المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كي لا يلدغ الناخب العراقي من جحر مرتين



حوراء الصبر
02-18-2010, 03:43 PM
السؤال المبرم المطروح على جميع المشاركين في الانتخابات القادمة لمجلس النواب العراقي والمراقبين في خارج البلاد هو، من سينتخب المواطن العراقي ممثلين له في مجلس النواب؟ وهل سيعيد الناخب العراقي الخطأ من جديد لينتخب من لا يتمتع بالكفاءة ولا القناعة بالعملية الديمقراطية وغارق في الطائفية ومحاصصاتها ليجلس على كرسي ممثل الشعب في المجلس؟ وهل يلدغ الناخب العراقي من جحر مرات إضافية؟.
هذا السؤال مشروع ومبرم لأن وصول نواب ذوي خبرة ونزاهة، يتجاوزون الطائفة والعشيرة، ويضعون في مقدمة أولوياتهم المصلحة الوطنية العراقية العليا، ويرفعوا الهوية العراقية وليس غيرها كمرشد في عملهم، من شأنه أن يمهد إلى حدود كبيرة لخروج العراق من دوامة العنف والفوضى والفساد والتعثر الذي يعرقل بناء العراق الجديد وإرساء التجربة الديمقراطية في البلاد.
بالطبع ينبغي أن لا نبالغ في التوقعات، كما يجب أن لا نقع في فخ التشاؤم. فالتركة التي ورثناها ثقيلة، والتجربة الديمقراطية في العراق مازالت وليدة تخطو خطواتها الأولى، وتحتاج إلى وقت إضافي كي تشذب نواقصها وتزيل العوائق من أمامها وتطور أدائها. والأهم من ذلك أن يصل الناخب العراقي إلى مستوى من النضج السياسي بحيث لا يختار إلاّ الأكفأ والأكثر نزاهة والأكثر قناعة بقواعد الديمقراطية، بدون النظر إلى طائفته أو دينه أو عرقه. إذن يعتمد نضج العملية الديمقراطية بالأساس على مستوى نضج الناخب وتعمق تجربته الذي بيده مفتاح التغيير. وعلى الرغم من التفاؤل الحذر بمستقبل تجربتنا الديمقراطية الفتيّة، إلاّ أنه من الضروري الإشارة إلى بعض المعوقات أمام هذه التجربة في المرحلة الراهنة، والتي تقع مسؤولية إزالتها على الناخب العراقي بالدرجة الأولى.
أولى المعوقات هي عدم إقدام مجلس النواب الحالي على تشريع قوانين تتعلق بالحريات الديمقراطية وفي مقدمتها قانون الأحزاب، أو اتخاذ إجراءات من شأنها التأكد من سلامة من يشارك فيها. إن تخلف مجلس النواب عن هذا التشريع المهم بات مفهوماً بسبب امتناع كتل متنفذة في المجلس عن هذا التشريع كي لا يتم الإفصاح عن مصادرها المالية. فقد امتنع 60% من أعضاء مجلس النواب عن تقديم كشف لهيئة النزاهة بأرصدتهم المالية ومصادرها. كما ترددت هذه الكتل عن إمرار هذه القوانين لدوافع سياسية تجنباً لفضح علاقاتها مع جهات خارجية. وتبعاً لذلك فإن عدم تشريع القوانين الخاصة بالنشاط السياسي أعطي المجال لمن يتاجر ويرشي بالمال السياسي لأغراض انتخابية والترويج للفساد، بحيث أتاح الفرصة لمن لا يستحق تمثيل الشعب في تسلق سلم مجلس النواب. فعدم تشريع هذه القوانين يعني بالضرورة تكرار تجربة الدورة الحالية التي اتسمت بضعف العديد من النواب وتعثر عمل المجلس وعدم قدرته على تشريع القوانين المطلوبة لخروج البلاد من دائرة التخلف والفساد الذي ورثناه من الحكم السابق. ويضاف إلى ذلك وهو أمر جوهري هو تخلف الحكومة في إجراء التعداد السكاني الذي بدونه يتعذر إجراء انتخابات خالية من التشويه بل وحتى التزوير.
