المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنيس منصور : مصر أمة استفحل فيها المرض وانتهى عمرها الافتراضى



زهير
06-16-2010, 10:36 AM
أنيس منصور : مصر أمة استفحل فيها المرض وانتهى عمرها الافتراضى (1)


المصري اليوم - القاهرة - نشوى الحوفى


http://t1.gstatic.com/images?q=tbn:jNoFC-Dt3dW16M:http://daraltarjama.com/dt/library/Arabic%2520Page%2520Picture/Anis%2520Mansour.jpg


2009 الثلائاء 1 ديسمبر


لا يمنحك الجلوس إليه متعة الحديث وحسب، ولكنه يمنحك إطلالة على الدنيا بأسرها، فاتحاً لك آفاقاً من الفكر.. يصطحبك معه فى واحات الثقافة عبر سنوات عمره التى جاوزت الثمانين بخمس سنوات.. كل هذا وهو حاضر البديهة، متقد الذهن، متيقظ الذاكرة، راسم على وجهه ابتسامة تتسع بدعابة تمنحك الضحك، وتضيق مع حديث جاد أو ذكرى مزعجة، أو ألم شعر به.

الحديث مع أنيس منصور لا يتوقف فقط عند حاجز الذكريات والأحداث التاريخية، ولكنه يقفز بك أيضاً إلى الحاضر، فيفسره لك بنظرة المتأمل، الذى يرفض الإغراق فى التشاؤم، أو الإفراط فى التفاؤل، لتلقى عليه نظرة واقعية تجعلك تفكر فى الوطن والمواطن.

تولّدت رؤيته التاريخية من خضم الأحداث التى عاشها، ما بين عضويته بجماعة الإخوان المسلمين، ونقده اللاذع للرئيس عبدالناصر الذى يرى أن أخطاءه وهزائمه أكثر من انتصاراته، ومصاحبته الرئيس السادات الذى يرى فيه الزعيم صاحب الرؤية...

وعن توصيفه لمصر الآن بأنها كالجسد الذى أنهكه المرض، فصار التضرع لله لشفائه، أو البحث عن دواء له، رفاهية لا فائدة ترجى منها، وتأكيده أن الفساد يبدأ من الحاشية المحيطة بالحاكم وحول ما حدث بين مصر والجزائر بسبب مباراة كرة قدم، كان الحديث مع الكاتب أنيس منصور فى منزله المطل على النيل فى الجيزة.

يستقبلك باشَّاً مرحباً، يسبقه كلبه الصغير وكأنه يشارك فى عملية الترحيب، ومنذ اللحظة الأولى يبدأ الفيلسوف والكاتب أنيس منصور فى الانتباه لك وقد استعد للإجابة عن كل أسئلتك، معه لا مكان للمحظورات.

■ كيف ترى ما يحدث الآن بين مصر والجزائر عقب المباراة التى جرت بينهما فى السودان؟ وهل حقاً يكرهنا العرب؟

- لا مكان فى السياسة للحب أو الكراهية، فتلك مشاعر لا يعرفها السياسيون، هم يتحدثون فقط بلغة المصالح، وما حدث فى العلاقات المصرية - الجزائرية من توتر نتيجة مباراة كروية، يحدث فى كل دول العالم.. ضربناهم بحجر فى المباراة الأولى فضربونا، شتمناهم فشتمونا، هاجمتنا وسائل إعلامهم فهاجمتها وسائل إعلامنا.. وكان المفترض ألا تتعدى المسألة حدود ذلك. ولكن للأسف تطورت الأحداث بشكل سريع، وبات من الضرورى التعامل مع الوضع بحكمة وصبر ورؤية سياسية حقيقية. فما بين الجزائر ومصر أكبر من مباراة فى كرة القدم، وعلى الجميع فى كلا البلدين أن يدركوا ذلك. يجب أن نستخدم الرياضة فى التجميع بيننا وزيادة الروابط والتنمية لا فى الفرقة، كان هتلر يؤمن بنظرية «مرح القوة»، وهى تعنى استغلال الرياضة لدى الشباب الممارس لها فى زيادة قوته وحضوره.

وانظروا الفرق بيننا وبين أمم أخرى جمعت بينها الرياضة. فالعلاقات بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية عادت بمباراة فى كرة تنس الطاولة، وكذلك العلاقات بين تركيا وأرمينا، وكانوا من ألد الأعداء، أعادتها كرة قدم. ولذا أرجوكم لا تعطوا تلك الأحداث أكبر من حجمها وامنحوا الجانبين فرصة لكى تهدأ المسألة بينهما.

■ كيف تقرأ التعامل الرسمى مع تلك الأحداث؟

- عندما يقول وزير الإعلام المصرى إن ما حدث فى السودان ضد المصريين هو «إرهاب منظم»، فالقضية هنا تتعدى حدود المباراة لتصبح جزءاً من أمن الدولة، ويجب التحقيق فى مقولته تلك، لأن الإرهاب المنظم يعنى وجود جهة ما حاولت استغلال المباراة لتحقيق مصالح خاصة بها.. ولكن على كل من الدولتين أن تضعا نصب أعينهما ما يحيط بالأمة كلها، والترفع عن الصغائر.

