المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرأسمال الشيعي والتكافل الاجتماعي........(حول الاستغلال الأمثل لصرف الحقوق الشرعية )



سيد مرحوم
12-08-2004, 06:27 PM
الرأسمال الشيعي والتكافل الاجتماعي

الاستاذغالب الشابندر


http://alhewar.jeeran.com/555555.jpg

مقدمة سريعة

المرجعية قيادة إجتماعية موضوعية للأمة الأسلامية تتولى مسيرتها نحو وجود أمثل ، على كل ألاصعدة الفكرية والروحية والمادية ، سواء كانت مبسوطة اليد ( حاكمة ) او غير مبسوطة اليد ، ونحن نقول ذلك لان للمرجعية سلطاناً روحياً في ضمير الوجود الشيعي ، فرداً وجماعات ، وهو عنصر فعال ، بل يكاد أن يكون سحرياً في بعض الأحيان ، لا تملتكه أي قوة في الأرض ، بالسعة والعمق اللذين توفّرا بالنسبة للمرجع الشيعي ، وفي الحقيقة ان هذه الميزة وحدها كافية لأن تكون المرجعية قوة خلاّقة في العالم كله ، ولكن للأسف لم ندرك هذا السر العظيم ، أو أُستخدم في كثير من الأوقات في قضايا جزئية ، او توجّه الى داخل الكيان المرجعي أو الشيعي في سياق صراعي مستعر ، وقد أثبتت التجارب البسيطة عندما خرجت هذه الامكانية الجبارة الى الخارج بأنها مبدعة ، وقادرة على فرض معادلات جديدة في الكون . ولكن مساحة هذا الصيرورة الخارجية كانت نادرة وخاطفة ، فيما هي على أشدها في داخل الكيان بشكل وأخر ، الأمر الذي حجّم في الايام الأخيرة من حضورها في داخل الروح الشيعية ، والأدلة على ذلك واضحة ، ولا تحتاج الى نقاش طويل ، بسبب كونها قضية معيوشة ، ونخشى ان تصدق مقولة الشهيد ا لصدر ، من أن هذا الكيان في طريقه الى الذوبان شيئا فشيئا ، فلم تعد شعبية الرمز الديني كما هي عليه من قبل ، سواء في أيران أو العراق أو غيرهما من بلاد الله التي يتواجد فيها منتسبو أهل البيت ، كثرة أو قلة ، وهناك شبه قطيعة بين المثقفين وهذا الرمز في الدول الاوربية .

وفي تصور شباب آل محمد أن من اهم مصاديق القيادة المرجعية للشيعة على المستوى الواقعي ــ كصدى للمستوى المفهومي ـــ هو أن تتولى المرجعية تحقيق مبدأ التكافل الأجتماعي بين أبناء الخط المحمدي العلوي، حيث ننطلق في ذلك من إعتبارات شرعية وموضوعية ــ نتطرق إليها لاحقاً ــ بل في تصورنا إن هذه القيادة تفقد صلاحيتها الروحية والاصطلاحية ، إذا لم تنجز هذا الهدف الحيوي الجبار ، الذي يتوقف عليه كيان التشيع في سياق قوانين العالم الجديدة ، التي أصبحت فيه القضية الاقتصادية جوهر الهوية العالمية ..

من وحي الشهيد الرابع

كان الشهيد الرابع قد طرح مشروع البنك اللاربوي إستجابة للحاجة الملحة النابعة من ضرورة التكيف مع العالم ، بأعتبار أن النظام المالي العالمي قائم على الربا ، وقد خرج بمشروعه ظافرأ ، ولكن في مقاييس ليست منسجمة مع سياقات مجتمع إسلامي كامل ، لأن صورة البنك الأسلامي في مجتمع إسلامي ، غيرها في مجتمع لا يطبق الأسلام ، وهذه عبقرية فذّة أدركت قسوة الحياة والواقع ، ويمكننا ان نستفيد من روح هذه التجربة الرائدة لطرح نظام إخلاقي إسلامي ، في ظل مجتمع يقوم على قيم بعيدة عن الاسلام بدرجة وأخرى ، وفي مقدمتها الروح الفردية والقوة ، وفي هذا السياق ، نقول ينبغي ان نطرح نظاماُ إقتصاديأ تكافلياً مشتقأ من روح الشريعة ، وهذا النظام ليس جديدأ ولا غريباً ، لأن قواعده الأولى موجودة في الشريعة ، ولكن نعمل على تفعيل هذه القواعد في مجرى عملي مقننن ، يخرجها من الاعتبارت الكيفية والشخصية ، يحقق هدفها الكبير ، ينقذها من العبث ، فليس من شك ، إن قواعد التكافل الأجتماعي موجودة في الشريعة ، ولكن تطبيقاتها ليست دقيقة بالشكل المطلوب ، بالشكل الذي ينسجم مع أهدافها الضخمة ، تخضع في أكثر الأحيان للمزاج وتقديرات اللحظة الأنية ، وذلك حتى في المجال الذي إنصرفت له بشكل ثابت ، أي المجال الحوزوي ، ليس هناك معايير متفق عليها ، ولا سياسة واضحة ، بل هي إجتهاد فردي في أكثر الحالات ، وقد كان ذلك مبعث كثير من المشا كل والأختلافات ، بل مبعث إتهمامات وتسقيط ، إن هذه القواعد جزء من كل في مجتمع يطبق الاسلام ، في محاولته لحل المشكلة الاجتماعية ، ولكنها الأساس الجوهري لعلاج المشكلة المذكورة ، في مجتمع لا يطبق الأسلام ، وبالتالي هي ملاذ و خلاص .

