو، واللافت أن محتوياته كانت لا تتعرض لأذى الحشرات كمحتويات الأقبية الأخرى.
في تلك الأيام كانت الجندية، والتجنيد الإجباري أمر يخيف الناس، بسبب الحرب، وبسبب أعمال السخرة - كتعبيد الطرقات - التي كانت تُفرَض على المجندين.

كان للأموال النقدية أيضاً قيمة خاصة، وعندما كان بعض الأشخاص يسافرون خارج القرية، ويعودون ومعهم مال نقدي، يكون ذلك مثيراً بالنسبة إلينا.
لم يكن استخدام المذياع شائعاً، فأنا لم أرَ مذياعاً قبل مغادرتي القرية.
كان الناس يقضون أوقات فراغهم بالأحاديث وسماع الحكايات، وكان لقراءة مجالس العزاء تأثير حَسَن، وبخاصة في رمضان ومحرم وصفر, في هذه المواسم كان الأطفال يرددون «المراثي»، وكنا نحن أيضاً من بين منشديها.

كان عمي - ميرزا عباس - والد الشيخ محمد، والشيخ حسين، فقيهاً متعلماً، وكان خطيب مسجد القرية.
كانت قريتنا من منظار ثقافي - مقارنةً مع قرى أخرى - أعلى مستوى من غيرها، وكانت سبّاقة في الثورة التي عمّ تأثيرها رفسنجان كلّها.

هاجس السفر إلى قم
شيئاً فشيئاً، لم يعد الكُتّاب بقادرٍ على الإجابة عن تساؤلاتنا، وقد تولى ابن عمي الشيخ محمد إدارة الكتَّاب لمدة من الزمن، وكنت أنا مساعدَه، وقد بقيتُ في القرية حتى الرابعة عشرة، وابن عمي هو الذي اقترح فكرة السفر إلى قم، لم يوافق والده، خوفاً من أن لا نتحمّل حياة الوحدة في الغربة، فطلب إليّ أن أناقش أباه لأقنعه وأحصل على موافقته, منذ تلك اللحظة أحسست بالغربة، وتزايد هذا الإحساس في أثناء الطريق، وما إن طرحت المسألة أمام عمي حتى انفجرتُ باكياً، فضحك الأقارب وسألوني: كيف يمكنك أن تتحمل الغربة وهذه حالتك؟ مع هذا، وافق عمي، ولقد كانت الرغبة بالعلم والثقافة لديّ أقوى مما كانت عليه لدى أخي، فقد انصرف هو أكثر إلى الأعمال الزراعية وتربية الدواجن.

في الكتّاب، كنت أحب الكتب والمطالعة أكثر منه، وقد ظهر هذا الفرق منذ اليوم الأول لدخولنا الكتّاب، فعلى الرغم من أنني كنت الأصغر، حفظت الدرس الأول ونلت جائزةً، كما أنني كنت أكثر جرأةً وإقداماً.
كانت العادة عند البدء بالتعلم، أن تُقدّم إلى معلم الكتّاب هديةٌ: هي عبارة عن حلوى توضع في صينية وتغطّى بقطعة قماش، وعندما كنت أحِس أن حَمْلها على هذا النحو متعبٌ، كنت أضع الحلوى في قطعة القماش وأحملها على كتفي.

في كل الأحوال، تقرر أن نسافر إلى قم، وصادف أن قافلةً كانت تستعد لزيارة كربلاء، وكان الوالدان وعدد من الأقارب في عداد أفرادها، وكان القرار أن نسافر معهم إلى قم، ليُتاح لهم تجهيزنا هنالك.

السفر المثير
كان ذلك في خريف العام 1327(هجري شمسي) (1948م) - وقد كان القرويون يعملون في بعض فصول السنة، وفي بعضها الآخر - وبخاصة الشتاء - لا يعملون - جمعنا الفستق والقطن وكان الصيف قد ولّى ومضى، وخزَّنا القمح والبذور كالعادة, بعض التفاصيل لا أذكرها بدقة: أكُنا نحن الذين نغرس البذور أم أن الفلاحين هم الذين يقومون بذلك ويتولى أخي (المرحوم الحاج قاسم) الإشراف على ذلك,,,؟

في كل الأحوال، تهيّأنا للسفر، وكان أول سفر لي خارج القرية، قبل ذلك، كنت قد جرّبت مرّة واحدة مغادرة القرية، إلى مسافة لا تبعد أكثر من فرسخ واحد، قطعنا المسافة بين القرية والطريق العام على البغال، لم يكن في قريتنا سيارة في ذلك الحين، وكان السفر على البغال والحمير مريحاً، كانوا يفرشون ظهورها بحيث يرتاح المسافرون ولا ينالهم أي أذى, البعض، سافروا سيراً على الأقدام، وكانت المسافة بين القرية وطريق عام رفسنجان ـ يزد سبعة فراسخ، وكانت تستغرق عادة يوماً كاملاً, توقفنا في قرية قريبة من الطريق العام، تدعى «بياض», دخلنا منزل أحد مُلاّك القرية - الذي كان يقيم في كرمان - قدموا لنا الطابق العلوي وكان مشرفاً على الجادّة, انتظرنا هنالك ثلاثة أيام قبل أن نعثر على سيارة تُقِلّنا، لندرة السيارات في تلك الأيام, ركبنا فوق الحمولة، وكان الطقس بارداً جداً، فتدثّرنا بألحفتنا لنشعر بالدفء.

وعند الصباح تقريبا وصلنا إلى يزد، وكانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها المدينة, في يزد مكثنا اياماً عدة، حتى تمكن أبي من خلال علاقته بتاجر تربطه به معاملات أن يأخذ مالاً نقداً أو حوالة, فلقد كان بين القرويين المنتجين وبين التجار في المدينة علاقات مالية مستمرة؛ وكان بيننا وبين تجار رفسنجان حسابات وكذلك تجار يزد، في كل الأحوال تهيأت ميزانية الرحلة، وبعد شراء التذاكر، جرّبتُ وللمرة الأولى في حياتي ركوب الاتوبيس: اتوبيس مستهلك، تكرّرت أعطاله، وثقبت عجلاته، والطرق ترابية و,, وأخيراً وصلنا إلى قم, كانت جميلة وحلوة مع ما تكبدناه من مشقات.

في منزل المرعشيين
نزلنا في فندق، وترددنا أكثر من مرة على منزل السيد مهدي والسيد كاظم المعروفين بـ «الأخوان مرعشي», بعد أيام توجه أبي والأقارب ورفاق السفر إلى كربلاء، وتُرِكْنا أنا وابن عمي الشيخ محمد في منزل السادة الأخوة مرعشي الذين كانوا ثلاثة: السيد كاظم والسيد مهدي، اللذان هما الآن من آيات الله في قم ومشهد، وقد كانا في تلك الأيام من أفاضل الحوزة المعروفين، وموضع اهتمام الطلبة والمراجع، وأخوهم الثالث كان يدعى جعفر آقا، وكان مصاباً بالشّلل، وكانت أمهم سيّدة مسنة، من أحفاد المرحوم آية الله الشيرازي الكبير.
لم تواجهنا مشكلة من ناحية السكن، فقد اتفق أبي مع السادة المرعشيين، أن يدفع كلّ واحد منا خمسين توماناً شهرياً، نفقات المعيشة، ولم يكن وضعهم كطلاب يسمح أن يُحمّلوا أعباء الإنفاق علينا.

شتاء قم القارس
كان شتاءً شديد البرودة، لم أرَ قم منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم بهذه البرودة, واجهنا ضنكاً شديداً، كان وضعنا في المنزل مقبولاً، ولكن الذهاب والإياب كان عسيراً: الثلوج المتراكمة، الأزقّة المظلمة,,, كان منزلهم الأول في آخر محلّة أرك, كانت الإمكانات شحيحة، وكنا نحن نخدمهم بشراء الخبز واللحم,,, وكانوا هم يتعهدوننا بالرعاية، وتقوم أمهم بتحضير الطعام وأعمال المنزل، وكنا نحن نقدم لها يد المساعدة.

الصداقات الأولى
قبل الانتقال إلى قم، كنت على اطلاع مختصر على الآداب العربية: قرأت «نصاب الصّبيان» والأمثلة وشرح الأمثلة,,, وكان الشيخ محمد أكثر اطلاعاً مني في هذا المجال,,, بدأت الدروس متتلمذاً على يده، مع بعض المشكلات,,, وكانت لديه لكنة تحسنت الآن, كان مركز تجمعنا في مدرسة «الخان» التي كان وضعها يختلف كثيراً عما هو عليه الآن, من أوائل الذين تعرّفت إليهم، الشيخ حيدر يزدي، الذي كان يسبقني في الدراسة، وتعرفت في مباحث الصرف إلى الشيخ «جعفر شجوني»، الذي كان أنشط منا وأكثر اندفاعاً.

منذ الأيام الأولى، ارتديت زَِيّ رجل الدين، قبل توجه أبي إلى كربلاء، أما الشيخ محمد فقد كان يرتدي القباء ويضع شالاً كدراويش «نوق»، ولم يكن لديه عباءة, فاشتروا قماشاً ليخيطوا له عباءة، ولكن الخياط لم يكن صادقاً، فظل الشيخ محمد ثلاثة أشهر أو أربعة بدون عباءة في فصل الشتاء، أنا لم أواجه مشكلة في الثياب.

دام سفر والدي وأقاربه إلى كربلاء نحو ثلاثة أشهر، كانوا يعتقدون أننا لن نشعر بالاستقرار في قم، وسنعود معهم إلى قريتنا, ولكنهم لمسوا حين عودتهم أننا بدأنا نألف جوّ قم، وأننا لا نرغب في العودة معهم, فمكثوا في قم ايام عدة، وغادروا بعدها، وتابعنا نحن دراستنا.
استطاع الاخوان مرعشي بعد بيع بعض المقتنيات، والاقتراض، ومساعدة آية الله العظمى البروجردي، أن يشتروا من أحد تجار قم منزلاً أفضل من منزلهم الأول، بمبلغ مقداره خمسة وعشرون ألف تومان، وكان قلّة من رجال الدين يمتلكون مثل هذا المنزل, كان هذا البيت الجديد مقابلا لمنزل الإمام الخميني، ولم يكن قد تزوج بعد, استئجار غرفة في تلك الأيام لم يكن أمراً سهلاً، فعشنا سنوات عدة عندهم، وكنا أيضاً متقدمين في دروسنا، وكان الأخوان يشجعوننا.
لم أغادر قم إلا حين وصولي إلى «شرح اللمعة»، مع أنّ الطلاب كانوا يعودون في فصل الصيف إلى ديارهم.

سمير
02-02-2005, 01:45 PM
ذهبت إلى إحدى القرى للتبليغ وكان أهلها على دراية في الدين فهربت منها عندما لم يثرهم حديثي عن السلطة المحلية

الحلقة الثالثة

لم يكن في حوزة قم صفوف معينة خاصة بكل مرحلة أو سطح من السطوح على حدة, كان الطالب بحسب رغبته وتدبره الشخصي يختار أستاذاً لكل درسٍ من الدروس، ولم يكن هناك أيضاً مكان ثابتٌ ومحددٌ لكل درسٍ في المسجد، في صحن الحرم، في أروقة الحرم، في المنزل، في الغرف، وفي أي مكان آخر يمكن أن يُلقى الدرس، الحضور كان أيضاً حرّاً، يمكن أن يحضر الدرسَ طالبٌ واحدٌ أو عشرة طلاب، ولم يكن أحدٌ يراقب الحضور.

في المباحثات أيضاً كان كل شيء حرّاً واختيارياً، وعلى هذا النحو، حضرتُ من «جامع المقدمات» وحتى «الكفاية» دروسَ عددٍ كبيرٍ من الأساتذة, من بينهم في الأدب: الشهيد سعيدي، الدكتور محسن جهانگيري، والسيد موسى الصدر، والسيد محمدي وصالحي نجف آبادي، وشب زنده دار.

وفي الفقه والأصول: منتظري، مشكيني، سلطاني، تبريزي، صدّوقي، اعتمادي، نوري، مجاهدي.

في دروس الخارج، استفدت من دروس الآيات العظام: البروجردي، والإمام الخميني، والداماد، وگلپايگاني، وشريعتمداري، وحايري يزدي، ونجفي مرعشي.
في الفلسفة والتفسير، استفدت من دروس العلامة الطباطبائي، وآية الله زاهدي، وآية الله منتظري, أما الفوائد الأساسية العلمية والأخلاقية والفكرية، فقد اكتسبتها من محضر الإمام الخميني.

تعرفت إلى السيد رباني أملشي - كنا كشريكين في المباحثات - وقد بقينا كذلك حتى نهاية مرحلة التحصيل, بعدها سافرنا معاً كصديقين إلى أملش للتبليغ، وقد أقمت هنالك في منزل المرحوم والده، وحين أبعد إلى فردوس في خراسان، ذهبت لزيارته، وكان والده في ذلك الحين هنالك، عاد معي، وأوصلته في سيارتي الپيجو الخاصة إلى أملش.
شريكنا الآخر في البحث كان السيد تربتي - أخ زوجة السيد مرواريد، والابن الأكبر للمرحوم إسلامي - وهو طبيب الآن.
وعلى هذا النحو تابعنا الدراسة، وقد تشاركنا مدة في البحث نحن والسيدين صانعي وبهجتي.

الجائزة التشجيعية الأولى
إحدى ذكرياتي الجميلة، كانت جائزة قدمها إليّ المرحوم آية الله العظمى البروجردي، الذي كنا نحبّه حبًّا جماً، وكنا نشعر بالسعادة لمجرد النظر إلى وجهه, كنت في ذلك الحين قد درست «السيوطي» و«الحاشية»، فكتبت رسالة إلى السيد البروجردي ذكرت فيها أنني أحفظ أشعار «ألفية ابن مالك»، ومتن «تهذيب المنطق»، وجزءاً ونصف الجزء من القرآن الكريم، وأنني مستعد لأن أُمتَحَنَ في حضوره, كان دأبُه تشجيع الطلبة الذين يبذلون مثل هذه الجهود، ويوفّقون، مع اهتمام خاص بحفظ القرآن الكريم وأشعار «ألفية ابن مالك» التي هي دورة صعبة من قواعد اللغة العربية.

في أحد الأيام، في منزل حضرته، وقد أقيم مجلس عزاء، وصعد السيد فلسفي المنبر، انتهزت الفرصة، وسلمته الرسالة يداً بيد، وجلست في مواجهته, قرأ رسالتي مباشرة وقال:
- أحفظتَ هذا كلَّه؟
- قلت: نعم.
- قال: أأنت مستعد للامتحان؟
- قلت: نعم.

فقرأ بيتاً من الشعر، من الألفية وطلب إلي أن أكمل,,, فأكملت، وطلب إليّ كذلك بهذه الطريقة تلاوة قسم من متن الحاشية، ثم قرأ عبارة من «الكليات الخمس» - التي هي من أصعب مسائل المنطق - لأكملها ففعلت، ثم قرأ آية من القرآن فأكملتها، دون أن أشعر بالخجل في محضرِه، أو أن ألْحَنَ, فأظهر استحسانه، وأمر الحاج محمد حسين أن يعطيني منحةً شهريةً تشجيعاً لي، ولم تكن العادةُ أن يُعطى الطلبةُ راتباً قبل الوصول إلى شرح «اللمعة»، وهكذا أعطيتُ عشرة توامين شهرياً، وكان هذا الأمر نجاحاً ملحوظاً بالنسبة إليّ أثّر في حياتي مادّيًّا ومعنوياً, كما أنني تسلّمت هدية فورية: خمسة وعشرين أو ثلاثين توماناً نقداً.
بعد الجلسة، أضاف الحاج محمد حسين إلى تلك الجائزة ثياباً مستعملة، لم يعجبني الأمر، فقد جرح كبريائي، فغادرت المكان باكياً.

كرّر السيد تربتي مافعلته وكتب رسالة، وتكرر المشهد.
وصل خبر الجائزة إلى القرية إذ كان أبي مسافراً إلى مشهد، وفي أثناء توقّفه في قم علم بالأمر، فكتب رسالة إلى القرية، شجع فيها أخي المرحوم - الحاج قاسم - أن يسافر هو أيضاً إلى قم للدراسة.

في مدارج الدعوة
من الأعمال الفرعية التي كان الطلبة الشبّان يقومون بها في تلك الأيام، تشكيل مجالس عزاء، والتمرن على الخطابة.
كان من خطباء قم المعروفين أشخاص مثل الحاج أنصاري، برقعي، وإشراقي، وقد كانت مواعظ إشراقي ثقيلة على مسامعنا، أما خطب الآخرين فقد كانت مفهومة بشكل أفضل, كنا نكتب المواضيع التي سنطرحها، ونستفيد منها في التمرين على الخطابة.

كان أول سفر لي إلى قرية بهرمان، بعد سنوات ثلاث من الإقامة المتواصلة في قم والوصول إلى شرح اللمعة، عدت في الصيف إلى القرية، وفي أول ليلة من ليالي رمضان، اعتليت المنبر للمرة الأولى، مستفيداً من خطبة الرسول المعروفة في آخر «جمعة» من شعبان، موضوعاً للبحث: «أيها الناس قد أقبل عليكم شهر الله», قرأتُ الخطبة كلها غيباً، وشرحتها، فاستقبل الناس كلامي استقبالاً حسناً، وأعجبوا بالخطبة إعجاباً شديداً, كنا نستعين للخطابة بكتب مثل «مجالس الواعظين»، أو «مجالس المتّقين»، ونستخدم كعناوين مواضيع كالصبر والشكر، والإنصاف, مستشهدين بالآيات والروايات والقصص والحكم والأمثال المناسبة، وكانت تلك المواضيع بالنسبة إلينا منبعاً لا ينضب.

على كل حال، أكملنا في القرية شهر رمضان وبقية الصيف، نخطب كلّ ليلة في الناس مجاناً، كان وضعنا في القرية لا يسمح لنا بأن نتقاضى من الناس أجراً, وكان الشيخ محمد (ابن عم علي اكبر هاشمي رفسنجاني) يعتلي المنبر أيضاً.

كنا في هذين الشهرين أو الثلاثة، إضافة إلى قريتنا، نذهب إلى القرى المجاورة، وكنا مرجع الناس في الأمور الدينية, كانت المواعظ في تلك الأيام تتمحور حول مواضيع مثل: الرّبا، السرقة، الغيبة، وتعليم أحكام الدين وفرائضه، أي المواضيع الأخلاقية والعملية بصورة عامة.
كانت هذه حدود المستوى الثقافي للوعظ، بمستوى فهم الناس, ففي نهاية شهر رمضان هذا، أرخى الناس لحاهم، وقصّروا شعورهم، كما يفعل الطلبة، ولقد كنا نقدّم للناس معارفَ أخرى بحسب معلوماتنا, وتابعنا الوعظ لعدة سنوات على هذا النحو.
الاستفادة من الوقت

اشتركنا في عطلتين صيفيتين، في برنامج الدراسة الجديدة في المدرسة العلوية، حيث أقيمت دورات لتدريب الدعاة إلى خارج إيران, كانوا يقبلون كلّ عام خمسة عشر شخصاً، وكنا نحن في عداد المقبولين، من أساتذة هذه الدورات ومنهم المرحوم روزبه وعدد آخر من الأساتذة, كانت معرفتنا بهذه الدراسة الجديدة من خلال هذه الدورات فقط.
طيلة مدة الدراسة، كنت أقوم بالتدريس، ولكن لم يكن لديّ حوزات واسعة، وبعض الذين اشتركوا في الدراسة في هذه الحوزات المحدودة العدد، هم اليوم من العلماء المعروفين في المدن المختلفة وفي الحوزة عينها.

الدعوة وتأمين المعاش
كنت قد أشرت من قبل إلى وضعنا المعيشي, فقد كنا ندفع حين كنا نقيم في منزل الإخوة مرعشي شهرياً خمسين توماناً - بحسب الاتفاق بينهم وبين الوالد - في السفر التبليغي الأول إلى نوق انضم إلينا السيد أنصاري - الذي كان واعظاً في رفسنجان - وأخوتي محمود ومحمد وأحمد, كان الوالد يرسل إلينا باستمرار مبلغاً من المال، ولكن ذلك المبلغ بالإضافة إلى المنحة الشهرية التي كنا نتقاضاها، لم يكن كافياً.

كانت الأسفار التبليغية إلى غير نوق، تدر علينا أحياناً مبلغاً من المال.
أتذكر سفري التبليغي الأول: كان الشيخ محمد كمره اي، وهو اليوم قاض متقاعد، من أهالي كمره في ضواحي خمين، قد شجعني على السفر إلى كمره, في الأربعين (الذكرى الأربعين للإمام الحسين) قررنا السفر إلى قرية من قرى كمره، حملت حقيبة مليئة بالكتب، وقضيت الليلة في المقهى بعد تعب شديد، في الصباح حضر الأهالي واصطحبوني إلى المنبر في أحد المنازل حيث تقام مراسم العزاء.

في الماضي، عندما كنت أذهب للتبليغ في قريتنا، كنت أشعر بالقوة من أول الطريق, كان الوضع هنا مختلفاً، لم يكن الناس كأهل ضيعتنا لطفاء ومحبّين, قبل البدء بالخطبة، قال أحد الحاضرين عبارة صدمتني، كانت تعني ضمنياً، أن لديهم معارف دينية، ولا يحتاجون لمن يعظهم, في الخطبة الأولى، انطلاقاً من الآية: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم) حملتُ على رئيس القرية وعلى الحاضرين, لم تكن ردة فعل الناس كما كنت أبغي، قالوا: «هذا الكلام الذي تقوله، نحن نعرفه، لم يقولوا ذلك صراحة وحرفياً، وإنما ظهر ذلك في طريقة تعاطيهم وفي تصرفاتهم».

عندما كنت أذهب إلى قريتي، كان الناس يستقبلونني بحرارة، ويرشون الطرقات بالماء، ويحملون علماً، ويصطحبونني إلى المنزل بالتكبير والصلوات, بينما أُقابَل هنا بهذا السلوك الذي لا يَدُّل على الاحترام، ذهبت إلى المقهى متذرعاً بإحضار الحقيبة، وبدلاً من العودة إلى القرية، استقليت سيارة بهدف العودة إلى قم، استخرت، فجاءت الآية سلبية كيفما فُسّرت، كانت الآية متعلقة بأصحاب الكهف، (لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً) في أي حال، لقد فشلت في هذا السفر.

قمت بسفر آخر برفقة السيد أنصاري دارايي، ورفيقين من رفاق البحث - صارا في ما بعد رفيقين في متراس واحد وحرب واحدة - هما السيدان الشيخ حسن صانعي والسيد رباني أملشي، ذهبنا معاً إلى مقاطعة فارس, من الخواطر المتبقية ليومين قضيناهما في إحدى مدارس شيراز، لقاء السيد آية الله السيد نور الله الحسيني، الذي كان في تلك الأيام عالماً ذائع الصيت.

ارتأى الأصدقاء أن نذهب إلى «فسا» فلنا فيها معارف كثر، تردّدنا يومين أو ثلاثة أيام، ثم ذهب السيد صانعي إلى قرية تدعى زاهدان، وألقيت أنا خطبة وعظية في المسجد الجامع كان لها وقع جيد, في الجلسة نفسها، أعجب واحد من الأهالي بكلامي ودعاني إلى منزله, السيد رباني اشتغل في قرية أخرى هي قرية رهنير.
هذه الخواطر تعود إلى العامين 1334 و1335 (1956 - 1957)، وكنا ندرس في ذلك الحين «المكاسب» و«الكفاية», وكان السيد محمد حسين ارسنجاني، إمام الجماعة هنالك، وكان يستضيفنا أحياناً.

كانت رهنير قرية طيبة الماء والهواء، والصيد الكثير، إلى درجة أن الرجل يقول في الصباح، أنا ذاهب لأصطاد غزالاً، فيعود ومعه أربعة غزلان أو خمسة, مع ذلك، فإن مجمل الظروف مقارنةً مع وضع قريتنا لم تلائمني، والإحساس بالغربة كان مؤلماً أيضاً.
سافرت من هنالك إلى «اصطهبانات»، حيث استضافني موظّف متديّن، وكان أخوه طالباً من معارفي، حسن الصحبة، كان بالقرب من المدينة منطقة جبلية خضراء، أعجبتني للتنزه والتسلية وملء أوقات الفراغ، ولكن كلامي هنالك لم يلق قبولاً.

لم يكن الوضع طبيعياً، كان الوعظ في قريتنا يرفع من مستوى توقعاتنا في حين أن هذه الظروف لم تكن متوافرة في أماكن أخرى, من هناك ذهبت إلى تبريز، التي كان رجل الدين فيها هو آية الله السيد محيي الدين فال اسيري، والذي توفي أخيراً، وكان ابنه نائباً في البرلمان, اعتليت فيها المنبر مرة أو مرتين، ومكثنا هناك حتى آخر رمضان، بعد ذلك عدنا إلى شيراز.

كان مجموع مدخولنا المشترك نحن الثلاثة ألف تومان، وإذا حذفنا نفقات السفر والهدايا، لم يبق لنا شيءٌ يذكر, كان هدفنا حتماً هو التبليغ والوعظ, كنا بحاجة إلى المال، ولكننا لم نعطه أهمية كبيرة, بعد ذلك كانت لنا أسفار إلى «أملش»، حيث والد السيد ربّاني، المرحوم الحاج أبو المكارم ربّاني، الذي كان عالماً حرّ الرأي، محبوباً، وكان مجرّد التوقف في منزله، ومعاشرته، بالنسبة إليّ، مفيداً، وفرصةً لا تفوّت, إضافة إلى أنني وجدت هناك أصدقاء كثراً، ساعدوا كثيراً في مرحلة النضال.

في «أملش» استُقبِلَت مواعظُنا استقبالاً حسناً، وبالرغم من أنها لم تدر علينا دخلاً كافياً بأيّ حالٍ من الأحوال، إلا أننا كنا راضين كلياً في ما يتعلق بالوعظ والتبليغ - الذي كان هدفَنا الأصلي.

العمل والدراسة
ولكي نضع حلاً لمشكلة شحّ الموارد، أسسنا مطبعة صغيرة باسم «كانون هنر»، عمل على تطويرها إخوتي أحمد ومحمود ومحمد، وخصوصا في فصل الصيف حيث كانوا يسافرون إلى مدن أخرى, أنشأنا في قم «مكتباً» أيضاً، وهكذا تخطّينا من هذا الطريق مشاكل الحياة المادية إلى حدّ ما، لأن المطبعة كانت تدر علينا دخلاً معقولاً، والجدير بالذكر أن رأسمالها كان آلات طباعة عدة وكرسياً وطاولة، اشتريناها بالأمانة وكنا نسدد ثمنها من الأرباح.
الغرفة المنطلق

بعد سنوات تزوج الأخوان مرعشي وانتقلا إلى النجف، فانتقلنا إلى غرفة مستأجرة, وبعد عناء من التحصيل والعيش في غرف مستأجرة، تمكنا من بناء حجرة مستقلة: وكانت بمثابة حجر الأساس لمدرسة الحاج ملا محمد صادق, وهنالك تعرفنا إلى عائلة «سادات روحاني» وقد كان من أبناء هذه العائلة عدد من رجال الدين المشهورين.

بدأت فاعليتنا الجدية من هذه الحجرة، التي تحوّلت إلى مركزٍ لتجمعنا, بعد مدة دخلنا مدرسة «الحجتيّة», كنا ثمانية أشخاص في حجرة متوسطة! أنا وإخوتي، والسادة باهُنر، مهدوي كرماني، نور اللهي، فقيهي، وتوكلي.
كانت هذه الغرفة مزدحمة، حتى أن الأشخاص الذين كانوا يعبرون من أمامها، في الأيام التي كانت تقام فيها مراسم ذكرى وفاة الأئمة أو شهادتهم أو ولادتهم، يعتقدون أن المراسم تقام فيها، وكنا نستغل هذه الفرصة ونستدرجهم للدخول، وبعد ذلك نفاجئهم، فقد كانت ذريعة مناسبة لتسلية الطلبة.