■ على مدار سنوات عمرك عاصرت مصر فى العديد من التحولات السياسية، فكيف تراها الآن؟

- عندما حكم ناصر مصر كان عددها ١٦ مليوناً، والآن نحن ٨٠ مليوناً، زدنا فى العدد ولكننا ظللنا كما نحن فى عاداتنا وفكرنا وأسلوب تواكلنا على الدولة، أضيفى إلى هذا أن مساحة الأرض الزراعية كما هى، لم نتقدم فى الصناعة ونقدم سلعاً عاجزة عن المنافسة، وهناك انحطاط فى التعليم الذى يتخرج فيه الآلاف كل عام، بدون مؤهلات تؤهلهم لاقتحام سوق العمل.. هناك تخلف فى كل المجالات، مصر أصبحت كجسد استفحل فيه المرض، لدرجة أن التفكير فى العلاج بات نوعاً من الترف، والبكاء والدعاء لله ليشفيها أيضاً بات نوعاً من الترف.. حالة ميؤوس منها، فمهما أمددنا هذا الجسد المنهك بالمرض بالدواء، فإنه لن يجدى. والسبب ببساطة أننا أمة انتهى عمرها الافتراضى. فقدنا الالتزام والرغبة فى العمل وإتقانه فكيف نتقدم إذن؟

■ وأين يتركز العيب إذن: فى الحاكم أم المحكوم؟

- فى كليهما، الحاكم والمحكوم، فالحاكم محاط بحاشية من نفس عينة الناس، وبالتالى تؤثر فى الحاكم، وأتذكر نكتة تعبر عن حالنا، تقول إنه فى إحدى الليالى عثر شرطى على رجل يدور حول عامود نور عدة مرات، فسأله عما يفعل، فأجابه بأنه يبحث عن مفتاح شقته، فسأله رجل الشرطة: هل وقع منك هنا؟ فأجاب الرجل: لا، بل وقع منى فى أول الشارع، فتعجب الشرطى وسأله: ولماذا تبحث عنه هنا؟ فقال له: لأن هذه المنطقة يتواجد بها النور!. النظام أيضاً لا يبحث عن المفتاح فى أول الشارع، ولكنه يبحث عنه فى المنطقة التى يتواجد بها النور بجوار الحاشية، وإذا فسدت الحاشية فسد النظام كله، وكلما قوى النظام ضعفت الحاشية، وهناك عبارة شهيرة للمؤرخ البريطانى اللورد أكتور: «القوة مفسدة، والقوة المطلقة مفسدة مطلقة».

■ البعض يرى أن أخلاقيات المصريين تنحدر وتتراجع.. ما رأيك؟

- لا أستطيع القول إنها تنحدر أو إنها تراجعت، لأنها كانت دوماً كذلك، عندما نقرأ كتاب ابن إياس نجده يقول فيه: «إذا دخل الذئب مصر صار حملاً»، أيضاً لاحظ عمرو بن العاص بذكاء أننا نرمى البذور وننتظر الثمار من الرب، وكذلك فى كتاب «وصف مصر» الذى وضعه علماء الحملة الفرنسية، قالوا إن الفلاح المصرى ذو وجه غير معبر، كالأرض المشققة أمامه، لماذا؟ لأنه يخادع الحاكم، فهو إذا تألم وأظهر الألم من الضغوط الممارسة عليه زاد عليه الحاكم، وإذا ضحك وأظهر سعادته طالبه الحاكم بالمزيد من الضرائب، فاعتاد أن يكون وجهه بلا أى تعبير.

والمصرى لم يعتد الثورة على الأحوال الظالمة، إلا فى مرة واحدة طيلة تاريخه، حدثت فى عهد الملك «بيبى الثانى» فى الأسرة السادسة، ويصفها الدكتور سليم حسن بأنها أول ثورة بلشيفة فى التاريخ، كانت ثورة عمال وفلاحين ضد الحاكم، فثورة عرابى يطلق عليها «هوجة عرابى»، وثورة ١٩ «ثورة الطلبة»، وثورة عبدالناصر «انقلاب عسكرى»، «١٥ مايو» كانت تعديل مسار. نحن شعب عاش بجوار النيل ولم يتزحزح من جواره، ينتظر دوماً الخير أو الشر الذى يأتى به القدر.ولذا كان من الممكن أن نكون أسعد حظاً لو لم يكن النيل من نصيبنا، كنا تعلمنا الجرأة والسفر والهجرة وعدم الارتباط بالأرض بهذا الشكل، والقدرية التى تمنعنا من اتخاذ القرار والرضاء بكل ما يأتى لنا بلا نقاش، ولكن نحن اعتدنا أن كل شىء سهل، أرض منبسطة، حرارة معتدلة، مياه وفيرة.

■ البعض يرى أن علاج الأوضاع فى مصر لن يتم إلا بفصل الدين عن الدولة؟

- كيف ذلك؟ نحن مسلمون، ليس بالعقيدة فقط، ولكن بنص الدستور أيضاً، ولكن - وفى ذات الوقت - هناك تطبيق خاطئ للدين ومفهومه فى حياتنا، وتقع المسؤولية فى هذا الأمر على المؤسسة الدينية التى يصدر بعض أفرادها فتاوى تسىء للإسلام ولنا، كفتوى إرضاع الكبير، والتبرك ببول الرسول، ومسؤول عنه أيضا وسائل الإعلام التى ينتشر فى أروقتها أشخاص لا علاقة لهم بالفتاوى ولا الدين. وبالتالى حدثت حالة من الخلط بين الحالة الدينية التى وصلنا لها، وبين الدين.

