المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل حرض المالكي متظاهري الأنبار؟



د. حامد العطية
01-15-2013, 05:01 AM
هل حرض المالكي متظاهري الأنبار؟
د. حامد العطية

اتصور المالكي جالساً بين أعوانه ومريديه، في مقره المنيف داخل المنطقة الخضراء، ينعم بكافة وسائل الراحة والترف، وقد انحسر القناع الجامد من على وجهه ليكشف عن ابتسامة، ولعله يفرك يديه ابتهاجاً بمنظر المظاهرات المؤيدة في العاصمة وغيرها من مدن الجنوب، وهو قبل اسابيع لم يكن يحلم بهذا التأييد العارم في الشارع الشيعي، وهو يدري وكلنا ندرك بأنه لولا مظاهرات الأنبار وشعاراتها الطائفية المقيتة ومطالبها الوقحة الفجة لما استطاع حشد عشر هذا العدد من المؤيدين في الشارع.
نوري المالكي هو أحد المحرضين لمظاهرات الأنبار وغيرها من مناطق السنة، وهو يقف صفاً واحداً مع بقية المحرضين، وأولهم التركي العنصري أردوغان وحكام قطر والسعودية، ولكن مع اختلاف الغاية والوسيلة والادراك، فمن المؤكد بأن المالكي لم يتقصد تحريض السنة على التظاهر ضده، بينما بقية المحرضين متهمون بذلك مع العمد والترصد، وغاية الأتراك والقطريين والسعوديين وأدواتهم في العراق والمنطقة من التحريض هو ادخال العراق في أزمة طائفية تفضي لصراع دموي يأملون بنهايته لصالحهم ويكفل لهم بسط نفوذهم على العراق وضمه إلى محور الاعتدال المتهادن مع أمريكا والكيان الصهيوني وربما افراغه من معظم سكانه من الشيعة.
يذكرني المالكي بسياسي بريطاني، لا يذكره كثير من مواطنيه بالخير، ففي 1937م انتخب نيفيل تشامبرلن رئيساً لوزراء بريطانيا، وهو المعروف بسياسة الإرضاء appeasement مع النظام النازي ورئيسه أدولف هتلر. في 1938م ضم هتلر النمسا التي أصبحت مجرد مقاطعة ألمانية، وغضت بريطانيا الطرف عن الأمر الواقع، وفي ايلول من نفس العام رضخ رئيس الوزراء البريطاني لإملاءات هتلر مؤيداً مطالبته تشيكوسلافاكيا بالتنازل لألمانيا عن مساحة شاسعة من أراضيها بدعوى أن سكانها ذوي أصول ألمانية، وكان المبرر الذي تعذر به رئيس الوزراء البريطاني هو درأ نشوب حرب أوروبية مدمرة، ولكن ما حصل هو العكس بالضبط ، إذ حفزت التنازلات مطامع هتلر للهيمنة على أوروبا بأكملها، وبعد عام بالضبط احتلت الجيوش الألمانية بولندا وبدأت الحرب العالمية الثانية، فما أشبه المالكي بالبريطاني تشامبرلن.
حرض المالكي متظاهري السنة، من غير قصد، وبطريقة غير مباشرة، والأدلة على ذلك واضحة في سجل المالكي الحافل بالتنازلات. أول مطر سوء التنازلات كان إلغاء قانون اجتثاث البعث، ثم توالت التنازلات المهينة لمنصب رئاسة الوزراء والشيعة أجمعين، ونكتفي بذكر بعض الأمثلة من الأمس القريب، فالمالكي تنازل لأهل الأنبار عندما ألقت قواته القبض على متهمين بالإرهاب فتوعد أحد شيوخ الأنبار بقطع أيدي المسؤولين عن ذلك فأذعن واستسلم المالكي وأفرج عن المتهمين، كما يدرك أهالي الأنبار وممثلوهم في البرلمان والوزارة بأن سلطة وهيبة رئاسة الوزراء وبسبب المالكي في الحضيض، وهو وجماعته يقرون بذلك في شكواهم المتكررة من عدم قدرتهم على تمرير مشاريع القوانين ومن أن حبل الوزارات غير التابعة لحزب الدعوة على الغارب، حتى أن بعض هؤلاء الوزراء في حكومة المالكي لا يكترثون للأوامر والقرارات الصادرة من مجلس الوزراء، ويفعلون ما يشاؤون.
لكن الاختبار الأكبر والأخطر للمالكي جاء على يدي برزاني، الذي تحدى السلطة المركزية، واصر على بقاء قواته في ما يسمى بـ"المناطق المتنازع عليها"، وهذا المصطلح المتداول دليل كاف بحد ذاته على أفول السلطة المركزية، وعندما نضيف إلى الصورة القاتمة تعدي قادة الأكراد على الموارد النفطية والرد الهزيل للمالكي على هذا التحدي نتيقن بأن الدولة العراقية كما نعرفها اضمحلت بالقوة والفعل de facto في عهد المالكي ولم يبق للأكراد الإنفصاليين سوى اختيار الوقت المناسب ليعلنوا دولتهم المستقلة قانونياً.
أمام المالكي فرصة ضئيلة لتدارك الموقف قبل تدهور الوضع، تتطلب منه موقفاً شجاعاً وجريئاً، واستعداداً للتضحية بمكاسب آنية مقابل فوائد أعظم له وللعراقيين كافة على المدى الأبعد، والمطلوب تحديداً اجبار قوات البشمركة بالتهديد والإكراه إن تطلب الأمر على التراجع عن كافة المناطق التي تمددوا فيها خارج محافظتي السليمانية وأربيل وتولي الحكومة المركزية مهام إدارة وتصدير الموارد النفطية في الشمال بصورة كاملة ومباشرة، ولو كلف المالكي ذلك التصويت بعدم الثقة على حكومته، فليكمل المهمة أثناء قيامه بمهام رئاسة وزارة تصريف الأعمال. فقط عندما يدرك برزاني وأمثاله بأن رهانه على ابتزاز رئاسة الوزراء والساسة الشيعة قد خاب سيعود لصوابه ويرضى باستحقاقه الدستوري، حينئذ ستنتهي تلقائياً مظاهرات الأنبار، أما الحل النهائي لمنع تكرار مثل هذه الأزمات فيكمن في تعديل الدستور بإعادة النظر في مفهوم وتطبيق الفدرالية وإلغاء الطائفية السياسية والتحاصص وحكومات التوافق الوطني والاهتمام بتلبية احتياجات العراقيين الملحة للتنمية والوظائف والخدمات الراقية.
14 كانون الثاني 2013م