من هذه الحجرة، كان انطلاق عمل «مكتب تشيع»، برفقة الشهيد باهُنر والمرحوم محمد صالحي والسيد مهدوي كرماني، حيث قامت نوع من المنافسة بين مكتبنا «مكتب تشيع» و«مكتب إسلام».
يجدر الذكر بأن الذين كانوا يديرون تنظيم «مكتب إسلام»، كانوا متقدمين علينا حوزوياً، وكانوا من أنصار شريعتمداري, أما أنا ورفاقي فكنا من محبّي الإمام (الخميني), وفي أواخر حياة آية الله العظمى البروجردي - على الرغم من تسليم الجميع بمرجعيته - كان كل واحد من مراجع قم محور تجمع خاص، تحضيراً للمستقبل.

كان وضع الإمام (الخميني)، من الجانب المعنوي، يجذب إليه أحرار الحوزة, كما أن اختياره بالنسبة إلينا يتضمن مفهوم الحرية والاستقلال، وكان توسع «مكتب تشيع» يسير بهذا الخط ويحمل هذا التوجه، ويحظى بدعم قويّ جداً.
في هذه المرحلة، كنت أنا دراسياً من تلامذة الإمام (الخميني)، وكنت أحضر، في الوقت نفسه، دروس الخارج للسيد البروجردي، وقد كان في مرحلة الكهولة, وفي الحقيقة كان الدرس الأكثر جدّية هو درس الإمام (الخميني).

تابعت مع الإمام (الخميني) الدورة الكاملة في علم الأصول وقسم من الفقه، كما كنت أستفيد في التفسير والفلسفة من دروس العلامة الطباطبائي, وعلى هامش هذه الدروس كنت أحياناً أحضر دروس آخرين: فقه شريعتمداري الخاص، مبحث النكاح، دراسة الآيات للمرحوم النجفي، كلپايكاني وحائري يزدي وأكثر من كل شيء درس السيد الداماد.
في سفري إلى النجف، حضرت جلسات من دروس آية الله العظمى الخوئي والزنجاني.
كان من الممكن إذا وجَدت في مسألة من المسائل ما يبعث على الاجتهاد، أن يكون لي فيها وجهة نظر خاصة، وفي بعض المسائل كنت أعمل باجتهادي الشخصي، ولا أزال كذلك حتى الآن.

الزواج
في خلال المرحلة الماضية التي أشرت إلى بعض ذكرياتها، في العام 1337هجري ـ شمسي (1958م)، وفي رفسنجان، خُطبت لي ابنة حجة الإسلام السيد محمد صادق مرعشي الذي كان كاتباً بالعدل، وكان في دراسته الحوزوية قد وصل إلى حد «الكفاية»، له بعض الأملاك في مقاطعة «كشكوئية»، ويعمل في الزراعة أيضاً, لم يكن في نيتي الاعتماد على أبي في تأمين نفقات الزواج، لأن ذلك يفرض بيع قسم من أملاكنا، ولم نكن راغبين بهذا الأمر، فاشترينا من السيد أنصاري بعض حقول الفستق بالأمانة، وبعناها نقداً، وتلقينا بعض المساعدة من الوالد.
يعود نسب زوجتي إلى عائلتي مرعشي وطباطبائي الكبيرتين, ثقافتها دينية، ولقد أثمر هذا الزواج خمسة أولاد هم بحسب الترتيب (فاطمة، ومحسن وفائزة ومهدي وياسر), تزوجت ابنتاي من ابني السيد لاهوتي, الأول طبيب والثاني طبيب أسنان، وقد تم التوافق على هذا الزواج في آخر عهد السجن - حيث كنا مسجونين معاً في سجن إفين.

مجاهدون
02-03-2005, 11:35 AM
أيام حكم مصدق كانت تجذبنا الشعارات المتعلقة بتأميم صناعة النفط


(الحلقة الرابعة)

أتيحت ليَ فرصة التعرف الى الامام الخميني منذ بداية عهد الدراسة في قم, فقد كان منزل «الأخوان مرعشي» الثاني مقابل منزله, وكنت قبل الانتقال الى هذا المنزل قد تعرفت الى شخصية الامام، كان شخصية معروفة ومحترمة في الحوزة، ومن بين أوائل الذين يتعرف اليهم المنتسب الى الحوزة بعد السيد البروجردي, مع هذا فقد أتاحت لي الجيرة مجال معرفة أوثق.

انجذبت الى الامام منذ أن رأيته للمرة الأولى, طلعة مهيبة محبوبةٌ، وهيئة جذّابة، وكان هذا هو الأساس المشترك لدى جميع طلبة الحوزة الشباب, وقد زادت اللقاءات اليومية والمتكرّرة من فضولي وصرت أبحث عن ذريعة لتعميق هذه المعرفة, وكان هذا الاحساس نفسه حافزاً لتمتين الصدّاقة بيني وبين السيّد مصطفى، وقد كان طالباً شاباً، متقدماً عنا دراسياً، ولكنه كان شخصاً لطيفاً ومحبوباً.

في أثناء الذهاب، كنا نرافق خطوات الامام أو السيد مصطفى، وضمن السلام والسؤال عن الأحوال، نطرح سؤالاً ما، موضوعاً أخلاقياً أو أدبياً أو فكرياً، وغير ذلك.
كان طرح الأسئلة في الحوزة يوصل الى الاجابات الجدّية، كما أن الجواب الجيّد محرّك وحافزٌ لطرح المزيد من الأسئلة الجدّيّة، وربما كان أكثر طلبة الحوزة يلجأون الى هذه الطريقة للتعرف الى الشخصيات المشهورة، لأن الاجابة عن الأسئلة، مطروحةٌ - في ثقافة الحوزة - كموضوع جدّيّ، وواجب وظيفي، نابع من احساس العلماء بمسؤوليتهم المميزة في مجالي التعليم والتوجيه, في جميع الأحوال، أفادتنا هذه الطريقة في تعميق معرفتنا بالامام وبالسيد مصطفى، ووثقت الأسئلة المتكرّرة بيننا علاقة، هي علاقة الأستاذ بتلاميذه.

من هذا الطريق تيسّرت لنا معلومات جيدة عن حياة الامام وعائلته، كان لها وقع عميق علينا, كنت أسعى جاهداً، أن أطرح في أثناء المسير أسئلة تستحقّ أجوبة الامام الجدّيّة، وكنت أتحيّن الفرص لأماشيه، وأطرح سؤالي وكان هو يجيبني اجابات مقتضبة - وكان هذا دأبه دائماً - في بداية هذه المعرفة كان الوضع مختلفاً، كنا ندرس «السطوح»، ولم نكن في هذا الدرس من بين تلاميذه، ولم يكن قد بدأ نشاطه في الحوزة بعد.

حدثت بعض المشكلات بينه وبين آية الله بروجردي، لم أرغب في الواقع - استناداً الى أخبار ومعلومات غير كافية - أن أتدخّل فيها, كنا نعلم كلّنا، أن الامام كان له في البداية دورٌ فاعلٌ في انتقال آية الله البروجردي الى قم، لأهداف نبيلة، وتوقعات جدّيّة، ولكنه لم يتمكن بعد ذلك من متابعة العمل معه، وكانت رئاسة الحوزة للسيّد البروجردي.

في هذه الظروف، كنا ننتظر بفارغ الصبر، وبلهفة ومحبة، اليوم الذي سنصبح فيه، من بين الطلبة المشاركين في درسه، علماً أنه لم يكن هنالك ما يمنعنا من حضور درسه كمراقبين، ولكنّ هذا لم يكن ليشبع فضولنا، كنا نرغب في أن نشارك فيه بصورة جدّيّة, الى أن وصل اليوم الموعود وصرنا في عداد تلاميذه, ومنذ ذلك التاريخ تحول بيت الامام الى مركز تجمّع لنا: أنا وعدد من الأصدقاء - كالشيخ حسن صانعي والسيد ربّاني أملشي - في حين كان مركز تجمع الطلبة العام في المدرسة الفيضية، حيث يجتمعون قبل صلاة المغرب، يتحادثون ويتباحثون ويتحاورون جماعات جماعات: كل مجموعة متجانسة فكرياً، وذات هموم مشتركة، تجد لها مركزاً خاصاً، وقد كان بيت الامام مقرنا المشترك؛ حيث كنا نجتمع في أيام الأعياد أو العزاء، أو المناسبات الأخرى.

توثيق العلاقة وتعميقها
لقد توثقت علاقتي، أنا وعدد من رفقائي بالامام في المجالات التي ذكرتها سابقاً، وكان لنا دورٌ في اجتماعات الأعياد والعزاء، التي كان يشارك فيها الامام، أو في أشكال التجمع في بيته، وكان في كلّ ذلك أرضية مناسبة لتعميق المعرفة بأفكار الامام وأهدافه.كنا قد تعرفنا من قبل الى توجهات الامام عن طريق كتابه «كشف الأسرار»، الذي كان قد كُتب ردّاً على بعض المنحرفين، ويتضمن انتقادات للعائلة البهلوية، وكان له وقع شديدٌ علينا، فلم نكن قد رأينا من قبل أحداً يجرؤ على اتخاذ مثل هذا الموقف الشجاع في وجه الشاه.

على كل حال، كنا نتوق الى النضال، كما أننا على الرغم من الاحترام الذي كنّا نكنّه للعلامة بروجردي، ومحاولة تفهّم مواقفه - لأننا لم نكن على استعداد لتشويه صورته في أذهاننا أدنى تشويه - كانت لدينا تساؤلات مقرونة بعدم الرضا عن بعض مواقف آية الله بروجردي، والأوضاع السائدة في الحوزة.

كانت أفكار الامام الخميني العلمية واضحة، وكنا نستفيد من دروسه، ونعدّها أفضل دروس الحوزة، الى ذلك، يجب أن نضيف البعد الأخلاقي لشخصية الامام، فالدرس الأخلاقي كان من حاجات الطلبة الروحية الأساسّية، وكانت هذه الحاجات تُشبَع في جلسات: الآقا الحاج حسين والشيخ عباس طهراني، حيث كنا نشارك أحياناً في قراءة الدعاء في مجلس الحاج حسين القمي، وكنا نحب أن نصاب بحالة من الوجد المفضية الى البكاء.

في شهر رجب، في ومعظم السنوات، كنا نعتكف في «مسجد الامام»، وكان هذا الاعتكاف مفيداً جداً لنا ومؤثّراً في تكويننا, كان الامام من هذه الناحية قطباً مقتدراً ومجلّياً، وكان ذائع الصيت في الفلسفة والعرفان، وكنا نتمنى أن يُلقي دروساً في الفلسفة والعرفان.
كما أن مواقفه السياسية كانت واضحة أيضاً, لهذه الخصوصيّات مجتمعةً، وقع اختيارُنا على الامام الخميني وانجذبنا اليه، وحين قررنا أن ننشر مجلة «مكتب تشيع» كان جميع المشاركين فيها من مريدي الامام, لقد بلغ انجذابنا الى الامام الى حدّ أن أعطينا بيته أهمية تفوق بيت العلامة البروجردي.

كنا نحسّ أن مجلة «مكتب اسلام» التي صدرت، محورها الأساسيّ العلامة شريعتمداري، وكان ذلك صحيحاً، فالتجار الذين يموّلون المجلّة، كانوا من مقلّديه، وهم الذين تألفت منهم هيئتها التأسيسية, كما أن محرّري المقالات الأساسيين، كانوا على علاقة وثيقة به، ولقد كان هذا العمل دون شك قيماً، وهو أحد مبتكراته.

أردنا أن تكون نشرة «مكتب تشيع»، منطلقاً لتعاليم الامام الخميني، ذهبت لمقابلة الامام واستشرته، وتشجيعاً لنا، استفسر عن كُتّاب المقالات، فأعطيناه لائحة بأسمائهم، وقدم لنا بعض الاقتراحات، ولكننا كنا نتوقع منه أكثر من ذلك، كنا نريد أن يكون هو محور العمل، ولكنه كان يأنف أن يُظن أنه يميل الى اصدار نشرة، كمنبر اعلامي له, وبدلاً من أن نصابَ بالاحباط زادنا موقفه عزيمة وتصميماً.

كنا على معرفة كاملة بالامام، لم نعثر لديه على نقاط ضعف أو عيبٍ من العيوب, بعض الأمور كانت بالنسبة الينا على عكس توقعاتنا: كحبّه للعزلة، وعدم دخول المعترك، أو اتخاذ مواقف من المجريات السياسية، كـ «ثورة النفط» و«فدائيي اسلام»، تبيّن لنا في ما بعد أنه كان محقاً, ربما لو أنه تصرف تصرفاً موافقاً لميولنا ورغباتنا، لما جاءت النتيجة جيدة في ما بعد, اضافة الى أنه كان من الضروري في حياة آية الله العظمى البروجردي المحافظة على حرمته، وما كان لحركة في قم أن تنجح نجاحاً تاماً، ما لم تنل موافقته الكاملة.

آية الله العظمى البروجردي
يمكننا أن نقول اليوم، انطلاقاً من قراءة المعلومات التي نملكها قراءة سياسية، وتجميع المواضيع السياسية - في مرحلة مرجعية السيد البروجردي:

1ـ لو أن الامام الخميني في عصر السيد البروجردي، تدخّل في الصراعات السياسية، لما نجح، لعدم الانسجام بينهما، ولضاعت الفرص المستقبلية، وقد عرفت في ما بعد أن الامام كان يحسب حساب المستقبل.

2ـ مثل هذا التحرك، كان بحاجة الى القوى الموالية, في عصر السيد البروجردي كانت الأكثرية المطلقة من الطلبة تابعة له، ولم نكن نحن مستعدين نفسياً لتحمل أعباء أي اهانة يمكن أن توجّه اليه، وحين كنا نسمع أحياناً أن بعض الأشخاص ينتقدونه، كنا نتألم بشدة، ونعد هذه المعارضة منافية للاسلام وللايمان.

3ـ كان مقام السيد البروجردي يفرض عليه حيث يرى مصلحة، أن يقيم علاقات، وزيارات، ويوجه برقيات تعزية، ولم تكن هذه المواقف تضر بقيمته المعنوية، مع أن بعض القوى في الحوزة كانت في موقع النضال ضد البلاط ونظام الشاه.

4ــ كان حزب «توده»، قد أفسد بمواقفه المعادية للدين واهانته للمقدسات، ساحة العمل السياسي والنضالي، وأوجد ذهنية لدى المتدينين ترى أن الخطر الأساسي يكمن في انتصار «حزب توده».

5ـ مع الأخذ في الاعتبار نفوذ المرجعية العظيم، الا أن البعض كان يعتقد أن فرصاً كثيرة قد ضاعت في عصر السيد البروجردي، انما كان له في جميع الأحوال تأثير ايجابي في تاريخ المرجعية.

لقد غدت حوزة قم، على يده، يحسب لها حساب، حوزة قم هذه التي أسسها آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري، لم تكن تقويتُها - بعد الضربات التي تحملتها في ظروف التضييق في عهد رضا شاه - أمراً بسيطاً ولا سهلاً، وكانت هذه هي الخدمة الكبرى للسيد البروجردي, لقد امتد ظل مرجعيته الى جميع أنحاء العالم الاسلامي الشيعي، وكان المرجع المطلق في پاكستان وأفغانستان، والعراق وبعض الدول العربية، وغيرها, لعلها المرة الأولى التي تتوافر للحوزة مثل هذه الامكانات، والأموال في مثل هذه المساحة الواسعة - في ايران وخارجها - لم يكن لها سابقة قبله, حتى في سامراء أنشأ حوزةً.

6ــ بعض انجازات السيد البروجردي، كتأسيس «دار التقريب»، وتأسيس «مركز هامبورغ الاسلامي»، يدل على تفكيره الراقي، كان يتردد أحياناً، أنه كان يشير بحسرة الى الوضع القائم قائلاً: «ما أكثر الأفكار والأهداف التي كنت أملكها، وها أنا الآن مشغولٌ باعطاء المال وقبضه!» يؤكد ذلك، موقع فتاواه وميوله الثقافية التيِ انعكست في بعض الميادين، كصلاة الجمعة، والتجديد في أساليب الاجتهاد، والحث على تحضير «جامع الأحاديث».

7 ــ تمتعت المرجعية في عصر السيد البروجردي بالمنعة والمكانة الرفيعة, لم يكن يَسمح بأن يهان الطلبة, وكمثال على ذلك، دفاعه عن السيد خزعلي: الذي اتُهم أنه أورد في احدى خطبه في رفسنجان عبارة قاسية بحقّ الشاه، مضمونها التقريبي، أن الشاه كالخاتم في يد السيد البروجردي، يستطيع ساعة يشاء أن يخلَعَه، وقد نُفي بسبب هذه التهمة، فتدخل البرِوجردي وأرسل رسالة يحتج فيها على معاملة الطلبة بهذه الطريقة.

8- في الوقت نفسه، كان موقفه في بعض الأحيان موضع انتقاد الخاصة، مع أن مثل هذه المواقف كانت تحمّل عادةً لأحد أتباعه.

اذا تجاوزنا المسائل السياسية، فقد كانت بعض مواقفه الأخرى تثير التساؤلات: كمعارضته الجدّية لالتحاق طلبة العلوم الدينية بالجامعة، بحيث حُرِموا من مخصّصاتهم الشهرية, لعل مثل هذه الأمور كانت هادفة، وعلى احتمال صحتها، فاننا نظن أن السيد البروجردي ربما كان خائفاً على الحوزة من التشتّت، فاجتذاب الجامعة للعناصر الموهوبة من شأنه أن يؤذي الحوزة، ولهذا الأمر سابقةٌ في تاريخ الحوزة، فحين تم تشكيل العدلية، أعطيت الأفضلية لطلبة الحوزة، فذهب عددٌ منهم وأصاب ذلك الحوزة بالضرر.

ولكن، في كل الأحوال، ان ذهاب الطلبة الى الجامعة، له مصالح ومنافع متعددة لا يمكن اغفالها.

الاحتمال، أن يكون الدافع الأساسي، هو اهتمامه الجدّي بالمحافظة على الحوزة والمؤسسة الدينية وتوسيعها وتقويتها, والاحتمال الأقوى، أن آية الله البروجردي كان يعدّ توسعة الحوزات العلمية في ذلك الزمان، منطلقاً لانتشار الاسلام وتقويته، وهو أوجب من أي عمل آخر، وقد أثبتت الأحداث في ما بعد تأثير الحوزات في الثورة وفي مستقبل الوطن.

التأسيس للصراع
مع أن الطلبة من أمثالي، لم يكن لهم تدخل جدّي في السياسة في تلك الأيام، اذا أخذنا في الاعتبار اِبعاد الحوزة عن السياسة في عصر زعامة آية الله العظمى السيد البروجردي؛ انما لدي بعض الخواطر عن الحوادث السياسية في تلك الأيام، وبخاصة تلك التي رافقت »ثورة النفط«، والأهم من ذلك ما يتعلق بفدائيي الاسلام.

كان الوصول الى قم تقريباً في أوج الكفاح لتأميم صناعة النفط، في ذلك الحين لم تكن لنا معرفة صحيحة بالسياسة، ففي القرية حيث كنا نعيش - كما ذكرت سابقاً - لم نكن نستفيد من وسائل الاعلام كالمذياع والصحف، في قم أيضاً لم يكن استخدام المذياع شائعاً، واستفادتنا من الصحف كانت محدودة، نتوقف أمام أكشاك بيع الصحف، كان شراء الصحف ينحصر في الأوقات التي كان يُنشر فيها خبرٌ مثير, في القرية حيث كنا، كانت لنا معرفة سطحية بحزب »تُودهْ« وأعضائه، وفي الحوزة حيث جئنا، كان معلوماً ما هي صورتهم لدى الناس,

ولكن الجبهة الوطنية كانت بالنسبة الينا ذات جاذبية، كانت تجذبنا الشعارات المتعلقة بتأميم صناعة النفط, لم نكن راضين عن نهب الأجانب لهذه الثروة الوطنية, كنا نستمع الى الخطب التي تتناول هذه المسألة، وكنا نشارك في الاجتماعات العامة للجبهة, كانت لدينا مشاعر أقوى تجاه «فدائيي الاسلام»، كنت تقريباً من أنصارهم، وكنت أتحمس للاشتراك في جلساتهم وجمعياتهم العمومية, حدث في ذلك الوقت، أن الحكم أحضر جنازة رضا خان من أفريقيا الجنوبية ونقلها الى قم للطواف بها في حرم المعصومة، كما جرت العادة, لقد أعلن «فدائيو الاسلام» اعتراضهم على احضار جسد رضا پهلوي الى قم، وذلك في بيان لاجتماع عام، وقد حمى رجال الدين في قم هذه الحركة، وقد شاركنا نحن في هذا العمل، وأثر فينا كثيراً كلام السيد عبد الحسين واحدي في «الفيضية»، في ميدان «آستانة» و«مسجد الامام».

كان الشهيدان نواب وواحدي يضعان العمامة بطريقة خاصة، فقد كانا يلقيان قسماً منها الى الخلف، مع لبّادة فستقية اللون، حتى الآن، أنا أحبّ هذا اللون، فهو يهيج أشجاني, كان الأخ الأصغر للشهيد واحدي - السيد محمد واحدي - يردد أحد الشعارات، بصوت وأسلوب في الالقاء جميل وأخاذ.

لقد كنا من المعجبين بهم الى حدّ أن مجابهتهم - بعد اعلان السيد البروجردي، عن عدم رضاه عن بعض الحركات، وأحياناً عن تطرفهم - هيجت مشاعرنا وغضبنا من السيد البروجردي!
كان الشهيد نواب، الذي كان رئيس التحرك، قلّما يأتي الى قم, فقد ألقى خطبة أو خطبتين فقط في مسجد الامام، شاركنا في الاستماع اليه, كان نواب بالنسبة الينا قائدا، وقد لقي تأييد الكثيرين، وكان مدعوماً بتأييد شخصيات كثيرة كآية الله (السيد صدر الدين) الصّدر، وآية الله السيّد محمد تقي الخوانساري, يمكنني القول ان أسس توجهاتي السياسية تعود الى ذلك الزمان، بتأثير أصداء حركة الجبهة الوطنية، ونضال آية الله كاشاني، وفوق ذلك كله، «فدائيو الاسلام».

أما ضَرْبُ «فدائيي الاسلام»، فقد دفعنا الى اساءة الظن بالدكتور مصدّق، والغضب من الجبهة الوطنية بسبب الظلم الذي وقع على آية الله كاشاني واضعاف »فدائيان اسلام«.كنا معجبين بآية الله كاشاني، وفي أثناء سفره الى قم، تبعناه أينما ذهب, كان دعم آية الله السيد محمد تقي الخوانساري له، شديد التأثير فينا, كان استنتاجنا أن «فدائيي الاسلام»، هم ساعِدا السيد كاشاني، مع أن تأثيرهم فينا كان أقوى، بما كان يميز عملهم الشجاعة والشفافية، ومواجهة الرصاص بأصوات التكبير! وكنا من صميم قلوبنا معادين للعائلة الپهلوية، لما لها من سوابق معادية للدين ولرجال الدين,,, كنا نؤيد مواقف الجبهة الوطنية في الصراع ضد الشاه، ولكن في الخلافات التي وقعت بين الجبهة وبين آية الله كاشاني و«فدائيي الاسلام»، كانت ميولنا تتجه باتجاه آية الله كاشاني و«فدائيي الاسلام», لقد فجر موقف الجبهة الوطنية من آية الله كاشاني والفدائيين، غضب المجتمع المتدين، الى حدّ أن كثيراً من الناس سُرّوا لسقوط مصدّق، وقد كنت شاهداً في احدى المرات على مباركة أحد الأشخاص بهذه المناسبة.
حساب أعضاء حزب «توده» على حدة، فقد كان جو قم معادياً لهم، وليس لهم أي تأييد فيها,

لقد كانوا يُهينون المقدسات الدينية علانية، من الخواطر التي لا ننساها، الحادثة المعروفة المتعلقة بالسيد علي أكبر برقعي، حيث تحرك أنصار «توده» يوم استقباله في قم، وضربوا الطلبة، وفي صحن الحرم أهانوا الطلبة والسيد البروجردي وحتى القرآن! كان عملهم سيئاً جداً، وكردة فعل على تحركهم، عمت التظاهرات الواسعة قم، وحاصرنا مركز الأمن وألقى السيد تربتي خطبة، وحدثت موجةٌ من الاعتقالات، أحد الطلبة أوقفه أحد رجال الأمن، فانتزع منه سلاحه، أعقبت ذلك مصادمات عنيفة ومثيرة، واستخدم رجال الأمن الغاز المسيّل للدموع، آذاني كثيراً الحريق والدموع في عيني، قصدنا منزل البروجردي للاحتجاج وطَلَبِ الدعم، ثم تفرّقنا بعد ذلك.

كان منزلنا في تلك الأيام قريباً من الحرم، غطى المكان دخان الغاز المسيّل للدموع، وظلت عيوننا تلتهب حتى الصباح، بالنسبة للظروف في تلك الأيام، كانت حادثة مرعبة ومؤلمة.
عاود الطلاب في اليوم التالي تجمُّعَهم من جديد، وهاجموا منازل ومتاجر عدة كانت معروفة كمراكز لأنصار حزب «توده»، تبيّن بعد ذلك أن أحد عشر طالباً قد فُقدوا, قصدنا مقبرة »فرج«، وقلبنا التراب رأساً على عقب لنعثر على الجثث، طلب السيد البروجردي ايفاد مبعوث من طهران، أعطوه تعهداً، وأخيراً ولاضعاف الطلبة نفوا السيد برقعي, من بين الذين تكلموا في تلك الحادثة، الشهيد فضل الله محلاتي، وكان للطلبة الطهرانيين دور لافت وفاعل.

لقد خطّأنا أعضاء حزب «توده» في تلك الحادثة، واتُّهمت حكومة مصدق بالتواطؤ معهم، البعض رأوا أن هذا التواطؤ كان موجهاً ضدّ مصدق نفسه, في كل الأحوال، من الأمور المسلم بها، أن الجبهة الوطنية وحزب «توده» اشتركا في اضعاف حوزة قم ورجال الدين، كما أن الروس والانكليز وأميركا كان لهم موقف سياسي مشترك من هذه الناحية.
لقد ابتعدت الجبهة الوطنية عن رجال الدين، وأُضعِف «فدائيو الاسلام»، والتزم السيد كاشاني بيته؛ وعلى الرغم من هزيمتهم للشاه في البداية، لكنهم بهذه السياسية والمواقف الخاطئة، فقدوا قوتهم الجماهيرية, انهزم مصدّق، وعاد الشاه بعد انقلاب 28 مرداد 1332ش (19/8/1953م).

بصرف النظر عما ذكرنا آنفاً، كانت هنالك نقاط ضعف ومشكلات أخرى، فـ «فدائيو الاسلام» لم يكونوا وآية الله كاشاني على الخط نفسه، فقد كان للسيد كاشاني حضوره في المسرح السياسي، وكان يعرف الى حد ما المحاذير والعواقب، بيد أن «فدائيي الاسلام»، كان شعارهم تطبيق الاسلام بحذافيره، فكان السيد كاشاني واقعاً تحت ضغط الفريقين، لم يستطع أن يكون المُعبّر عن جميع مطالب «فدائيي الاسلام»، ولم يتقبل فكرة التسليم المطلق دون قيد أو شرط للجبهة الوطنية.

كنت حاضراً حين قال السيد كاشاني في احدى خطبه في مشهد: «أنا قلت للسيد مصدّق: هؤلاء، جميع المسلمين قد عملوا من أجلك، وهم الذين أوصلوك الى سدّة الحكم، فامنع المشروبات الكحولية, فكان جوابه، ان قسماً من مدخولنا، في هذا الوقت الذي تعاني فيه مداخيل النفط من المشكلات، تعتمد على المشروبات الكحولية، فلن نقطع مصدر العائدات هذا، قلت له: اقبل اقتراحي، وأنا أجعل الناس يتقبلون اضافة قران على ثمن كيلو السكر».

هذا نموذج من مآخذ السيد كاشاني على الدكتور مصدق, نموذج آخر في حادثة استبعاد الأشخاص المؤيدين للمهندس بازرگان، الذين اشتكوا أن الجو هنالك غير اسلامي، ومن جديد كان السيد كاشاني تحت ضغط الفريقين, في مثل هذا الجو، كَثُر أولئك الذين لم ينجذبوا (في الحوزة)، الى القضايا السياسية، وفضلوا الانصراف الى الدراسة، أحياناً كان بعض الأفراد يستغلون الفرصة للبروز بصورة غير سليمة فيكون لهم تأثير تخريبي, وحضور مثل هذه الوجوه أيضاً لم يكن دون تأثير في التشديد على الدوافع السياسية، وقد أوجد كل ذلك جواً من التذبذب وعدم الثقة.

