المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عجالة في سلسلة 'وثائق الإخوان المسلمين المجهولة'



طلال محمود
09-18-2010, 12:15 PM
كتب عدلي صادق

كلما تواجد أخوكم كاتب هذه السطور، في قاهرة المُعز؛ لا بد له من زيارة مكانين في مربع واحد من وسط المدينة: مقر حركة فتح ومكتبة النهضة المصرية، التي هي دار نشر عريقة كانت واستمرت واحدة من أهم صروح المعرفة. في الأول، يحس واحدنا الفتحاوي، أن الوطنيين الراحلين أودعوا رسالتهم، أمانة في أعناق الأحياء من القدامى ومن الجيل الجديد، وليس أبدع من أن يقوم على العمل اليومي في المكان، ممثل للقديم في الأوقات الجديدة، كأبي العز (لمعي قمبرجي) ابن يافا عروس البحر، الذي وصل من بيروت في منتصف ستينيات القرن المنصرم، لكي يلتحق بالدراسة في القاهرة، فيشهد بدايات العمل الحثيث، لتشكيل تنظيم الحركة في مصر، ثم تمضي به السنون، لتغتني ذاكرته بأسماء وأحداث، يستعيدها مع العاملين القدامى من الكهول المصريين، الذين بدأوا عملهم في الخدمات، يافعين، تحت لافتات الاتحاد العام لطلبة فلسطين، أو اتحاد العمال، فظلت فتح وفيّة لهم ولعائلاتهم!

في مكتبة النهضة المصرية، يستقبلني العاملون ـ كالمعتاد ـ بإشارات تتعلق بالجديد مما يهمني. قيل لي في عجالة: لحُسن الحظ إنك وصلت قبل بيع النسخة الأخيرة من سلسلة 'وثائق الإخوان المسلمين المجهولة' التي أصدرها التسعيني المثير للجدل، جمال البنا، وهو الشقيق الأصغر لمؤسس 'الجماعة'. ويعلل القائمون على مكتبة النهضة المصرية، نفاد السلسلة، بتأثيرات المسلسل الرمضاني الذي عَرَضَ جزءاً من تاريخ 'الإخوان' في الأربعينيات. وفي الحقيقة، لا تستميلني المسلسلات ولا أضبط اوقاتي مع مواعيد بثها، ربما لحساسيتي حيال مسألة الدقة التاريخية وعدم تقبلي للاختزال الانتقائي، فضلاً عن صعوبة الانسجام مع مشاهد ذات ديكورات وأثاث وإكسسوارات مخادعة، ربما تجعل مكتب حسن البنا في العام 1937 أي في ذروة الدعوة الى الزُهد والتبسط؛ أكثر أناقة ولمعاناً من مكتب الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في العام 2010!

* * *

التقطت السلسلة بشغف لم يحظ به المسلسل. وفي عربة المترو المكتظة، بدأت في قَرْص الأجزاء، مثلما يقرُص واحدنا الأرغفة السخانة قبل الوصول بها الى المنزل. فالطباعة ذات غلاف لامع اختار الشيخ جمال لكل منها لوناً يرمز الى طابع 'الفكرة' مثلما كانت تسميتها المختصرة المتداولة بينهم. فغلاف الجزء الأول من السلسلة، كان ذا قاعدة سوداء وكتابة حمراء، كأنما يرمز الى مرحلة التكتم الشديد والمخاض المحتدم، وسرية التشكيل الذي بدأ بطابع تربوي، وإشكاليات العلاقة بين الكبار والأتباع. واتخذ غلاف الجزء الثاني، من اللون الأحمر قاعدة له، كدلالة على أيام وأوقات الفترة التي يغطيها، وهي تبدأ من منتصف عقد الأربعينيات. أما الإزرقاق الداكن، فقد كان قاعدة غلاف الجزء الثالث ويغطي مرحلة اختلاط الحابل وبالنابل والخلافات العلنية بين الأقطاب الإخونجيين، بعد اغتيال البنا، وهي ذات المرحلة التي تداعت في خواتيمها الأمور، بين ضباط ثورة 52 و'الإخوان' واتضح خلالها أن العنف قبل تلك الثورة، كان منهجاً راسخاً لن تغيّره تبدلات الأوضاع في البلاد، ولا يخفف منه إعلان جمال عبد الناصر، من عند قبر حسن البنا، ومن بين أسرته، في الذكرى الخامسة لاغتياله؛ أن الثورة تجسد الأمنيات والتوجهات التي أعلن الراحل أنه يجاهد من أجلها وعلى طريقها. فقد تداعت الأمور في خواتيم الجزء الثالث من الوثائق، وهو الذي يغطي مرحلة التحالف المُشين لجماعة 'الإخوان' مع كل مناهضي حركة التحرر العربي ومع كل أعداء الحركة القومية التي كان حسن البنا يتغنى بها في بدايات نشاطه!

