المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : جيمس ولفنسون... رئيس بنك أقوى من رؤساء دول



على
01-14-2005, 11:51 PM
http://www.asharqalawsat.com/2005/01/14/images/hassad.277215.jpg

واشنطن: عماد مكي


يقول عنه المراقبوان إنه اهم من الامين العام للامم المتحدة واهم من اي رئيس منظمة دولية اخرى، بل انه اكثر نفوذا من رؤساء بعض دول العالم. غير ان جيمس ولفنسون رئيس البنك الدولي، وهو اكبر مصرف للتنمية في العالم، لم يعد يرى في موقعه ما يغري بالقاء، وقال خلال هذا الاسبوع انه لا يريد البقاء لولاية ثالثة، مشيرا إلى افتقار الدعم من اهم حكومة تمول البنك وهي الحكومة الأميركية.

والمعروف أن البنك الدولي يقدم أكثر من 20 بليون دولار سنويا كقروض للدول النامية. كما يقدم النصيحة والمشاريع خصوصا المتعلقة بالبنية التحتية. وليست هناك دولة تقترض من البنك الا وللبنك نفوذ قوي في رسم سياساتها الاقتصادية حتى قال الاقتصاديون ان البنك الدولي، بالاشتراك مع صندوق النقد الدولي، وهي المؤسسة الشقيقة للبنك، هما اللاعبان الحقيقيان في تحديد التوجهات الاقتصادية للدول النامية.

والبنك الدولي ومعه صندوق النقد الدولي (أحد الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة) اسسته اميركا مع البلدان الاوروبية بعد الحرب العالمية الثانية في اطار اتفاق «بيرتون وودز» في يوليو (تموز) 1944، بهدف ازالة الحواجز بين الاقتصادات الغربية، وتحرير التجارة العالمية، وفتح الاسواق في اطار عقد اقتصادي سياسي استهدف اساسا تكوين تكتل ضد الاتحاد السوفياتي السابق وحلفائه. ويتكون البنك الدولي من مؤسسات داخلية فرعية تشكل كلها ما يسمى «مجموعة البنك الدولي» وهي «البنك الدولي للإنشاء والتعمير» و«المؤسسة الإنمائية الدولية» وتلك تقدم قروضا للحكومات مباشرة. وكذلك «المؤسسة المالية الدولية» التي تعطي قروضا للقطاع الخاص عن طريق مساندة القطاعات عالية الخطورة مثل الاستثمارات في التعدين. وتقدم «وكالة ضمان الاستثمارات المتعددة الأطراف» تأمينات ضد المخاطر السياسية وضمانات للمستثمرين الاجانب في البلدان النامية والمقرضين لها لحماية اموالهم.

ويسعى «المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار» إلى تسوية الخلافات الاستثمارية بين المستثمرين الأجانب والبلدان المستضيفة.
ورغم تأثيره الضخم في رسم سياسات الدول العربية الاقتصادية، لا يمثل العرب او الدول النامية الاخرى الا تأثيرا ضئيلا جدا داخل تلك المؤسسة الهامة. فعلى سبيل المثال يمثل 46 دولة افريقية ممثلان اثنان فقط في مجلس ادارة البنك وصندوق النقد بينما تتحكم الدول الصناعية السبع بـ60 % من الاصوات الاجمالية في قرارات الصندوق او البنك ولدى الولايات المتحدة وحدها فقط، نتيجة تمويلها الكبير للبنك، حق النقض (الفيتو) على القرارات الاستثنائية الصادرة من البنك.