من الحوادث الطريفة التي ما زلت أذكرها من ذلك العهد وذلك الجو: كان بعض الأشخاص في احدى السهرات - في احدى الدورات الانتخابية - يتناوبون على الكلام في «الفيضية»، في جمع كبير, كان أحدهم يقول بحماس شديد: «نحن لا نخاف من سهامكم ولا مدافعكم ولا رصاصكم وبنادقكم، سنكسر الحديد ونرمي أجزاءه أرضاً و,,,»، في اللحظة نفسها أحد الطلبة الفكِهين، يدعى بهارلو من طهران، ضرب الأرض بقوة بكعب حذائه، فصدر عنه صوت غير طبيعي، ففرّ عدد كبير من الحاضرين دفعة واحدة، وانفضَّ الاجتماع!.

مجاهدون
02-03-2005, 11:36 AM
تأسيس «مكتب تشيع»
رغم جميع الآثار السلبية للخلافات الداخلية بين الأطراف المعارضة للشاه- التي أشرنا اليها من قبل ــ كان جيل الحوزة الشاب، ميالاً الى النضال، متألماً من عودة النفوذ الغربي، واحكام سيطرة أميركا والانكليز من جديد، وكان مؤمناً بواجب مقاومتهم، هذه الروحية هي التي كانت وراء تأسيسنا لـ «مكتب تشيع»، وكنا نعلم أننا نستطيع عبر هذا الطريق أن نوسع علاقاتنا بعدد كبير من ذوي الأهداف المشتركة، ونؤسس شبه اتصالات واسعة.

هذه النشرة، صارت وسيلة اعلامية جيدة، للتنوير، وتعميم الفكر الاسلامي المتقدم، والأفكار النيّرة في جميع أنحاء البلاد, كان لافتاً أن يكون لنا فجأة مندوبون في أكثر المدن والمقاطعات يرسلون الينا بدل الاشتراكات وثمن الأعداد مسبقاً, هذه المساعدة الواسعة أسعدتنا كثيراً، وقد وُفقنا تحت ستار «مكتب تشيع» في ايجاد شبكة ثقافية وسياسية في جميع أنحاء البلاد.

كان تصورنا، أن نعمل على اعداد الناس فكرياً، من خلال مقالات هذه النشرة المتنوعة التي يُطرح فيها الاسلام بأبعاده العبادية والسياسية والاجتماعية، وأن يكون لنا كذلك شبكة علاقات واسعة نستفيد منها عند الحاجة.

نُظّمت شبكةٌ - بالاضافة الى شبكة الحسينيات والمساجد والهيئات الدينية المتشكلة تلقائياً - كان لها مكتبٌ في قم، وسجلٌ بأسماء المندوبين والأشخاص الذين كان لهم ارتباط مالي بنا، دون أن تكون هذه المؤسسة مشبوهة فنلاحق سياسياً, ولقد استفدنا من هذه الوسيلة في طرح القضية الفلسطينية، التي كانت منسيةً، وضمناً، لنتمكن عبر هذا الطريق من ايجاد علاقات مع الخارج وتقويتها, كما أننا أوجدنا في الداخل علاقات جيدة مع المتدينين في الجبهة الوطنية كأمثال: آية الله طالقاني، والمهندس بازرگان وآخرين, وكان لآية الله الشهيد مطهري تأثير كبير في هذا المجال.

مع سفر الدكتور باهُنر الى طهران، صرت وحيداً، وقد أدرت النشرة بمفردي مدة طويلة.
كانت نشرات مثل «مكتب تشيع» و«مكتب اسلام»، هي بلورة لأوضاع حوزة قم وتحركها في السنوات التي أعقبت سقوط مصدّق، وبدء جهاد رجال الدين, وقد برز في هذه السنوات حدثان أساسيّان في اتجاهين متعاكسين هما:

- الحدث الأول: ازدياد قوة العائلة الپهلوية بمساعدة أميركا، فعملت تدريجياً على اقتلاع المعارضين وقمعهم.

- الحدث الثاني: كان التوسع الكمي والكيفي للحوزات العلمية والدينية ورجال الدين بمركزية آية الله البروجردي وادارته، وبظهور الأفكار الاجتماعية والسياسية وتغلغلها بين الطلاب الشباب, وانتهى الأمر أن وقف هذان الحدثان أحدهما بمواجهة الآخر في نهاية العقد الثلاثين وبداية العقد الأربعين، وبدأ نضال رجال الدين.

مواقع مرجعية الامام
بعد وفاة السيد البروجردي، فكر الأميركيون والغرب والشاه والسياسة التي تتحكم بالبلاد، بتوجيه ضربة الى المؤسسة الدينية التي كانت قد صارت قوية، وكانت هي بدروها على وشك توجيه ضربة الى النظام، ويذكر أنهم كانوا في الماضي يهابون من السيد البروجردي.
في احدى المرات، وفي حوادث البهائيين، دخل السيد البروجردي الصراع، وكان التصور في البداية أن الحكم القائم يوافقه الرأي، وقد بُثت خطب السيد فلسفي من المذياع، وكان لها صدىً، وتحرك الناس أيضاً واحتلوا بعض المراكز، ولكن الحكم بالتوافق مع السياسة الغربية وتحت تأثير الضغط الدولي، تراجع دفعة واحدة، وتوجّس السيد البروجردي.

لعلّ هذه الشرارة هي التي دفعت الحكم أو الأميركيين للتفكير بالمؤسسة الدينية؛ كما أنه من المحتمل، أن بعض الحركات السابقة، وقوة السيد كاشاني التي ظهرت في حوادث ثورة النفط، كانت التربة التي نما فيها الواقع الذي ينظر الى رجال الدين كقوة جديدة في المملكة، وهي أيضاً يمكن أن تكون مصدر خطر في أي لحظة، مع الشبكة المتعاظمة والواسعة للمساجد والحسينيات والمدارس والحوزات.

كانوا يرغبون في اضعاف المؤسسة الدينية في البلاد، وجعلها في قبضتهم، وفي نقل مركز المرجعية الى النجف, لم يعتبر النظام نفسه بغنًى عن رجال الدين، وبخاصة أن هنالك سابقة من المشاكل مع الشيوعيين، اضافة الى خطر الاتحاد السوفياتي,,, وبحسابات من هذا النوع، كانوا يرون من خلال تقديرهم للأمور أنهم بحاجة الى المؤسسة الدينية، ولكن ليس الى مؤسسة قوية ومستقلة، وانما الى مؤسسة ضعيفة ومحدودة التأثير، لا تخرج عن سيطرتهم, وكان العراق في تلك الأيام تحت سياطهم، وبتوسع ايران وقوتها، كان وجود الشيعة في العراق مفيداً أيضاً لايران.

كانت حوزة قم الشابة، قد وصلت الى النضج الثقافي والسياسي، بحركة ونشاط يستحقان التمجيد, كان كلّ يوم بعد انتهاء درس الامام، مئات الطلبة المتدينين بمظهرهم المنظم والجذاب، كانوا بالنسبة الينا استعراضاً جليلاً، وباعثاً على الأمل, وكان عددٌ من عناصر هذا الجمع الذي يتزايد يوماً بعد يوم، هم من أهل القلم والبيان، ولهم حضور سياسيٌّ فاعل، وتواجدٌ على الساحة الاجتماعية, فمن هذه الزاوية، لا يمكن مقارنة النجف بقم, فبهذه الحسابات، بدا أن النظام لا يحتمل نضج قم وازدياد قوتها أكثر، ومن واجبه اضعافها.وكان لكل شخصية من شخصيات قم: الامام وشريعتمداري والگلبايگاني والنجفي المرعشي، مكانة خاصة به، تتمحور حولها فئة أو فئات من المناصرين بحسب سنهم ووضعهم في الحوزة.

في تقييم النظام للأمور، كان لمثل هذا الوضع أرضية ملائمة لبثّ التفرقة في الحوزة وتحويلها الى ممالك شبيهة بنظام «ملوك الطوائف»، والعودة بها الى حالة شبيهة بالحالة التي كانت سائدة قبل مرجعية آية الله البروجردي.

فقد كان في قم قبل وصول البروجردي علماء معروفين بالآيات الثلاث: «الحجت» «الصدر» «الخوانساري» والى جانبهم «فيض» و«كبير»، ويأتي بعد ذلك علماء الدرجة الثالثة.

مع قدوم السيد البروجردي، توحدت المرجعية، وقد شبهه المرحوم »اشراقي« المعروف، في احدى خطبه، بسليمان في وادي النمل، بقراءته لآية: (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده), كمقدمة لخطبته، كما أنه صار مصدر الضيق في نفوس بعض كبار رجال الدين أو مقلديهم.

جليل
02-04-2005, 02:56 PM
أميركا جسدت أطماعها في إيران بمقايضة النفط بالمواد الاستهلاكية(الحلقة الخامسة


تحضرني خاطرة مهمة في هذا المجال، تؤيد إلى حدّ كبير تحليلي لسياسة النظام بعد وفاة العلامة البروجردي.

بعد وفاة السيد البروجردي، إضافة إلى الشخصيات البارزة التي كانت موجودة في قم، كان في النجف كلٌّ من آية الله الحكيم، وآية الله السيد عبد الهادي الشيرازي, أرسل الشاه برقية تعزية إلى السيد الحكيم، وكان يهدف من هذه التعزية، إلى الاعتراف بمرجعيته رسمياً من ناحية، ومن ناحية أخرى يضرب ضربته, وليس بعيداً حدوث مثل هذا المكر في عمق سياسة النظام، أي إصابة هدفين بطلقة واحدة؛ في كل الأحوال كان عدد كبيرٌ من علماء قم يميلون إلى السيد عبد الهادي.

لم يطل عمر مرجعية السيد عبد الهادي، فقد توفي بعد عام واحد من وفاة العلامة البروجردي, وحين وفاته، كنت خطيباً في أصفهان, كان مضيفي الحاج أبو القاسم كوهپايي الذي كانت له مكانة جيدة في أصفهان، وكان مرجع وجهاء البازار، ومعنى ذلك أنه كان مؤثراً في اختيار المرجع، لأن إيفاء الحقوق كان يثير من قريب أو من بعيد اهتمام عامة الناس والطلبة، ويجذب الشخصيات الدينية.

أخبرني السيد كوهپايي يوماً، أن قنصلية أميركا في طهران استدعته وقد رافقه ابنه الذي كان يدرس في أميركا ويتقن الإنكليزية كمترجم؛ سُئل: لمن ستعطي أنت الحقوق الشرعية؟ أجاب: يجب أن نصبر لنرى من سيتولى المرجعية، فنسلمها له.
تذَكُّر هذه المسألة مهم، لأن الإمام الخميني قبل هذه الحادثة، أقام مدةً في أصفهان، وكان للسيد كوهپايي علاقة به، وربما لم يكن خافياً عليهم إعجابه به.

في كل الأحوال، كان هذا ردّه عليهم، ولكنهم لم يقتنعوا وقالوا له: «أنت، كنت حين وفاة العلامة البروجردي في العراق، وقد أبرقت من هنالك طالباً إرسال الحقوق باسم العلامة الحكيم، لست صادقاً في قولك إنك ستصبر لترى من سيترأس فتعطيه الحقوق», هذا اللقاء والحوار الذي دار فيه يوضح جيداً مدى مراقبة السفارة الأميركية في زمن الشاه، للأوضاع الداخلية الإيرانية, في تلك الأيام، كان وجودنا في أصفهان مؤثراً، ومع أنني لم أكن معروفاً كخطيب، ولكن في تلك الظروف - كنت هنالك في محرّم - ترك كلامي أثراً في نفوس الناس، وقد عملت أيضاً مع علماء أصفهان ووعّاظها؛ وكان هنالك أيضاً طلبة من أصدقائي ورفاقي، وقد ساعَدْنا بشكل عام، في إيجاد الأرضية الملائمة لاختيار الإمام، كان لكلّ واحدٍ من تلامذة الإمام الكثر، تأثيرٌ قويٌ أو ضعيفٌ في نقطة معينة, وهكذا، على الرغم من الموقف السلبي للمحافظين في ما يتعلق بمرجعية الإمام، فإنّ جيل الحوزة الشاب - بوجوده الفاعل في معظم المناطق الإيرانية - وجّه تفكير المجتمع في اتجاه معارض لرغبات الحكم وأميركا من ورائه.

بعض النقاط الأساسية
يمكن هنا أن يكون الالتفات إلى بعض النقاط، مفيداً في تصوير المناخ السياسي في تلك المرحلة، وفي تحليل كيفية تأثير رغبات الجماهير في الإمام.
1 - كان خط الإمام، وكيفية مواجهته للمشاكل، يجذب جيل الحوزة الشاب، هذا الجيل الذي كان يكره حبّ الظهور، وتجميع المريدين,,.

في أثناء تشييع جنازة المرحوم البروجردي، وخلال مراسم العزاء المتعددة - حيث ظهرت مثل هذه المنازعات - تَجنّبَ الإمام الإعلان عن إقامة مجلس عزاء، خوفاً من ظهور شائبة من الشوائب، ولم يكن راغباً حتى في كتابة رسالة,,.
مثل هذه المواقف كانت تجذبنا، كما كانت تجذب الناس أيضاً.

2 - في سفر الدكتور أميني إلى قم، كان للإمام موقفٌ، تفجّرت أصداؤه كالقنبلة في أرجاء الحوزة فهزّتها، ولا مجال هنا للمقارنة بين موقف الإمام ومواقف العلماء الآخرين إن في طريقة الإمام في المواجهة، والقيمة المعنوية، وعدم الاهتمام بالمقام الظاهري للأميني أو من حيث فحوى المواضيع التي طرحها الإمام، والتي نشرها أحد الحاضرين في حينه في صحيفة - ليست مشهورة كثيراً.

3 - إن إعلان الناس عن مشاعرهم في أثناء موت العلامة البروجردي، كان عرضاً لشعبية رجال الدين وهذا الأعلان أخاف الأعداء وزرع الأمل في نفوس الأصدقاء, أعادت تلك الأيام إحياء ذكرى موت آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني في الأذهان، التي أدت مشاركة الناس الواسعة في تشييعه إلى تخليص إيران من خطر التجزئة، وتخليص آذربيجان من براثن التبعية للروس.

اضطراب الناس وهياجهم، كان محيراً وعجيباً، وكان السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي هذه القوة العظيمة؟ لقد أُلِّفَتْ كتبٌ، وقدمت تحليلات لهذه الظاهرة، ولعل النظام قد أصابته الغفلة، ولم يستطع أن يتنبّأ بأبعاد هذه الموجة العظيمة الطاغية، ولو أنه أحسن قراءة المستقبل، لاتخذ سياسةً تحد على الأقل من تعاظمها، ولا تفسح لها في المجال إلى هذا الحد.
في كل حال، أذهل الجميع ما جرى، منذ يوم الوفاة وحتى الأربعين، أقيمت مجالس عزاء في جميع أنحاء البلاد، مجالس صاخبة وحافلة! مظهر تشييع الجنازة كان مهيباً فوق العادة، انعكس في الصحف بمقالاتٍ تبرز تلك العظمة، قبل أن يستفيق النظام ويحدّ منها, وأميركا التي كانت لها أحلام حول إيران تجسّدت اطماعاً سياسية واقتصادية، فوضعت برامج لمقايضة النفط بالمواد الاستهلاكية والصناعية، وقد أثَّرَ ما جرى في مواقفها المعادية لرجال الدين وللمرجعية.

4 - فئات عديدة لم تكن مؤيدة لمرجعية الإمام، من منهج المحافظين الذين كانوا يَسعَوْن إلى عدم إيصال الإمام، فرجال الدين المتزمّتين، إلى المثقفين الذين كانت تضايقهم صلابة الإمام في مواجهة الآراء - مهما ضؤلت - والتي كانت تسيء إلى الخط الديني والمؤسسة الدينية، وإلى معتقدات الشعب, في تلك المرحلة نفسها اتخذ الإمام موقفاً صارماً، من بعض آراء المهندس بازرگان وبعض المثقفين الآخرين الذين وضعوا علامة استفهام حول دور المرجعية؛ وفي هذه الأثناء كان الطلبة الشباب الموالون للإمام، يأملون أن تتغير الظروف وكانوا يعملون على تحقيق ذلك.

أول منعطف سياسي
لم يجد النظام الحاكم، في تقويمه للأوضاع، قوةً منافسة له، والساحة خالية، وإذا كان لديه في الماضي خوف من العلامة البروجردي، وكان مضطراً أن يُراعيَ حرمته إلى حدود معيّنة، فإنه لا يجد الآن مرشّحاً لمقام المرجعية؛ والسياسة الأميركية بدأت - مستفيدة من هذا الفراغ - تتكلم عن ضرورة الإصلاحات، ومن ضمنها إصلاح قانون انتخابات المجالس البلدية ومجالس المحافظات، كتعديل في بنية النظام.

إن دوافع هذا التعديل، وعوامله الخفيّة، بحاجة إلى دراسة معمقة ودقيقة, فقد كان اطلاعنا في هذا المجال، في تلك الأيام، يأتينا عن طريق الصحف، وأنا الذي انتبهت في وقت من الأوقات إلى انعكاسه فيها.

في ذلك الحين كنت من العاملين في نشرات الحوزة، وكان يجب أن يكون لي رأي، وقدرة على التحليل، فقد كان قد صدر في السابق قانون إنشاء المجالس البلدية ومجالس المحافظات، ولم يعمل به أو يوضع موضع التنفيذ, والآن يريدون أن يفعلوا ذلك، فإذا سار بصورة طبيعية معنى ذلك أن الناس سيمارسون حقّهم الطبيعي في الانتخاب, ولا عيب في ذلك، وسيصل الحكم إلى اللامركزية الإدارية، ويتمكن الناس عن طريق الانتخاب من المشاركة بصورة غير مباشرة في تسيير دفّة الأمور؛ فأنا اعتبر هذا التفكير، انطلاقاً من هذه الفرضية راقيا ومتقدما؛ ولكن الأميركيين كان لهم هدف آخر.

وكانت سياسة الحكم الجديدة، هي الاستفادة قدر المستطاع من الميادين الحديثة الراقية، لتثبيت حكمه، مع الأخذ في الاعتبار متطلبات العصر, لذلك ومن هذا المنطلق يجب أن تتوسع الجامعات، ويسهّل دخول الأجانب وبخاصة الأميركيين، وخروجهم، ويُحوّل البلد إلى بلد صناعيّ، وإن بصورة سطحية، فتزيد الحاجة إلى التكنوقراط، كما أن الحكم يجب أن يظهر بوجه ديموقراطي، ففي أميركا كان الحكم للحزب الديموقراطي، ولهذا السبب قويت الجبهة الوطنية وصارت فاعلة.

في مراقبتنا للقضايا المطروحة وتقويمها، كان حدْسُنا أن الإصلاحات والشعارات التقدّميّة، ما هي إلا ذريعة لتثبيت دعائم الحكم, لم يفهم هذه المسألة سوى عدد قليل من الخاصة، ولكنّ مخاطبة جماهير الشعب، يجب أن تعتمد كلاماً آخر وأسلوباً آخر، لذلك يجب الانطلاق والاستفادة من ثلاثة مواضيع شديدة الحساسية لدى الرأي العام:

ـ حذف شرط القَسَم بالقرآن.
ـ إلغاء شرط الذكورية.
ـ إلغاء شرط الإسلام في معرض اختيار الشهود.

فإلغاء هذه الشروط، كان خطوة في طريق تسهيل مهمة الخبراء الغربيين، وخطوة أيضاً في تنفيذ خطة إضعاف الدين، ورجال الدين، والبعد عن الإسلام.
في ذلك الوقت، كان لدى الطبقة الدينية التقليدية، حساسية خاصة بالنسبة إلى النساء، فكان لا بد من الاستفادة من مثل هذه المجالات، لتنوير الرأي العام وتنويره ردًّا على مغالطات الحكم, لذلك إذا طُرح الموضوع بالنسبة إلى المثقفين وأقلامهم، فإن جماهير الشعب لن تدخل الميدان، ولن يأخذ التحرك طابعاً جماهيرياً.

عقد الإمام الخميني اجتماعاً في منزل العلامة حائري، بحضور كبار علماء قم، فدقّ ناقوس الخطر، وصدر قرار عن المجتمعين بإرسال برقية احتجاج.
كان حذف شرطي القرآن والإسلام من القَسَم، سبباً طبيعياً وجوهرياً للاعتراض، ولا شك أن من الواجب الاحتجاج على مثل هذا العمل, أما حذف شرط الذكورة، وإعطاء النساء حق الانتخاب - الذي كان لطرحه في الواقع جانب سياسيّ - فيجب معالجته بسياسة خاصة, وقد عالج الإمام الخميني هذا الجانب بطريقة ذكية جداً؛ وكان منطقه هو التالي:

- متى منحتم الرجال الحرية، وأعطيتموهم حق الانتخاب، لتفكروا الآن بالنساء؟ وبهذا البيان يكون النظام قد سُلب شعاره التقدمي هذا.

ومن هذا البيان - الذي لم يُطرح في الأيام الأولى، بل تدريجياً في أثناء مسيرة النضال - يجدر الاطلاع كذلك على دوافع الإمام الخميني في التركيز على هذه النقطة: كان عدم وجود حريّة انتخابات واضحاً بالنسبة إلى الناس عامة، لذلك كان من الممكن بسهولة الإثبات للناس، أن النظام الحاكم لم يرفع شعار منح حق الانتخاب للنساء عن حسن نيّة.

المسلّم به أيضاً، أننا دخلنا المعركة بهذا الدافع: في الاجتماعات التي كنا نعقدها في تلك الأيام بين الأصدقاء، كنا نتبادل الرأي حول مواضيع الصراع, وكان الرأي الذي اتفق عليه الجميع، أننا قد وجدنا أفضل الوسائل لفتح المعركة، بالاستفادة من شبكة العلاقات الجاهزة لـ «مكتب التشيّع».

كان لدي دفتر - لا يزال بحوزتي حتى الآن - يتضمن أسماء وعناوين مندوبي النشرة, وكان هؤلاء بأغلبيتهم من التقدميين والمتدينين المنفتحين: في المدارس والبازار والمساجد، وكان بعضهم من أئمة الجماعة وعلماء المدن, وقد بدأت المعركة، وتأجّجت بسرعة.
لقد جمع السيد دواني مظاهر هذه المعركة النضالية في كتاب، تحتاج بعض النقاط الواردة فيه إلى مزيد من التحليل.

الإمام الخميني وساحة الجهاد
في مثل هذه الظروف بدأ الإمام الخميني العمل، وكان من بين ما قام به: الاتصال بعلماء المدن ومراكز المحافظات، وإيجاد تجمع من الفقهاء (كنت أحد أعضائه)، وتكليف أشخاص يسافرون إلى الأطراف، وقد وقع الاختيار عليّ للسفر إلى الجنوب، فذهبت من قم إلى يزد، ومنها إلى رفسنجان فكرمان، وتوقفت في أثناء السفر في أماكن أخرى، وقمت بإجراء اتصالات، ولكن مهمتي الأساسية كانت في هذه المدن الثلاث, في يزد تعاونت مع السيد صدوقي، وفي كرمان مع السيد صالحي، وفي رفسنجان استفدت من وضعي الشخصي لإيصال رسالة الثورة مباشرة إلى الناس.

سافر آخرون إلى أماكن أخرى: وقد اختير السيد جواد علم الهدى لمشهد وآخرون إلى أصفهان وشيراز وغيرهما.
في يزد سلمت رسالة الإمام إلى السيد صدوقي، وألقيت كذلك خطبة في مسجد «حظيرة»، وفي رفسنجان شرحت في مسجد «قطب آباد» ما نقوله وما نهدف إليه، وما هي أهداف النظام الحاكم؛ لم يكن التضييق قد بدأ في ذلك الحين، وكان الكلام مسموحاً.

حين وصولنا إلى كرمان وقبل أن نبدأ الكلام، وصلت برقية من قم، يخبر فيها آية الله النجفي السيد صالحي أن النظام الحاكم قد وافق على مطالب العلماء، وانتهت المشكلة.
اتصلت بقم هاتفياً، فعلمت أن الإمام لم يكن راضياً، وكان يرجّح أن الحكم يريد أن يضع قبعة على رأس الفقهاء، أو أنه يريد أن يوقع الخلاف في ما بينهم.

اتفق الفقهاء إلى حد ما، وشاركوا جميعاً في المعركة، وقد تجاوب الحكم معهم، فاقتنعوا، لم يرض الإمام أن يكون ذلك مجالاً لبثّ التفرقة، ولكن صمود القوى المناضلة إلى جانب الإمام، منعت التفرقة، وهنا كان الانتصار, اضطر الحكم نتيجة من ذلك أن يقدم تنازلات أخرى، فألغيت الوثيقة التصحيحية رسمياً كما أراد الإمام، وأُعلن خبر ذلك في الصحف.

جاء صمود الإمام وانتصاره عاملاً إضافياً، ليقع اختيار أكثرية قوى الحوزة الشابة، المناضلة عليه، كما أن عدم الرد على برقيته في المرحلة الأولى، زادت من محبته في قلوب الجميع، وهذا معيارٌ واضح لتقويم فكر الحوزة السياسي في تلك الأيام، وأفكار القوى الدينية المناضلة.
لعلّ عديدين كانوا يرون عكس هذه الفكرة، متأثرين باهتمام الدولة بشخص معيّن، معتبرين ذلك دليلاً على عظمته، ولكنّ القوى المناضلة، والفاعلة، لم يكن تفكيرها بهذه السطحية، بل كان أعمق من ذلك، وكان تشخيصها أن الشخصية التي لا تهادن، والتي تدقق في الحسابات هي الإمام، وقد توصلت حركة النضال في هذه المرحلة، ولم تكن قد تجاوزت الشهرين من عمرها، إلى الانتصارات والمكتسبات التالية:

ـ عرض قوة الخط الديني ورجال الدين، وهو ما كان النظام الحاكم يخاف منه، ويبذل مساعي عديدة لتلافيه.

ـ ظهور ضعف الأجهزة, لم يكن الحكم في تلك المرحلة يملك نظاماً أمنياً سليماً، واتضحت أضرار ذلك.

ـ كانت شخصية الإمام الخميني أهم مكتسبات هذه المرحلة، وأرفعها قيمة، فقد احتل الإمام مكانته في المجتمع، واتجهت الأفكار والأنظار نحوه.

في كل حال، كان انتصاراً باعثاً على الثقة بالنفس، وأياً كان دافع النضال، فقد أعطى نتائج جيدة, ولكي لا يعلن الحكم هزيمته كذباً وقال: «نحن تراجعنا تكتيكياً، كي نهزم رجال الدين ونذلّهم», ولكن الواقع أن ساحة النضال اتسعت وبلغت أوجها، بحيث أن نظام الحكم، وجد أن لا بدّ من الاستسلام، والاعتراف بخطأ تقديراته وتحليلاته.

كانوا يتوقعون أن تصاب حوزة قم بالفراغ بعد موت البروجردي، ويفقد الطلبة مرجعهم، وليس لديهم تمويل ولا شبكة اتصالات، والناس في غفلة عما يجري؛ ولكنهم رأوا عملياً تشكل القوة الوطنية، وظهور شعور ديني قوي لدى الناس، كان حصيلة عقد أو عقدين من العمل، وتأكيداً على نجاح العلامة البروجردي وحوزة قم، وشهادةً مثمرة ومشرّفة.

يمكن، بعد مراجعة هذه النقاط الاستنتاج بأن أرفع مكتسبات هذه الحركة النضالية، القصيرة الأمد، والمنتصرة، هو إبراز واقع كون المؤسسة الدينية في إيران تمارس أعمال حزب من الأحزاب، ولكنها تخلو من عيوب الأحزاب.

لقد أظهرت المؤسسة الدينية إنها شبكة واسعة في جميع أنحاء الوطن؛ وأن مراكزها هي تلك المساجد والحسينيات، والهيئات، والتجمعات، والمقامات الدينية المقدسة كلها؛ وأن الأوقات التي تلائمها: هي رمضان ومحرم وصفر والأعياد والوفيات، حيث كان يجتمع الناس بصورة طبيعية، وحيث تسيطر روح عاشوراء وثورة الحسين، كعنوان لأرقى فكر مقاوم في التاريخ,,, لم تكن الأفكار والشعارات الحسينية المعبّرة بدون فائدة، حتى في التجمعات والمراسم التي يقال عنها الرجعيةُ التي لم يكن لها لونٌ سياسيّ.