* * *

بدت سلسلة كتب الوثائق، وكأنها أعدت في عُجالة. فالأخطاء المطبعية كثيرة، وكذلك الزّلات الإملائية والنحوية. ولم يأخذ إعداد الوثائق للنشر منهاجاً علمياً، لذا نُشرت بعض الفصول من دون تواريخها وبدون إيضاحات، كما أن طباعة الصور كانت أسوأ منها في الأربعينيات، بخلاف حال المسلسل التلفزيوني الأنيق ساطع الألون، وهذا كله من حيث الشكل. أما من حيث المضمون، فقد كانت الصفحات غاية في التشويق، تعزز بالنسبة لي مجموعة من قناعاتي عن هذه الجماعة وبعضها إيجابي يجب الإقرار به، كالقول إن البسطاء والكادرات المهنية والتعليمية، المتحمسين لاستئناف حياة إسلامية طاهرة، على طريق الاستقلال الحقيقي والحرية، كانوا مخدوعين ويجهلون طبيعة المنحى 'الاستراتيجي' لمرشد الجماعة ولأقوى المتنفذين من حوله كعبد الحكيم عابدين والعشماوي وسواهما. ومكمن التشويق، في هذا السياق، يتعلق بوثائق سجلت ردود أفعال كادرات فطنة وذكية، طرحت انتقاداتها بجسارة، بل أعربت عن ارتيابها في صدقية المسعى كله، ومن أمثلتها الرسالة الضافية الجريئة، التي بعث بها في العام 1943 من إحدى شُعب حي الجيزة، شاب مغمور يُدعى أحمد العبد، الى 'سيدي صاحب الفضيلة وقائدي المُفدى المرشد العام' واستهلها قائلاً: 'بكثير من الخجل، ووسط موجة من الألم الحرج، أتقدم بمثل هذه الملاحظات الى فضيلتكم، لأني أعلم أن سياسة لفت النظر، ليست من حق الشعب بأسره (!!!) وإنما هي حق الخاصة والنادرين فيه، وأنا أعلم مكانتي في هذه الدعوة تماماً، باعتباري جندياً ضعيفاً في صفوفها وأنا سعيد بأن ألقى ربي على هذا الوجه'!

المهم، لم يملك المرشد إلا التأشير بإحالة أمر جميع الملاحظات الواردة في رسالة الشاب، الى الرجل القوي عبد الحكيم عابدين. وهذا بالمناسبة، التقط الرسالة لا سيما وأنها تعيب على المرشد ليونته أو خجله وسفرياته ومجاملاته وتضييع وقته في العلاقات العامة. ورد عبد الحكيم بطرح نفسه كراعٍ لمشروع إصلاحي، لكن مسعاه أحبط من حيث لا يحتسب، إذ يبدو أن عدداً من السيدات الفاضلات من مليحات 'الجماعة' أي جميلات الخُلق والخلقة، تكاشفن وتصارحن وتوافقن على أن عبد الحكيم عابدين (بخلاف عبد الحكيم عامر) يحدّق النظر في كل مليحة منهن، مشتهياً، حتى كدن أن يلجأن الى النقاب بدل الحجاب، وليت الأمر اقتصر على لغة العينين. فليس أبرع من المرأة في قياس درجات سخونة العين. ويبدو أن الشيخ عبد الحكيم، تخطى مرحلة النظر الى إيحاءات لفظية، بمحسنات بديعية، من شاعر ضليع في اللغة، فتقدمت السيدات بشكوى رسمية تم التحقيق فيها وأدين. غير أن اخانا كان زوج شقيقة المرشد، لذا فإن أمر الشكوى أحيل لتحقيق آخر يُجريه الشيخ حسن بنفسه، وسينتهي بـ 'اللفلفة' على قاعدة أن المسألة تسيء لسمعة الجماعة، تماما مثلما هو الحال بالنسبة لأية شكوى يتقدم بها اليوم ضعيف أو ضعيفة، ضد أي قوي حمساوي في غزة. فقد كان عبد الحكيم الأول قوياً كعبد الحكيم الثاني. غير أن الأول كان مثقفاً وقادراً على غزو الألباب. درس الآداب ثم الحقوق، وفي لحظات هجرته الطوعية من بلاده، استعان به الحاج أمين الحسيني كمستشار للهيئة العربية العليا، واختتم حياته العملية كمستشار لرابطة العالم الإسلامي!