■ عاصرت خمس مراحل سياسية فى تاريخ مصر الحديث، بدءاً من الملك فاروق، وانتهاءً بعهد الرئيس مبارك. كيف ترى تلك العصور؟

- لا يوجد عصر يشبه الآخر، فلكل ملامحه، وقد أعجبنى الرئيس مبارك عقب توليه الحكم، وكان فى مطار هيثرو بلندن وسأله أحد الصحفيين: «أنت أقرب لجمال عبدالناصر أم أنور السادات؟» فأجاب: «اسمى محمد حسنى مبارك». وكان يعنى أنه ذاته، ولكن هذا لا يعنى أنه منفصل تاريخياً عن الرئيس السادات، الذى لم يكن منفصلا هو الآخر عن عبدالناصر، الذى لم يكن منفصلاً هو الآخر عن عهد محمد نجيب. وهنا يحضرنى مسلسل الملك فاروق الذى عرض منذ نحو عامين وأثار ضجة كبرى، ولكنه لم يعبر بشكل مهذب عن أسلوب حديث العائلة الملكية التى كانت تتميز بالرقى فى الحديث والتعامل.

وهذا الرأى نابع من تعاملى مع عدد من أفراد تلك الأسرة، فالملكة فريدة كانت صديقة عزيزة حتى وفاتها، وكذلك الأميرة فريال، كما أننى التقيت الملكة نازلى فى الولايات المتحدة الأمريكية عام ١٩٥٩ - بعدما تلقيت برقية من مصطفى أمين - وأنا فى طوكيو أثناء إعدادى كتاب «حول العالم فى ٢٠٠ يوم». وأجريت معها حواراً ردت فيه على الكثير مما كتب عنها بالصحف المصرية، وفى نهاية الزيارة طلبت منى عدم نشر الحوار لأنه بلا جدوى. فاحترمت رغبتها حتى يومنا هذا. وعموماً هناك من أضيروا فى عهد عبد الناصر، فيرون أن عهد فاروق كان أرحم ولكن لابد من النظر إلى أى مرحلة تاريخية بكل ملابساتها.

■ يرى البعض أنك فى كتابك «عبدالناصر المفترى عليه والمفترى علينا» لم تكن محايدا فيما ذكرته عنه، ولم تركز إلا على السلبيات فقط؟

- عبدالناصر فصلنى من عملى لمدة عام ونصف العام بسبب مقال، وعندما عدت للعمل لم أستطع نقده مرة أخرى كما لم أستطع مهاجمته، لم يكن أحد يستطيع أن يفعل ذلك، وحينما قررت طبع كتابى عنه قررت أن أكون موضوعيا فى ذكر أخطائه الكثيرة وهذا يكفينى، ثم ألا يكفى ما كتبه عنه دراويشه الذين لم يذكروا سوى محاسنه، وتناسوا الآثار السلبية التى خلفتها فترة حكمه. لقد ذكرونى بالإمام البوصيرى فى ختام البُردة حيث يقول: «محمد خير الورى من عليه الوحى هبط»، فالناصريون حذفوا اسم النبى، ووضعوا محله اسم ناصر.

ومما لا شك فيه أن دراويش ناصر جعلوه مبرأ من الخطأ، وإذا أخطأ فكل أخطائه مبررة، فهزيمه ٦٧ اعتبروها هزيمة عسكرية ونصراً سياسياً، وكل ما حدث فى الكون تنبأ به، وقد استنفدوا كل ملامح الخجل، حتى إنهم لم يكتبوا أنه تنبأ باغتيال السادات ومقتل الأميرة ديانا!

■ رفض الصحفيون فى عهد الرئيس عبدالناصر إلغاء الرقابة على الصحف، وكنت منهم، ورغم ذلك تهاجم الصحف المستقلة الآن.. كيف ذلك؟

- الفرق كبير بين الحالتين، فعندما سألنا عبدالناصر فى أحد اجتماعاته بنا، عما إذا كنا نوافق على إلغاء الرقابة، أجبنا بالنفى، وطلبنا منه الإبقاء على الرقابة. والسبب أنه عندما يكون لدينا رقيب، فهو يعرف الممنوع والمباح، ولكن فى حال عدم وجود رقيب وانتهينا من طبع الجريدة سنجد ألف رقيب يمنع صدور الجريدة.

على الرغم من أنه فى ظل الرقابة عانت أخبار اليوم من العذاب بعينه، وأذكر أن الجريدة كانت تطبع الساعة الخامسة، وجاء الرقيب أثناء الطبع وألغى صفحة كاملة، وهو ما يعنى عدم صدور الجريدة لأنه كان ممنوعاً ترك أى فراغ لأن معناه وجود رقابة، فاهتدى على أمين لفكرة خرجت بها الجريدة، حيث أمرنا أن نكتب فيها سطراً واحداً يقول: «هذه صفحة لم تحذفها الرقابة، ولكنها غسلت بصابون نابلسى». وهكذا صدرت الجريدة.

