المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يدقّون على أبواب جهنّم محنة عمّالٍ قضوا 69 يوماً في أعماق الأرض



ديك الجن
07-07-2011, 05:44 AM
كتب: بيروت - ميشال مراد


http://aljaridaonline.com/wp-content/themes/aljaridaonline/timthumb.php?src=http://aljaridaonline.com/wp-content/uploads/2011/07/06/120540/Untitled-1.jpg&h=240&w=280&zc=1&a=t



نشر في 7, July 2011

كانوا 33 عاملاً ينقبون في منجم نحاس ناءٍ في صحراء أتاكاما في تشيلي. وبينما كانوا يأخذون قسطًا من الراحة حصل الانهيار، فاحتجزوا على عمق 688 مترًا تحت سطح الأرض. مأساةٌ عاشها العالم 69 يوماً وعاشها العمّال في أجواء الرّعب والجوع والهجوميّة، إلى أن تمّ إنقاذهم من موتٍ محتّم.

استعان المؤلّف جوناثان فرانكلين بالحقّ الحصري الذي منحه إياه فريق الإنقاذ لدخول الموقع، وروى لنا محنة عمال المنجم في قصّة شائقة أصدرتها باللّغة العربيّة «الدار العربية للعلوم ناشرون».

عشرات الساعات أمضاها جوناثان فرانكلين في مقابلات مع عمال منجم سان خوسيه أنفسهم، ليأخذنا إلى أعماق المنجم المنهار مع الرجال، وليصوّر لنا خلف الكواليس جهود الإنقاذ الجبّارة التي بُذلت لانتشالهم.

أخطار

يُعرف عن منجم سان خوسيه بأنه خطير جدًا، فالعمّال يتعرّضون فيه للسحق بانتظام بواسطة ألواح من صخور ضخمة، تسقط من السقف بشكل مخيف، وهم يدركون أنّ مجرّد الاحتكاك بالجدار أشبه بتمرير شفرة على بشرتهم. وفي العام 1910 سقطت صخرة ثقيلة كان أحدهم يمرّ تحتها فبترت ساقه.

وإن لم يُسحق هؤلاء الرِّجال تحت الصخور، فإنهم يموتون ببطء بسبب الأمراض الرئوية التي تصيبهم، ويؤدّي التعرّض الطويل الأمد للغازات وجريش الصخر إلى حالات تسمُّم تسدّ الرئتين. ولكن ما العمل عندما لا يجد الفقير سبيلاً إلى العيش سوى مقارعة الجبل في معركة وحيدة يُقصم فيها ظهره؟

في باطن هذا المنجم يكتفي العمال بالضروريات الأساسية: خوذة مع مصباح، قارورة مياه، سروال داخلي، وجهاز يحتوي على أغان عاطفية تسجّل قصص الحب والتضحية والنبل لدى الطبقة المكسيكية العاملة.

انهيارات

كان المنجم عبارة عن متاهة يفوق طولها أربعة أميال من الأنفاق. ومع أكثر من قرن من الزمن تتبّع فيه العمال عروق المنجم الغنية بالذهب والنحاس، لم يتمّ حفر الأنفاق على نحو منظم، بل خلّف التنقيب مشهدًا فوضويًّا. كانت الأسلاك المرتخية تتدلى من السقف، فيما عُلقت شباك سلكية سميكة لالتقاط الصخور المتساقطة، وعلى طول النفق حُدّدت مزارات صغيرة تدلّ على الأماكن التي قُتل العمّال فيها. وعمومًا كان الرجال يعملون في مجموعات مؤلفة من ثلاثة أشخاص أو أربعة، بينما يعمل البعض بمفرده. وكان الجميع يستعملون وسائل لوقاية الأذنين، ما يجعل من الصعب التكلّم أو سماع أي شيء باستثناء الضجيج العالي للآلات.