اعود الى عنصر التشويق، فأقول إن رسالة الشاب أحمد عبد الفتاح العبد، وحدها، تجعلك تغشى رُغماً عنك، أجواء حماس التي تحكم في غزة. هناك توصيف للتكالب على المال، أي على النقيض من النص المعلن لأخلاقيات وأهداف 'الجماعة'. وهناك حديث عن إيثار 'العاجلة على الآجلة' كما اشتملت الرسالة على تنبيه من الخمول الذهني والفكري، ومن شُح الكبار الذين لا يخجلون من سخاء الصغار الصادقين. كذلك فإن في الرسالة تضمنت شكوى مريرة من ضآلة التقوى الظاهرة من خلال السلوك، ويتزيد احمد العبد أو يمارس ترف التطلب الكثيف للتقوى، فيتحدث عن ما يسميه اختزالاً بـ 'الكيوف' كالنارجيلة وسواها من الأدخنة. وربما كان الشاب يقصد من حكاية 'الكيوف' من كانوا في ذلك الزمن، يتعاطون الأفيون عوناً على المضاجعة. فقد أشار الى 'كيوف' باهظة الكُلفة تأخر الرأي الفقهي في حسم أمر حُرمتها. ولم يتردد الشاب في التلميح الى فظاعة المفارقة، عندما يدعو المرشد، الى حشمة المرأة والى تحجبها، ثم ينشر في جريدة 'الإخوان' صورة له مع كريماته سافرات وإن كُن مهذبات، فيدعو الشاب سماحة قائده المفدى، الى أن 'يوفر لنفسه كل ما يكون قدورة لجميع الإخوان، من جميع الشؤون'!

أعتذر عن التوقف عند حدود هذه السطور حول السلسلة، وأعتذر كذلك من المسلسل. فالوثائق المنشورة، في حاجة الى دراسة تحليلية، تشجع على طرح الكثير من مقاربات الفهم والإسقاطات. لذا فإنني سأضعها الآن جانباً، حتى وإن كان هناك ما يُغري بالتعليق حول موضوع تهيئة الهجوم على الوطنيين في مصر، وشحذ عدة النَصب، والتخوين، وشرشحة عبد الناصر ورفاقه، بسبب اتفاقية جلاء القوات البريطانية عن قناة السويس. فقد بدا، من خلال الوثائق، أن أسلوب 'الإخوان' يعتمد من قديم، منهج إدانة السعي الى النسبي والممكن والمتاح، وتأثيم أصحابه، وتشويه سمعتهم بمفردات الكُلي والمطلق. فمن يتفق مع الإنجليز على انسحاب ثمانين ألف جندي اجنبي من أرض بلاده، ويستعيد الحق كاملاً في عوائد قناة السويس؛ هو الذي باع حق الأجيال في التعويض، وهو الذي لم يفرض على المحتلين البريطانيين، انسحاباً خلال أسبوعين، ولم يُقرر عليهم الجزية، وهو بهذه الفعلة الرجيمة، يوفر الغطاء، للتخلي عن الأندلس، وبالتالي فإنه يستحق اللعنات الى يوم الدين!