وقد منع هذا النظام غير الديمقراطي والمتحيز للدول الصناعية دولا ذات عدد سكان كبير مثل الهند والصين اصحاب تعداد سكاني اجمالي 2.3 مليار نسمة من ان يكون لها اي تأثير يماثل تأثير أميركا او فرنسا او بريطانيا، على الرغم من ان البنك يمرر سياساته كمؤسسة دولية.
وقال أشخاص مطلعون داخل البنك الدولي لـ«الشرق الاوسط» أن ولفنسون الذي تولى المنصب في يونيو (حزيران) 1995 يريد أن يتذكره الناس على انه قام بالتواصل مع منتقدي البنك من المجتمع المدني ومنظمات التنمية، وكذلك تركيزه على محاربة الفساد في الدول النامية والعالم، والمطالبة بانظمة حكم اكثر عدلا ومصداقية. كما يريد ان يتذكر الناس ضغطه من أجل إسقاط المزيد من الديون من على الدول الفقيرة، وتقديمه لمبادرات الحد من الفقر والتفاعل بين الحكومات والقطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية من اجل تعزيز التنمية. لكن كثيرا من جماعات المجتمع المدني التي تعمل من أجل مكافحة الفقر وتعزيز المساواة والتصدي لسطوة الشركات العملاقة وحلفائها من رجال الاعمال المحليين في العالم الثالث، والتي ظهر أن ولفنسون حاول أن يتعاون معها، تقول إن ذلك المصرفي، المولود اصلا في استراليا لعائلة يهودية، لم يحقق النجاح الذي يدعيه أصدقاؤه ومؤيدوه في البنك.

وقال أحد المصادر المقربة من البنك لـ«الشرق الاوسط»: «أعتقد أن ولفنسون استمع بإصغاء لمجموعة من المعنيين، بما في ذلك منظمات المجتمع المدني، وأنه كان يستمع للرؤى خارج البنك الدولي. أعتقد أن تلك السمة من السمات المهمة جدا التي يمتلكها». وتابع «لكنه (اي ولفنسون) متقلب جدا، بحيث ينتقل من موضوع لآخر بسرعة كبيرة على النحو الذي جعل نوع التأثير الذي كنا نتمناه غير ملموس كما كنا نأمل». وعلى الرغم من تميز ولفنسون بالإنصات فإن أثره لم يكن واضحا على الإدارات العليا الأخرى داخل البنك. ويرى مانيش بابنا، المدير التنفيذي لمركز معلومات البنك، وهي هيئة مستقلة تعمل على متابعة نشاطات البنك والمؤسسات المالية الدولية الأخرى ومقره واشنطن أنه «بينما كان من الواضح أننا نحصل على إنصات ولفنسون أو حساسيته تجاه بعض القضايا، فإنه غير واضح بالنسبة لي ما إذا كانت له القدرة على التأثير على سياسات البنك».

أما المجموعات المراقبة الأخرى مثل «انستتيوت اوف بوليسي ستاديز» وهي منظمة فكرية مقرها واشنطن فتقول إن ولفنسون خاطر بسمعته وميراثه في البنك الدولي بسبب سلسلة من القضايا التي انتهت بالفشل، مثل رفض الشكاوى والتوصيات التي تقدمت بها مجموعات التنمية المستقلة والدول الفقيرة حول قروض البنك الكبيرة والاستثمارات في «الصناعات المستخلصة للمعادن» على غرار النفط والغاز الطبيعي والمناجم في الدول النامية وهي الصناعات «غير الصديقة للبيئة» التي يدعمها البنك في الدول النامية، مشيرة الى ان ذلك يرجع إلى تردده.

لكن البنك قال في نهاية الأمر إنه سيزيد استثماراته النظيفة، لكنه أيضا سيستمر في منح القروض إلى تلك الصناعات الملوثة. ويرى النقاد أن التجربة بهذا الشكل كانت محرجة لولفنسون شخصيا; لأنه هو الذي كان قد طالب بإجراء تلك الدراسة في الأساس، ثم فشل هو في الالتزام بتوصياتها. وقال أحد المصادر القريبة من البنك «إن ولفنسون، على ما أعتقد، عرض نفسه للخطر وراهن بسمعته على التقرير، لكنه في النهاية ابتعد بنفسه بعض الشيء عما جاء في التقرير; وبذلك أضعف قوة التقرير نوعا ما». غير ان سجل لفنسون ليس كله سلبيا، فانصاره يقولون انه احرز تقدما في تخفيف بعض ديون أفقر الدول في العالم، لكن المجموعات المراقبة تقول إن القضية تحركت إلى الأمام فقط بعد الجهود المكثفة من قبل المشاركين في حملات مكافحة الفقر، ونداءات الدول المدينة التي أطلقوها منذ 10 سنوات. أما على صعيد محاربة الفساد، التي أدرجها ولفنسون على قمة أولوياته ويقول المقربون منه انها امر يحسب له، فالبعض يقول إنه اتخذ هذا المنهج متأثرا بالضغوط الدولية فقط وليس من تلقاء نفسه.