فهل كانت كذلك ؟

الخطأ الكبير الذي وقعنا فيه ، ان هذه القواعد لم تخضع في مجرى التطبيق العملي الى دقة وموضوعية وعلمية ، والحقيقة كثيرأ ما تكون الحلول رائعة من الناحية النظرية ، وكثيرأ ما تكون مادة الحلول جاهزة تماماً ، ولكن تطبيق هذه المادّة يكون هو الكارثة ، حيث لا نعرف كيف نوظّفها ، أو نوظفها بشكل ناقص ، أو تخضع لتقديرات كيفية ، أو لا نشخص الأولويات فتضيع وتتبذّر ، ولا نريد القول ان كل التطبيقات خاطئة وغير منطقية ، بل نقول إنها لم تستوفِ كل الشروط أو أهمها التي تحقق الهدف المرجو ، لقد كان بأمكان هذه الحقوق الشرعية التي هي الاساس المادي في قواعد التكافل الأجتماعي ان تخلق طائفة غير محتاجة ، مكتفية ذاتياً ، طائفة قوية إقتصادياً وأجتماعياً ، ولَمَا كان للمبادئ الهدّامة ان تخرق جسدها المقدس . نقول ذلك ونسمع ، ان الأيام الأخيرة شهدت إنخفاضأ في ميزانية المرجعية الدينية ، حيث يتصرف كثير من المؤمنين بالحقوق الشرعية الواجبة عليهم حسب تقديرهم الشخصي للاولويات ، وهي بادرة ناتجة ـ في رأينا ــ من إعتقاد بعض المكلفين ، من أن التطبيقات غير مستوفية في بعض الأحيان للشروط التي تحقق الاهداف المرجوّة ، وهي بادرة خطرة ، قد تساهم في إضعاف الكيان في المستقبل ، إذا لم نبادرالى الحل الموضوعي العلمي الشامل .

إن الأ موال التي تتجمع في ميزانية المرجعية والتي تُسمّى الحقوق الشرعية هي الركن المادي في موضوعة التكافل الأجتماعي ، وإن أي دراسة لسياسة وإدارة الجانب المالي للمرجعية يجب ان تنطلق من هذا الا عتبار ، إنها حقوق موجّهة لمعالجة المسألة الأجتماعية بالدرجة الأولى .

ملاحظات أوليّة

أولاً : قد يُقال إن مثل هذا المشروع يُعد صعباً جدأ إنْ لم يكن خياليأ ، لأنه يستوجب وحدة الكيان المرجعي وتاجراً شيعياً على درجة متقدمة من الوعي وأُمّة شيعية متطلعة سؤولة ومقلداً ناقداً ، وهذه شروط لمّا تتوفر بعد ، وفي الحقيقة إن الجسم الشيعي يمر بحالة وعي نامية ، خاصّة على صعيد مثقفيه ، وهي في طريقها الى التصاعد ، والزمن الحالي بطبيعته يدفع بشكل عام صوب السؤال ، ولا يقبل بالجواب التبريري والهروبي ، الأمر الذي يجعلنا على أمل كبير في توفير حساسيّة واعية تجاه كل شيء ، امّأ في صدد وحدة المرجعية فقد تكون هي أقرب الى الممعجزة منها الى الواقع ، ولكن يمكن لمرجع واحد ، أنْ يدخل ميدان هذه التجربة المتدينة التقية ، وإذا ما كُتب لها النجاح ــ وأنحن على ثقة من هذا الأمر ــ فإن الكيانات المرجعية الأُخرى ستتبعه خوفأ أو إ يماناً أو طمعاً ، ويمكن أن نفترض مكاناً محدّداً للتطبيق كأن يكون العراق ، بل مدينة بأسمها أو محلة بعنوانها ، وذلك على سبيل التجريب ، وكل هذه تنتمي الى عالم الممكنات القريب وليس البعيد على حد تعبير المناطقة .

ثانياً : إننا ننطلق في هذا المشروع من إقرار بعض الدراسات الحوزية الجديدة ، الذي يذهب إلى أن الضريبة الكبرى ــ أي الخمس ــ حق لكل الشيعة ، وإنه شُّرع من أجل شيعة أل محمد ، وليس هناك تقسيم نسبي يتم بموجبه توزيع هذه الثروة العملاقة ، وبالتالي يكون الخمس ــ وكل الحقوق الأخرى ــ مصدر تكافل إجتماعي وليس مصدر إثراء ، ولا مصدر تصرف يخضع لمزاج شخصي أو عائلي ، بل يخضع لعملية توزيع عادلة ، سنأتي علي بيان بعض معالمها في السطور اللاحقة ، عملية يقررها أهل الخبرة المالية والأقتصادية بالاستناد الى العلم والتقوى والواقع ، وذلك في إ طار الضوابط الشرعية التي هي من إ ختصاص علماء الدين ، وفي الحقيقة إن المشروع ممكن حتى على صعيد التقسيم التقليدي للخمس كما هو واضح ، مؤكدين على سهم الامام ، وإن كانت الدراسات الحديثة قلبت المعادلة بشكل رائع .

ثالثأ : إن هذا المشروع يستوجب قلبأ في بعض العبارات المتداولة ، فليست وظيفة المرجعية قبض الحقوق ، بل وظيفتها توزيع الحقوق ، وذلك وفق خطة التكافل المقترحة ، التي يضطلع بها أهل الأختصاص من مالييين وإقتصاديين وتجار ومثقفين ، في إ طارالضوابط الشرعية كما أسلفت في الملاحظة السابقة ، وأعتقد أن التغيير في الصيغ ضروري جدأ ، يجب أن يكون هناك تطابق دقيق بين الصيغة اللغوية والمضمون الخارجي ، وكثيرأ ما يؤدي الارتباك في هذا التطابق الى حرف المفاهيم وتدميرها . وأعتقد تبديل كلمة القبض بكلمة توزيع يُحدث تطورأ في فهم فلسفة الحقوق الشرعية ، ويحقق نوعأ من حس المراقبة والمسائله ، وهو من أهم ما نحتاجه اليوم في مثل هذه المجالات .

رابعاً : إن هذا لا يتعارض مع العمل السياسي الهادف إلى إنصاف الشيعة وإعطائهم حقوقهم المهضومة ، إن مثل هذا العمل قضية بديهية في عالم اليوم الذي إشتدّت فيه الدعوات المذهبية والقومية ، ثم هو حق طبيعي لا تستطيع أي قوة أن تمنعنا من ذلك .