كانت هذه التنظيمات مكتفية ذاتياً من ناحية التمويل، كما كانت مصدر رزق للطلبة, فنحن طلبة قم، بدأنا بعد سنتين أو ثلاث من الدراسة والإقامة في قم، بدأنا الأسفارَ التبليغية، وكنّا نُؤمِّن رزقنا تقريباً من مدخول المنبر، وقد كانت هذه الأسفار التبليغية المصدر الأساسي لمداخيل الحوزة، إضافة إلى مجالس العزاء التي تديرها الحوزة، حيث يسافر في رمضان ومحرم باستمرار آلاف الأشخاص من قم إلى مختلف أنحاء البلاد، وكل منهم يعود حاملاً معه سهم الإمام - لأحد المراجع -.

كانت العلاقة التي تولد وتنمو من هذه الأسفار بين الحوزة والمجتمع ثقافياً وسياسياً أهم من المردود المادي, كانت المنابر وسيلة لعرض أفكار الحوزة على أفراد المجتمع، وحين يعود المنبريون من كلّ سفر تبليغي يعكسون في الحوزة أفكار المجتمع ومطالبه وحاجاته, إن تبادل الأفكار والأخبار هذا، أطلع حوزة قم على الحوادث والمتغيرات الطارئة في المجتمع، وكان للمدرسة الفيضية من هذا المنظار تأثير - كمركز لحزب حيّ وفاعل - في زيادة قدرة الطلبة على رؤية الواقع، والمساهمة في تطورهم، من ناحية، ومن ناحية أخرى توفير الإمكانات وتأمين الحاجات الضرورية لهم.

طبعاً، إذا طُرحت المسائل السياسية في الحوزة، كانت تصل في غضون خمسة أو ستة أشهر إلى جميع نواحي البلاد، وإذا طرحت مشكلة خاصة في المجتمع تنعكس بعد سنة في الحوزة، فتدرس وتحلّلُ وتعود إلى المجتمع ناضجة.

كانت أوقات العصر في الفيضية عالماً قائماً بذاته، يجتمع الطلبة في جميع الزوايا في حلقات, يدور الكلام بيننا إلى أن يحين وقت صلاة الجماعة، وكان الكلام يجذبنا أحياناً فنغفل عن فضيلة صلاة الجماعة، حتى أننا نصل في آخر الركعات ونلتحق بصعوبة بالصفوف الأخيرة.
في الفيضية، قبل صلاة المغرب بنصف ساعة تضج بالضوضاء والفكاهة والمزاح، ورواية ذكريات السفر وخواطره، والأخبار الجديدة وغير ذلك من أبحاث في التنظيم والقانون، والنظريات، وشؤون فكرية واقتصادية مما كان يجذب إلى هذه الحلقات عناصر مميزة من أحزاب أخرى.

إن مواجهة مثل هذا التجمع، ينتهي بالهزيمة والانكسار, فلقد عانى رضا شاه من هذه الهزيمة، وإنَّ رضا شاه لو لم يتحد المؤسسة الدينية، لكان محبوباً بالأعمال التي أنجزها وبخاصة الأمن الذي أوجده في البلاد, إن تجاهله لمشاعر الناس، ومنعَه مراسم عزاء الإمام الحسين، وتحديه لرجال الدين، أدى إلى هزيمته, التجربة ذاتها تكررت مرة أخرى بالنسبة إلى العائلة البهلوية في تلك المواجهة التي استمرت شهرين, لقد تنبهوا إلى هذا الأمر في وقت قصير وسحبوا كلامهم, لقد أثبتوا في الواقع مكرهم ومهارتهم، فلو أن المواجهة استمرت خمسة أشهر أو ستة لكان ذلك أفضل بكثير، ولكن النظام الحاكم أدرك أنّ السيد الخميني قد ازداد نضجاً وحكمة، وكثر محبوه، وأن الطلبة اصبحوا من أهل السياسة، لقد تشكّلت الحوزة، ووجد الناس ارتباطاً سياسياً بها, لذلك تراجع النظام ولكن حصيلة هذا التراجع كانت مكلفة, لقد وُلدت روحية جديدة لدى الطلبة والناس، وستكون البيئة التي ستنمو فيها المواضيع والمسائل والبرامج في المستقبل.

الأحزاب ومقاومة رجال الدين
في أثناء جهاد «العلماء» الذي استمر شهرين، كان للأحزاب والتنظيمات السياسية:- حزب «توده» (الحزب الشيوعي)، الجبهة الوطنية، «نهضت آزادي» (المقاومة الحرة) موقف مشترك معبّرٌ عن استيائهم جميعاً من قوة العلماء.

ربما كان يروق للبعض منهم الاستفادة من حركة العلماء سياسياً، بحيث يعبّئون الناس، دون أن يصيروا قوة، وقد كان لنا مع بعضهم لقاءات ومباحثات، كانوا إلى حدّ ما يعتقدون أن «المؤسسة الدينية» بسيطة، ليست متعمقة في جذور المشكلات، بل إنها تأخذ الأمور على المحمل السطحي، لذلك كانوا في أعماقهم قلقين من انتزاع العلماء الساحة من بين أيديهم، وأن تتميز عليهم في معارضة النظام ومقاومته.

وكان لكل حزب وتجمع خصائص تميزه: لعلّ أعضاء الجبهة الوطنية، بعد مصدّق، كانوا لا يعتقدون أن باستطاعتهم إدارة البلاد دون الاعتماد على أميركا, وبناء عليه، عندما رأوا أن أميركا كانت وراء إصلاحات الشاه، لم يعد لديهم أي استعداد جدّي للمعارضة، كلّ ما كانوا يسعون إليه هو المحافظة على وجههم الوطني كورثة لمصدّق، مع تغيير بسيط في المواقع.

أما أعضاء «نهضت آزادي»، فوضعهم مختلف، إن من الناحية الدينية، وإن سبب تواجد أشخاص أنقياء في هذا التجمع، فقد جمعوا حولهم عدداً من الطلاب المخلصين, يجدر القول إن مشكلة «نهضت آزادي»، هي الجو الذي خلقوه في مواجهة الأفكار المنفتحة، فقد كانوا يعطون أهمية كبيرة للانفتاح الفكري، ولإرضاء المثقفين التنويريين، ومع ذلك كانوا يسعون إلى إرضاء العلماء وتجار «البازار» المتدينين، وقد نشروا بياناتِ تأييد لجهاد العلماء ومحاولة الاهتمام ببعض المواضيع؛ وبما أن علاقة عميقة كانت تربطهم بـ «البازار» في المواجهات السابقة، وفي أثناء «ثورة النفط»، فقد كانوا يقيمون وزناً كبيراً، وأهمية فائقة للمحافظة على هذه العلاقة، ولا يريدون أن يفقدوا مكانتهم في «البازار» ولدى طبقات الشعب المتدينة - الذين كانوا جنودهم الأساسيين في الماضي - شرط المحافظة على دورهم التنويري.

كان حضورهم بهذا القدر، وضمن هذه الحدود مفيداً لنا في ساحة الجهاد، وكان طريق التغلغل في الجامعات، فلا يظل الطلاب الجامعيون بعيدين عن المقاومة، أو المقاومة بعيدة عنهم، ويفيد في إبراز الوجه المجتمعي للثورة، الذي كان مفيداً لصورة الثورة في الخارج، ومثيراً لاهتمام مراسلي وكالات الإعلام الأجنبية.

يمكن القول إن إعضاء «نهضت آزادي» كانوا الأقرب إلينا من بين الجميع، كان من بقي منهم وأنصارهم، كانوا يحرصون على أن يُعرفوا كمؤيدين للعلماء، ولكنهم كانوا يُقذفون بتهم قاسية، ومعارضة شديدة، على الرغم من وجود دعائم لهم بين المتدينين المرتبطين بالعلماء وبخاصة في أصفهان.

في تقويم هذه الجمعية يمكن القول إنها تأسيس لهيكلية حزب من المتدينين المحبين للمقاومة وللسياسة، وعلى رأس هذا الحزب سياسيون ينظرون إلى الدين والعلماء كوسيلة، والخلاصة أن وجود حزب لا فروع له ولا أوراق، ولا علاقات شعبية، أمر ليس طبيعياً.
إن أنصار حزب «تودة» (الشيوعيين)، كانوا تابعين في مواقفهم لسياسة الاتحاد السوفياتي، لذلك لم يكن لهم في البداية موقف واضح، وإذا أخذنا في الاعتبار تأييد الأحزاب الشيوعية والاتحاد السوفياتي لإصلاحات الشاه، فإن بعض هذه الإصلاحات لم تكن بدون جاذبية بالنسبة إليهم، ولم يرغبوا في معارضتها, لا أدري ما هي المواقف التي اتخذوها في اجتماعاتهم السرّية في ذلك الحين، لأنهم أعلنوا معارضتهم بعد ذلك، وظهرت أنغام هذه المعارضة في إذاعة «پيك إيران»، تتغير وتيرتها ارتفاعاً أو انخفاضاً بحسب علاقات الاتحاد السوفياتي بإيران.

في كل الأحوال كان القاسم المشترك بين الشيوعيين والآخرين معارضتهم لمحورية العلماء في المقاومة.

في وسط هذا، كان بقايا «فدائيي الإسلام» وأنصار آية الله كاشاني بمستوى الرمق الذي كان لديهم، أيدوا ودعموا وساعدوا، وقد استفاد المتدينون الذين دخلوا ميدان الصراع حديثاً من تجاربهم.

المهدى
02-05-2005, 04:32 PM
الحلقة السادسة


دخل النظام الحاكم الميدان من جديد، مستفيداً من تجاربه في المواجهة التي استمرت شهرين بينه وبين رجال الدين، بطروحات جديدة، تحت عنوان «الثورة البيضاء», كان يمكن أن تضلّل شعاراتُ «الثورة البيضاء» الشعبَ - لو لم يكن قائلها الشاه - ولكن الناس كانوا يعرفون الشاه جيداً، ويعرفون مآثر العائلة الپهلوية، ورجال البلاط، وأركان الحكم وأعوانه, لذلك لم يصدقوا أن مجموعة من كبار الرأسماليين وكبار الاقطاعيين، ومُصادري الغابات والمراعي في جميع أنحاء البلاد، يمكن أن تُقدِمَ فعلياً على توزيع الأراضي على الفلاحين، وأن تسمح للعمال بامتلاك أسهم في المصانع، أو ترضى بتأميم الغابات, مع ذلك كان الحكم في موقع محصّن يصعب اختراقه.

أتذكر أنني قصدت في تلك الأيام مدرسة «مروي»، - قبل بدء المرحلة الجديدة من النضال - لأمرٍ من الأمور، وقد جرى حديث هنالك، بيني وبين العلامة مطهري، الذي قال لي: «الوضع اليوم غيره بالأمس، والمواجهة صعبة جداً، فقد لجأوا هذه المرة الى طرح اصلاحات اجتماعية جذرية، والى رفع شعارات نقضُها في غاية الصعوبة، والواقع أن من يقول لا للاصلاح الزراعي سيُتهم بالدفاع عن الرأسماليين والاقطاعيين، وهذا ليس صحيحاً، فواضحٌ أننا على خلاف معهم، وطريقنا غير طريقهم, وليس هنالك من يعارض بيع أسهم المصانع الحكومية وغير الحكومية الى العمال، ولا معنى في رأينا للاعتراض على تأميم المراعي والغابات, ان برنامجهم مطروح بشعارات جذابة ومغرية، ويظن النظام الحاكم أنه يتمكن بواسطتها في افحام «رجال الدين»، واذا أعلنوا معارضتهم، سيسقطون من عيون الناس.

كان النظام الحاكم في تحليله للوضع يرى أن القاعدة الأساسية لـ «رجال الدين» في القرى والأرياف وفي أوساط الطبقات المحرومة والفقيرة، وبسيطرته على هذه القواعد، ينهزم «الروحانيون», كان تحليل الشيوعيين للوضع شبيهاً بهذا التحليل، فهم كانوا يرون أن البورجوازية هي القاعدة الأصلية للعلماء, وذاك بحث آخر, فالشيوعيون يرون جميع الأمور بمنظارهم الخاص، ويقوِّمونها بميزان الصراع الطبقي، فقد أعلنوا مثلاً بعد حادثة استيراد الحديد الصلب من الاتحاد السوفياتي، أن غاية الاتحاد السوفياتي وهدفه، زيادة البروليتاريا, في كل الأحوال كان الشاه قد توقع أن رجال الدين، حين يأخذون القرار بمعارضة «الثورة البيضاء» سيمنعهم الناس من الوصول الى الأرياف، فتنقطع صلاتهم بقواعدهم.

من غير المستبعد أن يكون لأميركا والانكليز يدٌ في وضع التصميم الأساسي لهذا الطرح، وان جاء ملائماً لتفكير عملائهم في الداخل, في تحليلنا نحن للأمور، كنا نرى أن النظام الپهلوي، لا يهدف الا الى تثبيث دعائم حكمه، وتالياً الى تثبيت القواعد الأميركية، لأن هذا الحكم هو القاعدة الأميركية الأساسية في المنطقة، وكنا متأكدين أن البرنامج الأساسي - أي الاصلاح الزراعي، وبيع أسهم في الشركات الى العمال - لن يتحقق, اضافة الى أنه كان من الممكن التكهن في ظل الفساد الاداري الذي كان مستشرياً في المؤسسات، أن المقربين من البلاط والمرتبطين به، سيأخذون ذلك البرنامج ذريعةً، ليوظفوا الرساميل في الصناعة بدلاً من المجالات التي كان يسود فيها الركود الاقتصادي، فيستفيد الرأسماليون من امكانات الدولة، ويحصلون على القروض الضخمة، ويدخلون ميدان «صناعة المونتاج»، وتتوطد سلطة كبار الملاك على المدن والأرياف.

حتى دورات التعليم التي قام بها الجيش في القرى أسأنا الظن بها، وكنا نرى أن الهدف منها سياسيٌّ وليس ثقافياً, فلم تكن غاية الأجهزة تعليم الناس والقضاء على الأمية، ولو كان ذلك هدفها فعلاً، لاستفادت من وجود رجال الدين الطبيعي في المدن والقرى, كذلك الأمر بالنسبة الى الموضوع المتعلق بمشاركة النساء في الانتخابات، وقد طرحت هذه المسائل في الأصل، في أثناء عطلة المجلس, أي أن طبيعة النظام الحاكم الديكتاتورية، لم تكن لتتحمّل وجود مثل هذا المجلس الصّوَري, فكيف كان ممكناً أن نصدّق أن مثل هذا النظام يفكر بتحرير النساء فعلياً؟ كان من الطبيعي ألا تُحمل هذه المبادرة محملاً حسناً، وأن تفسرَ على أنها خطوة في طريق الترويج للفساد والفحشاء, كان التحليل الآخر أن النظام يعمل على تزيين نفسه ليظهر في صورة تُرضي الغرب، واستخدم لذلك مزيّنين مهرة.

كان هنالك أيضاً تحليل أعمق يرى الى هذا العمل، هو مبادرة فرضتها الرغبة للحؤول دون تحرك الطبقات الاجتماعية المحرومة، ووقاية من أن تكتسح ايران أمواج الحركات الماركسية التي أحكمت سيطرتها في عدد من بلدان أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، وأثارت حنق أميركا وخوفها, مع ذلك كنا نسعى للتركيز على الجانب الديني في نضالنا، وألا نثقل على الناس بأبحاث وتحليلات فكرية تقدمية كي لا نفسح في المجال لاثارة التفرقة.

ان نظرة الى البيانات التي كان يصدرها الامام (الخميني) في تلك الأيام - مع الانتباه الى هذه النقطة - توضح معرفته الدقيقة بالمجتمع, لقد كان الامام يجسّ نبضَ الأمة، ويأخذ الحساسيات في الاعتبار، وكان دقيقاً جداً في تنظيم بياناته, ويتوضح اليوم بعد انقضاء عقود عدة ملتهبة، وبعد التغييرات التي أصابت المجتمع سياسياً وثقافياً، الى أي حدّ كانت مواقف الامام وأقواله وكتاباته جذرية أصولية هادفة, فقد كان الامام يتجنب طرح أي مسألة يمكن أن يُساء استخدامها، في تلك الأيام ذاتها وجه اليه عددٌ - من البسطاء - أسئلةً حول الاصلاح الزراعي، فقال الامام: «يجب أن أذكر بُعدين لهذه المسألة: ليست أملاك الاقطاعيين شرعية، ولا اجراءات الحكم, فكبار الملاكين ظلموا الناس، وهنالك طرق سليمة لمواجهة هذا الظلم، والحكم ليس حسن النية، ولم يختر الطريق الصحيح، ويمكن في هذه المجالات الاستفادة من الحلول الاسلامية».

الخلاصة، أنه كان من الواضح لأهل الرأي، أن النظام الحاكم كان مصدر ذلك الظلم والتمييز، ومن غير المقبول وغير الممكن أن تزول هذه المشكلات في ظل هذا الحكم.
نهج الامام في المقاومة.

منذ اليوم الأول، كان هدف الامام النضال لاسقاط الشاه ونظام حكمه، وكان يستفيد بذكاء من جميع الفرص المتاحة لتحقيق هذا الهدف، على الرغم من أنه لم يكن يحظى بدعم جميع الأطراف.
في الأيام الأولى لم يكن المجتمع معدّاً للمقاومة، وكان كثيرون يخافون من التصدي المباشر للشاه، فكان يجب والحالة هذه، أن تمُهّد الأراضي المناسبة بالتدرّج، وأن تؤخذ الظروف الموضوعية في الاعتبار, لذا، اذا كان الامام في بعض المناسبات، قد وجه كلامه الى الحكومة أو قدّم النصح للشاه، فان ذلك كان تكتيكاً سليماً منه، واتماماً للحجّة، وملائماً في الوقت عينه لظروف المجتمع الذي يجب أن يتولى قيادته.

لم يمرّ وقت طويل حتى تيسّرت الظروف الملائمة، وأصبحت المواجهة علنية للمرّة الاولى، حين اتخذ الامام وسائر العلماء موقفاً من سفر الشاه الى قم، في أوائل بهمن من العام 1341 (1962م).

فقد فكر الامام بالتنسيق مع آخرين، بتدبير يقضي بأن يلازم الناس بيوتهم في أثناء هذه الزيارة، وقد كان تجاوب الناس جيداً، وهذا معناه، أن الشعب لا يؤيد الشاه، لذا لم يشارك في مراسم استقباله, استخدم الشاه جميع وسائل الضغط ليلتقي بالعلماء، ولكنّ الامام وسائر العلماء رفضوا باصرار الاجتماع اليه، الا اذا استجاب لشروطهم، باعلان توبته، وتصحيح الأخطاء السابقة, شرط غير عمليّ - دون شك - وليس أكثر من ذريعة، ومن باب «التعلق بالمحال» كما يقال.

هذا الموقف، أثار عصبية الشاه، وأفقده صوابه الى حدّ أنه في خطبته اللاذعة في قم، استخدم تعابير مهينة بحق العلماء ونَعَتهم بـ «أصحاب العقول الجامدة، الرجعية الظلامية، الحيوانات النجسة!».

لم يتعجّل الامام بالردّ، وانتظر الظروف المناسبة بعزم وثبات، وحين سنحت الفرصة، فضح الشاه، وزعزع هيبته، وأعاد الى الناس ثقتهم بأنفسهم بعد حادثة اقتحام الجيش للمدرسة الفيضية، وفي بيانه المعروف (الذي جاء جواباً عن رسالة التعزية التي بعثها علماء طهران)، أدخل الامام المعركة في مرحلة جديدة متقدمة، وقد انتشرت على الألسنة عبارته هذه المأخوذة من ذلك البيان التاريخي: «ان تأييد الشاه، يعني تأييد الظلم والعدوان، وهتك حرمة الاسلام والمسلمين، والتعدي على مراكز العلم والمعرفة!».

من الواضح أن الامام كان يتحيّن الفرص دائماً، مستغلاً أيّ حدث ليضع الشعب في مواجهة الشاه، والأمثلة التي تشهد على روحية الامام هذه كثيرة, فقبل أن تبدأ المقاومة بسنواتٍ عدة، انتقد الامام في كتابه «كشف الأسرار» العائلة الپهلويّة، مع أنّ موضوع الكتاب كان ثقافياً أكثر من كونه سياسياً, وفي حياة الامام كثير من العِبر التي تظهر بوضوح معارضته المبدئية للعائلة الپهلوية.

من المهم القول ان الامام كان يصبو الى حركة تدمغ مصير الأمّة الاسلامية كلّها، ولهذا السبب كان يولي أهمية بالغة لأسلمة المقاومة، ولم يشأ أن تُحصر المعركة في الحيّز القومي أو الوطني، معارضاً هذا الخط منذ البداية وحتى النهاية، رافضاً أن تُدمغ المعارضة بلونٍ سياسيٍّ معيّن، لذلك كان يؤكّد على اسلاميتها، متحيّناً الفرص لتحقيق هذا الهدف.
لن ننسى أنه كان يرغب منذ السنوات الأولى طرح موضوع «القضية الفلسطينية» في حين كان عدد من العلماء يعارضونه في هذا الأمر، ويرون أنهم معنيون بايران بالدرجة الأولى، أو بالشيعة كحد أقصى، ولكنه كان مصراً على طرحه وكان يقول: «ان لهذه القضية الأولوية في نظري، فاذا كنتم لا توافقون عليها الآن، فضعوها في المرتبة التي تشاؤون، المهمّ أن تطرحوها».

هذا الاصرار يبين بوضوح بُعد نظر الامام، وشمولية رؤيته، ورغبته بأن تمتد المعركة الى المنطقة، ومن ثمّ الى العالم؛ يؤكد هذا التوجّه دليل آخر، هو انتقاد الامام الشديد لأميركا، كما أنه كان يريد في الوقت نفسه اشراك الشعب بجميع فئاته في حركة الصراع، لذلك كان لا يفوّت أيّ فرصةٍ مهما ضؤلت، ويولي أهمية قصوى للقضايا التي تثير حماس الجماهير، وتصلح أرضيّة للمقاومة.

فموضوع الاختلاط بين الجنسين مثلاً كان يثير حساسية العلماء المسنّين، لذلك ما ان طرحت مجلة «خونداي ها» موضوع تجنيد الفتيات، حتى أبرز الامام هذا الخبر - في بيان تحريم الاحتفالات الذي جاء ردّاً على الاستفتاء الذي أعلن عنه الشاه - على نحو جعل الشاه في أحد أسفاره، ينكر في خطبة له هذا الموضوع من أساسه.
من القضايا التي استغلها الامام: موضوع الاصلاح الزراعي ومسألة الملكية الفردية التي كانت تثير حساسية علماء آخرين، وهذه الحساسية هي التي دفعت آية الله الخوانساري، ليعلق في بيان له أن الاستفتاء مُحاررة لصاحب الزمان, ان الحسّ الاجتماعي هو الذي كان يميز الامام عن العلماء الآخرين، على الرغم من أنهم كانوا جميعهم في الساحة.

مسيرة المقاومة
بدأت المقاومة حين دخل الجميع الساحة معترضين على كيفية تأليف المجالس البلدية، ومجالس المحافظات، وقد بلغ التحرك مداه، وأُسقط في يد الذين وقفوا بوجهه أو اتخذوا موقفاً سلبياً منه، ولم تعترض المقاومة في ذلك الحين أي مشكلة، ولكن حين أصبح الخطر جدّياً - بعد حادثة الاستفتاء والتصدي المباشر للشاه - بدأ كثيرون يتراجعون تدريجياً، بذرائع متنوعة.

الخلاصة، أن مواقف الامام، كانت الأكثر اخلاصاً والأشد ثباتاً، ويأتي من بعده المدرّسون، والطلبة الشباب، الذين أداروا دفّة المعركة في غيابه, فلقد كانت ذكرى الهزيمة في قضية «المشروطية» بالنسبة الى الفقهاء الآخرين مؤلمة ومحبطة، صحيح أن تحرك «فدائيي الاسلام» وآية الله كاشاني كان قد سيّس الفقهاء الى حدّ ما، ولكن ممارسات الجبهة الوطنية جعلتهم ينكفئون من جديد.

أما هذه المعركة فقد أدخلت الفقهاء - في المدن والقرى على حدّ سواء - الى ساحة الصراع، والنقطة الايجابية التي يجدر تسجيلها هنا، هي أن الفقهاء دخلوا الميدان هذه المرّة بكثافة لم تشهدها المواجهات السابقة، لقد تحركت الحوزة كلّها، وسافر الطلبة الى جميع أنحاء البلاد، فأثّر نَفَس الحوزة بشكل أو بآخر في جميع طبقات الشعب وفئاته.

لقد شارك الجميع في صنع الحدث: المتعلمون والأميّون، أهل المدن وأهل الريف، العمال والمتموّلون، وقد دعم تنظيم «تجار البازار المتدينين» شبكةَ «العلماء المجاهدين»، واستُغلّت مراسم عاشوراء والاحتفالات في المناسبات الدينية الأخرى، لبث أفكار الثورة.
في هذه الأثناء، ولكي تلحق الجبهة الوطنية بالركب، ولا تُغضِب أميركا في الوقت نفسه، رفعت شعار: «نعم للاصلاحات، لا للديكتاتورية»، وهل كان يمكن أن يصدّق أحدٌ أن الاصلاح هو المقصود من وراء طروحات الحكم؟ أو أن الحكومة على الرغم من تعطيل المجلس، ترغب فعلاً في منح النساء الحرية؟ كنا نعرف جميعاً - نحن وهم - أن شعارات الاصلاح، لم تكن أكثر من قناع لتدعيم الديكتاتورية.

كانت الجبهة الوطنية قد اعترفت - كما ذكرنا من قبل - بهذه المسألة، ولكن وراء الأكمة ما وراءها، كان لا بدّ لهم - مع احتدام أمواج المعركة - أن يدلوا بدلوهم وأن يطرحوا شعاراً، كانت غايتهم من وراء هذا الشعار، الاعلان عن أنفسهم، فقد كان صعباً عليهم أن يصبح رجال الدين هم محور النضال، ولكن الشعب لم ينخدع بشعاراتهم، وانحصر تأثيرهم في عدد محدود من أنصارهم.

من المؤكد، لو أن الشعب تبنّى شعار الجبهة الوطنية، لما لجأ النظام الحاكم الى استخدام العنف.
لجوء النظام الحاكم الى العنف
واجه الحكم المقاومة بردّي فعل مباشرين:

1-اقتحام المدرسة الفيضية.
2-استدعاء طلبة العلوم الدينية للخدمة العسكرية الالزامية.
فقد سبق الهجوم على الفيضية في أول فرْوَردين العام 42 [21/3/1963] حملة على بازار قم وعلى المدرسة الفيضية، بعد انتقاد الاستفتاء والاعتراض على سفر الشاه الى قم - في أوائل بَهْمن من السنة التي قبلها - فحين فشل شعار الاصلاح الذي طرحه النظام، وقوبل بمعارضة شديدة من الشعب، قرّر الحكم استخدام العنف - بناء على برنامج معدٍّ سلفاً - لقمع المقاومة.
كانت الحكومة قد أعلنت بصراحة أن سبب تراجعها عن (موضوع مجالس الولايات)، هو افساح المجال أمام المعارضين لدخول الميدان، فينكشفون وتسهل محاسبتهم، وهذا الادعاء - وان كان كذباً - أظهر السياسة التي يلجأ اليها الحكم لقمع المعارضين, كذلك فان الامام في قيادته للمقاومة بأسلوب مميز، استطاع طرح القضية وتعميمها، بصورة من صور المقاومة السلبية، مترافقة مع سياسية اعلامية تفنّد مثالب الحكم.

لقد كان أوّل ردّ فعلٍ يصدر عن الامام - بعد العنف الذي جرى في أوائل بهمن من العام (1963)، وانطلاقاً من الاضطراب الذي ميّز شهر رمضان - هو تحريم العيد (النوروز).
كان الامام قد لجأ من قبل الى تحرك يقضي بتعطيل المساجد في شهر رمضان، ولو حدث ذلك، لكان اضراباً تاريخياً، لا سابقة له، على الأقل في التاريخ المعاصر، ولكن هذا التحرك لم يحالفه التوفيق لسببين:

1 - كان الحكم قد صمّم على الردّ بالقمع، وكان يلجأ أحياناً الى اعتقال المتجمّعين في المساجد، الذين لم يكونوا حتى ذلك التاريخ مستعدين نفسياً، لتحمل المشاكل الناتجة عن المقاومة، لذلك ضعُف مجال المشاركة, اضافة الى العنف الشديد الذي بدر عن الحكم في ضرب المجاهدين في قم وطهران.