أما الصحف المستقلة الموجودة الآن فقد أساء أغلبها استخدام الحرية والآداب العامة، بل إن ما تقوم به قد يدفع الحاكم لتقييد الحريات. الأهم من ذلك أنها تثير فى نفوس المصريين حب الإثارة والفضائح دون أن تساهم فى تنمية عقل وفكر المواطن. وعودت الناس على تقديم الفضائح، بدعوى أن الجريدة التى لا تقدم الفضائح تكون شبيهة بالجرائد القومية. التى باتت هى الأخرى مغيبة فى معظم الأحداث.

■ إذا كان هناك دراويش للرئيس عبد الناصر، فهناك الكثير من نقاد الرئيس السادات. كيف ترى تلك الحالة؟

- من انتقدوا السادات لم يذكروا حسنة واحدة فعلها، فنصر أكتوبر هزيمة، والانفتاح الاقتصادى هزيمة، والسلام مع إسرائيل لاسترداد الأرض هزيمة، وفى المؤسسات الرسمية نهاجم السادات، ونغضب من إيران لأنها أذاعت فيلم «إعدام فرعون»، ونحن من اغتلناه، والكارثة أن الفيلم تنفيذ مصرى، وإنتاج عربى. فى الوقت الذى يذكر فيه التاريخ للسادات أنه نصر مصر والعرب، ولولا قصور فى الرؤية لشاركت الدول العربية فى عملية السلام التى قادها السادات وأعاد بها الأرض المصرية.

الآن بعد مرور كل تلك السنوات أرى أن الفلسطينيين لن يحصلوا على شبر أرض واحد، ففى الماضى كانت جهة واحدة تفاوض، الآن هناك جبهتان فلسطينيتان، فى نفس الوقت الذى توجد فيه حكومة جديدة فى إسرائيل، خلفيتها حزب دينى متشدد، يرفض التفاوض على عدد من القضايا الرئيسية فى مقدمتها قضيتا القدس واللاجئين، أضيفى إلى هذا سباق الرئاسة الأمريكية، فمن يعطهم حقهم، وفى رأيى أن القضية الفلسطينية ستتأجل إلى ما لا يقل عن عامين، وفى السنة الثالثة سيبدأ الرئيس الأمريكى فى عمل الدعاية الجديدة. فمتى وكيف يحصلون على حقوقهم؟ وهذا فى رأيى هو الفرق بين زعيم يمتلك الرؤية وبعد النظر، ورؤساء هم مجرد حكام، وأنور السادات كان يمتلك الرؤية.

■ وماذا عن الرئيس مبارك. كيف ترى فترة حكمه؟

- حسنى مبارك حاكم معتدل وغير ظالم. لم يطلب منى أن أغير مقالاً أو رأياً، وأذكر أنه طلبنى فى يوم من الأيام، وقال لى هل يعجبك ما يكتبه حسين مؤنس فى مهاجمة ضباط الثورة؟ فقلت له: لا. فسألته: «هل تحب يا ريس أن أبلغه برأيك؟» فقال: «لا، هذا مؤرخ كبير ويعبر عن رأيه»، أكثر من ذلك، كان هناك هجوم شديد ومباشر على النظام فى مقال إحسان عبدالقدوس «على مقهى فى الشارع السياسى» الذى كان ينشر فى أكتوبر، وعلمت أن الرئيس لا يعجبه ما يكتبه، فقلت له: «يا ريس إحسان سيد المحللين السياسيين، هل تحب أن أنبهه؟ فرفض الرئيس».

■ كيف ترى المستقبل فى مصر؟

- لا أستطيع التنبؤ بالمستقبل، فلست بقارئ كف ولا مطلع على الغيب، ولكننى أشعر أن التقدم بطىء وهذا لا يعطى صورة واضحة للمستقبل الذى يحتاج لتخطيط ورؤية محددة.

زهير
06-16-2010, 10:42 AM
أنيس منصور: لا أخجل من اتهامى بـالتطبيع وأعتز بأصدقائى فى إسرائيل (2)


المصري اليوم - القاهرة - نشوى الحوفى


2009 الأحد 6 ديسمبر


http://1.bp.blogspot.com/_S878scZvXmc/SdjpPDDO-jI/AAAAAAAAAII/pYoCkNw87Dk/s400/1238849388.jpg

مازالت رائحة الماضى وأصواته تسكنه، يتحدث عن «الكُتّاب» الذى حفظ فيه القرآن على مدار عامين، ليُمنع بعدها من اللعب كبقية الأطفال، تعكس كلماته مدى حبه الشديد لوالديه، إلى حد تفكيره فى الانتحار، مؤكداً أن من الحب ما قتل.

يرى أن الفلسفة الوجودية منحته التواؤم مع الحياة، لأنها تماشت مع فرديته وانطوائه على ذاته، وخجله ونظرات عينيه التى لم تفارق الأرض.

ورغم كلماته الشائكة عن المرأة، التى جمعها فى كتاب «قالوا»، فإنه يرفض تصنيفها كعدو، موضحاً أنه فقط يحب الحديث عنها بعبارات كاريكاتيرية ساخرة تجسد ما آل إليه حالها بعد أن أخذت المزيد من الحقوق.

يصف نفسه بأنه رجل قنوع بما يحصل عليه، وأنه أبداً لم يكن له طموح مهنى، ورغم ذلك منحته الأقدار منصب «رئيس تحرير» عشر مرات، «ورئيس مجلس إدارة» مرة واحدة.