لماذا هذا المشروع

في الحقيقة هناك أ كثر من سبب موضوعي لأجتراح مثل هذا المشروع الحيوي الكبير ، نذكر بعضاً منها على سبيل المثال

السبب الاول

لعل من أبسط الاسباب التي تتصل مباشرة بما نحن فيه ، هو ان الحقوق الشرعية من زكاة وخمس ، فضلاً عن الواجبات المالية الأخرى كزكاة الفطرة والكفارات ، زيادة على ذلك العبادات المالية الا ستحبابية ــ أي الصدقة ـ إنما شُرعت أساسأ لمعالجة قضية الفقر ، هذا هو موضوعها الجوهري ، وهي يمكن أن تؤدي هذه الوظيفة الحيوية المصيرية ، في حالة وجود دولة اسلامية وفي حالة عدم وجودها ، وهذا من أسرار قوتها وقابليتها الرائعة على معالجة المشكلة الكبيرة .

إن هذه الحقوق لم توجد أو تٌشرع لتأسيس الحوزات العلمية ، أو لأقامة الأحتفالات السنوية أو للترويج لهذا المرجع أو ذاك ، أو لأقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء أبي عبد ا لله ، أو لبناء المساجد والحسينيات ، بل ولا للصرف على المنشآت العامة كالطرق والمستشفيات والجسور، وإن كان فيها نفع عام ، كل هذه الموارد خارجة في الاساس عن موارد صرف هذه الحقوق ، بل إن موضوع صرفها هي قضية الفقر أولاً وقبل كل شئ ، والنصوص الشرعية تصب في هذا التقرير ، وأعتقد إن السر في ذلك واضح وعميق ، ذلك إن القضاء على الفقر هو المدخل الطبيعي للقضاء على كل العلل التي تهدد المجتمع الأنساني ، وعلى رأسها الألحاد والكفر والتسيب الديني والمرض و الجهل والنفاق والدجل والأنحراف الخلقي واليأس ، والقضاء على الفقر يخلق سيولة إقتصادية كفيلة بتوفير أرقى الخدمات الاجتماعية ، وعليه ، يجب أن تُوجّه هذه الحقوق لا الى رفع العوز الأقتصادي ، فهذا هو الأخر لا ينسجم مع وظيفة هذه الحقوق ، كما هو لسان الروايات عن أهل البيت ، بل ألى القضاء على الفقر ، وهناك فارق نوعي بين الوظيفتين كما سنبين في السطور القادمة إن شاء الله تعالى ، ففي الأثر المحمدي الأمامي ( ... ان الله عز وجل فرض للفقراء في اموال الاغنياء ما يكتفون به ) ـــ الوسائل 9 / 10 ح 11388 ـــ فان الأتفاء هنا مفهوم حضاري كبير ، يتجاوز هذا الفهم التقليدي الوعظي الاستعلائي ، إنه يشير الى المُكنة الذاتيه في المحصلة الأ خيرة ، وفي رواية ذهبية أُخرى ( إن الله عز وجل فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم ، ولو علم أن ذلك لا يسعهم لزادهم ) ــ نفس المصدر ــ فان كلمة ( ما يسعهم ) أكبر مفهوماً من المعالجة الوقتية العابرة ، هذا ما توحي به كلمة السعة ، وهذا هو الأسلوب الأمثل في قراءة النصوص الشرعية ، حيث يجب الأجتهاد في إقتناص الغايات الكبيرة للشريعة ، في سياق النظرة العميقة للأنسان ، بأعتباره أشرف وأكرم مخلوق في الكون ، وفي نص رائع اخر يبين أن من أهداف الزكاة ( تقوية الفقراء ، والمعونة على أمر الدين ) ــ نفس المصدر ح 11393 ــ وتبلغ التوجيهات النبويةالامامية الذروة في بيان الصادق سلام الله عليه ( إن الله عزّ وجل جعل للفقراء في أمول الفقراء ما يكفيهم ) فأن لحن الكلام يفيد أرساء قانون الكفاية كخلاص ستراتيجي وليس كعلاج تسكيني مؤقت ، وهو ما يتناسب مع نظرة الأسلام الكريمة الى ألانسان بشكل عام .

السبب الثاني

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ، إن الأنسان الشيعي مورد إضطهاد دائم ، وسيبقى كذلك ، وسبب إضطهاده هو الانتماء ليس غير ، ويبدو من خلال المعطيات الحاضرة ، إن هذه الظاهرة ليست قريبة الحل ، وذلك نظرأ لتعقيدات الأوضاع في العالم الاسلامي ، وصعوبة الإننتقال الى أنظمة ديمقراطية تقوم على مبدأ الوطنية الحقة ، ومن هنا نرى أن إغناء الفقير الشيعي من واجب الطائفة ككل ، وهذا لا يعني إننا لا نناضل من أجل دولة للجميع ، بل هو من أبرز ما نعمل عليه ، ولكن في ظل هذه الأوضاع غير المنطقية ، والتي تتعارض مع أبسط مبادئ التحليل السياسي لوظيفة الدولة ، علينا ان نطرح البديل ، وليس هناك من بديل أ فضل من مفهوم التكافل الأجتماعي القائم على قاعدة الحقوق الشرعية ، أي الاخماس والزكوات والصدقات والكقارات وغيرها من الموارد الأخرى ، وفي النصوص النبويةا لا مامية ما يشير الى ذلك ، وبما يتجاوز حتى سقف الحقوق الشرعية ، ففي قرب الاسناد عن الأ مام الصا دق ( ياخيثمة ، إقرأ موالينا السلام ، وأوصهم بتقوى الله العظيم ، وأن يعود غنيهم فقيرهم ، وقويهم على ضعيفهم ، وأن يشهد أحياؤهم جنائز موتاهم ، وأن يتلاقوا في بيوتهم ، فأن لقياهم حياة لأمرنا ) ــ ص 32 ح رقم 105 ــ فإن هذا النص يعبر عن منظومة تكافلية شاملة .

السبب الثالث

إن المال أصبح وسيلة من وسائل الكسب المذهبي ، والأخبار الوافدة من داخل العراق تفيد بأن الحركة الوهابيّة نشطة في الكسب الى صفها من داخل الكيان الشيعي ، وتذكر الاخبار إن العوز المادي من أسباب هذا التحول ، والذي أريد أن أنوه اليه هنا ، إن من الخطأ الاعتقاد إن الكسب على أ ساس الإغراء المالي لا يستمر ، لأن هذا الإغراء مشفوع بفكر ، وليس من شك ، إذا مضى عليه زمن ، قد يخلق نوعاً من الإلتصاق بالإنتماء الجديد بفعل الصيرورة التاريخية ، وذلك كأي إنتماء يمر عليه زمن طويل ، أو يخلق حالة من التذبذب والتشكيك ، وربما يقود الى مبتدعات داخل التشيع ، وكل هذه المقتربات تخلق لنا المتاعب والمشاكل ، وينبغي ان نعرف أن الوهابية ليست كالمسيحية في هذا المجال ، فهي تنتمي الى الا سلام بشكل من الأ شكال .