2 - كان تعطيل المساجد لمدة شهر كامل، أمراً يرفضه معظم الناس، الذين باتت تقاليد هذا الشهر حاجة معنوية لهم، وعادة اجتماعية متأصلة فيهم, أما الدافع الأكبر للانصراف عن هذه الفكرة، فلأن مجالس شهر رمضان واجتماعاته فرصة مناسبة لفضح النظام وتعبئة الناس، وتعطيلها يسلب المقاومة هذه الفرصة, لذلك ابتكر الامام فكرة أخرى هي تحريم الاحتفالات، الذي كان له انعكاس واسع وان كان محدوداً، اذا ما قيس بتعطيل المساجد, فَعَلَ تحريم [النوروز] فِعْلَه في قم أكثر من غيرها، وقد وضع زوار قم - في أول السنة الجديدة - البلاد كلَّها في أجواء ذلك التحرك, لهذا ثارت ثائرة الحكم - الذي أراد أن يكون زمام المبادرة بيده - وقام بردّ فعلٍ متسرّع: هو اقتحام الفيضية.

تحريم احتفالات النوروز
حادثة تحريم احتفالات العيد، أحرجت الحكم، فلجأ الى تضليل الجماهير بعبارات من قبيل: «هؤلاء لا يريدون للناس الا البكاء، وبما أن الناس يفرحون في عيد النوروز، يريدون أيضاً أن يحرموهم من هذا العيد», اضافة الى ذلك لجأوا الى نوعٍ آخر من التضليل، بأن أظهروا القضية وكأنها قضية دينية محضة، وأغفلوا وجهها السياسي، متذرعين بأن موعد العيد في ذلك العام صادف ذكرى استشهاد الامام الصادق، ولكنّ جهودهم لم تثمر، وكان لتحريم العيد تأثير جيد.

اقتُحمت الفيضية في ذكرى استشهاد الامام الصادق: شارك في الهجوم رجال الشرطة والسافاك وقوى من الجيش، كان يجب التحقق في ما بعد من المستندات لتتوضّح هذه التركيبة, كما أنني التقيت في أثناء الخدمة العسكرية الالزامية - كما سأشير في ما بعد- في ثكنة «باغ شاه» جنوداً كان لهم دور فاعل في تلك الحادثة، رووا لنا ما حصل، وأخبرونا أن برنامجاً كان قد أعدّ لهم في ذلك اليوم في أمكنة ثلاثة:

1 - منزل الامام.
2 - مدرسة «الحُجّتية» ومجلس العلامة شريعتمداري.
3 - المدرسة الفيضية.

ذلك أن ثلاثة مجالس مهمة كانت تعقد في ذلك اليوم في قم: مجلسان صباحيان في منزل الامام وفي مدرسة «الحجّتيّة»، وآخر يقام عصراً في المدرسة الفيضية.
في منزل الامام - وكنّا نحن هنالك - لم يتسنَّ لهم القيام بأي عمل, لقد وجهوا رسالة تهديد الى الامام، ولكنّ مشكلة غير متوقّعة واجهتهم، ولم يستطع قائد العمليات أن يأخذ المبادرة بنفسه، وربما كان بحاجة الى أوامر جديدة، فقد كان منزل الامام يقع في زقاق بعد أزقّة «قاضي»، لا مجال للتحرك فيه, ولقد عرفنا في ما بعد أنهم وجدوا أن هذا المكان غير مناسب للاعتقال من الناحية العسكرية، ولولا ذلك لرجّحوا أن يبدأ تحركهم من بيت الامام، ولكنّ وَضْعَ الأزقة يثير القلق والشعور بالخطر.

لقد كان من الممكن أن يُحاصر المهاجمون، وأن يُضربوا من داخل المنزل ومن فوق السطوح، فالناس منتشرون في كل مكان، في الحارات وبساتين الرمّان المحاذية لبيت الامام - وكانوا متحمسين للدفاع عن الامام - وليس من السهل مواجهتهم، كما أن الشرطة لن تتمكن من تقديم المساندة بسهولة.

في مدرسة الحجتيَّة كان أنصار شريعتمداري، وكان يتزعّم المجلس اثنان من «قبضايات قم»، لهما علاقات حسنة بمديرية الأمن، توصّلا الى حلّ المشكلة على نحو معيّن، وهكذا وقعت القرعة على المدرسة الفيضية.

اقتحام الفيضية
حين وصلتُ الى المدرسة الفيضية عصراً، كان عدد المتجمّعين لا يزال محدوداً، لا يصل الى أبعد من تلك الصخرة المعروفة بـ «صخرة الثورة»، وقفتُ خلف الجموع، وكان العلامة الأنصاري قد اعتلى المنبر، وكان بين الحضور آية الله گلپايگاني وشخصيات كبيرة أخرى.
شعرنا أنهم يحضّرون لشيء ما، هنا وفي أماكن أخرى، وكان منزل الامام أكثر عرضة للتهديد من غيره, بعد أن تشاورنا وبعض الأصدقاء، قررنا أن نقصد بيت الامام، كان الهدوء مخيّماً، والباب مقفلاً، فشعرنا بالاطمئنان، وعدنا باتجاه الفيضية.

بعد أن تجاوزنا زقاق «أرك» بخطوات قليلة، وجدنا أنفسنا وجهاً لوجه وجموع الفارّين من المدرسة الفيضية، وعلمنا أن اشتباكات واسعة قد حصلت، فساورنا القلق من جديد على الامام، وتصوّرنا أن العملية ستمتد، فعدنا أدراجنا، والتقينا الامام في احدى الغرف الخارجية، ثم بدأ حضور الناس والطلاب تدريجياً، كالجيش المنهزم، وأخذوا يروون ما جرى، كانت أخباراً مرعبة, أخذ الامام يشجّع الجميع، ويذكر الجوانب الايجابية لما جرى، مؤكداً أن «المقاومة قد وصلت الى مرحلة جدّية», وحين ذُكر أن الحاج أنصاري الواعظ من بين المعتقلين، قال الامام، انّ الموضوع جيّد، لاذكاء نار المقاومة.

مكثنا هنالك ساعة من الليل، وخرجنا بعد ذلك، وكانت أخبار الفيضية تصلنا تباعاً، لقد كان ليلةً رهيبة، وقد شاهدنا بعض الجرحى: الشهيد مفتح، الشيخ أسد الله خادمي وآخرين.
أمضينا معظم الليل قرب منزل الامام، مترقّبين، ولكن شيئاً لم يحدث بحمد الله، ولقد نُقل الجرحى الى المستشفيات، وعانت قُم جزعاً رهيباً، وكانت المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه المواجهة الجدّية, لم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك أو الى أين ستصل الأمور.
في اليوم التالي أو الذي بعده، ذهبنا الى الفيضية، كان هنالك متفرّجون كُثر، يتجولون, بقع الدماء في كل مكان، وفي صحن المدرسة عمائم محترقة وأحذية متناثرة، بعد أن قمنا بجولة في المكان، توجّهنا نحو غرفة الكرمانيين شمالي شرقي الفيضية، باتجاه «دار الشفاء» - بعض الذين أرّخوا لثورة الامام خلطوا بين شمال الفيضيّة وجنوبها - صعدنا الى الطابق العلوي لمشاهدة آثار فعلتهم، وكانوا قد أغاروا على الغرف واحدة تلو الأخرى, فجأةً علا الصراخ، ورأيناهم من وراء زجاج احدى النوافذ يهدّدون عدداً من الطلبة! لقد عادوا وأغاروا من جديد، ورأينا أحد الطلبة يفرّ، ومن شدّة الخوف يرمي بنفسه في بركة المياه.

لقد كان المهاجمون يتعقبون الطلبة وهم يتهدّدون ويتوعّدون، ويضربون,,, رأيت هذا الاقتحام الثاني الذي جرى بعد يومين من الاقتحام الأول، بأمّ عيني، وخفتُ كثيراً,,, كانوا يُعربدون ويشتمون دون وجلٍ أو حياء، مكثنا في تلك الغرفة العلوية خائفين ومضطربين,,, كنا نراقبهم من وراء الزجاج، وبعد أن فتشوا غرف عدة ولم يعثروا على شيء، ولم يجدوا أحداً، انصرفوا، فخرجنا نحن من طريق «دار الشفاء».

نتائج حادثة الفيضية
اختار الامام في هذه المرحلة سياسة جيدة جداً، مستفيداً من جميع امكانات الحوزة التبليغية - وبخاصّة الوعّاظ - ليعكس مظالم الحكم، وكانت النتيجة عكس ما توخّاه النظام، وقد تمت الاستفادة من وجود الجرحى في المستشفيات، وقد أقدم الحكم على اخراج الجرحى من المستشفيات كي لا تُستغل عيادتهم للتحريض.
كان من الممكن أن يكون ردّه أكثر عقلانية ويمنع الزيارات عنهم، علماً أن الامام كان سيستفيد من ذلك بصورة أخرى.

في هذه المرحلة، تغيّرت لهجة الامام في بياناته، حيث وجّه انتقاداته لشخص الشاه مباشرة، فزعزع أركان هيبته, كان الامام في السابق ينتقد الحكومة دون ذكر الشاه، أما الآن، فانه - بعد هذا الهجوم وانتهاك حرمة المؤسسة الفقهية والمرجعية - هاجم الشاه، وجاء بيانه المشهور، بعد حادثة الفيضية ذا وقع خاص، ونقطة تحوّل وانعطاف في بياناته.
لقد تصاعدت أصداء المعارضة، بحيث أنها سلّطت الأضواء على القضايا السابقة كلّها: الاستفتاء، واللوائح السداسية وغيرها,,, وتحوّلت المدرسة الفيضية كربلاء جديدة، وتسابق الجميع في رثائها, كلّ من شاهد ما جرى، أو التقى جريحاً أو سمع اهانة موجهة الى الاسلام والقرآن، نظم مرثيةً، وصار للفيضية نصيبٌ من مجالس العزاء، وحصَّةٌ من البكاء.
من خلال تجاربي الشخصية، كنت شاهداً على بكاء الناس ونواحهم، حين كانت تُقرأ مجالس العزاء على أرواح شهداء الفيضية.

الى جانب المراثي ومجالس العزاء هذه، أُلّفت أيضاً طرائف كثيرة, فقد اتخذ السيد «يونس رودباري» من اقتحام غرف الطلبة ونهبها - ومعلوم أن غرفة الطالب لا تحوي سوى ابريق الشاي والقنديل والقرآن والكتب وأشياء من هذا النوع - مواضيع للبكاء في المجالس العامة، كما ألّف عنها طرائف للتسلية والهزل في المجالس الخاصة.
لم نتخلَّ عن هذه الندبيات التي تفضح نظام الشاه، حتى نهاية مرحلة النضال.

جليل
02-07-2005, 01:17 AM
الحلقة السابعة

مع أن حادثة الفيضية أرعبت البعض، ودفعت آخرين للانسحاب من المعركة، إلا أنها نقلت المقاومة خطوةً إلى الأمام، ومنحت المقاومين جدّية أكبر, لقد قويَ منطقُنا، والحكمُ الذي كان من قبلُ يظهر نفسه حامياً للدين، ويُنكر عداءه لرجال الدين، قد انعقد لسانه الآن بعد ما جرى.
لم يكن من الممكن أن يسكت مراجع النجف وآية الله الحكيم، فأرسلوا برقية يستدعون فيها علماء قمّ إلى النجف، ولكن الحكم لم يوصل البرقية خوفاً، وحاول بعد ذلك أن يذْكر البرقية في رسالة خاصة، ولكنّ الإمام الخميني لم يرضَ بذلك، وقال: فليعط هذه البرقية إلى المقرّبين إليه.
التقى الشاه بعد ذلك ببعض العلماء الآخرين، وقال لهم: «إذا كنتم تريدون الذهاب، فإننا سنعطيكم جوازاتكم بسرعة، على أن تسافروا دون ضجّة؛ وربما كان البعض يرغب في السفر إلى كربلاء بهذه الذريعة».

وقد وُجّه تهديد جدّيٌّ إلى العلامة شريعتمداري في رسالة سلّمها إليه مدير الأمن في قم، كان فحواها: «إننا لن نراعي هذه المرّة شيئاً أو أحداً»؛ كان تهديداً مبطّناً (وقد أشار الإمام إلى ذلك في إحدى خطبه قبل عطلة المحرّم).

قرّر الحكم أن يوجه ضربة ثانية، وأن يُلغي القانون الذي يُعفي طلبة الحوزة من التجنيد - هذا القانون كان امتيازاً للحوزة - وقد كانت له سوابق في هذا المجال، فقد كان يستخدم هذه الورقة في ظروف معينة لتهديد مراجع قمّ.
تجنيد طلبة حوزة قمّ، كان معناه أن الحكومة لا تعترف بشرعية الحوزة, وهكذا وجدنا أنفسنا بعد عشرين يوماً من حادثة الفيضية، في 21 فروردين 1342 (10/4/1963)، في مواجهة هذا الوضع، وكنت أنا أول المعتقلين لهذا السبب.

الاعتقال الأول
كان أول اعتقال لي في الواقع، قبل بدء المقاومة بسنوات عدة، وربما كنت أول طالبٍ، اعتقاله مرتبط بمقاومة العائلة الپهلوية, كنت قد سافرت إلى همدان، للتبليغ، في العشر الأوائل من المحرّم، التي صادفت سقوط النظام الملكي في العراق، في كلامي، حذّرت حكومة إيران، ووجهت إليها انتقادات لاذعة؛ كنت شاباً وكانت مواعظي لافتة، ومعرفتي وثيقة وعلاقاتي حميمة بالشيخ ملا علي، وآية الله بني صدر والعلماء والطلاب، بعد إحدى الخطب، في التاسع أو العاشر من المحرم، اعتُقلتُ في أحد متاجر أصفهان، ونُقلتُ إلى المخفر.
بعد استجواب مختصر، وتعبئة الإضبارة، حُوّلت إلى مكان آخر، كان مبنى صغيراً، حديث البناء، ووجدت نفسي بين أيدي الجيش, كان هنالك شخص يدعى، المقدّم رستگار، استجوبني، وقيل إنه مبعوث من الجيش، ربما كان مبعوثاً من السافاك- وقد كان جهاز الأمن قد تشكّل حديثاً في إيران، - وفي أثناء الحديث مرّ كلام على النفي,.

احتُجزتُ هنالك ليلتين، وكانت عطلة رسمية، وكان الفضل في الإفراج عني لتدخل العلماء وبخاصة آية الله بني صدر، وآية الله آخوند، اللذين كانا شديديّ النفوذ، تدخلا لدى المركز، فأفرج عني شرط مغادرة همدان.

أظنّ أننا كنا في تلك الأيام في طهران، بسبب العطلة الصيفية في الحوزة، وكنت أسكن في مدرسة «الشهيد مطهري»، - التي كانت تسمى في ذلك الحين «سپهسالار» - لدراسة العلوم الجديدة، التي أُقرّت بناء لطلب آية الله العظمى البروجردي في المدرسة العلويّة، لعشرة طلاب متميزين، كنت أنا واحداً منهم، وكان يشاركني الغرفة طالب من همدان يدعى السيد مقصودي، وهو الذي ذهبت برفقته إلى همدان, اللافت، أنني ذهبت بعد سنتين مرةً أخرى إلى همدان بناء لدعوة الجمعية الإسلامية - بواسطة السيدين محمّدي وأكرمي - للكلام في مراسم الأعياد الدينية، حيث اعتقلت بعد أول خطبة لي، وبعد التحقيق نقلوني إلى مرآب، وأركبوني سيارة وأجبروني على مغادرة همدان.

ولكن بعد بدء حركة المقاومة، كان أول اعتقال لي - كما أشرت - بمناسبة التجنيد, كنت المسؤول عن نشرة «مكتب التشيّع»، أنجز جميع المهام بنفسي، وكنت معتاداً أن أذهب يومياً إلى مكتب البريد لاستلام الرسائل الموجّهة إلينا، وإرسال ما يجب إلى المندوبين والمشتركين، فلم يكن لدينا هيئة تتولى القيام بمثل هذه المهام.

في طريقي إلى مركز البريد - في شارع باجك - حين وصلت قرب المخفر، انتصب أمامي شرطيّ، وقادني إلى المخفر، كان الاعتقال متوقعاً؛ في المخفر أدخلوني غرفة، حيث جرى نقاش عن الصراع بين الحكم ورجال الدين، لا أذكر تفاصيله.
تصورت أنني قد اعتُقلت، وكنت أنتظر تحقيقاً، واستنطاقاً, ثم أُحضر معتقلون آخرون، وكنّا نتوقع أن نُنقل جميعاً إلى السافاك، فيتوضّح لنا سبب الاعتقال، وتجرى التحقيقات.

بعد أن تجمعنا، وكنا أشخاصا عدة، نقلونا في سيارة إلى دائرة التجنيد، وتركونا ننتظر هنالك بعض الوقت، وكان الرجل نفسه الذي تحدّث إليّ في المخفر، يروح ويجيء، يدخل الغرف، أو ينزل إلى الطابق الأرضي، كان ذلك اليوم عطلة رسمية، بعد ذلك أدخلونا إلى المكتب وطرحوا مسألة «التجنيد الإلزامي»، وقالوا لنا: أنتم جنود فارون، فأجبناهم: نحن معفيون من التجنيد فكيف نكون جنوداً؟.

كنت أحمل بطاقة تثبت أنني طالب، وكنت متزوجاً ولديّ ثلاثة أطفال، وكل واحدة من هذه الحالات الثلاث كافية للإعفاء، فإن لم يكفِ كوني طالباً، يمكن الاستفادة من الحالتين الأخريين, وكان لآخرين ظروف مشابهة، ولدى البعض الآخر حالات تستدعي الإعفاء.
مع ذلك قالوا إن «بطاقة الطالب» ملغاة، ولم يعد لها بناء على أوامر الشاه قيمة ولا اعتبار, ناقشنا قضية إلغاء الشاه للقانون، وأنه مخالف للدستور، لأن إلغاء القانون يحتاج إلى مراحل خاصة، ويستحيل الإلغاء قبل اجتياز هذه المراحل,, أفهمونا أن المسألة سياسية، وأن لا مفرّ من التجنيد.

كان تصورنا لما ستعكسه هذه الحادثة وتقويمنا له مختلفاً عما حدث فعلاً، لم نستطع تصديق مثل هذه الوقاحة، وظننّا أن ردّ فعلٍ ما، سيصدر عن الشعب، وأن الحكم سيهاب الرأي العام,.
أظهر الإمام تعاطفاً، وأرسل لنا وجبة غداء «شلو كباب»، كانت وجبة فاخرة في تلك الأيام بالنسبة إلى ظروف حياة الطلبة.

وقد ألّفنا في ما بعد طرائف حول التجنيد و«الشلو كباب» وغير ذلك,,, أخبرني الشيخ نصر الله بهرامي فيما بعد، أنه حين طرح موضوع التجنيد أمام الإمام، وأخبرناه أنك استدعيت إلى الخدمة العسكرية، قال ممازحاً: «هو! لماذا؟ إنه في الأربعين من عمره!», حتماً لم أكن قد تجاوزت الثلاثين من عمري بعد.

حتى عصر ذلك اليوم كنا نتوقّع أن تُحلّ المشكلة بطريقة ما، وقد حضر إلى المخفر عددٌ من الشخصيات، وكان أحد أقاربنا رئيسا لقلم في قمّ، وله علاقات بالمسؤولين فيها، فذهب إليهم، وبحث الأمر معهم، فقالوا له: «إنها الأوامر أن يستدعى الطلبة إلى التجنيد الإجباري».
في اليوم التالي، ألقوا القبض من جديد، منذ الصباح الباكر، على عدد آخر من الشبّان، الذين تدُلّ قيافتهم أنهم في سنّ التجنيد، وحين شاع الخبر، احتاط الناس كي لا يُقبض عليهم؛ أو ربما لم يكن من المقرّر أن يأخذوا عدداً كبيراً، وقد بلغ عددنا حتى عصر ذلك اليوم خمسة وعشرين شخصاً؛ نقلونا بعد أن نظّموا ملفاتنا، في شاحنة مغطّاة بالشادر، تحركت بنا - وكان قد حلّ الظلام - إلى طهران مخفورةً بالحرس.

ربما اختير هذا التوقيت كي لا يرانا الناس؛ وقد كانت معنويات الطلبة عالية، وكنا نشيطين، ولم نأخذ الموضوع على محمل الجد؛ ساروا بنا دفعة واحدة حتى مقهى شميران الجديد، على بعد أربعة فراسخ من طهران، فقد كانت المقاهي الأخرى مزدحمة، ولم يتمكنوا من التوقف فيها، وصلنا قرابة الثانية عشرة ليلاً، وكان قد نَفِدَ الطعام من المقهى، فقدموا لنا طعاماً بارداً، لم يدفعوا ثمنه، ونحن أيضاً لم يكن في حوزتنا مال كافٍ، فقد كان اعتقالنا مفاجئاً ولم نكن مستعدين، وقد سدّدنا ثمن الوجبة بصعوبة.

بعد منتصف الليل وصلنا إلى طهران، وأنا لم أكن حتى ذلك الحين أعرف طهران جيداً، وكانت الشوارع والمحلات التي مررنا بها غير معروفة بالنسبة إلينا, لذلك لم نعرف بالتحديد إلى أين يتوجهون بنا, ما أذكره، أنهم نقلونا إلى المنطقة السادسة عشرة, نمنا تلك الليلة، وفي الصباح حضر المقدّم دولّو قاجار، وبدأت من جديد التحريات والاستجوابات.

طلبني، فذهبت إليه، وتناقشنا في مواضيع سياسية وقانونية, كان يريد أن يوجه إليَّ تهمة مخالفة القانون، فقلت له «إن استدعاءنا غير قانوني»، ودافعت عن نفسي دون أن ترعبني رتبته العسكرية، فقد واجهته بمنطق ورباطة جأش.

من قم وإلى حين وصولنا إلى هذا المكان، كنا لا نزال نرتدي زيّنا المعتاد، وكان من الواجب أن نرتدي هنا زيّ الجيش, في الصباح حضر الشيخ محمد رضا صالحي لرؤيتنا، وكنا نأمل أن يكون له دور في حلّ المشكلة لاتساع شبكة علاقاته، وقد أخبرنا أن السيد فلسفي على علم بالحادثة، فحمّلناه رسالة إليه، وكنا ننتظر أن تحلّ المشكلة في هذه المرحلة، وأن لا ننتقل إلى مكان آخر, وبعد مداولات عدة فاشلة لم تثمر, أُجريت معنا أيضاً تحقيقات إدارية روتينية.
من جديد نقلونا إلى ثكنة «باغ شاه»، ولم نكن نعرفها من قبل، وإنما سمعنا عنها فقط، اسمها اليوم «ثكنة لاهوتي»، وهي من المراكز التي كان للسيد لاهوتي فاعلية فيها بعد نجاح الثورة.

أكثر من عشرين معمّماً، ساروا بين الجنود، وكان ردّ فعل الجنود والضباط مزيجاً من التعجب والضحك والتكبير بصوت عالٍ سخريةً.
كان البعض غير راضين عما يجري، ولكن الأكثرية أبدوا سرورهم لاستدعائنا إلى الثكنة العسكرية، فقد كان من الطبيعي ألا يرضى من ينفّذ الخدمة العسكرية الإلزامية، عن إعفاء الآخرين، وقد كان هذا العامل وراء ردّ فعلهم، أما الذين لم يكونوا مؤيدين لما جرى، فلم يتجرأوا على إعلان موقفهم.

نقلونا إلى حيث نستريح، كان المكان مخصصاً لنا نحن الطلبة، ولم يكن هنالك أحد غيرنا, حتى هذه اللحظة لم نكن نصدق بعد أننا صرنا مجندين, كان تحليلنا للأمور، أن الثكنة محيطٌ مغلق، ووجود جماعة من الوعّاظ والكتّاب، في مثل هذا المحيط، بين الجنود خطر على النظام الحاكم؛ وقد كان خطراً بالفعل.

أبقونا في هذا المكان يومين، وكانت توقعاتنا كبيرة، ولم يكن تقويمنا لنظرة المجتمع إلى الموضوع واقعياً، فقد كنا نظن أن الإضراب العام سيعم البلاد,,, وحين وصلتنا الصحف بعيد الظهر، كنا نظن أن خبر تجنيدنا قد انتشر، وأن أصداء الإضراب العام قد وصلت إلى الصحف، على الأقل إضراب »البازار« ولكننا رأينا أن لا اعتراض مهمّ يمكن أن يخلق مشكلة للحكم.
كنت بارزاً في مجموعتي، أتواصل مع الآخرين، أشجعهم وأقوّي معنوياتهم، وأتعاطف معهم، مطمئناً إياهم بحلٍّ قريب للمشكلة، ومحاولاً أن لا أظهر أيَّ ضعف؛ فأنا بطبعي متفائل، أنظر إلى الجوانب الإيجابية من الأمور؛ ذكر أيضاً بأنه قد أُرسل إلينا مبلغ من المال قسَّمته بين الطلبة.

نقلونا بعد يومين إلى «فيشر اباد», هناك أجبرونا على أن نرتدي الزيّ العسكري الرسمي, عند ذلك صدّقنا أننا مجنّدون, بعد ذلك سمعنا أنهم ألقوا القبض على مجموعةٍ في أصفهان، وأحضروا عدداً منهم، فوصل عددنا إلى نحو الخمسين, حولونا إلى مركز التدريب، ووضعونا كلَّنا في مقرّ واحد، كان ذلك مفيداً لنا ولهم، فالسيطرة علينا أيسر حين نكون في مكان محدد.
بدأت برامج التعليم والتدريب: الدروس، النظام المرصوص، قانون التجمع، ومراكز أخرى, مكثت أنا هناك قرابة الشهرين، وظل اخرون حتى النهاية.

محيط الثكنة
في محيط الثكنة، كنت أستغلّ أي فرصة متاحة أو لقاء للبحث والمناقشة, كنت أطرح مسألة تجنيدنا وعدم قانونيتها، كما كنت أتقرّب من أي شخص أحسّ أن لديه إمكانية تقبّل - ولو قليلة - من القادة والعناصر العاديين.

قائد الثكنة كان يدعى العميد پيروز نيا، كان صوفيًا من أهل المعنى، وقد سرّ بوجودنا كثيراً.
في الأيام الأولى هذه، وقعت حادثة انفجرت كالقنبلة في »باغ شاه«، وتردّدت أصداؤها: كان ذلك يوم الأربعاء، وكان عددنا نحو الثمانين أو المئة، أخذونا جماعياً إلى الحمام: حمام عموميّ أمامه ساحة، ذهبنا إليه بالصف, كان له قوانين ومراسم خاصّة: أمرونا بنزع الثياب قطعة بعد قطعة، إلى أن وصل دور الثياب الداخلية: في هذه المرحلة الأخيرة، اعترضنا وقاومنا، بينما تعرّى الآخرون، رأينا أن ذلك مخالف للشرع، وإهانةٌ لا تُحتمل, حرّضت الطلبة على المقاومة، وقد فعل بعض الجنود الآخرين مثلنا، كان ذلك بحسب المصطلح العسكري »مخالفة للأوامر«، جادلنا الضابط المرافق لنا، المهم أننا لم ننفّذ الطريقة التي كانت سائدة من قبل, كان هذا الأمر انتصاراً لنا في ذلك المحيط، وموضوعاً استندنا إليه في انتقاد ما يجري فيه.

قلنا لهم: إنكم تستدعون أبناء الشعب الفلاحين إلى هذا المكان، وتضعفون روح العفّة لديهم، وتزعزعون قيمهم وأخلاقهم، إنكم بذلك تخالفون الشرع, وجّهنا إليهم انتقادات أخرى: السرقات المتعددة، معاملة الضبّاط السيئة للجنود، فهم يوجهون الإهانات وأحياناً يضربونهم، وإن تحقير أفراد الجيش يُضعف روحهم المعنوية، وهو إضعاف للقوى التي يجب أن تدافع عن الوطن.