أما اتهامه بالتطبيع وزيارة إسرائيل أكثر من مرة فذاك أمر لا يعنيه، مشدداً على أن الأزمة الحقيقية فى نظرتنا لليهود، ورفضنا الحديث معهم أو التعرف عليهم. وما بين كل هذا يستكمل كاتبنا الكبير أنيس منصور حواره مع «المصرى اليوم».

http://www.arabworldbooks.com/authors/anismansour1.jpg

■ لماذا تتبدى طفولتك فى كتب سيرتك الذاتية ناضجة وثرية بالتفاصيل؟

- لم أنظر لها هكذا، فهى طفولة بلا حوادث أو تقلبات، لكننى كنت شديد الحساسية لأبسط التغيرات فى حياتى، ولذا لم أعرف أنها كانت طفولة تعيسة إلا بعد أن بدأت استعادة تلك التفاصيل، فالمتاح دائماً كنت أوافق عليه لأننى لم أر غيره، فعندما ذهبت للكُتاب ومكثت فيه لتعلم القرآن سنتين ونصف السنة، اعتقدت أنه أفضل مكان للتعلم، لكننى عندما ذهبت منذ عدة سنوات لزيارته، اكتشفت أنه غرفة صغيرة كمقبرة ليس به سوى كوة صغيرة، واندهشت كيف كنا ننزل عدة سلالم تحت الأرض فى منزل من الطين دون أن نشكو. وكنا نُضرب بالعصا من «سيدنا» شيخ الكُتاب ولا يتقبل أهلنا شكوانا منه، فمن علمنى حرفاً صرت له عبداً، فما بالك بمن يحفظنا القرآن، الذى ما إن أتممت حفظه حتى مُنعت من اللعب فى الحارة، فكيف يلعب فى الشارع من يحفظ كتاب الله.

فى نفس الوقت كان أبى مفتش زراعة لدى عائلة «يكن باشا» وكنا نتنقل من مكان إلى آخر، ولم أستطع فيما كتبت عن طفولتى أن أذكر كلمة «بيتنا»، أو «شارعنا» فلم يكن لى بيت أو شارع أو أصدقاء، وكان ينطبق على المثل اليونانى القائل «الحجر المتحرك لا ينبت عليه عشب».

وزاد من وحدتى أننى كنت طالبا متفوقا، والأول دائماً فى كل المراحل التعليمية، ولذا لم أكن محل ترحيب من الطلبة معى فى المدرسة، وكان وقتى موزعا بين متابعة أمى وزيارات صديقاتها لها فى المنزل، وبين قراءة الكتب فى مكتبة أبى الشاعر الصوفى، فكنت أقرأ وأحفظ ما أقرأ من أشعار دون فهم، ولذا اعتدت على الكتاب وعرفت المتعة بين سطوره.

وهى ظروف قد تتوافق أو تتشابه إلى حد كبير مع ظروف الكثيرين غيرى من أبناء جيلى، الواقع الذى أدركه الآن أننا رغم قسوة حياتنا فإن تلك الملامح فى الحياة أخرجت العديد من العمالقة فى مجالات عدة «الأدب، الطرب، العلوم والصحافة..»، وهو أمر نفتقده الآن رغم أن الحياة باتت أكثر يسراً.

■ لماذا يعجز قارئ كُتب سيرتك الذاتية عن معرفة ما إذا كنت طفلاً وحيداً أم لك إخوة؟

- هذا صحيح، فأبى وأمى كانا يتعاملان معى وكأننى طفلهما الوحيد، والسبب أننى كنت أكثر إخوتى حناناً على أبوىّ، وأقلهم إثارة للمشاكل، وأكثرهم تفوقاً والتصاقاً بهما، لأنهما كانا مريضين، وكان مرضهما يثير فى نفسى الإشفاق عليهما بشدة، رغم أننى لم أكن الكبير بين إخوتى، وكان ترتيبى التاسع بين أحد عشر ابناً وابنة. ويصمت ثم يضيف ضاحكاً: «ولذا فأنا من أشد المعارضين لفكرة تنظيم الأسرة لأنها لو طبقت فى أسرتى لما جئت للحياة».

■ تعبر كتاباتك عن حالة شديدة الوله والارتباط بالأم والإجلال للأب.. كيف تنظر لتلك العلاقة الآن بعد مرور كل تلك السنوات؟

- كانت أمى جزءاً من تكوينى، ولا تزال، رغم رحيلها عن الدنيا عام ١٩٧٠، وكانت نصائحها وعباراتها لى قواعد لا مناقشة فيها حتى بينى وبين نفسى. فما تقوله لى واجب النفاذ حتى لو لم تكن بجوارى، وحتى بعدما صرت شابا يجوب الدنيا، كل ذلك إرضاءً لها. وكل ما نصحتنى به لم أغيره حتى الآن، رغم معرفتى فيما بعد أن هناك أموراً قالتها لى ثبت خطؤها، منها على سبيل المثال، طلبها منى ألا أتحدث للبنات فلم أفعل، وألا أصاحب من يدخن السجائر وهو ما حدث.