السبب الرابع

والسبب الرابع يتعلق بالتنظيم الداخلي للطائفة الشيعية ، ذلك إن الطائفة التي يتقارب أبناؤها على المستوى الأقتصادي ، أو على أقل تقدير، التي لم يعرف أبناؤها العوز الأقتصادي والعجز المعيشي ، تتميز بالقوة والتألف ، ويكون لها تأثير قوي في مجرى الحياة السياسية والعقائدية في محيطها ، وقد تكون مصدر إعجاب وإحترام ، حتى على مستوى الأفق الأ قليمي بل العالمي ، فيما تتميز الطائفة المنقسمة طبقياً بالضعف والتناحر والتنابذ ، والحقيقة إن إنعكاسات التناقض الطبقي داخل الطائفة الشيعية في طريقه الى الإشتعال ، بسبب التصرف المشين للحقوق الشرعية ، إذ صارت هذه الحقوق سبباً في نشوء طبقة رأسمالية بطريقة غير إقتصادية .

هذه الاسباب وغيرها تدفعنا الى التفكير جدياًُ في طرح مشروع تكافل إجتماعي فاعل قاعدته الحقوق الشرعية .
مصطلحات جديدة

هذا المشروع يستوجب نحت مصطلحات جديدة تنسجم مع الهدف والفلسفة التي يقوم عليها ، نذكر منها ما يلي : ــ

المصطلح الأول : الرأسمال الشيعي .

أقصد به مجموعة الموارد المالية التي شُرعت أساسأ لمعالجة مشكلة الفقر ، وهي بعد جرد بسيط للكتب الفقهية : ــ

1 : الخمس .

2 : الزكاة .

3 : الكفارات .

4 : زكاة الفطرة .

5 : الحق المعلوم على رأي بعض المدارس الفقهية .

6 : الصدقات .

7 : النذور .

8 : التبرعات .
ويمكن لفقيه جرئ ان يشرّع بعض الضرائب الأخرى للأسهام في تأسيس مشروع كبير يتولى معالجة الفقر الشيعي ، وذلك كأجراء مؤقت ، ولا أعتقد إن ذلك يعدم الحجة الشرعية ، ولنا في سلوك الأئمة الأطهار مثلأ في ذلك ، فهم قد أسّسوا خمس المكاسب في العهد الأخير من تاريخهم ، عندما إتسع الوجود الشيعي وتعقدّت أمور الشيعة ، وأصبحوا محل مضايقة حاصرة من قبل السلطات . وفي الوقت الحاضر يتأكد مثل هذا الموقف ، لأن الشيعة يعانون في هذا الزمن أكثر ممّأ كانوا يعانون في العصور السالفة ، ونظرة الى اوضاع الشيعة في العراق والهند وما ينتظر شيعة لبنان في المستقبل يّنذر بشر مستطير ، إن تشريع ضريبة جديدة لتسوية مشكلة الفقر ليست بدعة ، ويدخل ضمن ذلك توسيع مصاديق الزكاة ، وذلك إن ما ذكر من مفردات في القرأن الكريم إنما هو على نحو الطريقية وليس الموضوعية ، ولهذا أوجب أمير المؤمنين الزكاة على الجياد وقال به صادق آل محمد في الشلب لانه طعام أهل العراق ، ولا نعتقد إن فقه آل محمد عاجز عن معالجة هذه القضية .

المصطلح الثاني : الحقوق الشرعية الشعبية .

إن الموارد السابقة كما هي رأسمال شيعي ، هي بتعبير أخر حقوق شرعية شعبية ، وأنا أضيف شعبية ، لأنها من الشعب والى الشعب ، فهي تُؤخذ من الناس وينبغي ان تصرف على الناس ، ونحن نضيف كلمة شعبية لانها تخلق وعيأ أاضافياً في التعامل مع هذه الحقوق الكريمة .

إن هذا المصطلح في تصوري يوضّح وظيفة الحقوق المذكورة ، ويولُد فضاء معرفي راصد وفاعل .

سيد مرحوم
12-08-2004, 06:36 PM
فهم جديد للاهداف :

كيف نفهم اهداف الحقوق الشعبيةا لشرعية ، أهداف الرأسمال الشيعي ؟

في إعتقاد شباب آل محمد يجب طرح تصور جديد لهذه الأهداف ، نابعة من التعمق في بنية النصوص الشرعية ، أي قراءة النصوص النبوية والأمامية بروح نافذة الى ما بعد السطور ، مستلهمين روح الأسلام العظيم ، هذا الطرح نسميه جديداً بلحاظ ما يجري في الواقع ، وإلا هو طرح قائم على الفهم الدقيق للنصوص الشرعية ، فهو ليس جديداً بالمطلق .

لماذا شرّع الله الزكاة والخمس وبقية الحقوق الأخرى ؟

في الحقيقة إن النصوص الدينية تفيد إن هذه الحقوق للفقراء ، هذا واضح ، ولكن بأي عنوان ، وبأي طريقة ، وبأي منظور ؟

لقد وُصفت الزكاة في النصوص الشرعية بأنها ما يوسّع على الفقراء وإنها قوتهم وكفايتهم ، ومثل هذه المقتربات ترتفع بالزكاة الى مصاف المشروع الذي من شأنه رفع الفقر ، وليس رفع العوز لفترة زمنية ، إنها مشروع إنقاذ ، مشروع حياة جديدة ، والطريقة التي أُتبعت في إعطاء الحقوق لم تؤدي هذه الوظيفة ، لأنها تعتمد فكرة العلاج الوقتي ، على شكل مواصلة دورية أو إتفاقية ، فيما الأصل أن تكون عطائاً وظيفياً ، تماماً مثل مافعل رسول الله عندما سأله أحدهم صدقة ، زوّده بالفأس والحبال ، وقال له : إذهب واحتطب ، والمفروض العمل بهذه الروح في توزيع الحقوق الشرعية على مستحقيها ، أو تكون هذه الطريقة هي الغالبة ، وتبقى التقديرات الوقتية والظرفية إستثناء وليس قاعدة .