طرحنا موضوعاً آخر وهو موضوع الصلاة: فقد كان الوقت المحدّد للاستيقاظ غير كافٍ لإنجاز الواجبات الروتينية المفروضة قبل الفطور، وكنا نصلي بصعوبة, في هذه المرحلة كان السيد فلسفي، قد اتصل بقائد الثكنة العميد پيروز نيا هاتفياً، وذكر اسمي في عداد الذين أوصى بهم, طلبتُ مقابلته، ولم يكن مسموحاً للجندي أن يلتقي بقائد الثكنة، كانت هناك تراتبية عسكرية، وتسلسل إداريّ، وأنظمة صارمة, «فالسلام كان ممنوعاً مثلاً، يجب نزع القبّعة، وأداء التحيّة العسكرية».

في لقائي مع العميد پيروز نيا، طرحتُ مسائل عدة:
1-الاعتراض القانوني على استدعاء الطلبة للخدمة العسكرية.

2-إجبار الجنود على التعرّي في الحمام، ونتائج ذلك، مع الأخذ بالاعتبار أن لا ضرورة مطلقاً لهذا التصرّف، تعجّب كثيراً، واتّضح لي أنه كان يجهل هذا الأمر كليًّا، فقد ثار وقال: «إن لدينا في الثكنة «أوعية» على عدد أفراد الفرقة، هؤلاء الضبّاط وصف الضبّاط مخطئون، يستصعبون إحضار «الأوعية الخاصة» من المخازن، ومن ثم تجفيفها وإعادتها, هذا هو قانون الجيش».

3 - اعترضت على الإهانات والأقوال الفاحشة التي يوجهها الضباط إلى الجنود، كتب ملاحظة، ثم قال: هذه جريمة، والضرب جريمة أيضاً يُحاسب عليها القانون.

عرضت أيضاً مسألة السرقات المتعددة والمتكررة.
في صبيحة اليوم التالي، قام العميد ييرورنيا بجمع الثكنة كلها، [بالصفّ]، وتكلم على مسألة العدد والعتاد الشخصي، والمسائل التي طرحتها أنا، وقال: «من الآن وصاعداً أي ضابط، أو مسؤول، يأمر الجنود أن يتعرّوا في الحمام سيُعاقب، يجب أن يعطى كلّ واحدٍ وعاءً خاصاً؛ كل ضابط يهين جندياً سيُعتقل، والوحدة التي تحدث فيها سرقة سيوجّه تأنيب خطّي إلى قائدها».

بعد هذا اللقاء وما فعله قائد الثكنة تحسّن وضعنا, وكان لهذه الحادثة صدىً جاء لمنفعتنا، فقد فهم الجميع أن هذا الاجتماع جرى بعد أن تدخّلنا، وأنه كان مفيداً للجنود في النتيجة - إذا تركنا الجو العام جانباً - كان بعض الضباط مستائين من تخطّيهم، بذهابنا إلى العميد مباشرة، دون أن نراعي موضوع التسلسل الإداري، وكان ردّنا أن تجنيدنا في الأصل غير قانوني.
في كل الأحوال، كانت حادثة مثيرة، ركّزت الأنظار على الطلبة.

الزيارات والإجازات
من ذكريات تلك الأيام، الزيارات المتعددة, وكان من بين الذين زارونا شخصيات معروفة، فالزيارات لم تكن ممنوعة، وكان المسؤولون يستقبلون الزوار بحفاوة، والظاهر أنه لم يكن هنالك قوانين خاصة متعلقة بهذه الأمور الجزئية.

زارنا عدد من العلماء، وكذلك جاء أشخاص للتوسّط لنا، كنت أُستدعى أحياناً باسمي بواسطة مكبر الصوت ونحن في الصفّ، كما وصلتنا هدايا متعددة، وكانت أحياناً مفتوحة نقتسم الهدايا مع الجنود، وكان لذلك تأثير كبير فيهم.
كان حلق اللحى في الثكنات إجبارياً، وقد أجرينا نقاشاً حول هذا الموضوع، وبعد الكثير من الأخذ والردّ، سُمح للطلبة باستخدام آلة الحلاقة، بحيث تبقى حدود اللحية واضحةً، أنا شخصياً لم أُعانِ من هذه المشكلة، ولكنني بذلت ما في وسعي من أجل الآخرين، من منطلق واجبي الشرعي.

بابا: أصبحت شرطياً؟
طُرِحت مسألة الثياب في الإجازات، فقد كان يُحظّر على الجنود استخدام لباسهم الشرعي، وكان بعض الطلبة يخرجون باللباس العسكري، أما أنا فقد كنت أحتفظ بملابسي معي، وكنت أبدّلها في مكتب أخ زوجتي الذي كان قريباً من ثكنة «باغ شاه».
في البال خاطرة جميلة بشأن اللباس تتعلق بابنتي الكبرى «فاطمة»، وقد كانت في الثالثة من عمرها، جاءت بصحبة أمها للزيارة، وكان قد حضر أيضاً بعض العلماء من بينهم السيد «علوي بروجردي», لم تكن فاطمة تتوقّع أن تراني بلباس الجيش، فما ان نظرت إليّ وعرفتني حتى قالت: بابا، صرت شرطيّاً؟ هذا المشهد أبكى الحاضرين.

رسالة إلى الإمام
ذهبت في الإجازات مرتين أو ثلاثاً لزيارة الإمام، بحضور آخرين، كما أنني أرسلت إليه رسالة من الثكنة، لأنني كنت أعتقد أنهم يستخدمون مسألة تسريح الطلبة، ورقة لابتزاز الإمام، لذلك ذكرت في الرسالة أن الوضع جيد في الثكنة، وأنها دنيا جديدة بالنسبة إلينا، ولا توجد أي مشكلة خاصّة، وأننا تعرّفنا إلى الأسلحة وطريقة استخدامها، وأن نظام التجمّع والركض والاستيقاظ المبكّر، والرياضة الصباحية مفيدة للطلبة، ولها قيمة مهمة في صقل الأبدان جديرة بالملاحظة، ومن المفيد تطبيق هذه البرامج في الحوزة, والأهم من كل ذلك تأثيرنا في الضبّاط وضبّاط الصّف، وإذا زاد عدد الطلبة المستقدمين إلى الثكنات، ربما حدث تحوّل في بنية الجيش، وكان الأمر في الواقع كما ذكرت,

في ما يلي سوف أشير إلى نماذج من الآثار الإيجابية لوجودنا في تلك الثكنة:
أولاً: كنا مقارنة بالجنود الآخرين، وكثير من الموجودين منهم في الثكنة، أكثر تعلماً، وأرفع مستوىً، لقد كنا جنوداً ممتازين، من جملة ما تعلمناه أن نفتح بنادقنا بسرعة، وننظفها، ونعيد جمعها, كان للسرعة في العمل امتياز كبير، لم تكن البنادق (ج30) قد وصلت بعد، كانت البندقية المستخدمة «ام, 1» (M,1)، وكانت متعددة الأقسام، وفتحها وتركيبها صعب نسبياً, وقد تفوّقتُ في هذا المجال وكنت أفتح جميع قطع الأسلحة وأقفلها بسرعة.

حتى في غرف التدريس، كنت أفهم المسائل المطروحة من الإشارة، في حين كان فهمها بالنسبة إلى الجنود الآخرين - الذين كانوا في معظمهم أميين - حتى بعد التوضيح، صعباً.
كانت مقدرتي على التعبير أفضل من الضبّاط، وكان الجنود يرغبون في سماع شرح المسائل مني أكثر، وحين يُطلب إليهم أن يعيدوا تسميع الدروس، كنت أتبرع لأقوم بهذا العمل، وبهذه الذريعة أغيّر موضوع البحث وأطرح مسائل اجتماعية أخرى.

في أحد الأيام، مثلاً، كان أحد الضباط يشرح للجنود ضروة محافظتهم على ما بين أيديهم من مال وعتاد ولباس، واستطرد إلى ذكر إحصاءات وأرقام، استنتج منها أن الشاه ينفق على كل جندي شهرياً، ستة آلاف تومان، كان يريد من وراء ذلك الدعاية السياسية للشاه، ولما جاء دوري لتوضيح الدرس، أوردته من طريق آخر وقلت موجهاً كلامي إلى الجنود: «بحسب أقواله، إن هذه الأموال هي أموال الشاه، يهبها لنا، ويحمّلوننا منّة في إحضارهم إيانا والإنفاق علينا, إذا نظرنا إلى المسألة على هذا النحو، لن نتأثر كثيراً، ولكن إذا عرفنا أن هذه الأموال هي أموالنا فالأمر مختلف, ليس الشاه هو الذي يتولى هذا الإنفاق من ماله الخاص، إنه يصرف من خزانة الدولة، الوطن، والوطن يعني نحن، إنها الضرائب التي يدفعها أهلكم، فهم يأخذون الضرائب على كل ما يُستورد حتى أزرار أثوابكم, إضافة إلى أرباح النفط، الذي هو ملكنا جميعاً».

بناء على ذلك فإن كلّ ما في أيدينا هو من أموالنا، وإذا أتلفناه، سيُشترى من جديد، ويؤدي إلى زيادة في الإنفاق سنتحمّلها نحن.

وهكذا وضّحت الناحية الإيجابية من الدرس، ونفيت وجهها الدعائي «الدعاية للشاه» كلياً, أسقط في يد الضابط ولم ينبس ببنت شفة، وقد أحسّ بضعف منطقه قياساً بما أوضحته، وقد كان على علم بمكانتي وعلاقتي, في كل الأحوال بادر إلى تشجيعي, كان في الثكنة ضابط له مركز مهمّ في الشرطة العسكرية، لا أذكر اسمه الآن، وأتشوّق إلى رؤيته، لم يكن ذا رتبة عالية، وإنما كان ضابطاً فهيماً، أوصاه بي أحد الأشخاص، وكان لهذه التوصية تأثير إيجابي، استدعاني وقال لي: «كلما أردت شيئاً راجعني»، فكنت أعرض عليه المشاكل التي تواجهنا، فيساعدنا في حلّها، وكانت له علاقة بالمقامات الحسّاسة في البلاد، ويُحسب له حساب، وكان لعلاقتي به أثرها في ذلك المحيط، وكانت مفيدة للحصول على تصاريح الخروج وحلّ النزاعات و,,, كنت جندياً منضبطاً، جيداً, وجميع الطلبة كانوا هناك جنوداً جيدين, وكانوا يمتازون عن الآخرين من نواح متعددة، وكان ذلك مثيراً للانتباه.

تركَت الرسالة التي أرسلتها إلى الإمام أثراً لديه، وقد أشار إليها في إحدى خطبه، أو في أحد بياناته، وقد نشرت أنا موقف الإمام الذي أعلنه في محيط الثكنة، ووصل إلى مسامع الجند.

أدرك المسؤولون أن هذا عملي، ولكن لم يكن بين أيديهم ما يستندون إليه، لم أترك ورائي أثراً.
من خواطر تلك المرحلة تدريب «جيكتر»: السير من ثكنة (باغ شاه) حتى جيكتر (والجعبة محمولة على الظهر، الرماية، المدافع، القنابل، العبور على الأسلاك الشائكة، خط النار، الأهداف، وكل هذه الأعمال الصعبة هي من مرحلة التدريب).

حين كنت مرّة أتدرّب على الرماية، حضر العميد «بيروز نيا» بنفسه للمراقبة وحين اقتربَ مني، وضع يده على كتفي وقال: هاشمي، هل ترمي جيداً؟ تعمّد أن يقول ذلك، وأن يُظهر اهتمامه بي، وضعت بندقيتي أرضاً، واستويت واقفاً، وألقيت السلام, كان ذلك مخالفاً للقرارات العسكرية، كما كان مجالاً لاعتراض الضابط المسؤول عنّا، الذي قال لي: «إن ما فعلته مضرٌّ بي، سيتصور العميد أنني قصّرت في توجيهك».

في «جيكتر» تحت بعض الخيم، كُتب شعار «الموت للشاه»، وشعارات مؤيدة للإمام, في تلك الأيام لم يكن مصطلح «الإمام» مستخدماً، كان تعبير «الخميني» هو الرائج, ولقد كان هذا الفعل في مخيّم صحراوي مسألة خطرة، ظنوا أنني وراء ذلك، ولكن لم يكن لديهم دليل, في أثناء العودة قال لي أحد الضباط، تكلموا في مركز القيادة عنك، من المحتمل أن تتدخّل المخابرات, كان هذا في الواقع تحذيراً أثّر في ظروف فراري من الثكنة في ما بعد، إنما لم تكن الشعارات من عملي,

لقد علموا أنه لم يكن لي دور مباشر في ما جرى, وإنما كان دوري غير مباشر، أخذوا أحد الطلبة إلى مركز المخابرات، بقي هنالك مدّة رأيته مرّة حين أخذوه للاستجواب، قيل لي إنهم أبقوه معصوب العينين في مكان مظلم، ورطب، ليتوصلوا إلى طرف الخيط.
هذه المسألة في مرحلة الجندية كانت مهمة بالنسبة إليهم.

جليل
02-07-2005, 01:19 AM
تابع الحلقة السادسة

عاشوراء في الثكنة
كان مجال فاعليتنا في عاشوراء أرحب، فقد كنا نعظ، ونطرح المشكلات، ونلقي الخطب، كل ليلة نعقد جلسة في إحدى الوحدات, أما في بعض المناسبات أو السهرات المخصصة للاستراحة فكنا نرتب جلسة ونشارك فيها.

قبل ليلة العاشر من المحرم - في إحدى الإجازات - التقيت بالإمام، وعلمت منه، أنه قد أعدّ برنامجاً لعاشوراء, حتماً أنا كنت في أكثر مراحل المقاومة حساسية - 21 فروردين حتى 15 خرداد - بعيداً عن مشاكلها الحقيقية والأساسية بسبب التجنيد، ولم أكن داخل ميدان العمل, في الإجازات كنت أطّلع على سير الحوادث، وفي هذا اللقاء بالذات تعرّفت على تصميم الإمام الخاصّ.

أقيم في الثكنة نفسها مجلس عزاء، وتلى قاضي العسكر الكلام، موجهاً إياه إلى الضباط والجنود، طلبنا بإصرار الإذن باعتلاء المنبر، فلم يوافقوا, اتضح لناأنهم قد أصبحوا حساسين تجاهنا، ولم يكن لمثل هذه الحساسية وجود من قبل, كنا نجد أحياناً فرصة للكلام أو للوعظ، وهكذا قضينا أيام محرّم - حتى ليلة التاسع أو العاشر - في الوعظ وقراءة مجالس العزاء، وملأنا وقتنا كلهّ.

من الخواطر التي تحضرني الآن، لقاءاتنا بالحرس والمظليين (مركز وحدة المظليين كان في ثكنة «باغ شاه»), شارك هؤلاء أيضاً في أحداث الفيضية، وكذلك في اعتقال المشبوهين، البسطاء منهم تفاخروا أمامنا بمآثرهم، ومن الجملة شرحوا حادثة الفيضية، وشرح آخرون ما جرى ببواعث أخرى - كالتحقير أو التهديد - وشرح الفريق الثالث المسألة منتقداً ومتألماً، أقام أفراد هذه الوحدة أيضاً مجلس عزاء في مقرّهم، دعونا للمشاركة وألقينا فيهم خطبة مفصلة، وفي ليالٍ أخرى خَطَب آخرون.

في أيام عاشوراء، كانت روح الدين مهيمنة، وتحولت ثكنة «باغ شاه» إلى مسرحٍ للعزاء, في الصباح نذهب إلى النظام المرصوص ونؤدي البرامج اليومية المعتادة، والدروس، وفي السهرات نقيم مجالس العزاء، كل المساحات والأشياء مجلّلة بالسواد، ساحة واسعة تحت تصرّفنا، نحن أيضاً استفدنا من هذه الفرصة، وطرحنا بعض المسائل، حتى أننا شرحنا مجريات المقتلة، ولم تحدث مشكلة خاصّة, إما أن المراجع العليا لم تتلقَّ أيَّ تقرير، أو أننا قبل وصول التقرير عن طريق التسلسل الإداري، كنا قد هربنا من الثكنة,

العميد عظيمي قائد القوات البرية، جاء عصر العاشر من محرّم إلى ثكنة «باغ شاه»، فرأى منظراً عجيباً: أكثر من عشرين مجلس عزاء في كلّ ناحية من نواحي الثكنة، وفي كلّ منها واحد منا يخطب ويقرأ المجلس, كان ردّ فعله المباشر أن قال: «حولتم الثكنة إلى مسجد», بعد ذلك عُطّلت هذا المجالس تقريباً، وجود مجلس بهذا الاتساع كان استثنائياً، وذلك بسبب وجودنا في جهة، ومن جهة ثانية التأثر بالجوّ الخارجي، فقد كان محرّمُ ذلك العام وعاشوراء استثنائيين، وصلت المقاومة فيهما إلى الأوج.

الخامس عشر من خرداد
لم نكن على اطلاع كاف بالوضع يوميّ التاسع والعاشر من المحرم في الخارج, كانت أصداء الأحداث تصل إلينا عبر أحاديث الضبّاط والجنود.
كنا نعرف أنّ ثكنة «باغ شاه» ليست ثكنة عادية، فقد كانت أحد مراكز قمع المظاهرات، وقد بدأت من عصر العاشر من محرّم حيث عطّلت أعمالنا التبليغية وفُضّ جمعنا، ومُنعت المشاورات والمحادثات الثنائية، وكنا نستمع أيضاً إلى المذياع, فاطلعنا إلى حدّ معيّن على بعض المجريات.

ليلة الخامس عشر من خرداد، أدركنا حدوث أمر غير عاديّ، شبيه بالانقلاب, واجهتنا صعوبات عديدة؛ لم يسمح لنا أن نشارك بالحراسة، أو أن نذهب إلى المطبخ، أو إلى محطة الوقود، ووضعت تحركاتنا تحت المراقبة.
صباح 15 خرداد اتضح الوضع، خرجت القوى المسلّحة من الثكنة، ولما عاد الجنود شرحوا لنا ما جرى: شرح البعض ما حدث في «حسن آباد»، والبعض الآخر ما جرى في ساحة «أرك»، قالوا: لقد أُمرنا أن نُطلق النار، وأُمر سائقو السيارات أن يطلقوا الصفارات، كي لا تُسمع هتافات الجماهير.

أحد العرفاء قال لنا: في تقاطع الطرق حيث كانت تقف شاحنتنا صوّبنا النار في الاتجاهات الأربعة، كان بعض الناس متجمعين فوق أسطح المنازل، فوجهنا النار نحو الأسطح
من أعجب الحوادث أنهم سلّحونا نحن أيضاً، مع أنه لم يمرّ أكثر من شهرين على تجنيدنا، ولم نكن عناصر مداهمة، فقد تبيّن أن عجزهم قد وصل إلى حدّ الاستعانة بالطلبة.

كان هناك ضابط يُدعى «پناهي» أو «پناهي فر»، أو اسم شبيه بذلك، كنا نعرفه كشخص متدين, يحفظ حكم «نهج البلاغة»؛ وكان أبوه تاجراً في البازار، حين أراد أن يعطي الأوامر لوحدتنا، بدأ ذلك بخطبة قصيرة قال: «إنهم يريدون أن يفتنوا الناس باسم الدين، إنهم يروّجون الإشاعات,,,»، أعطانا الأمر بالاستعداد والتحرّك,, وتجهيز البنادق.

سألني الرفاق، ما العمل؟ قلت لهم: «من المستبعد أن يأخذونا إلى داخل المدينة، ولكن إن هم فعلوا يجب أن نوجّه ضرباتنا إليهم، كل واحد تَرَونه يطلق النار على الناس، أطلقوا النار عليه» كانت لحظة حسّاسة جداً, وقد أخذنا قراراً خطيراً، فلو أنهم أخذونا، لما كان بيدنا حيلة, ما إن أصبحنا خارج الثكنة حتى تغيّر العرض؛ أعادونا إلى الداخل، وانتزعوا منا البنادق، وشدّدوا علينا، كأنهم قد فرضوا علينا الحصار.

من بين الضبّاط الذين كنا نعرفهم، وكان لهم تأثير في حلّ مشاكلنا، ملازم باسم شيرازي، أبوه من أقارب السيد «فلسفي»، وقد كان مساعداً جيداً لنا، نعرِض عليه مشاكلنا، وهو يخبر والده، الذي يخبر بدوره السيد فلسفي فتأتينا المساعدة من طريقه.

في اضطرابات 15 خرداد، بلغني أن كلاماً قد جرى في مقر القيادة عني؛ وقد حدثت مشاكل، كان كلٌّ منها كفيلاً في تلك الظروف بأن يكون تهمة موجهةً ضدّي: حوادث المخيّم، شعارات الموت للشاه والحياة للخميني، التي كتبت هنالك على الخيم، والبيانات التي انتشرت في الثكنة والخطب التي ألقيت هناك، كانت في مجملها مقلقة، فقرّرنا أن نغادر «باغ شاه».

مجاهدون
02-08-2005, 08:52 AM
تذرعت بشلل ابنتي للفرار من التجنيد



الحلقة الثامنة


أُعلنت حالة التأهب وأُلغيت الاجازات كليّاً، ولم يُسمح لأحدٍ بالخروج,, قصدت ذلك الضابط - الذي تحدثت عنه من قبل - وقلت له انّ طفلتي مريضة، كانت قد أصيبت بمرض الشلل، كنت قد عرفت هذا الخبر في احدى الزيارات السابقة، وقد كان هو على علم بالأمر، تذرّعت بمرض الطفلة، وقلت له ان عائلتي قلقة، وكيفما كان الأمر أريد تصريحاً بالخروج، فأخذ لي تصريحاً.
تهيّأت للخروج، ولم أخبر الطلبة أنني قد صممت ألا أعود، أظن أن ذلك كان في الواحد والعشرين من شهر خرداد، بعد خمسة أو ستة أيام من حادثة 15 خرداد، لا أتذكر التاريخ بدقة، ولكن اذا حسبت مدة التجنيد التي بلغت ستين أو واحداً وستين يوماً، يكون تاريخ المغادرة في العشرين أو الواحد والعشرين من خرداد.

لقد مرّت علينا في الأيام الخمسة أو الستة الأخيرة ظروف صعبة جداً، لأن الضباط كانوا محجوزين ولا يسمح لهم بالخروج، واذا سمح للبعض بالخروج فبثيابهم المدنية، وما كانوا يجرأون على التجول بالزيّ العسكري؛ كانوا جميعاً ينظرون الينا بعين الغضب، لأنهم يعرفون علاقاتنا وارتباطاتنا بالمقامات الدينية الرفيعة، لذا كان الاحتكاك بهم في تلك الأيام مسألة صعبة، وصرنا مهدّدين، كانت الظروف بمجملها مقلقة.

حملت معي أغراضاً أكثر من المرات السابقة، وقد انتبه الحارس في أثناء التفتيش، وقال ممازحاً ما معناه، «كأنك لا تريد العودة»!.
خرجت ولم أعد؛ وقد خرج بعدي آخرون، وبقي عدد من الأشخاص، وسُجِن البعض الآخر.

متابعة النشاط السياسي
صرت «جندياً فاراً» من الخدمة، وكان طبيعياً ألا يكون وضعي كما كان في السابق، ولم يعد بالامكان أن يكون لي حضور علنيّ في المجالس والمحافل العامة، ولا يجب أن يُذكر اسمي، ومضايقات من هذا القبيل,,, كانت قد بدأت من ناحية أخرى هجرة العلماء الى طهران وكان يصلها يومياً بعض الشخصيات، ولا بد أن أكون حاضراً في مثل هذه الظروف.

استقررنا في طهران، دون أن يكون لنا منزل خاص، وكان أطفالنا يقيمون في منزل أنسبائنا في طهران، وأحياناً يسافرون الى قم, كان مقرنا الأساسي منزل السيد صالحي كرماني، الشيخ محمد رضا صالحي، الذي كان والده أحد العلماء المهاجرين، ويملك منزلاً صغيراً في ميدان الامام الحسين (ميدان فوزية سابقاً).

في طهران وقم عاودنا نشاطنا السياسي، ولكن في ظروف أكثر حساسية, ارتديت زيّ رجل الدين، واحتفظت باللباس العسكري، بعد ذلك ارتدى أحد أنسبائي وقد كان بنّاءً تلك الثياب، مستفيداً منها في موضوع الاعفاء الذي صدر في ما بعد، لأن من شروط الاعفاء تسليم الثياب العسكرية, وقد اضطررت في ما بعد أن أذهب الى أحد المتاجر في شارع قزوين حيث تُباع الثياب العسكرية المستعملة، لأشتري زيّاً وأسلّمه للحصول على وثيقة الاعفاء.

دخلنا بسرعة في أجواء المقاومة، أنا والسيد باهنر وآخرون، وكنا نذهب أحياناً لمعالجة المشكلات التي تصادف العلماء المهاجرين، الى منزل العلامة ميلاني، والعلامة شريعتمداري، والمراكز العامة، ولكن باحتياط وحذر، كنا متيقظين من وجود مفاجأة واجهناها مرة.

الفرار بصحبة السيد باهنر
كان في شارع «الأميرية» قرب ثكنة «باغ شاه»، منزل يقيم فيه العلامة «ميلاني» (وقد كان في تلك الأيام هو المحور الأساسي تقريباً), قصدنا أنا والسيد باهنر العلامة ميلاني، كانت جرأةً، ما كان يجب أن نقدم عليها, بعد انجاز أعمالنا، استقللنا الحافلة التي تعمل على الخط من الأميرية حيث يقع منزل ميلاني باتجاه شمال المدينة؛ في الحافلة وُضِعَت يدٌ على كتفي، التفت، فرأيت عريفاً في الجيش كان في عداد الوحدة التي كنا تابعين لها في الثكنة، كان يدعى العريف «قاضي» من أهل قزوين (لا يزال حياً الآن).

كان رفيقاً لنا في «باغ شاه» كنت أستضيفه أحياناً على الطعام أو الحليب أو البوظة، (كان هنالك كُشك للغذاء الحر، نذهب اليه حين كنا لا نريد أن نأكل من طعام الثكنة), سألنا عن أحوالنا، وأظهر لنا ودّاً، ونحن كذلك، ولم نفكر مطلقاً، أنه مكلّف بملاحقتنا, في المحطة التالية، طلب الينا النزول، قلت: الى أين نذهب؟

قال: «الى «باغ شاه»، هذا أمر، انزل الآن» قلت له: ليس جيداً أن تجري الأمور على هذا النحو، فانّ دخول الثكنة بهذه الثياب جريمة, لست فاراً، كنت تعباً قليلاً، وكنت قلقاً على عائلتي، اصطحبت أولادي الى مشهد للزيارة، وها نحن قد عدنا الآن، وثيابي العسكرية في مقام «شاه عبد العظيم» غداً أذهب الى منزل أختي - كان منزلها في محلة جسر سيمان - آخذ ثيابي وأذهب بنفسي الى الثكنة؛ لماذا تريد أن تأخذني على هذه الصورة، فتضعني في موقف حرج؟».

- قال: «لا، لا أستطيع أن أتركك»، قلت: «لا! الأمور لا تسير على هذا النحو، يجب أن أحصل على توصية من القائد, في كل الأحوال سيلحق بي ضرر كبير ان أنت أخذتني الآن كجندي فار,,,».

- قال: «الشيء الوحيد الذي أستطيع أن أقوم به من أجلِك، هو أن نذهب معاً الى القائد، فتأخذ اذناً، وفي الصباح أصطحبك لتستبدلَ ملابسك، والا يجب أن نذهب مباشرة الى «باغ شاه».
وجدت نفسي في مأزق، فخطرت لي فكرة، قلت: «جيد جداً، الآن بما أنك مصرّ، سننفّذ ما تشاء، ولكن، أريد فقط ونحن في طريقنا، فوق تقاطع «كالج» حيث يقع منزل أحد أقاربنا (خال زوجتي)، أن نتوقّف قليلاً، فأرتب أعمالي، وأودّع عائلتي، وأتصل هاتفياً ليحضروا لي ثيابي»، قَبِل اقتراحي وجلس.

قال لي السيد «باهنر» بصوت خافت: «في المحطة التالية، سأستفزّه، وأتعارك معه، فترجّل أنت واهرب، لن يتمكنوا من فعل شيء لي».
رأيت أن الأمر سيكون مضراً بالسيد باهنر، يمكن أن يُسجن بتهمة «مساعدة جندي فار على الهرب», قلت: «يمكن أن نجد حلاً آخر طالما أنه وافق على المجيء معنا الى المنزل».
عند تقاطع «كالج» ترجّلنا ثلاثتنا، ودخلنا المنزل، منزل المرحوم السيد كمال الطباطبائي، حفيد المرحوم آية الله يزدي، صاحب «العروة الوثقى»، وخال زوجتي.