وأتذكر أننى عندما كنت فى الجامعة قُطع زر قميصى، فأسرعت واحدة من زميلاتى بشعور أخوى صادق وخاطته لى، لكننى ومن شدة توترى اعتقدت أن لون الزر مخالف لباقى الأزرار، فأسرعت أغير ملابسى عند عودتى قبل أن ترانى أمى حتى لا تغضب منى. وفى الصباح اكتشفت وأنا أمسك بالقميص أن لون الزر لا يختلف عن بقية الأزرار.. ليس هذا فقط فارتدائى ملابس بكم طويل فى الصيف والشتاء مرجعه أمى التى كانت تخشى على من المرض أو الإصابة بالأنفلونزا. أما أبى فكان غائباً باستمرار بسبب طبيعة عمله، ورغم ذلك كان حاضراً دوماً بصورته فى ذهنى وتأثرت به بشدة. وشاء القدر أن يموت يوم تخرجى عام ١٩٤٧.

يومها سألنى: «أنجحت؟» فأجبته: نعم.. فسألنى: «ترتيبك الأول؟»، فقلت: «لا أعلم». وتركته وذهبت للجامعة، حيث علمت أننى الأول على القطر المصرى بقسم الفلسفة بكلية الآداب، فأسرعت أبلغه وما إن علم حتى فاضت روحه. والحقيقة أن ارتباطى بوالدىِّ وشدة حبى لهما أتعبانى، حتى إننى تمنيت فى طفولتى لو كنت ولدت كسيدنا آدم بلا أب ولا أم، حتى لا أعانى من قلقى عليهما، وضعفى أمام لحظات الألم التى مرت بهما.

■ البعض يرى وجود مسافة فاصلة بين الشعر الصوفى الذى نشأت فى كنفه، ودراسة الفلسفة التى تخصصت فيها.. كيف ترى تلك العلاقة؟

- دراستى للفلسفة جاءت من خلال تفوقى وحصولى على المركز الأول فى المسابقة التى كنا نخوضها فى كل العلوم، نهاية الدراسة ما قبل الجامعية، وبالتالى انتقلت لدراسة هذا العالم فى كلية الآداب جامعة القاهرة، وهى دراسة تتوافق وطبيعتى البشرية، لأننى منذ طفولتى اكتشفت أننى مخلوق يشاهد المجتمع دون أن يشارك فيه، من الممكن أن أمكث وقتاً طويلاً بمفردى، يكفينى أقل الطعام دون شكوى، ولذا قادتنى طبيعتى الخجلة الانطوائية لدراسة الفلسفة والوجودية بالذات، التى وجدت فيها ملامح الفردية والحرية والاكتفاء بالذات وهى ملامح تتشابه مع داخلى وتفكيرى، ورغبتى فى التأمل فى الكون وتحليل البشر.

وأعترف بأننى حديث العهد بالمجتمع والحياة الاجتماعية التى لم أدخلها إلا عبر زوجتى التى قادتنى لها، ورغم ذلك تسعدنى الوحدة. وأذكر بأننى لم أتعجب عندما ماتت والدة المفكر عباس العقاد ولم ينشر نعياً لوفاتها، لأنه أمر شخصى لا يعنى غيره.

■ ألا ترى تناقضاً بين ما تتحدث عنه من انطوائية وأن يكون فى حياتك رجل مثل الشيخ دهليز الخبير فى دنيا العوالم؟

- بكل تأكيد أنا نفسى لا أعلم كيف دخل حياتى وكيف خرج منها، لكنه كان بالنسبة لى عالما جديدا ومثيرا، استمرت صحبته على مدار نحو أربعة أشهر دون علم أبوىّ، وفى اعتقادى أن سبب تعلقى بتلك الشخصية لبعض الوقت هو حاجتى لرؤية عالم مختلف عنى، فأنا لم أعرف سوى أصدقاء أبى المتعلقين بالشعر الصوفى، ولذا فاجأنى عالم دهليز الصاخب، الملىء بالشخصيات الغريبة عنى. كان دهليز ضريراً، يحفظ الشعر «الهلس» ويصحبنا معه فى الأفراح التى يذهب لإحيائها، وشاركته الغناء فى بعضها، وكان يشجعنى بالقول إننى «موهوب طرب». وأذكر أنه أعطانا ذات يوم خريطة قال إن بها مكان قبره، فلما ذهبنا لرؤية موقعها، وجدناه هناك يضحك ويقول:«ضحكت عليكو».

■ رغم التعمق فى الصوفية، ودراسة الفلسفة الوجودية فكرت فى الانتحار مرتين. لماذا؟

- المرة الأولى التى قررت فيها الانتحار كانت عقب حصولى على التوجيهية عام ١٩٤٢، بسبب حالة شديدة من اليأس والإحباط أصابتنى عقب مرض والدىّ، وعجز الأطباء عن منحهما الراحة، فى ذات الوقت الذى ظهرت فيه نتيجة الامتحان التى كنت فيها الأول، كان الجميع يهنئنى بنجاحى، عدا والدىّ اللذين كانا مريضينٍ، فهانت علىّ الدنيا، وذهبت لكوبرى طلخا، وفى اللحظة التى قررت فيها إلقاء نفسى فى المياه، وجدت السيدة التى كانت تعطى والدتى الحقن أمامى، تسألنى عن صحة والدتى فانهرت وتراجعت عما فكرت به عائداً لوالدى. والمرة الثانية لا أريد الحديث عنها.