إن التوزيع الكيفي والشخصي والدوري وألأتفاقي أضر بالحقوق الشرعية الشعبية ، إنها طريقة بدائية ، فيما توزيعها على أساس دراسة مؤهلات الفقير الحرفية والمهنية و الإنتاجية والخدمية تقضي على الفقر ، وتوفّر فرص النشاط الاقتصادي الفاعل ، فلابد أن نفكر بطريقة أخرى لتوزيع الحقوق الشرعية ، تنطلق من كونها وسيلة خلاص حقيقي وليست وسيلة خلاص مؤقت ، إنطلاقاً من كونها مشروع إنتاج وليس مشروع إستهلاك سريع لمدة شهر او أكثر .

أن الطوائف الذكية تحدد وتدرس أمكانات فقرائها الأنتاجية والخدمية والفكرية والحرفية ، ومن ثم توفّر فرصة العمل المناسبة من خلال تبرعات وهبات ، وقد حققت إنتصارات هائلة في هذا المضمار ، والمطلوب أن تؤدي الحقوق الشرعية الشعبية هذا الدور ، ولو إتبع من قبل لما وجد عندنا عاطل فقير معدم .

إننا لا نريد للأخماس والزكوات وغيرها من عناصر الرأسمال الشيعي أن تتحول الى قطعة خبز ، بل الى فرن ، ولا الى قطعة قماش بل الى محل خياطة ، ولا الى قطعة خشب بل الى مشروع نجارة ، ولا الى قطعة لحم بل الى محل قصابة ، وتدخل في هذا السياق كل المشاريع التأهليلية ، وأنا أعلم إن هناك جهوداً رائعة في هذا المضمار الأخير ، ولكن المطلوب أن تتحول الى مشروع عام وسياسة عامة ، كي نُحدث إنقلاباً هائلأ في طريقة التفكير ، وكي نقوم بعملية إنقاذ كلي للشيعة في العالم من خطر الفقر والبطالة والعجز . ولا ننسى قد يقدم مرجع أوآخر على مثل هذه السياسة ، ولكن ينبغي ان تتم عملية التخطيط لها على يد الاختصاصيين من رجال الأعمال وعلماء الاقتصاد والسياسة والعارفين بالدراسات المستقبلية ، كي تأتي حسابات البيدر مطابقة لحسابات الحب كما يقولون ، وإلأُ قد نخسر كثيرأ .

المجالات الأخرى

قلنا إن موضوع الحقوق الشرعية الشعبية هو رفع الفقر ، الفقر كحالة وليس كعوز وقتي ، ولكن ماذا عن المجالات الأخرى ، وخاصّة الدراسة الدينية ؟ ونحن نضع في الحساب هنا الخمس ، وليس الزكاة ، والسبب معروف كما أتصور .

في عقيد تي إن موضوعة الفقر مقدمة على كل شيء ، لأن القضاء على الفقر مفتاح الظفر العلمي والصحي والاجتماعي ، ولكن هذا لا يلغي ان يكون من موارد الصرف هذا الجانب بالذات ، وهذه قضية مهمة ، على أن تخضع الى حسابات دقيقة ، والحقيقة ينبغي ترشيد مجالات الصرف في هذا المجال في أعلى مستوى ممكن من مستويات الترشيد ، وهنا نطرح مجموعة تصورات ، مستوحاة من الواقع والتجربة والمنطق.

1 : ينبغي أن تكون هناك ميزانية محدّة في هذا المجال ، تسبقها دراسة للحاجات المطلوبة بالخصوص لمدّة سنة واحدة ، كي نقضي على الفوضى الادارية والصرفية ، والله يعلم كم يكلفناغياب الخطة السنوية من شطط مالي وإداري و عملي ، هذه الحاجات تشمل الطلاب و المدرسين و الكتب ، وكل ما له علاقة بهذا المجال .

2 : إن يتم إختيار طلبة العلوم الدينية من خريجي الوسط الجامعي لان ذلك يوفّر على الحقوق الشرعية الشعبية الكثير من الهدر والصرف ، ولا نعتقد أن الأسباب غير واضحة في هذا الصدد .

3 : أن يتكفل الطالب الحوزوي إسترجاع ما يُنفق عليه من سهم الامام أو الحقوق الشرعية الشعبية ، فيما إذا أنهى دراسته الحوزوية وتمكن من إعانة نفسه ، بسبب من الأسباب ، حسب القدرة والإستطاعة ، وذلك كما يفعل الطلاب هنا في شمال أوربا ، أي ما يُصرف عليه يكون بمثابة دين .

4 : يجب أن يخضع الطالب الحوزوي لإختيارات المرجعية في تعيين موقفه ووظيفته ودوره في المجتمع ، كأن يكون خطيباً او مدرساً او يُؤهل للأجتهاد أو وكيلأ ، وذلك طبقاً لتقدير مؤهلاته وقدراته التي تكون من إختصاص الحوزة ، فذلك يوفر الكثير و الكثير من النفقات .

5: يُحذف مفهوم الشأنية .

6: لا يُنفق سهم الأمام او الحقوق على الدروس والعلوم التي ليس لها صلة بحاجة الامة والناس ، وذلك مثل علم الأنساب والهيئة القديمة والعرفان الذي هو شk aأن شخصي بحت ، ويُركز على العلوم ذات المساس المباشر بوعي الأمة وتعريفها بدينها وشريعتها وتشيعها

7 : يخضع الوكيل لنظام الراتب الشهري الذي تحدده المرجعية في ضوء تقديرات موضوعية تتصل بمستوى المعيشة والظروف الأقتصادية والحالة الاجتماعية ، وتُحذف تقاليد الهدايا والهبات وما شابه .