عند الساعة الواحدة والنصف من الخامس من أغسطس، توقّف العمال لتناول الغداء، وتوجّه بعضهم إلى الملجأ الذي يحتوي على مقاعد ليتنشّقوا بعض الأوكسيجين، وانطلقوا يمزحون ويتشاركون بعض اللحظات الحميمة النادرة في عالمهم الوحيد.

في تلك الأثناء تصدّع الجبل وأخذ يتداعى فوقهم!

ومع تصدّع المنجم حدثت سلسلة من الانهيارات، فاجتمع الرجال في زاوية من ملجأ الإنقاذ خلف كتلة ضخمة من الصخور وحبسوا أنفاسهم. وعندما ينهار منجم، ينفجر الهواء في داخله عبر الأنفاق مولدًا رياحًا عنيفة تُلصق العامل بأبعد جدار، فتسحق عظامه، وتسحب الهواء من رئتيه المتعبتين وبعد عشر دقائق من الانهيار الأول، انهار الجبل مجدّدًا فانزلقت ملايين الأطنان من التراب والصخور. وكانت الضربة القاضية عندما أغلقت صخرة يقدّر وزنها بسبعمئة ألف طن مدخل المنجم الوحيد، وأوشك الغبار وحده أن يقتل المحتجزين. وراحت أصداء الانهيارات المتكرّرة للحجارة والصخور تتردّد في المكان وكأنها طبل رجل مجنون لا يتوقّف عن القرع… لقد بدأ الكابوس!

عمليّات الإنقاذ

أوردت النشرة الإخباريّة أسماء العمال المحتجزين وكان عددهم 33 رجلاً، وبدأ فريق الإنقاذ يواجه تحدّيات عدّة: كيف يفترض بهم البحث على عمق 700 متر؟ هل من الممكن إخراج جرحى من تلك الأعماق؟ هل يعتبر المنجم آمنًا لدخوله؟ وفي الوقت نفسه بدأوا يخططون لخيارين محتملين: إيجاد العمال أحياءً أو أمواتًا.

في الساعات الأولى التي تلت الانهيارات باءت محاولات العمّال دخول المنجم بالفشل. فالهواء محمّل بالغبار، والمياه تتسرّب من الشقوق الكبيرة، وألواح الصخور تتحطم على الأرض وتصدر أصواتًا تشبه زئير الأسود. ومع ذلك تجاوز عمّال الإنقاذ تلك المعوّقات، لكنهم وصلوا إلى منطقة مسدودة بالحطام والصخور، فبحثوا إلى أن وجدوا فتحة التهوئة، واستخدموا عدّة التسلق ليبدأوا بالهبوط البطيء في فتحة المنجم الذي يواصل انهياره وأنينه. ومع كل تلك الجهود المستميتة لم يتمكن المنقذون من الوصول إلى زملائهم، بل غدوا هم أنفسهم محتجزين لفترة طويلة حتى أتى فريق كومندوس وانتشلهم من الفتحة.

في الجحيم

مرّت ثلاثة أيام على الرجال المحتجزين بدون أيّ اتصال بينهم وبين أي فريق إنقاذ. وكان الطعام قليلاً والماء مريعًا. وكان الصمت يعقب صدى التشقّق والتكسّر المخيف ليذكّرهم بأنهم مدفونون في أعماق بطن وحش ابتلعهم واحتجزهم بعيدًا عن العالم المتمدّن.

شعر الرجال بيأس متعاظم. وحاولوا تجنّب السؤال، لكنّ حقيقة واحدة بدأت تطاردهم جميعًا: هل سنخرج أحياء من هذا الجحيم؟

مرّ 17 يومًا من الصمت خاف العمّال خلالها
من أن يُرغموا قريبًا على أن يأكل أحدهم الآخر. لكنهم اتبعوا نظامًا قاسيًا في توزيع الوجبات التي خفّضوها إلى حصص صغيرة جدًا، وكانوا يجتمعون ويتناولون وجبتهم الضئيلة معًا.