■ رغم مرارة بعض الذكريات التى تتحدث عنها فإن فى حديثك روحاً عالية من الدعابة، كيف هذا؟

- ما هى النكتة؟ هى طلق نارى يسجل ضد مجهول.. شخص يريد السخرية من وضع قائم، أو الانتقام من شخص ما أنزل به أذى. حتى إن كلمة كاريكاتير ذات الأصل الإيطالى اشتُقت من كلمة «كاريكارى» التى تعنى يغيّر أو يشوه، فالكاريكاتير تشويه بقصد التغيير. والسخرية وسيلة للقفز على الألم. حتى إن غالبية رسامى الكاريكاتير فى العالم من الأقليات.

■ تخرجت عام ١٩٤٧ بتفوق فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، فلماذا كان قرارك بالدخول إلى عالم الصحافة؟

- دخلت الصحافة بالصدفة، فلم أكن أقرأ حتى الجرائد، كما لم أشارك فى أى مظاهرة سياسة، ولم تكن لى علاقة بالأحزاب السياسية التى كانت موجودة فى ذلك الوقت، ظناً منى أن الطالب لا مهمة له إلا استذكار دروسه والتفوق فى جامعته، فكنت طالب الامتياز بقسم الفلسفة على مدار السنوات الأربع، وكان هذا يعنى قيامى بدراسة مواد إضافية لا يدرسها بقية الطلبة، وكان أساتذتى فى الجامعة، الدكاترة شوقى ضيف، وعبدالرحمن بدوى، ولويس عوض، يروننى مدرساً للفلسفة.

لكننى، ولمعرفتى باللغات، ودراستى للفلسفة، كنت أطمح إلى العمل بإحدى الهيئات الدولية. حتى كان لقائى بالدكتور عبدالوهاب عزام، عميد كلية الآداب وقتها، الذى نصحنى بالعمل فى الصحافة. وذات يوم ذهبت لزيارة أحد زملائى خريجى القسم وكان يعمل بجريدة الأساس، وينشر دراسات أدبية بالجريدة، وعرض علىّ كتابة القصص فى الصفحة الأخيرة التى كان يشرف عليها وقتها موسى صبرى، فكتبت القصة الأولى ونشرت، فعرفت طريقى للكتابة فى الصحف من باب الأدب، ولذا فأنا لا أصنف نفسى ضمن قائمة المخبرين الصحفيين. فمن البداية كتبت المقال والقصة، وأصنف نفسى «أديباً يكتب فى عالم الصحافة»، رغم أن الصحافة أعطتنى غاية ما يطمح إليه العاملون بها، فتم اختيارى رئيساً للتحرير عشر مرات، ورئيساً لمجلس الإدارة مرة.

■ «فى صالون العقاد كانت لنا أيام».. واحد من أروع كتبك الذى قدمت فيه للقارئ حياة كاملة من الفكر.. كيف كانت علاقتك بالأديب العقاد؟

- قلت إننى عندما جئت إلى مصر التحقت بجامعتين، الأولى القاهرة، والأخرى جامعة العقاد، والأخيرة كانت أكثر إمتاعاً، وإثارة، وتشويقاً، لأننى كنت أشاهد مفكراً وكاتباً عظيماً وهو يفكر، ويفلسف القضايا، ويعيد تنظير العديد من المسائل، ليس بالنسبة لنا نحن فقط تلاميذه، ولكن بالنسبة لأساتذتنا أيضاً الذين كانوا يحرصون على حضور جلسات العقاد كل يوم جمعة، لكننى عندما تخلصت من جاذبية العقاد وبدأت أرى عبقرية الدكتور طه حسين، والدكتور عبدالرحمن بدوى، اكتشفت أن العقاد كانت به قسوة تجعله لا ينظر لنا كأبنائه أو تلامذته، كان يتعامل معنا بمنطق الأستاذ والمفكر الذى لا يخطئ، ويغضب لو اختلفنا معه فى الرأى.

وأذكر أنه فى نهاية الخمسينيات أجرت معه الزميلة نادية عزت حواراً فى مجلة روزاليوسف، وسألته عن رأيه فيما يكتب أنيس منصور، فأجاب: ومن هذا الـ«أنيس منصور؟» وحزنت لأننى أرافقه منذ عام ١٩٤٧، وعاتبته، فنفى ما نشر بالحوار مؤكداً أن المحررة كذبت. وبعدها قال فى حوار آخر فى مجلة آخر ساعة كلاماً عنى ضايقنى، فكتبت مقالاً فى «روزاليوسف» بعنوان «أستاذ عباس العضاد» قلت فيه إنه أحياناً يطلق عبارات تكون مثل العادم الذى يخرج من «شكمانات الماكينات الضخمة»، ووقعت باسمى، فغضب وثار وسألنى كيف أكتب مثل هذا الكلام، فنفيت علاقتى بالمقال، كما فعل هو من قبل معى، وقلت له إن المجلة أبدلت كلامى.

■ عند وصولك للقاهرة انضممت لجماعة الإخوان المسلمين.. ما السبب وكيف وجدت فكرهم؟

- لا تسألينى عن رأيى فى الإخوان المسلمين فى تلك الفترة، لأننى عندما جئت للقاهرة وجدتها كبيرة جداً، لدرجة أننى كنت أندهش من اتساع الطرق وكيفية عبور الناس لها، والحقيقة أننى وجدت فيهم الألفة، وكانوا يتعاملون بالقرآن الذى أحفظه، ولديهم مكتبة كبيرة جعلونى أمينا عليها فى مركز إمبابة، وكان يطلب منى كما يطلب من غيرى، كحافظ للقرآن، أن نذهب ونؤم المصلين فى عدد من المساجد، ونخطب فيهم يوم الجمعة.