8 : تُحذف المشاريع الكمالية مثل بناء المساجد والحسينيات الأضافية ، أي التي لا ضرورة لها بسبب وجود ما يسدّ الحاجة على المستوى الواقعي ، إذ كثيراً ما تُقام مثل هذه المشاريع بحجة البركة أو لتسجيل اسم ، أو بمبادرة من مرجعٍ ما ، كي تكون منطلقاً لنشاطاته وحضوره ، فيما لا تحتاج المنطقة لأي إضافة على هذا الصعيد ، ويصدق الحال بالنسبة لإنشاء المدارس الدينية هنا وهناك ، بلا ضابط ولا دراسة جادّة ، لمقدار و سعة الحاجة ومدى جدواها وإمكان استمراريتها .

9 : لا تستخدم هذه الحقوق لأغراض دعائية لهذا المرجع أو تلك المدرسة او ذاك الموكب ، وقد صُرفت في الا يام الأ خيرة أمول طائلة على صعيد التسقيط المرجعي ــ للأسف الشديد ـــ وصلت الى حد الطعن بالأعراض والشرف .
10 : ضبط حركة التأليف والنشر في الجوانب الجادّة والضرورية وعدم إرهاق ميزانية الحقوق الشرعية الشعبية بالكتابات الكمالية التي لا تصب في تصعيد الوعي الديني والعلمي والشرعي للانسان الشيعي .

11 : تقليص الأجهزة ذات السمة التشريفية والإدارية و البروتكولية مثل الحاشية وما هو على غرارها ، خاصّة وكما نعرف ، إن كثيراً من هؤلاء غير منخرط في دراسة أو تبليغ أو تعليم .

12 : التنسيق بين المؤسسات المرجعية كي لا تتكر الأنجازات والاعمال ، الأمر الذي يؤدي الى تبذير المال الشيعي ، ونضرب مثلأ بسيطاً في هذا المجال ، لقد صدرت أربع تحقيقات لكتاب ( إحياء الميت في فضائل أهل البيت ) للسيوطي من أربع مؤسسات في دولة واحدة ! وعند المراجعة لم تجد إن هناك فوارق جوهرية بين محاولة وأخرى ، بل ليس هناك أي إضافة لتحقيق المطلوب من شأنها إغناء ما سبق أنجازه ، ومثل هذه المفارقات تؤدي الى هدر غير معقول في الرأسمال الشيعي ، في الوقت الذي ينتهك فيه العٍرض الشيعي في أكثرمن مكان بسبب الفقر الذي هو بدوره بسبب الأنتماء ، أليست هي مفارقة كبيرة ؟ ، وهل يرضى أهل البيت بمثل هذه المفارقات الغريبة ؟ ، وهل إحياء فضائلهم يكون بتحقيق هذا الكراس بمثل هذه المفارقات أم بأنقاذ عٍرض شيعي منتهك على أرصفة الشوارع ؟ ــ أنا لله وإنا لله راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله ــ

13 : حذف فكرة النسبة التي لا مسوّغ لها على الأطلاق ، بل هي تشير الى نوع من المساومة والتنافس والتزاحم ، بعيدة عن منطق الفناء في سبيل الله ، بعيدة عن مفهوم الرسالة .

لا نريد ان نطيل في هذه القضية ، ونعتقد إن الأجهزة المرجعية تستطيع أن تقوم بعملية مسح شاملة ودقيقة لكل جزئياتها وتفاصيلها ، لأنها أعرف منّا بذلك ، لكونها في صميم المشكلة ، إن ترشيد الأنفاق عملية عقلية ، تمارسها كل الدول والمؤسسات في العالم ، وهي عملية جارية على قدم وساق ، بل تعتبر من الممارسات الحية التي تشهد على الرشد العقلي والنظمي ، ولا أعتقد إننا قمنا بمثل هذه العملية الجبارة بدقة وموضوعية ، لا أرى أن تخفيض الأنفاق بهذا المجال أو ذلك نتيجة لقلة الموارد عملية ترشيد ، بل الترشيد حساب وموارد وإعادة توزيع وتحديد أولويات ، نابعة من حاجات الأمة والدين ، وليس وفق أولويات مزاجية ، ولذلك لا يمكن ان تكون من إنجاز شخص واحد ، بل من إنجاز مؤهلات علمية ودينية .

إن الترشيد في جوهره عملية مركبة ، قد تستدعي حذفاً وإضافة واستبدالأً في عناصر الموضوع الذي يجري عليه الأنفاق ، فهو عمل علمي يقوم على إعتبارات في غاية الدقة والذوق .

يمكن أن نطرح مجالات أخرى ، ولكن على هامش الجوهر الذي هو رفع الفقر كما بينّا سابقأ ولعل منها إعانة الطلاب من إبناء المذهب ، الذين لم تسعفهم ظروفهم المالية لتكملة دراساتهم العليا ، على أن يكونوا من ذوي الألتزام الديني المشهود ، وأن نحرز فيهم خدمة الطائفة في المستقبل ، ويكون ذلك على شكل دين يسدده نقدأ أو خدمة ، ولكن تبقى قضية الفقرهي الجوهر .

عناصر المشروع

مشروع حيوي مثل هذا يتطلب عناصر تأسيسية وإدارية نشطة وذات إختصاصات ، ومن الصعب أن نرسم خارطة إدارية في هذا المجال في هذا اللقاء السريع ، ولكن بودّي أن أشخص بعض العناصر الاساسية في هذه الخارطة .

العنصر الأول : ـــ

المرجعية الأجتماعية ، وأقصد بها المرجعية الواعية ، العارفة بحركة التاريخ والمجتمع ، المطلعة على أوضاع العالم ، المراقبة لأحول الشيعة ، المحيطة بحاجاتهم ، المستشرفة لأوضاع المستقبل ، التي لا تصرف طاقتها وزمنها في الصراع من أجل المواقع الوجاهية ، لا تخضع لسيطرة إبن أو قريب أوصديق أو تاجر أوحاكم ، زاهدة ، لا تقيم وزناً للألقاب والرسميات والتشريفات ، تزور الناس ، وتتفقد أحولهم ، بالمباشرة والاتصال ، تلاحق أحولهم وتتبع أخبارهم ، لا تنأى من عيادة طفل مًعدم راقد في مستشفى ، ولا تأنف من زيارة كناس في كوخه المتداعي ... مرجعية إجتماعية بمعنى الكلمة ، أي على خطى علي بن أبي طالب . وفي الحقيقة إنما نطرح هذه المواصفات أملأ في المثل الأعلى ، وكل ممكن على هذا الطريق جدير بالمهمة المذكورة .