صعدنا وجلسنا في الطبقة الثانية، وانشغلنا بالضيافة، نزلت مرتين الى الأسفل، لأحضر الشاي والفاكهة، كانت زوجتي في الطابق الأول, لم يكن صاحب المنزل موجوداً، قلت: الآن الوضع مناسب للفرار, المشكلة الوحيدة هي السيد باهنر، الذي لا نعرف ان كان سيتعرّض للمشاكل أم لا, جلسنا في الطابق العلوي، ننتظر وصول الملابس العسكرية.

نزل السيد باهنر الى الأسفل وقال لزوجتي: «عندما ينزل فلان قولي له ألا يعود، لماذا يعود؟».
هذه المرة عندما نزلت أخبرتني زوجتي باقتراح السيد باهنر، فقبلت، حملت عباءتي وخرجت, وكان منزل أخ زوجتي السيد رضا مرعشي، (مهندس زراعي)، يقع في زقاق محاذ، فذهبت اليه.

انتظر العريف «قاضي» قليلاً، ثم سأل, لم يأتِ فلان؟ فأظهر السيد باهنُر عدم معرفته ونزل وسأل: أين فلان؟ قالت زوجتي: «هذا ليس منزله، يأتي أحياناً الى هنا ضيفاً، لقد ذهب الآن، ولا نعرف الى أين».
أُخذ العريف المسكين على حين غرّة، وقعد لا يلوي على شيء، ثم بدأ يصرخ ويهدد ويتوعد، ثم اتصل هاتفياً برئيسه، النقيب حقّي وشرح له ما جرى، وجرى بينهما حوار وأخذ ورد، ويبدو أنه استدعاه,,, في كل الأحوال غادر المنزل.

يروي السيد باهنر ذكرى طيبة عن تلك الحادثة فقد ذكر أنه: «حين كان العريف يصرخ ويتوعد، ونحن نردّ عليه مدافعين عن أنفسنا، وأن لا علاقة لنا بالأمر، وهل وضعته عهدة في أيدينا؟« فجأة دخل صاحب المنزل وزوجته وأولاده، ووجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع عسكريّ يسبّ ويلعن مهتاجاً: وكان المنزل مقلوباً رأساً على عقب، فأُغمي على الزوجة من شدة الخوف - هي من أحفاد السيد محمد كاظم يزدي - وقد نشأوا وترعرعوا في العراق، والأطفال يصرخون بالعربية يا أماه، يا أماه, فأسقط في يد العريف وفرّ خوفاً».

لم يطل الوقت، واذا بالسيد باهنر وزوجتي يصلان الى المنزل الذي التجأت اليه، ويشرحان لي ما جرى، كانت قصة مسلية, في صباح اليوم التالي، وقد كنت أصلي على شرفة المنزل الجديد، المطلة على البيت الذي جرت فيه حادثة الأمس، رأيت العريف قاضي نفسه قد عاد ليسجل رقم المنزل، فقد نسي أن يفعل ذلك في اليوم السابق بسبب العراك.
روى لنا - في ما بعد - الطلبة الذين تابعوا دورة التجنيد حتى نهايتها، أنّ النقيب حقّي دخل الصف وقال: «لقد وجدنا هاشمي، وأوقفناه، سنحضره الى هنا ونقيده ونجلده بالسوط أمامكم,,,».

اسم مستعار
بعد هذه الحادثة، وقد تأكدت أنني ملاحق، احتطت للأمر، ولم يكن وضعنا المادي في تلك الأيام مرضياً منذ بدأ التجنيد، فقررت أن أسافر للتبليغ الى مكان بعيد، تحت اسم مستعار، فسافرت في الأيام العشرة الأواخر من صفر الى «بيرجند»، وقضيت هنالك عشرة أيام، كنت أقيم في المدرسة، وأذهب الى المنبر، لم يكن الوضع سيئاً، كنت قلقاً الى حد ما، ولكن الشعور بالواجب من ناحية، والحاجة المادية من ناحية أخرى، اضافةً الى التّعب النفسي من حالة الفرار والاختفاء، أمدّتني مجتمعة بالجرأة والشجاعة.

عدت الى طهران واستمررت على الحال السابقة، حتى انتقال الامام من السجن الى الداوودية (منزل أخ السيد قمّي).
كان وضع ايران وطهران في المدة الفاصلة بين 15 خرداد وانتقال الامام من السجن الى الاقامة الجبرية، شديد التشنج والاضطراب، ووقعت حوادث متعددة.

فقد كان عدد كبير من العلماء والمجاهدين في السجن، وحدثت اعتقالات جديدة، وحالات افراج متكررة، وحضر علماء كثيرون من الأرياف الى طهران، وكانت منازلهم مراكز اجتماعات ولقاءات، وسَرَت شائعات كثيرة عن أحوال السجون، وعن شخص الامام، ووضع الحكومة، وكان يسيطر على الشعب الشعور بعدم الأمان وبالخوف والأمل والترقّب,,, كان لدينا نحن أيضاً مهمات وهموم كبيرة.


الامام في الاقامة الجبرية
في هذه الظروف - في الثاني عشر من خرداد - وقد كنت في منزل السيد صالحي، نقل الينا أحد معارفنا هاتفياً خبر انتقال الامام من السجن الى الداوودية, كان وقع هذا الخبر قوياً تغلّب على الحيطة والحذر لديّ، مع أن احتمال الاعتقال حيث يوجد الامام كبير، ولكنني ضعفتُ وفقدتُ صبري, توجهنا أنا وباهنر وعدد آخر الى الداوودية، لزيارة الامام، كان باب الداوودية يقع مباشرة مقابل محطة محروقات حديثة البناء في احدى الحواري، وصاحب المنزل أخ السيد قمي، ويمتلك مكتباً رسمياً للتسجيل.

بلغنا مكان الامام، كانت لحظات سعيدة، وبقينا هنالك ساعات عدة، وكان هنالك عدد كبير من مأموري الشرطة ومن الخيالة, وكان هنالك أيضاً النقيب سروان عصار، أحد رجال السافاك المشهورين والذي كما يبدو كان له يد في اعتقال الامام, كان يتحدّث الى بعض الوعّاظ الذين يعرفهم، لم يتعرف اليّ، فلم أكن حتى الآن قد ابتليت بالسافاك، وليس لديهم حساسية من ناحيتي، ولم أكن معروفاً بعد.

غادرنا المكان حين حلّ المساء، على أمل اللقاء مجدّداً بالامام، ولكن الزيارات مُنعت عنه في اليوم التالي، الى أن نُقل الى «قيطرية» حديقة السيد روغني، ولم يكن مسموحاً لعدد كبير بالدخول، فقد حُدّد العَدد.

أُصبت بالخيبة، لأنني لم أستغل الوقت في اليوم السابق في الساعات التي التقيت فيها الامام، لطرح المسائل الضرورية، فلم نفكر أننا سنحرم من رؤيته بهذه السرعة.
تعقّدت ظروفي، فلا مجال أمامي للعمل والفاعلية في طهران، والاقامة في قم ليست في مصلحتي، فدائرة الأمن في قم لديها أمر باعتقالي كجندي فار، وأنا في قم لست شخصاً مجهولاً، فأحد مفتشي الأمن في قم كان جاري، وكنا نلتقي صدفة في الحمام العمومي في (آبشار)، وتغيير المنزل ليس مسألة سهلة، فسأُعرَف بسهولة.

كتاب القضية الفلسطينية
لعلّ أفضل قرار اتخذته في تلك الأيام، هو قرار الاقامة في نوق لمدة محدودة, صحيح أن نوق كانت أحد الأمكنة التي كنت ملاحقاً فيها، ولا بد أن تكون قد وردت أوامر الى مخفر نوق باعتقالي حال رؤيتي؛ مثل هذا الاحتمال وارد، ولكن بما أنني من أهل البلدة، وأعرف رئيس القرية وجميع أهلها، فلن أؤخذ على حين غرّة، وبسهولة سأعرف على الأقل، قبل تنفيذ أي قرار.

انطلاقاً من هذا التصور، أن نوق هي أكثر الأماكن أماناً لي، قررت أن أذهب الى نوق مسقط رأسي، فلدي مشاكل معيشية ومسؤوليات بوجود زوجة وأطفال.
قرّرت أن أنجز عملاً، على الرغم من الحياة السرية، وقد كنت قد كتبت في العدد الأخير من نشرة «مكتب تشيع» مقالة عن فلسطين، كان لها وقع كبير في تلك الأيام، فقد كانت القضية الفلسطينية مسألة غير مطروحة في ايران، استعنت لكتابة هذه المقالة، بكتاب أعطانيه المرحوم آية الله الحاج ميرزا خليل كمره اى، بعنوان «القضية الفلسطينية» لأكرم زعيتر, وقد تأثرت بهذا الكتاب الى حدّ أنني بكيت أكثر من مرّة وأنا أطالعه, كنت آمل أن أتمكن من ترجمة هذا الكتاب الى الفارسية، وقد أتاحت هذه الظروف المستجدّة الفرصة لانجاز هذا العمل, حملت هذا الكتاب الى «نوق» بالاضافة الى «المنجد»، وقررت أن أقضي الصيف هنالك.

كنت أذهب أحياناً الى المنبر، ولكن العمل الأساسي كان ترجمة هذا الكتاب, استغرقتني الترجمة ثلاثة أو أربعة أشهر، زارنا رئيس القرية مرّة أو مرتين وقال لي ان الأمن يلاحقك، لم أصدّق كثيراً، كنت أعتقد أنه يريد أن يحمّلني منّةً, ولم تظهر أي اشارة الى أن لهم موقفاً مني، كان يبدو أن حدود ملاحقتي محصورة في موضوع الفرار من الجندية، ضمن الاجراءات الادارية، وليس لها خلفية سياسية.

الطريدة في شبكة الصيّاد
يوماً بعد يوم، بتّ أعتقد أنني قد نلت العفو، راجعت دائرة التجنيد في رفسنجان بصورة طبيعية، وأنا انجز المعاملات العادية، مرت ساعة أو ساعتان، وكان العمل يسير بشكل طبيعي، دفعة واحدة لاحظت أن الوضع لم يعد طبيعياً، فالموظفون ينظرون اليّ من وراء الزجاج، ويبدو أنهم مضطربون كأنهم اكتشفوا شيئاً جديداً, كنت برفقة أحد النافذين في المدينة، السيد حسن واحدي صهر المرحوم العلامة سيد جلال هجري الذي كان المسؤولون في المدينة يحسبون حسابه.

أعلن المسؤول وهو مضطرب أن سبعين رسالة وبرقية في ملفي, كانوا يطلبونني من كرمان، وها أنا الآن قد حضرت لآخذ وثيقة الاعفاء! ما الذي أخّر اتخاذهم قراراً ما بحقي حتى الآن، فهو اسم عائلتي المركّب من جزأين: كنت معروفاً باسم هاشمي رفسنجاني، واستخدمت هذا الاسم في مراجعة المركز، في حين أنهم كانوا يلاحقون هاشمي بهرماني, حتى هذه المرحلة المتأخرة، كان الخطأ في الاسم المركّب مفيداً لي.

الآن انتبهوا أن هاشمي بهرماني الذي لديهم أمر بملاحقته منذ مدة، هو نفسه هاشمي رفسنجاني، الذي جاء ليحصّل وثيقة الاعفاء، والجالس أمامهم!.
قالوا: «ليس بامكاننا الآن الا أن نحوّلك الى كرمان», استنكر مرافقي ذلك بشدة, وقال: لا بد أنكم مخطئون، اسألوا طهران، اذا كان هو المطلوب فاننا نسلمكم اياه بظرف 72 ساعة, ولنفوذ ذلك الشخص ومركزه قبلوا كفالته، وتخلّصت هذه المرة أيضاً من شباك الخطر, بعد ذلك لم يستطيعوا أن يقدموا على أيّ عملٍ تجاه الكفيل، في كل الأحوال، لم تواجههم مشكلة خاصّة، وحلّوا المسألة بالمراسلات الادارية.

العودة الى قم
رفقاء قم، للعلاقة الوثيقة التي كانت تربطني بهم، استدعوني اليها، لم يكن هنالك مشكلة أصلاً، ولم يضايق أيّ شخص في الواقع,, (استخدم الحكم في تلك المرحلة سياسة خاصّة، وسعى لتصحيح علاقاته برجال الدين، وحضّر مقدمات نقل الامام الى قم).

كان منزلنا يقع في حارة «آبشار» فطلبت أن يجدوا لي بيتاً في «صفائية», استأجرت منزل أحد المعلمين المدعو مصفّا قرب مسجد «صفائية»، وكانت معرفتي قد توثقت بالتدريج، بـ «أبي الفضل توليت» في أعمال المقاومة، ومرحلة التجنيد، والنشاطات السياسية المختلفة في تلك المرحلة, فاستأجرت منه قطعة أرض مساحتها نحو مئتين وخمسة وعشرين أو مئتين وخمسين متراً، من أراضي الوقف (تقع في حارة ممتاز، خلف حمام ممتاز) استأجرتها بمئتين وخمسة تومانات شهرياً، وبالحصول على قرض وبيع بعض الأشياء، بنيت منزلاً.

كان كتاب «القضية الفلسطينية» قد أعدّ للطبع، وكنت شخصياً على اطلاع ومعرفة بمسائل الطباعة والنشر، ولديّ تجربة اكتسبتها من نشر مجلة «مكتب تشيع».
استفدت من بطاقة اعتمادي الخاصة لشراء الورق، ووزّعت ايصالات بالدفع المسبق قبل الشراء، لاقت رواجاً، صار في يدي مال ونشرت الكتاب, لم يكن عملاً صعباً، كما أن نشر الكتب في تلك الأيام لم يكن بحاجة الى اجازة مسبقة في قم, بعد ذلك، وبتتالي الاضطرابات، وسياسة الرقابة، أقرّ شرط الاذن المسبق.

كان مبيع الكتاب جيداً، وقد اشترى صاحب الكتاب أكرم زعيتر سفير الأردن في ايران عدداً من النسخ لحساب »مركز الوحدة العربية«، الذي كان في تلك الأيام مركز مناهضة اسرائيل، كانت علاقات الأردن بايران جيدة، وكان لسفير الأردن، علاقات جيدة بالمقامات العليا في البلاد, بحيث أن السافاك لن يتمكن من فتح معركة معه.

كان مبلغ ألفي تومان الذي اشترى به النسخ رقماً كبيراً، بدون الحسم الذي كان مفروضاً للموزعين، اضافة الى أنه أوكل الينا مهمة توزيع هذه النسخ باسم المركز على المكتبات العامة، والشخصيات والعلماء، وأعطى عدداً من النسخ للحاج الشيخ مصطفى رهنما، الذي كانت له مع العرب من خلال «الجمعية الاسلامية» علاقات جيدة، وكان فاعلاً في موضوع القضية الفلسطينية.

تحسّنت ظروفي المادية، في وقت كنت بأمس الحاجة الى ذلك، بسبب عدم ذهابي الى التبليغ، والحياة السريّة، والاقتراض لبناء المنزل، زادت أعبائي المادية.
في ذلك الحين وقعت نسخة من الكتاب في يد الدكتور مصدّق - الذي كان منفياً في «أحمد آباد» - فأدرك قيمة الكتاب، وكتب رسالة الى أحد أصدقائه، مادحاً فيها الكتاب، معها حوالة مالية لشراء نسخ منه وتوزيعه, واذا أخذنا في الاعتبار حب المثقفين لمصدّق وثقتهم به، نرى أن ما فعله كان باعثاً على استقبال أوسع للكتاب.

أخذت أستقر في قم أولاً بأول، مع مراعاة بعض التفصيلات: فمثلاً كنت لا أوقّع البيانات باسم هاشمي رفسنجاني، وانما بكلمات مثل هاشمي، أو رفسنجاني,, كما تجنّبت الظهور العلنيّ الذي يمكن أن يثير حساسية معينة، وكان الرفاق أيضاً منتبهين لهذا الأمر,, تابعت الدراسة، وشرعت بالقيام بنشاطات سريّة لصالح المقاومة، وكانت حصيلة هذه المرحلة النشرة السرية «البعثة»، وبعدها «الانتقام».

لم تُظهر ادارة الأمن أي مجهود خاصّ لاعتقالي، يُحتمل أنهم ندموا على استدعائنا للتجنيد، ولم يصرّوا على ذلك مجدّداً.
في تقويمي وتحليلي الشخصيين للأمور، أنهم كانوا ندموا فعلاً على عملهم ذاك، ولم يكرّروا هذا العمل لسنوات عدّة.
حين اعتُقلت بعد ذلك، أشار المقدّم مولوي الذي التقيت به في «قُزَلْ قلعة»، الى حادثة الفرار من الجيش، ولكن لم يأخذها بجدّية؛ لم يُجْروا بحثاً واستقصاءً خاصّين، ولم يظهروا حساسية كبيرة.

النشاط السياسي
يمكن الاستنتاج من مجمل حوادث ذلك العام، أن ما جرى كان بشكل غير مباشر مفيداً جداً، ولا أعرف ان كانت مثل هذه الفرصة ستتاح لي، لو لم أكن خارج ساحة النضال، بسبب التجنيد في حادثة 15 خرداد والأيام التي سبقت هذا التاريخ: حادثة التجنيد، الفرار، الحياة السرية في نوق، ترجمة كتاب «القضية الفلسطينية»، والعودة الى قم في النهاية، كانت كلها مفيدةً في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ النضال, ففي تلك الأشهر المعدودة التي كان الامام في «القيطرية»، كان المهاجرون قد عادوا, تراجعت المقاومة ظاهرياً، ولم يكن هنالك مواجهة علنية للنظام، وكان السبب الأصلي لذلك وضع الامام، وانسحبنا الى الأعمال السرّية، كل ذلك كان فرصة جيّدة سنحت لنا، فتفرّغنا الى حدّ ما للتنظيم والأعمال السياسية، التي كانت تحتاج الى التفرّغ.

في هذه الأثناء، فكّرنا أنا وبعض الرفاق في قم أن نشكّل شبكة تنظيمات - سيأتي شرح هذا الموضوع في مكانه - وعلى الرغم من أننا لم نصل الى النتيجة المطلوبة، ولكن تجارب هذا العمل كانت مفيدة جداً لنا في المراحل اللاحقة.

مجاهدون
02-08-2005, 08:58 AM
الحلقة التاسعة

مع أنني كنت في الثكنة حين وقعت حادثة 15 خرداد، ولكن انطلاقاً من مشاركتي في التحضير لتلك الحوادث، ومشاركتي في الاستفادة من دروسها، أستطيع أن أقول إنه لم يكن هنالك تخطيط مسبق لما جرى من أي طرف من الأطراف: لا نحن ولا الحكم ولا العوامل الخارجية.
فقد حدثت سلسلة حوادث في أثناء الصراع انتهت بصورة طبيعية إلى هذه النتيجة,,, حين سافرت إلى الخارج العام 1354 (1975)، أعلن البعض أفراداً ومجموعات، وبخاصة اليسار، تحليلاً للحوادث، بعد أن قوموها وفهموها بمعاييرهم الاقتصادية الخاصة: التضخّم، البطالة، الضغوط الاقتصادية,,, حتى أنهم كتبوا بسبب جهلهم لما كان يجري أن «آية الله الخميني يحرك المتظاهرين خطوة خطوة», كانوا يريدون أن يُنكروا الواقع البيّن، وأن مظاهرات الجماهير كان لها دافع دينيّ وجاء اعتقال الإمام ردّاً عليها,,, في السجن أيضاً، كانت هنالك تحليلات من هذا القبيل.

الواقع أن تحرّك الناس بدأ بشكل طبيعي معارضةً للشاه مستفيدين من الفرص المتاحة - وبقيادة الإمام - وتدرّج في مراحل توجتها هذه الحادثة,,.

لم نكن نحن نتوقّع مثل هذه المجزرة الدموية، والهجوم على الناس بالدبابات والمدافع، ولا الحكم كان يتوقع أن مثل هذه الحركة العظيمة يمكن أن تحدث, لقد كانوا مستعدين للمواجهة وللعنف، أما القول إنهم قوّموا الوضع وتنبأوا بما سيحدث، لذلك خطّطوا لهذه المذبحة، لتعميم الخوف والرعب، فذلك بعيد على ما أظن, إلا إذا عثرنا على مستندات واضحة، تظهر مثل هذا التخطيط.

كانت قد انقضت بضعة أيام من المحرم عندما زرت الإمام في إحدى مأذونياتي في أثناء التجنيد، قال: «لقد عزمت أن أذهب في عاشوراء إلى الفيضية»، كان القرار جيداً، فمحرّم بيئة طبيعية للمقاومة، ففيه تصل مشاعر الناس إلى أوجها، وتقوم مظاهرات موفقة، وتزداد الجرأة والجسارة, لذلك فقد صمم الإمام أن يستغل هذه الفرصة المؤاتية - ويقابل الشاه بالمثل جواباً على إهانته لرجال الدين - فيزعزع هيبته.

وقد استفاد الإمام في الماضي من هذه المناسبة، واضطر الحكم للتراجع عن مواقفه, ربما لم يفكروا في ذلك الحين أن الإمام سينتقد بنية النظام وشخص الشاه بمثل هذه الصراحة.
كذلك فقد كان لخطب السيد فلسفي في ذلك المحرم أيضاً تأثير قوي في روحية الناس وإعدادهم.

لقد أحسّ النظام بعد هذه المواجهة، أنه إذا تُرك الإمام حرّاً بعد ما جرى، فإن المعارضة ستقوى، فصمّم على استخدام العنف والقسوة.

2 - دوافع «الطّيب» وأنصاره
كانت دوافع مشاركة قوى «الطيب» حبّها العفوي للإمام, فحين اتخذت المقاومة منحىً دينياً، وارتبطت بعاشوراء، هم الذين كانوا يتحلّون بالصفاء الباطني وبالشجاعة والإقدام، دخلوا الساحة، وتُروى عن حياة أحدهم الحاج «إسماعيل رضائي» الذي كان ذا خلفية دينية، تفاصيل مثيرة, ما نقصده من هذا الكلام، أن حضور «الطيب»، سببه أن النظام تعمّد أن يجرح مشاعر الناس، وليس أكثر من ذلك, فَوضْع الشاه في حوادث 15 خرداد (5 يونيو)، مختلف عن وضعه في 28 مرداد (29 يونيو)، هنالك كان الصراع سياسياً، ولكنه هنا صار دينياً,,.

أصحاب التأثير: أفراداً وجماعات
أصحاب التأثير السياسي في حوادث الخامس عشر من خرداد، هم الإمام ورجال الدين، يأتي بعدهم شبكات المساجد والحسينيات، والهيئات والتنظيمات الدينية، كان هنالك تأثير نسبي «للهيئات المؤتلفة»، ولكن تأثير المثقفين، والجامعة، والجبهة الوطنية والمقاومة الحرّة كان أخفّ.

لقد كان التحرّك طبيعياً، عفوياً وشعبياً، دافعه دينيّ، و15 مرداد، كان انفجار غضب الجماهير وتفجّر عواطفها، دون أن يكون موجّهاً ومنظّماً تنظيماً خاصاً.
بعض القوى كان يوجّهها (الائتلاف)، ولكن نسبة هؤلاء لا تُذكر مقارنةً ببحر الجماهير العظيم المؤيّد للإمام ولرجال الدين.

مقارنة بين حركة وثورة
كان لحوادث 15 خرداد تأثير في تحضير الأرضية للثورة في العامين 1356 و1357 (1978ـــــ 1979)، ولكن لا مجال للمقارنة بين هذين التحركين لأسباب عدة:

أولاً: استفاد الشعب بشكل جيد في المرحلة الفاصلة بين عامي 42 و56 (63 و78) من التجربة والنضج السياسيين، والتعرف إلى أساليب المقاومة، وإلى طبيعة النظام, كما أن تحليل مواطن الضعف في المرحلة السابقة والأخطاء التي ارتُكبت، ومعرفة الأضرار التي لحقت بنا نتيجة لذلك، ساهمت كلها في استمرار المقاومة الشعبية في العام 1357 (1978).

ثانياً: كان رصيد حوادث الخامس عشر من خرداد ضئيلاً، فعدا «الهيئات المؤتلفة» التي كان تأثيرها محدوداً، لم يكن هنالك تنظيمات أخرى, وحين اعتُقِل الإمام، واعتقلت شخصيات أخرى كان لها تأثيرها إلى حدّ ما، قُطِعت العلاقة بالقائد، كما أن العلماء المهاجرين إلى طهران لم يكونوا من دعاة متابعة النضال, وهم أكثر ما كان يُتوقّع منهم الدفاع عن الإمام وتجنيبه الخطر، والمطالبة بحرية الإمام والمعتقلين كحدّ أقصى.

في حين أن القائد في ثورة 1356 - 1357 (1977 - 1978)، كان مستقراً في مكان واحد، وكان على علاقة مستمرة بالجماهير، فالحوادث التي وقعت كان لها بوجود الإمام وتوجيهه تأثير إيجابي، مثلاً حادثة 17 شهريور (7 اكتوبر) ومجزرة «جاله» (ساحة الشهداء الآن)، كان يمكن أن تقضيا على روح الثورة لدى الشعب، لولا وجود الإمام وتوجيهاته والاقتداء به، مما أدى، ليس فقط إلى عدم إضعاف روح الثورة لدى الناس، وإنما إلى تأجيج نار الثورة أيضاً, كما أن شبكة المساجد، كانت محضّرة لخدمة الثورة، كل مسجدٍ كان منطلقاً للمقاومة ومركز اتصالات، ومكاناً للتجمّع.

ثالثاً: لم تكن الثورة محصورة في طهران وقم وبعض المدن الأخرى، وإنما إيران كلها كانت في حالة تحرك وهيجان وقيامة.
رابعاً: لقد أنضج السجن والنفي رجال الدين، واستطاع كل واحد منهم ضمن حدود معينة، أن يتولى قيادة الناس وأن يكون عامل ارتباط بينهم وبين الإمام, بينما كان عدد الذين يتمكنون من التحليل السياسي في السابق محدوداً جداً والآخرون ينقادون كالعسكر, عموما أصبح لرجال الدين تنظيم قوي متشعب، مركزه الأصلي طهران وقم، وله فروع قوية في بقية البلدان، على علاقة متينة به.

إضافة إلى كلّ ما ذكرناه، كان لبعض المجموعات السياسية حضور أيضاً في الساحة، ومن الجملة اليساريون والقوميون.
إن العوامل التي أوجدت مثل هذا التآلف يجب أن تُدرس في موضعها المناسب, في كل الأحوال من 15 خرداد 1342 (5 حزيران 1963) وحتى عامي 1356 و1357 (1978-1979)، ازداد وعي الناس ورجال الدين في جميع المجالات، ووصلوا إلى مرحلة من النضج تستحق الإكبار، إن دراسة مفصلة لهذا النضج، والعوامل الأخرى المؤثرة في انتصار الثورة، موضوع واسع ومتشعب.

نتائج أحداث الخامس عشر من خرداد
إذا أجرينا مقارنة بين انتفاضة 15 خرداد وثورة بهمن 57 (فبراير 1979)، سنرى مواطن الضعف في الانتفاضة، لذلك من الأفضل أن ننظر بعين أخرى إلى نتائجها الإيجابية التي كانت كلّ واحدة منها عاملاً مهماً من عوامل انتصار الثورة.

1 - قبل كل شيء، إن الاهتمام الذي أوليناه للتنظيم والتنظيمات كان نتيجة من نتائج هزيمتنا في 15 خرداد، فقد تنبّه الجميع إلى أن الضربة التي وُجهت إلينا، كان سببها إلى حدّ كبير عدم وجود تنظيم لدينا، وبما أن الحكم ما كان يمكن أن يوافق على تشكيل التنظيمات العلنية، لجأنا إلى تشكيل التنظيمات السرية.

بعد حادثة 15 خرداد، تمّ فرز تلقائي لمؤيدي الثورة من غير المتحمسين لها، الذين نفضوا أيديهم من المقاومة، بينما أوجد المتحمسون تنظيماتٍ كشف الحكمُ بعضَها، لذلك مال الجميع إلى العمل السريّ، وقد انجرّ البعض إلى المقاومة المسلحة.
2 - الميل إلى المقاومة المسلّحة كان أثراً آخر من آثار 15 خرداد، فقد لُقّن أنصار المقاومة الجدّيون درساً مما جرى، وأنه لا يجوز الاكتفاء دائماً بالكلام والبيانات, لأن الحكم بتوسيعه فروع المخابرات والأمن، كان يستطيع كشف المقاومين، فكان يجب أن يفهم الحكم أنه إذا وجّه ضربة سيواجه بمثلها.

