المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طالباني بين تأييد استقلال القضاء والاعتراض على أحكامه



د. حامد العطية
09-23-2012, 09:39 PM
طالباني بين تأييد استقلال القضاء والاعتراض على أحكامه
د. حامد العطية

كنت أنوي التعليق على بيان الرئيس العراقي طالباني حول الحكم الصادر على الهاشمي في حينه لولا أن استحوذ على اهتمامي تطاول سفلة امريكا والغرب على مقام الرسول الأعظم، وهوالحدث الجلل الذي تبهت ازاءه كل أزمات السياسة في بلاد العرب والمسلمين.
يؤكد طالباني في بيانه حرصه على استقلال القضاء واحترام قراراته، ويذكرنا بجهوده الشخصية في "تفادي كل ما يؤدي إلى تصدع في وحدة النسيج الوطني" ويكرر اقتناعه بـ"أن المصالحة الوطنية تقتضي البحث عن السبل الكفيلة بإشاعة أجواء التسامح وابداء المرونة"، وصولاً إلى "عقد اجتماع وطني شامل لتسوية الخلافات والتوصل إلى حلول مقبولة لمشاكل مختلفة، وكان بينها موضوع الاستاذ طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية" ويخلص إلى نتيجة مفادها: " وقد كان مدعاة للأسف ان يصدر في هذا الوقت بالذات قرار قضائي بحقه وهو ما زال رسمياً يشغل منصبه الأمر الذي يمكن أن يصبح عاملاً لا يساعد بل ربما يعقد الجهود الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة".
تفضي نظرة سريعة على بيان رئيس الجمهورية طالباني إلى الاستنتاجات التالية:
أولاً: خلو بيان طالباني من أي تشكيك في نزاهة القضاء العراقي وعدم تسيسه وبالتالي فهو وإن لم يصرح بذلك غير معترض على شرعية اجراءات المحاكمة واحكامها.
ثانياً: في تقدير رئيس الجمهورية تتقدم المصالحة الوطنية في الأهمية على العدالة ومكافحة الارهاب والاقتصاص من الإرهابيين لذا عبر عن أسفه لتوقيت صدور الأحكام القضائية التي قد تعقد جهود المصالحة الوطنية برأيه، وقد يرى الشيعة العراقيون في هذا الموقف استهانة بالغة بدماء الشيعة وبحق ضحايا الإرهاب منهم في الاقتصاص من الإرهابيين وردعهم وتحقيق العدالة.
ثالثاً: إن ربط طالباني بين محاكمة مسؤول متهم بالإرهاب والمصالحة الوطنية اقرار بأن استهداف الإرهابيين للشيعة وسيلة تستخدمها الأطراف غير الشيعية للضغط على ممثلي الشيعة وابتزازهم لتقديم المزيد من التنازلات لها في العملية السياسية وما يعرف بالمصالحة الوطنية، وكان من الواجب عليه التأكيد على رفض أي ارتباط بين الأمرين وعلى ضرورة عدم التهاون في مكافحة الإرهاب.
رابعاً: يؤسس طالباني في بيانه لعرف سياسي همجي يقضي بمبادلة الدماء والعدالة بالتوافق السياسي، وبعد صدور الأحكام القضائية ضد الهاشمي وأعوانه التي أخلت ولو مرحلياً وجزئياً بهذا الناموس المتوحش فإن على الشيعة انتظار سقوط المزيد من الضحايا من بين صفوفهم.
خامساً: يصف البيان موضوع طارق الهاشمي بأنه مشكلة يتوجب معالجتها من خلال الحوار لا قضية تبت في المحاكم وهذا اعتراف ضمني بأن قضايا الإرهاب سياسية في جوهرها مما يضعف مكافحة الإرهاب امنياً وقضائياً.
سادساً: على الرغم من تأكيد البيان على احترام استقلال القضاء واحكامه لكنه في الواقع يعد تدخلاً سافراً في عمل القضاء، لتضمنه اعتراضاً على الأحكام وتوقيت صدورها والدعوة إلى حل "مشكلة" الهاشمي بالحوار السياسي لا القضاء.
يتضح من بيان الرئيس طالباني وجود أزمة مستعصية، نتيجة عجز السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفساد الساسة وهشاشة الوضع الأمني، وكما يتأكد من البيان بأن النظام السياسي المشوه بالتحاصص والتوافق والمصالحة والفدرالية مولد للأزمات، والساسة اشبه بالقابلات في عمليات توليد الأزمات، ومهما بذل طالباني من محاولات مضنية قبل حلول موعد سفرته القادمة للعلاج والنقاهة فلن ينجح في التوصل إلى أكثر من تسوية مؤقتة تحفظ القطرات القليلة المتبقية من ماء وجه الساسة أمام الجماهير الساخطة التي نفذ صبرها، وربما لن تكون كفيلة بمنع تدهور الأزمة وتحولها إلى صراع مسلح.
23 أيلول 2012م