العنصر الثاني : ــ

التاجر الشيعي ، التاجر المثقف الذي يرى في نفسه مسؤلأ عن طائفته ، يسعى في تطوير واقع الشيعة الاقتصادي والعلمي والاجتماعي ، التاجر الذي يتحول إلى بنية في داخل طائفته ، التاجر الشيعي يجب أن يكون عنصرأ مخططاُ في داخل الجسم الشيعي ، ينبغي أن يتحرر من الفهم الساذج لمعنى إبراء الذمّة ، ينتقل إلى فضائه الأبعد ، إلى فضائه الاوسع ، فإبراء الذمّة لا يساوي دفع الحقوق وحسب ، بل يعني متابعة هذا الحق كي يؤدي دورها بجدراة ، إن الدفع الآلي الميكانيكي الروتييني جريمة بحق المال وخيانة للذات وطعنة في صميم الجسم الشيعي .
التاجر الشيعي لا يمكن أن يؤدي هذا الدور إذا لم يكن من رواد الثقافة ، أي التاجر الذي يقرأ النص الشرعي بعمق ، ويحيط بالواقع المأساوي لهذه الطائفة المبعثرة ، ويعي المعادلات السياسية العالمية والأقليمية والوطنيه ، الذي يحيد النقد الموضوعي لأوضاع الجسم الشيعي ، التاجر الذي له علاقة وطيدة بمثقفي الطائفة والعالم ، وإلاّ سيبقى أسير الدفع الألي ، سوف يساوي دائماً بين مفهوم إبراء الذمة وكمية الحقوق المدفوعة بشكل عفوي ...فيما التاجر المثقف يلعب دورأ بنائياً ... ينتقل بالطائفة من الفرقة إلى الوحدة ، من الضعف إلى القوّة ، من الجهل إلى العلم ، عنصر فاعل ، مخطط ، موجّه ، عدته في ذلك المال والموقع والعقل والعلاقات والجاه والمعرفة .

العنصر الثالث : ــ

أهل الأختصاص ، ونركز على ألأختصاصيين في المال وألادارة والمحاسبة ، هؤلاء طاتقة جبارة يمكنها أن تساهم في ترشيد الرأسمال الشيعي وتوجيهه الوجهة العلمية في إستثماره وتوزيعه ، وفي بيان كيفية تفعيله في سياق الخطة المقترحة ، تُطعى لهم المعلومات الصحيصة والكاملة ، يُعاملون كأصحاب قرار في مجمل العملية وليس كمستشارين على الهامش . وفي إن طبقة أهل الأختصاص يمكنها أن تساهم حتى في ترشيد العمل المرجعي بشكل عام ، لنأخذ مثلأ ــ بناء مسجد ــ فإن مثل هذا المشروع يجب أن تُخذ به جملة شروط ومواصفات ، منها مدى الحاجة في الحاضر والمستقبل ، وليس من شك أن مواصفات المسجد المديني غيره القروي ، كذك عدد منسوب الشباب والكهول والرجال والنساء والاطفال ، إضف الى ذلك مستوى التعليم والوضع الأقتصادي هناك ، مد ى الأنسجام الطائفي والديني وما هي الهوية العامّة للمكان ... كل ذلك يدخل في مواصفات بناء مسجد أو حسينية أو مكتبة او مزار او مدرسة دينية ، وبهذا قد نوفّر الكثير على الرأسمال الشيعي ، ونكون قد تصرفنا به في ضوء قيم العلم وليس وفق المزاج الشخصي .

العنصر الرابع : ــ

أهل الخبرة الأجتماعية ، أي الذين يعرفون المنطقة ، ويملكون خبرة بأحوالها وأحول أهلها ، فهؤلاء يزردون المشروع بالحاجات ويقدمون تقاريرهم التي تسمّي المحتاجين وقدراتهم المهنية والحرفية والخدمية كي يتم توظيفها حسب جوهر الفكرة المطروحة .

العنصر الخامس :

الأمة ، ونقصد بها مجموع الشيعة في البلد أو المدينة أوالقرية ، أي مساحة التطبيق ، ولها حق الرقابة ، ذلك أن عدة أنماط من الرقابة ، منها : ــ

1 : رقابة الدولة .
2 : رقابة الضمير .
3 : الرقابة الالهية .
4 : رقابة اللجان والهيئات المنتخبة .
5 : رقابة الأمة .

وفي الموضوع الذي نحن فيه نُرجح رقابة الأمة ، لأن الحقوق هي حقوقها ، ومجال هذه الحقوق يعود إليها ، فلابد أن تكون على علم وبصيرة ، ونعتقد إن طريقة المراقبة هذه ، تتم بإصدار تقرير سنوي يتحدث بألارقام عن هذه الحقوق وروداً وصرفاً ، وبهذه الطريقة نضمن إخلاص الشيعة ونشجعهم على الأنخراط في هذا المشروع ، وشباب آل محمد على ثقة إذا حصل مثل هذا لإجراء سنشجع الكثيرين على العطاء والبذل ، سوف نحقق مستوى عالي من فكرة التكافل الأ جتماعي ، ، ويتلقى العاملون على المشروع إقتراحات الناس ، وتُدرس بعناية ، وبهذا نكون بهذا المشروع قد خلقنا كيانية شيعية متراصّة أو شبه كيانية شيعية ، والأساس هو إنجاز في حدود معقولة من النجاح وليس النجاح المطلق .