وكنا نذهب بلا أى تفكير أو مناقشة، رغم أنه كان من الممكن أن أسير مسافة ساعتين كى أصل للمسجد المقصود، وعندما أصل أعرف خطيب المسجد بنفسى، وقد يكون شيخاً كبيراً، فآمره بالتنحى عن خطبة الجمعة لى، وهو أمر مخجل ليس فيه أى أدب، وأتعجب كلما تذكرته كيف فعلته، لكنها الأوامر التى تعتاد على طاعتها فى الجماعة، لذا فأنا الآن أعذر الشباب الصغير الذى ينضم لأى جماعة تكون هى المتحكم فيه دون مناقشة منه لأى أمر من أوامرها.

■ وكيف جاء الانفصال عن الإخوان المسلمين؟

- فى عام ١٩٤٦ اكتشف عدد من الإخوان أننى ومعى عدد من زملائى فى الجامعة نجلس فى المكتبة ونتناقش فى موضوعات ليست دينية، لكنها تتنوع بين الفلسفة الوجودية والماركسية، فأبلغوا مكتب المرشد عنا وجاء قرار بفصلنا من الجماعة.

■ كيف ترى الإخوان الآن.. وهل تتفق مع من يقولون إنهم جماعة لا تسعى إلا للاستحواذ على السلطة؟

- يجب أن نعلم أن صاحب الفكر يسعى لأن تكون له سلطة لتدعيمه، وصاحب السلطة يريد أن تكون له نظرية لتطبيقها، وفى التاريخ نجد أفلاطون تحدث عن المدينة الفاضلة وكان يتمنى أن يطبق أفكاره الخيالية، فأعطاه أحد الملوك جزيرة خالية لتطبيق فكرته ففشل، لذلك نجد أن أى حاكم لابد أن يكون بجواره شخص يفكر، فهتلر قرب منه الفيلسوف روزنبرج، وأرسطو كان بجوار الإسكندر الأكبر، وديجول كان بجواره موروا، وهكذا، والسبب أن صاحب الفكر يريد قوة، وصاحب القوة يريد بجواره فكراً. وقد يكون للإخوان فكر، ولكن لهم سوابق عديدة فى العنف تجعلنا غير قادرين على تبنى فكرهم أو الدفاع عنهم.

■ لا ترى حرجاً فى التعرف والتقرب من الآخر حتى لو اختلفت معه.. هل ينطبق هذا على وجود صداقات لك مع عدد من الإسرائيليين؟

- اكتشاف الآخر ضرورى لتحديد طرق التعامل معه.. فإذا رفضت شخصاً أو كياناً، دون معرفة فكيف أبرر رفضى له، أو أتعرف على نظرته لى، وعلاقتى بإسرائيل تعود حتى قبل مرافقتى للرئيس السادات فى رحلته الشهيرة للقدس، حيث قررت عقب النكسة عمل معرض للصور جُبت به عدداً من الدول العربية، كان دافعى له إحساس المرارة بعد وقوع النكسة، وبعد زيارة السادات للقدس صار لى أصدقاء إسرائيليون تجمعنى بهم صفة الإنسانية.

والأمر لا يقتصر على الإسرائيليين فقط، فعلى الرغم من موافقتى على الرأى القائل بخطر المد الشيعى الإيرانى، فإننى ضد قطع العلاقات معها، ودليلى أن ما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الكثير لكن لم تقطع أى منهما العلاقات مع الأخرى، والغريب أننا كنا كعرب أول من اخترع شعرة معاوية، التى نشدها ونرخيها حسب الظروف مع الحرص على عدم قطعها، لكننا للأسف لا نطبقها.

■ هل تغضب عندما تُتهم بالتطبيع بسبب علاقاتك وزيارتك السابقة لإسرائيل؟

- لا أغضب ولا أهتم.. وكل إنسان من حقه أن يعتقد ما يريد، فإنجلترا استعمرت مصر أكثر من ٧٠ عاماً، ورغم ذلك علاقتنا بها جيدة، واللغة الإنجليزية تدرس فى مدارسنا لم نحرّمها، فلماذا اليهود؟ فى اعتقادى أنه التعود على الصورة النمطية للعدو، والدليل أن الرئيس الراحل أنور السادات ذكر فى كتابه «البحث عن الذات» أنه وأثناء تواجده فى أحد فنادق زيورخ، أخبره أحد الموظفين أن الغرفة المجاورة له بها يهود، فغادر الفندق، وهو نفسه الرجل الذى قاد السلام فيما بعد، إلى جانب أننا لم نُعرف اليهود تعريفاً جيداً. وقد يكون المصريون على حق بعض الشىء، لأن إسرائيل دولة قامت على الدين، وشعبها يتعامل بنعرة دينية تميز حتى بين طوائفه المختلفة.

■ تتحدث عن الحوار مع الآخر وتقبله.. ولكن كتاباتك عن المرأة لا تعبر عن هذا التقبل؟

- لست عدواً للمرأة.. لكننى أراها فقدت الكثير من أنوثتها، ورقتها بكثرة مطالبتها بالحقوق التى سعت لها، خرجت من البيت ولا أعتقد أنها ستعود له، وأحب دوماً أن أكتب عنها عبارات ساخرة تعبر عن رؤيتى لها.