في الخارج

منذ انهيار المنجم في أوائل أغسطس (آب)، هُرع مئات الخبراء من مهندسين، وعمّال إنقاذ، وحفّارين إلى تلك الزاوية النائية والمهجورة في شمال تشيلي. أتَوا متطوّعين، يقدّمون أفكارهم، ومعدّاتهم، وجهودهم. وأطلق الرئيس التشيليّ نداء مساعدة بسيطًا وعميقًا في آن، مستخدمًا القنوات الدبلوماسية والعلاقات في مجتمع الأعمال على السواء. قال: «هؤلاء الرجال محتجزون على عمق سبعمئة متر. ماذا لديكم من وسائل تكنولوجيّة من شأنها أن تساعد؟» فسارعوا إلى تلبية النداء.

مضى تسعة وستون يومًا، على الرجال تحت الأرض. وأخفقت عمليّات البحث لأكثر من أسبوعين في إيجاد النفق الذي يتضوّرون فيه جوعًا ببطء. كان الموت مؤكّدًا إلى حدّ أنّ الرجال كتبوا رسائل وداع. وبدأت الحكومة برسم صليب أبيض على التلّ لتحديد مكان قبرهم.

الإنقاذ

عمليّة الإنقاذ التي حملت اسم عملية سان لورينزو، تمّت بقيادة كوديلكو، وهي شركة تعدين تشيلية، عملَت خلال الشهرَين الماضيَين على جمع المعدّات الأكثر تطوّرًا في مجال الحفر ورسم الخرائط.

استخدمت كوديلكو، وهي شركة حديثة تتجاوز أرباحها 4,5 مليارات دولار سنويًّا، أسطولاً من آلات الحفر المستأجرة والمرتجلة لإيجاد الرجال، ولإطعامهم لمدّة ستين يومًا. والآن، حانَت لحظة الحقيقة. هل سيتمكّنون من انتشال العمّال سالمين عن عمق يبلغ ضعف ارتفاع برج إيفل؟ كان الثقب المخصّص للقيام بعملية الإنقاذ صغيرًا إلى حدّ أنّه طُلب من العمّال التدرّب جيّدًا لكي تتّسع لهم الكبسولة.

عند الساعة الحادية عشرة ليلاً، تمّ رفع الكبسولة بواسطة رافعة، وراحَت عجلة صفراء تدور ببطء لتمرير السلك. كان المشهد آسِرًا. بعيدًا عن الأعين، كانت ثمّة أدوات حديثة جعلَت العمليّة بأكملها ممكنة، بما في ذلك وحدات GPS (نظام تحديد المواقع العالمي) التي أتاحت للحفّارات الهائلة إيجاد هدف صغير تحت الأرض؛ إذ إنّ أميالاً من الأسلاك المصنوعة من الألياف البصريّة والناقلات اللاسلكيّة أمَدَّت أحد الأطبّاء بمعلومات عن نبض العمّال وضغط دمهم مباشرة على حاسوبه.

أمسك العالم أنفاسه، بينما انخفضت الفينيكس ببطء، ثمّ اختفت. في أرض تعرف هزّات أرضيّة كبيرة، ثمّة أسباب لا تحصى قد تؤدّي إلى فشل الإنقاذ: نجاحه لم يكن يحتاج إلى هندسة دقيقة فحسب، بل إلى إيمان كبير أيضًا. تمّت استشارة اختصاصيين من جميع أنحاء العالم خلال عمليّات الإنقاذ، للمساعدة على وضع خطط طبيّة وبروتوكول هندسي. وفي هذه اللحظة، حتّى فريق «الناسا» حبس أنفاسه. ففي هذه المهمّة، التشيليون هم من سيكتبون الدليل.

حكاية لا تُنسى عن كيفيّة تغلّب الأمل على الخوف، وانتصار الإبداع والتعاون على المحنة مهما كانت شديدة.