وتؤكد على ذلك جوليت ماجوت، المديرة التنفيذية «لشبكة الأنهار الدولية» التي تعمل من كاليفورنيا، بقولها «أعتقد أنه تحت إدارة ولفينسون اتجه البنك أكثر نحو مكافحة الفساد، لكن ذلك تطلب الكثير من الضغوط من خارج البنك للمساعدة في تحقيق ذلك». وتوضح انه، على سبيل المثال، تطلب الأمر حملة حاشدة شرسة من قبل مجموعات التنمية حتى يقرر البنك أخيرا التعامل مع موضوع الفساد بجدية، ويتخذ قرارا بإدراج شركة البناء الكندية العملاقة «أكرز الدولية» على اللائحة السوداء بسبب ممارساتها خلال مشروع ماء ضخم تم في دولة ليسوتو الإفريقية ومنعها من العمل في مشاريع جديدة يمولها البنك.

كما يتهم الكثير من نشطاء حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، إدارة ولفنسون بالتخفيف من ضمانات حماية البيئة، فيما يتعلق بإقراض الدول والشركات التي تعمل في المشاريع الممولة من قبل البنك. وتضيف ماجوت «لقد تدهورت ـ تحت قيادة ولفنسون ـ الضمانات البيئية، وضمانات حقوق الإنسان، وضمانات حماية السكان الاصليين وذلك عكس تصريحات النوايا الحسنة التي صرح بها ولفنسون لدى توليه المنصب».

اما اكبر الانتقادات للبنك الدولي تحت ادارة ولفنسون فهو ان البنك يريد الآن الاعتماد على اللوائح البيئية الوطنية للدول متوسطة الدخل التي يقوم بإقراضها، بدلا من التوجيهات العامة الخاصة بالبنك نفسه التي تعد أكثر صرامة. ويعني ذلك مثلا ان دولة مثل مصر او الاردن او بنجلاديش ستطبق قوانينها البيئية والعمالية الهشة على المشاريع التي يدخل فيها البنك الدولي، بدلا من تبني لوائح البنك ذاته التي تعتبر اكثر حفاظا على البيئة وحقوق الانسان. وليس في هذا تواطؤ مع حكومات الدول النامية، بل واستمالة للشركات الغربية الكبيرة التي لا ترغب في التقييد بقوانين نظافة او بيئة او حقوق الانسان لدى عملها في الدول الفقيرة اذ ان الالتزام بقوانين صارمة يقلل من ارباحها كما انه يجعلها عرضة للرقابة الدولية التي يقل فيها الرشوة.

كما أن البنك ـ تحت إدارة ولفنسون ـ عاد أيضا إلى ما يسمى بالاقراض الخطر المرتبط بمشاريع البنية التحتية كبيرة الحجم، مثل السدود والموانئ التي يقول عنها علماء البيئة انها غير مجدية او مفيده للفقراء، وانما تخدم التجارة العالمية وتعطي عقودا مربحة جدا للشركات العملاقة. وإجمالا يعتقد «بابنا» أن «أداء ولفنسون بدا مشوشا; لقد أتى بالكثير من العاطفة، غير ان تشديده على تقليل الفقر بقي بلاغيا».

e.mekay@asharqalawsat.com