لذلك تهيأت الأرضية بعد الخامس عشر من خرداد للمقاومة المسلحة، وأول من عمل في هذا الاتجاه، هو الجناح العسكري للتحالف، بحيث أن فريقاً من مجموعة (بخارايي وأماني وهرندي ونيك نجاد) والمؤيدين لهم، انفصلوا عن الآخرين وقرروا القيام بالعمل المسلّح.
بعد قليل كُشف «حزب الأمة الإسلامية»، الذي كان قد انبثق عن أحداث 15 خرداد، فقد كان الشباب المتدينون قد تجمعوا، وأطّروا عشرات العناصر الفاعلة لعملهم وحين كُشفت تنظيماته، اعتُقل أكثر العناصر وحوكموا, يمكن القول أيضاً أن حوادث 15 خرداد، كانت وراء نشوء منظمة «مجاهدي خلق»، فقد توصّل بعض المتحمسين إلى نتيجة مفادها، أنهم لن يتوصلوا إلى أي نتيجة إن هم اتبعوا أساليب (نهضت آزادي) في النضال، لم يستسيغوا أسلوبها، وتوجهوا نحو المقاومة المسلّحة.

كذلك فإن تنظيمات اليسار التي انتقدت طريق حزب «توده»، اتجهت نحو تشكيل تنظيمات مسلحة, في العام 45 (61م) وحين كنا في السجن، كانت هذه المجموعات نفسها أتباع «بخارايي» و«عراقي»، و«حزب الأمة الإسلامي» ومجموعة «شمس آبادي»، تنوي اغتيال الشاه، ولكن في العام 50 (71) حين اعتُقلتُ وأُدخِلت إلى سجن «قزل قلعة»، كانت خمس عشرة مجموعة مستقلة فاعلة في المقاومة المسلحة قد كُشفت واعتُقل معظم أعضائها.

3 - كان لهجرة العلماء إلى طهران، إضافة إلى دورها في تثبيت مكانة الإمام، آثار إيجابية خدمت المقاومة, ربما كان للحكم وجهة نظر أخرى، وكان يتصور أنه استفاد من هذا الوضع، ولكن النتيجة جاءت في الواقع لمصلحة المقاومة, أما القول: «إنهم لو بقوا في مدنهم، لعمل كل منهم محوراً للمقاومة ولتحرك الناس»، فليس كلاماً واقعياً.

لقد سكتت الأكثرية لعدم التواصل مع الإمام، وفقدان العلاقات، لذلك كان سهلاً على النظام مواجهة أيّ تحرك فردي, في حين أن الهجرة إلى طهران كانت بحد ذاتها مخاطرة، كما أن غياب كل واحد من العلماء عن مدينته، كان محرّكاً للناس وأرضية مناسبة لتوحدهم، وكانت أخبار طهران تنعكس في أنحاء البلاد، كما تنعكس في طهران أخبار المدن الأخرى، إضافة إلى أن مشاركة العلماء والمهاجرين في ذلك التجمع، خلق نوعاً من العلاقة الخاصة له ولمريديه بالمقاومة, وحين عاد هؤلاء العلماء إلى مدنهم أوجدوا حالةً خاصة.

إن مقارنة هذه الهجرة، باعتراض الإمام على هجرة مراجع إيران إلى العراق، مقارنة غير صحيحة, من الممكن أن يكون نظام الشاه مؤيداً لأسباب عدة حضور اثنين أو ثلاثة من العلماء في تجمع العلماء المهاجرين، ولكن لا يجب أن نستخلص من هذه النقطة دليلاً لتقويم الحركة والهجرة بكلّيتها تقويماً سلبياً.

4 - كان من الطبيعي أن يؤدي عنف النظام، والقمع الشديد إلى غربلة قوى المعارضة عموماً ورجال الدين خصوصاً، فالذين لم يكونوا أصيلين في مسيرة النضال، وكانت غايتهم الاستفادة من المقاومة والحصول على اسم وموقع، ومكانة اجتماعية، نفضوا أيديهم منها وتنحّوا جانباً حين رأوا أن المسألة جدّية وأن طريق النضال محفوف بالمخاطر: السجن والقهر والتعذيب والنفي,,, ولكن القوى الجدّية المخلصة، استمرت بصلابة كأنها «زُبُرُ الحديد»، وتابعت طريق النضال بجهد أكبر.

من هذه الزاوية، أدت حوادث 15 خرداد إلى تنقية الصفوف، صحيح أن بعض الحوادث كقمع الشعب في أوائل بهمن 1341 (1962)، وبعد ذلك حادثة الفيضية، كان لها مثل هذا التأثير، ولكن مع حوادث 15 خرداد، لم يعد خافياً على أحد أن النظام جادّ في قمع المعارضين، ومن يبقى وفياً لحركة النضال، يجب أن يكون مستعداً لتحمل التبعات.
هنا أيضاً يجب أن نعترف أن عدداً من الأشخاص كانوا «بَين بَين»، ولو كان هنالك برنامج صحيح لاستقطبهم، وظلوا في صفوف المقاومة، وعدم بقائهم سببه عدم وجود البرنامج.
5 - يمكن أن نجد لحوادث 15 خرداد آثاراً أخرى مثل: تغيير ذائقة المجتمع ثقافياً وسياسياً، وفقدان الحكم لشرعيته، التقارب بين رجال الدين والجامعة,,, ولكن الآثار التي ذكرناها من قبل تبقى لافتة أكثر من غيرها.

اتجاهان ورؤيتان
بعد الإفراج عن الإمام، والاحتفالات، وما جرى بعد ذلك، تم نفي الإمام ثانيةً إلى تركية، وتولّت مجموعة مسؤولية التخطيط للمقاومة وتوجيهها، وكنت أنا واحداً منهم,,, ثم بدأ البعض يتهامسون يوماً بعد يوم: من يثأر لدماء 15 خرداد، وطرحوا من موقف النقد لمسيرة النضال، شعار تنظيم الكوادر، وتدريب المجاهدين، وانطلاقاً من هذا التوجّه، انتقدوا تأسيس »دار التبليغ« وعدّوه ركيزة للانكفاء والصمت.

وقد راج هذا المنطق في تلك الأيام، وطُرح في جميع الأماكن، وكان بعض الأصدقاء، الذين ظلوا معنا حتى النهاية يناقشوننا في هذا الموضوع: كان رأيهم أن لا معنى لاستمرار المقاومة قبل إيجاد الكادرات وتدريب المقاتلين.

أنا ومجموعة من الأصدقاء، وبخاصة السيد خامنئي، كان رأينا، أن بناء الكوادر يتم في أثناء النضال، فقد اقتنعنا بضرورة بناء الكوادر، ولكننا كنا نعتقد أننا إذا انكفأنا إلى منازلنا لتحضير الكوادر، فإنها لن تنشأ مطلقاً، سيبتلعنا المحيط, كنا نقول يجب أن نناضل ومن خلال مسيرة النضال ستنشأ الكوادر, كانت هاتان النظرتان موجودتين لدى أصدقائنا المناضلين, وعلى هذا الأساس وزّعنا العمل في السنوات الأخيرة.

تعهّدنا نحن أن نتولى النقد، وأن نشارك مباشرة في ساحة النضال، بينما يتولى آخرون من الأوفياء للمقاومة، تدريب المقاتلين وبناء الكوادر، ويمكن القول، إن الكوادر التي أثّرت في مسيرة الثورة، وفي تسيير أمور البلاد بعد الثورة قد تشكلت في ساحة الصراع, لقد قال لي أولئك الأصدقاء أنفسهم بعد نجاح الثورة، أدركنا الآن أن منطقك كان سليماً.

مواجهة العلامة شريعتمداري
كنا بضعة أشخاص، أخذنا قراراً أن نقوم بتحرك في الحوزة مطالبين بعودة الإمام إلى إيران، كتعطيل الدروس وغير ذلك,, واستقرّ الرأي أن نجتمع أنا وآية الله منتظري وآية الله مشكيني بالعلامة شريعتمداري، وأن نطلب إليه القيام بتحرك ما, لم يكن مؤيداً للاحتجاج، وكان يرى أن الاعتراض مضرّ بمصلحة الحوزة، واحتدّ النقاش بيننا، وأيّد رأيه بالخسائر السابقة التي وقعت وقال: من المسؤول عن هذه الدماء؟ طرح العلماء بعض المسائل، ففقدت أنا صبري وقلت:

المسؤول هو من كتب في تلك الأيام: «نحن في الساحة حتى آخر قطرة دم», قال: من كتب ذلك؟ قلت: أنتم، قال: أنا لا أذكر, أنا كنت أتذكر تاريخ البيان وخصوصياته، فذكّرته به، وعن «دار التبليغ» قلنا إنها مركز للسكوت وليس لتنظيم الكوادر، كيف يمكن للحكم الذي لم يسمح لنا أن نقيم جلسة في الفيضية، لو كان يعلم أنك تبني الكوادر، أن يسمح لك بذلك؟ كيف يمكنه أن يسمح لك أن تعلم طالباً مدة خمس سنوات وتربّيه كمقاوم؟.

اجتمعنا به مرة أخرى بحضور علماء عبادان في منزل السيد دواني، فقد كان للسيد قائمي وعلماء آخرين من عبادان علاقات جيدة بشريعتمداري، وكانوا من المناضلين, فعبادان منذ زمن بعيد مركز للمقاومة - بسبب انتفاضات عمال شركة النفط - كانوا أشخاصاً متنورين، ولكنهم من أتباع شريعتمداري, وحين كنت أتردد إلى عبادان للتبليغ، تعرفت إليهم، وكنت أنتقده (شريعتمداري)، فكانوا يعترضون ويدافعون عنه, فتقرر أن نطرح الموضوعات للمناقشة بحضوره, كانوا مناضلين، وكانوا يذهبون إلى شريعتمداري ساعة يشاؤون، وكان يشيع أن تأسيسه »لدار التبليغ«، ومبادراته الأخرى إنما هي جهود مبذولة على طريق الثورة.

انعقدت جلسة بحضور علماء عبادان، في منزل السيد دواني وقد بذل شريعتمداري جهده ليوجه النقاش كما يشاء, كما نحن نعرف تفاصيل الأمور فقلنا بصراحة: «أنتم في المكان الفلاني، لم توقعوا ذلك البيان، وفي المكان كذا لم تتخذوا موقفاً و,,,» كانت الملفات حاضرة في أذهاننا، ففتحناها واحداً واحداً,,, احتدم النقاش بحيث إن شريعتمداري اضطر أن يقول الحقيقة، قال جملة واحدة كانت كافية لإثبات دوافع موقفنا منه للعلماء الحاضرين، قال: «انظر، هذه طبيعة الوضع الآن، نحن لا قدرة لدينا على المقاومة، فلو رفعوا في صحن الحرم، أو في ساحة الحضرة علم الكفر لما استطعنا أن نفعل شيئاً».

هذه الجملة التي قالها أوصلتنا إلى النتيجة المرجوّة، قلت للعلماء: «هذا هو موقفه الأساسي، غير المعلن، إن ما تقولونه عنه إنه يفعل كذا وكذا خدمة للمقاومة، هو فهم غير صحيح، من الأفضل أن يتوضّح الوضع، لنعرف نحن أيضاً ما هي واجباتنا».
في كل الأحوال، كانت الحقيقة أنه لم يكن مؤيداً للثورة، وكان قانعاً بإلقاء الدروس والأبحاث، وتوزيع الرواتب على الطلبة، وبصلاة الجماعة، والدخول والخروج، والتبليغ والمهام الدينية.

كان الهدف من إنشاء «دار التبليغ» إيجاد مراكز تعليم أكثر تنظيماً، متعددة البرامج داخل الحوزات التقليدية، يمكن أن يكون لها دور إيجابيّ، بغض النظر عن خلايا المقاومة, في هذه الأثناء، دلّت مواقف الإمام بمجملها أنه معارض «لدار التبليغ» ولكنه كان دقيقاً في تعابيره، ولم يكن يسمح أبداً بمهاجمة الآخرين في حضوره, قال في إحدى المناسبات: «العلامة شريعتمداري شخص عاقل», فهم البعض من هذا الكلام أنه يعني أن شريعتمداري «يحسب حساب الأمور».

المهدى
02-09-2005, 07:56 AM
الحلقة العاشرة


في الأشهر التي قضاها الإمام في قم، كان كالشمس ترسل اشعتها من وراء الغيوم واهبة الدفء والنور, كنا نتردد عليه بصورة محدودة، وكان يأخذ القرارات لحل المشكلات اليومية الطارئة، ويرسل الرسائل الى المناطق، وهكذا بقيت الأمور واضحة، ولم نشعر بفراغ مركز القيادة، وقد زاد شعورنا بالإمام ايضاً ونحن في قم.

بحسب الاخبار التي كانت تصلنا، ندم الحكم على اساليب العنف التي استخدمها، وكان يريد ان يصلح علاقاته بالحوزة بأي شكل من الاشكال، وقويت لدينا فكرة العمل على تشكيل التنظيمات والقواعد، واقامة شبكة علاقات بالمدن، وتدريب المقاتلين مع التأكيد على اننا يجب ألا نسمح بأي وجه من الوجوه أن تخبو شعلة الثورة، فاذا خبت هذه الشعلة فإن كل شيء، حتى تنظيم الكوادر واعداد المقاتلين سيغيب في غياهب النسيان.

اقترح البعض تقسيم العمل وتوزيع الأدوار، فرفضت ذلك، فلم يكن صحيحاً بنظري ان نتوقع من اولئك الذين هم خارج ساحة النضال ان يعدوا الكوادر والمقاتلين، لن يكون لهم جاذبية او تأثير, كنا نرى ان الاشخاص الموجودين انفسهم في ساحة النضال، يمكن ان يكونوا جزءا من القوى، وان يصرفوا وقتهم في ايجاد التنظيمات وتشكيل الكوادر، واننا يمكن ان نقيم علاقات مع الذين انصرفوا الى اكثر الأعمال حدة ـ مثل العمليات المسلحة وننظم هذه العلاقات، بحيث انهم ان اعتقلوا يوماً، لن يسري الأمر علينا، وقد تم التوافق على هذا الأمر.

وهكذا كان في قم مستويان: المدرسون والأشخاص الرفيعو المستوى، والطلبة الشباب الذين كان يقع على عاتقهم حمل المقاومة.

كنت انا بين الفريقين، فمن ناحية كانت لي علاقات بالقوى الشابة، ومن ناحية اخرى كنت اشارك الشخصيات الأرفع في اتخاذ القرارات, كنا في البيانات التي نصدرها احياناً، نستخدم عناوين مثل: المدرسين الفضلاء,,, في هذه المرحلة كان شعار المقاومة، اضافة الى ما كان الإمام قد طرحه من قبل، حرية الإمام وعودته الى قم، وكان هذا الشعار شديد التأثير في تأجيج المشاعر، وكان محوراً جيداً في البيانات والخطب ومجالس الدعاء.

مما اقدمنا عليه في هذه المرحلة، علاوة على البيانات وتشكيل الجلسات العامة، في اي مناسبة من المناسبات، اصدار نشرة سرية باسم «البعثة» (بعثت) وايجاد علاقات مع المدن الاخرى وبذل الجهود لتحضير شبكة في البلاد، وتحضير الأرضية لتشكيل حزب.

من التنظيمات التي كنا نقيم لها وزناً، تنظيم (الائتلاف) الذي كان يفكر بعد الضربة التي تلقاها ان يجدد حياته، لم اكن شخصيا واحداً من اعضائه، او مسؤولاً في تنظيماته، ولكن علاقته بالحوزة كانت عن طريقنا عملياً, كنت اعرف المسؤولين، وكانوا يستشيرونني في كثير من الأمور، كانت هنالك مجالات متعددة للعمل معاً: نشر البيانات، جمع الأموال في الظروف التي كانت فيها المقاومة بحاجة الى المال، تنظيم الجلسات، معرفة المنابر المناسبة,,, ولقد عقدنا معاً جلسات محدودة في قم، ولكن على المستوى الأوسع، كانت لنا علاقات بجميع القوى الفاعلة التي يعتمد عليها، وكنا نعمل سويا.

حرية الإمام
من اهم الأعمال التي قمنا بها في تلك الأشهر المعدودة، كان بناء تنظيمات تتألف هيئتها الإدارية من احد عشر شخصاً: هم السادة: خامنه اي، منتظري، رباني شيرازي، قدوسي، مصباح يزدي، أميني، محمد خامنه اي، آذري، مشكيني، حائري طهراني وأنا.

كانت نشرتا «البعثة» و«الانتقام» السريتان، هما الناطقتين باسم هذا التنظيم، وكان الذين تولوا الاشراف والمشاركة في اصدارهما هم السادة: سيد محمد دعائي، مصباح يزدي، علي حجتي كرماني، والسيد هادي خسرو شاهي، وأنا ايضاً,,, كان توجه «البعثة» نقداً سياسياً صريحاً، في حين كان الطابع الايديولوجي هو الغالب في «الانتقام» وربما كان سبب ذلك، الشعور بالحاجة الى الايديولوجيا، هذا الشعور الذي ولد بعد انتشار «البعثة», كنت ادير «البعثة» والسيد مصباح يزدي يدير «الانتقام» في حين تولى «الائتلاف» التمويل مالياً.
وقد وضع لهذا التنظيم «قانون اساسي» وقع في ما بعد بيد الحكم في اثناء تفتيش السافاك لمكتبة السيد آذري، وهكذا لم يستطع ذلك التنظيم ان يستمر على ذلك النحو، ووضع اعضاؤه تحت المراقبة، وتعرضوا للملاحقة.

كنا قد قررنا تمويها للهدف الأصلي، ان نعلن ان غاية التنظيم اصلاح امور الحوزة، واتفقنا في حال كشفت هويتنا، ان نعطي الافادات نفسها، فقد كان لدى الحكم حساسية مفرطة تجاه التنظيمات السياسية.
كانت النشرتان تصدران في طهران، والرابط المشترك بين اسماء العاملين فيهما، انها تبدأ كلها بـ «علي»: علي اراكي، علي خراساني، علي عرب الذي كان كما يبدو انه الاسم المستعار للسيد باهنر.

كانت النشرتان تطبعان سراً على الآلة الكاتبة وتسحبان على آلة الاستنساخ، احياناً في منزلنا واحياناً في منازل الآخرين, في اثناء اعتقالي فيما بعد وجهت إلي اسئلة متعددة حول هاتين النشرتين.

كنا نعقد جلسات دورية في منازل الاعضاء للتباحث في مشاكل المقاومة والتنظيم, في احدى الليالي وقد كانت الجلسة منعقدة في منزلنا، كنا قد جلسنا على مائدة العشاء، حين رن جرس الهاتف وكان المتكلم السيد مرواريد قال: «انا الآن في منزل السيد إسلامي، لقد وصل الإمام الى قم، وهو الآن في منزله» كان هذا الخبر بالنسبة الينا مفاجئاً وغير منتظر، لم يكن من السهل ان نصدق الخبر، على الرغم من ان ناقلة ثقة، ومنزل السيد إسلامي ـ والد زوجته ـ يقع قبالة منزل الإمام مباشرة,,, استطرد مؤكداً: «لقد رأيته بنفسي، وأنا الآن في منزل السيد إسلامي».

بقيت المائدة على حالها: وقفنا، وتوجهنا نحو منزل الإمام, كانت الحارة مليئة بالجموع، وبصعوبة تمكنا من الوصول الى المنزل، لم نكن قبل الافراج عنه، في اجواء ما يجري، ولو كان لأحد ان يعلم مسبقاً بهذه الحادثة لكنا نحن، ولكن الجميع كانوا غافلين عما يجري.
احتفالات الفيضية

قضينا تلك الليلة حتى ساعة متأخرة في منزل الإمام، ثم بدأ العمل بنشاط لا يوصف لإقامة الاحتفالات بتحرير الإمام, في تلك الأيام، جاء الناس من جميع انحاء ايران لرؤية الإمام، شهدت قم غلياناً تاريخياً لا مثيل له، ولعل حضوراً بهذا الاتساع، مع كل ذلك الفرح والابتهاج لا سابقة له حتى ذلك التاريخ: بذلت الجهود كافة للاستفادة من هذه الاجواء لخدمة النضال، وكان تنظيمنا هو الموجه لهذه الموجة الجديدة.

اقيم احتفال الفيضية بالتنسيق والتعاون مع (الائتلاف)، فكان لهم دور اساسي في الاستعدادات، ودور تنظيمنا وضع البرنامج وتوجيه الحوادث، وتنظيم البيان الختامي الذي اذاعه السيد حجتي.
كانت تلك الاشهر المعدودة التي قضاها الإمام في قم بعد خروجه من المعتقل، كانت من الفصول المثيرة، الحلوة والمليئة بالحيوية والنشاط في تاريخ الثورة، وقد خففت الى حد ما من مرارة الخامس عشر من خرداد.

في هذه المرحلة، انجزت مهام عديدة: صار مسجد الإمام في قم، مركز التبليغ، والنشاطات الثقافية، وكل ليال عدة كان يلقي احد الفضلاء خطبة، كان الناس يأتون الى قم من جميع الانحاء، ووجد انصار الثورة بصورة طبيعية علاقات اقوى بين بعضهم البعض.

وقد انقسم محبو الإمام على نحو غير بين الى طائفتين:
فريق كان يحب الإمام شخصيا، ويرى ان بقاءه في قم ومرجعيته، ومسائل من هذا القبيل هي الأصل في حال ان طائفة اخرى، كانت ترى ان الثورة اعمق، كانوا يريدون استمرار المقاومة، وفي الوقت نفسه كانوا يتحرقون عشقاً لشخص الإمام.

المعاهدة
وصلتنا اخبار، ان مرسوماً في مجلس الوزراء في طريقه الى الاقرار، يتضمن اعطاء امتيازات للمستشارين الاميركيين، وكانت ملاحقة هذا الخبر ارضية جديدة لمعارضة الإمام.
امر الإمام اشخاصا عدة ان يتحققوا من تفاصيل هذا الخبر وحيثياته، وكنت انا واحداً منهم، فذهبت الى السادة فلسفي وتوليت وسيد جعفر بهبهاني وأبلغتهم رسالة الإمام، وقلت نحن نريد تفاصيل هذا الخبر وما يخفي وراءه بأسرع وأدق ما يمكن, وقد حصل السيد بهبهاني عن طريق احد اعضاء مجلس الشيوخ على نص اللائحة الأصلي، والمستندات المرفقة واعطانيها.

بقيت يومين في طهران، وهيأت نصوص مداولات المجلس، ونص مذكرة «اتفاقية فيينا» وقد وضع المرحوم توليت الاخبار بين يدي، حملتها كلها مع شروحات وافية الى الإمام الذي كان مصمماً على المقاومة، وقد وجدنا نحن في هذه المرحلة مقراً جديداً لإدارة شؤون المقاومة, وقد اصدر الإمام بياناً، ثم القى خطبته المعروفة، كما ارسل رسائل الى العلماء في جميع انحاء البلاد، صار مسجد الإمام مقراً مهما، وبتوجيه منه كان يأتي احد الاشخاص المعروفين ليلقي خطبة في الجموع، وقد وجد تنظيمنا مجالاً للعمل الفاعل، في ادارة قضايا الصراع.

الائتلاف
قصدت هيئات دينية عدة (الذين يقيمون مجالس دينية، او هيئات عاشوراء) قصدت الإمام في مرحلة النضال، معلنة استعدادها الكامل للتعاون، وقد صمموا ان يشكلوا ائتلافاً من هيئات عدة وافق الإمام، واختار رجال دين عدة من الذين يثق بهم للإشراف على عملهم والاجابة على استئلتهم، وتغذية افكارهم, ومن بينهم العلماء مطهري وبهشتي وأنواري وكانت الإنسان والمصير للعلامة مطهري، هي حصيلة دروس كان يحضرها لهذه الجماعة، وجلسات اخرى من هذا القبيل.

لقد علمت في اثناء النضال بوجود مثل هذا التجمع, وبعد نفي الإمام، تعرفنا حين اتينا الى طهران اولاً بأول الى تنظيماتهم بعد تجديد حياتهم ـ على اثر الضربة التي تلقوها في خرداد ـ زاد تعاوني معهم، لم اكن اتولى مسؤولية تنظيمية، ولكنني كنت استشار في كثير من القضايا.
نفي الإمام

خفتت اصداء المقاومة بعد نفي الإمام، لم يكن هنالك من مجال للتعبير عن المشاعر ـ كما جرى في 15 خرداد ـ والقوى المناضلة مستفيدة من تجارب تلك الحادثة لم تعد مستعدة لتقديم الخسائر دون حساب.

قامت في قم نشاطات كان لمجموعتنا تأثير في توجيهها، وقد اقر التعاون في شهر رمضان بين مجموعتنا (الائتلاف) لإيجاد مراكز في طهران لتأجيج المقاومة وكسر حاجز الصمت والقلق، وقد نظم برنامج للمسجد الجامع في طهران واماكن عديدة اخرى, وقد كان لي بالتنسيق مع السيد مهدي عراقي حضور فاعل في وضع البرامج لتلك المجالس، بحيث ان اعتقال احدهم لا يمنع حضور آخر في المجلس التالي، وهكذا اتفقنا وثلاثين شخصية، حتى اذا اعتقلوا كل يوم واحداً ـ في اسوأ الافتراضات ـ فإن الجلسات تستمر حتى نهاية شهر رمضان.
كانت هنالك جلسات اكثر خصوصية تحضرها شخصيات وعناصر من المقاومة، وقد كان لي حديث في احدى تلك الجلسات.

كان برنامج شهر رمضان بصورة مجملة موفقاً وجيداً، استطاع ان يكسر اجواء التوتر والقلق، كان هنالك من يريد انجاز اعمال اكثر حدة، وجاء اغتيال منصور (حسين علي منصور رئيس الوزراء) واعتقال الجناح العسكري لـ «الائتلاف» تتويجاً لجهود المقاومين في ذلك الشهر.
بعد الحادث بليلة واحدة، قال الشهيد عراقي انهم اعتقلوا اشخاصاً معينين، وهنالك احتمال كبير ان يصلوا اليه، وظل ليال عدة ينام خارج منزله، ولما رأى ان شيئا ما لم يحصل عاد الى منزله وفي ليلة عودته بالذات، اعلمونا وقت السحر بخبر اعتقاله، فسرى الي الاحساس بالخطر، لأنني كنت مقربا من بعض المعتقلين، ولكنني كنت اجهل التفاصيل، ومركز التخطيط وفريق العمليات وغير ذلك.

اساساً وكما كنت قد ذكرت من قبل، كان القرار الذي توافقت عليه قوى المقاومة ايجابيا من هذه الناحية، فقد اتخذ تدبير يقضي بأن تقع مسؤولية اي عمل مباشرة على من ينفذه فرداً كان ام مجموعة، كي لا تصيب المشاكل التي تصادف الآخرين بالضرر.

لم اتكلم في مجالس المسجد الجامع، كان يذهب الى هنالك خمسة او ستة اشخاص يتناوبون على الكلام، كل واحد لمدة يومين او ثلاثة ايام، وحين يعتقل يتولى غيره الكلام.
بعد حادثة اغتيال منصور اعتقل كل من رباني أملشي ، جعفري، مرواريد، محمد جواد حجتي، وجعفر شجوني, وقد انفضت مجالس المسجد الجامع بعد مداهمة الشرطة ولم تستأنف.

شاركت في مجالس المنتدى العلوي في شرق طهران، المقر الأصلي للفاعلين، ولم يكن معروفاً من النظام لتنكره بهذا الاسم، وقد استمرت فاعليته حتى اواخر شهر رمضان.

Osama
02-15-2005, 01:46 AM
قرأت فى عدد اليوم اتهامات خطيرة من الشيخ رفسنجاني ضد السيد موسى الصدر بأنه كانت له علاقات مع شاه إيران وللأسف لم يكن لدى وقت لقراءة التفاصيل ، وبشكل عام هذه المذكرات فيها معلومات خطيرة وهامه عن كثير من الشخصيات التى لها جوانب غير معروفة لمن لم يعاصر حقبة الخمسينات والستينات .

دشتى
02-22-2005, 12:51 PM
هذا الكلام خطير وله تبعات كثيرة هل تستطيع ان تنقل لنا هذه الحلقات ؟