العنصر السادس :

الوكيل المرجعي الذي تتوافر فيه شروط الأدراة الناجحة والأ ريحية الشعبية التي من شأنها تجميع الناس حوله وحول المرجعية والدين ، أن ا لوكيل هو نقطة الربط الموضوعية بين الناس والمرجعية ، وبهذا ينبغي ان يحضى بموافقة الطرفين ، ومن ا لخطأ الفادح أن يُترك إختيار الوكيل إلى الجهاز المرجعي وحده ، فإن المنطقة أعرف بمشاكلها وقُدراتها وحاجاتها ، وبالتالي ، فهي تملك بعض الحق في اختيار الوكيل ، وعلى هذا الاساس ولأعتبارات أخرى ، لا يجوز استغلال الطبيعة الروحية والوجاهية لهذا الموقع للاثراء الشخصي والتسلط الشخصي أ والأبهة الذاتية ، يخضع لتقاليد الراتب الشهري ، حسب متطلبات الظروف ، وبمقاييس الحياة المتوسطة المعقولة ، وراتبه من الجهاز المرجعي وليس من ا لناس ، وسيكون رائعاً ان يقدم قائمة بممتلكاته قبل الوكالة وبعد الوكالة ، كي يُثبت شهادة على نزاهة الوكالة ، يخضع لفترة تجرييية محدّدة ، لأن الوكالة عمل رسالي ، من مهماته كسب المزيد من الناس الى الاسلام والتشيع ، يشارك الأخرين في اتخاذ القرارات الهامة ، ومن أولى واجباته أقامة الصلوات وإطاء الاحكام ، وكل ما يتعلق بالشؤون الادارية يخضع لنظام مقرر ومختار .
وكيل من هذا النوع يتحول الى قوّة جاذبة ، ويحقق الكثير من أمانينا الاسلامية والاجتماعية ، والمشروع المذكور يتطلب وكيلاً من هذه الطينة ، حي ، متحرك ، اريحي ، متواضع ، قنوع ، أداري ، متبصر .

إجراءات نظمية

أولاً : تنظم الحقوق الأساسية مثل الأخماس والزكواة وفق سياق زمني محدّد ، أي نحصر رأس السنة للاخماس على مرحلتين ، بين مرحلة وأخرى ستة أشهر ، ونعتقد إن السبب واضح ، فأننا بهذه الطريقة نكون قد حددنا الميزانية والمصارف بطريقة علمية مضبوطة ، وبالتالي ، اوجدنا مساحة التحرك الفعلي الواضح ، وبالنسبة للزكواة يمكن أيجاد طريقة أ خرى لنظمهاعلى شكل ميزانية تجميعية مؤرّخة بالتحديد ، وليس من شك قد نواجه بعض الأشكالات الشرعية أوبالأحرى المشاكل الشرعية ، وهنا تتعين عبقرية وأمكانية الفقيه .

ثانيأ : توضع خطة سنوية تتحدد بموجبها الحاجات الموجودة والممكنات المتوفرة ، ثم تُقدر الأولويات على أساس الموازنة بين الحاجات وليس على أساس الاطلاق ، نقصد أن التخيير النهائي بين هذه الحاجة أو تلك مرفوض ولا يمكن الأ خذ به ، وإنْ كنا نرى أن قضية الفقر هي الجوهر . ويتم توزيع ميزانية الحقوق على ضوء هذا التعيين والتشخيص .

ثالثأ : تُنظم لوائح حسابية بمقدار ما يدخل وما يُصرف بالضبط ، وذلك بعناوينها الشرعية ، كي نعرف وبدقة أين مواقع القوة واين مواقع الضعف ، فإن هذا فضلأ عن كونه إجراءً قانونياً نظمياً طبيعياٌ ، فإنه إصافة إلى ذلك يعرُفنا أين موطن القصور الشرعي عند الناس ، ومن ثم يهئ لنا فرصة
التوعية اللازمة .

خاتمة وكلمة أخيرة

ايها الاخوة الاعزاء، إن النصوص الشرعية تؤكد ان المسلمين إذا إلتزموا بواجباتهم المالية لن يبقى فقير أو جائع قط ، ونحن مطمئنون الى صدق هذه النصوص ، فإذا وجد فقراء في الوسط الشيعي ، فهذا يعني إن هناك خللأ في أداء هذه الواجبات أوفي طريقة التوزيع ، أو خلل على الصعيدين ، وهذا هو الحاصل فعلاً ، ونحن على ثقة إن مثل هذا المشروع إذا وجد طريقة الى التطبيق ولو في مستويات بسيطة سيحدث ثورة عظيمة ، سيندفع الناس للعطاء ، وتتهئ فرص التألف والتجاذب ، ونحقق درجة ملموسة من الاكتفاء الذاتي ، ونقلص مساحةالفقر ونكسب احترام العالم .

قد يثار أكثر من أشكال في الموضوع المذكور ، ومنها إن مثل هذا المشروع يحتاج إلى تقنية عالية ، وفي الحقيقة نحن نعرف ذلك ، ولذا ندعو ألى تطبيقات محلية ، وضمن مشاريع بسيطة ، وبالتالي ستتطور وتلتقي عبر الزمن وتراكم التجارب، بل المطروح بالذات لا يدعو الى تأسيس مشاريع استثمارية كبيرة او بنوك أو ما شابه ذلك ، فأن مثل هذه المشاريع قد لا يسمح بها الظرف ، كما أنها قد تكون عرضة للقمع ، بل نحن ندعو إلى عملية تكافل أجتماعي بسيطة ، وقد يُثار بأن الكشف عن الرأسمال الشيعي بهذه الطريقة يجعلنا واضحين للأعداء ، ويسهّل عمليات ضربنا وتجفيف منابع قوتنا ، ونعتقد أننا ليس بهذه الدرجة من الضخامة الاقتصادية والمالية التي تخيف وترعب ، ونرى أن الغموض الذي يحيط هذه القضية أعطى ولا يزال يعطي للعدو مبررات تعامله التامري معنا ــ وأنْ كان هذا ليس من حقه على كل حال ــ ثم نعتقد جازمين لم يعد هناك شئ خفي على هؤلاء وقد أثبتت التجاب ذلك ، وأخيرأ وليس أ خرا أن هذا المشروع سوف يوفر أ كبر غطاء شعبي للمرجعية والمذهب ، سنتحول قوة خيرة معطعاءة متألفة ، سنتحول الى نور هداية وبناء .

والحمد لله رب العالمين .




-------------------------------------------------
** أُلقيت مسودة هذا المشروع في مؤتمر رابطة الشباب المسلم المنعقد في لندن تحت عنوان : السياسة المالية للمرجعية الدينية ، وقد نوقش المشروع من بعض المشاركين في جو من الصراحة التامة وبروح عالية من الموضوعية ، وبمداخلة الاستاذ محمد عبد الجبار الشبوط ، ألقى البحث غالب حسن ، وقد تمت مراجعته من جديد وأضيفت بعض المطالب وأختصر بعضها وحذف غير الضروي منها.