وبالرغم من القرارات التي اتخذتها هيئة المساءلة والعدالة بحرمان بعض المرشحين من المشاركة في الانتخابات القادمة، إلاّ أن الهيئة لم تدقق في مرشحين وكتل مازال أفرادها يحملون السلاح ويشكلون الجيوش ويعلنون للملأ عن نشاط هذا الجيش أو تجميده وليس

حله، وتسليم الأسلحة للدولة، خلافاً لمواد الدستور العراقي. إن الدستور العراقي صريح في ذلك حيث يشير إلى:" حظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، بخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون". إن عدم تشريع قانون يتناول هذه المادة الدستورية لا يعني إلاّ أن السلاح والعنف سيحتفظ بدور له في العملية الانتخابية مما يشكل ثغرة في نزاهتها. ولقد تابع العراقيون عن كثب دور هؤلاء "النواب" المسلحين في المجلس وخارجه، والذي بلغ حد تفجير المجلس نفسه وقتل بعض النواب، أو عرقلة تدابير الحكومة في بسط سلطة القانون وفرض الأمن في بعض المدن العراقية إبان تطبيق خطة فرض القانون، وتحويل المجلس إلى "سوق هرج" وفوضى لشل عمله. وأخيراً محاولة الترويج للتناحر الطائفي من جديد كما انعكس في تصريحات لأحد النواب الطائفيين.
ولعل من أبرز العوائق أمام تطوير خيار الناخب العراقي في الانتخابات الحالية هي الواجهة الطائفية التي مازالت، بالرغم من الرتوش، تطغي على الغالبية من الحركات والكتل السياسية في العراق, وهذا يحد من خيار الناخب في انتخاب ممثليه على أساس الهوية الوطنية العراقية والخبرة والكفاءة، وليس على أساس الهويات التي تشتت ولا توّحد العراقيين. فعلى الرغم من السلبيات والآثار المدمرة والمحن التي لحقت بالعراقيين جراء تصّدر الخيار الطائفي للمشهد السياسي، واعتراف الغالبية من السياسيين العراقيين بخطورة الاستمرار بالتشبث بالعباءة الطائفية ونبذ الشارع لها لفظياً أو إجراء رتوش شكلية على الواجهات الطائفية، إلاّ أن واقع الحال يشير إلى أن هذا الخيار مازال هو الخيار المفضل لدى بعض الكتل مدعوماً بعناصر دينية داخلية وخارجية لفرض الخيار الطائفي على الناخب العراقي. وهذا ما يضع على الناخب العراقي مسؤولية خاصة في قلب هذه المعادلة وتوجيه رسالة أشد من الرسالة التي وجهها إلى الطائفية والطائفيين في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، والتي لم تكن كافية لردع الطائفيين.
إن العلة في بقاء الظاهرة تكمن في وجود أحزاب تتغذى، بل وقائمة على أساس ديني ومذهبي طائفي، وترتهن ديمومتها بالخيار الطائفي وليس بالخيار الوطني، مستغلة الجهل الذي فرضه النظام السابق على المجتمع. إن الجهل ووليدها الشرعي الطائفية والتشبث بها يشكل عقبة حقيقية أمام تبلور الهوية الوطنية وتشكل الدولة الوطنية والاستقرار الاجتماعي في العراق. وما على الأحزاب المذهبية، التي تحولت باعتراف أحد أقطابها إلى شركات دينية، إلاّ التفكير بصيغة أخرى وطنية لجذب الناخب العراقي، وإبعاده عن الخيار الطائفي وتفادي تشويه الدين والمذهب وزجه في حمى التنافس والمضاربات السياسية. فالواجهات الدينية وتصدّر رجال الدين لمهمة سياسية هي خارج اختصاصاتهم الروحية والمذهبية والدينية لا تتماشى مع التنافس السياسي ولا يمكنها أن توحد العراقيين بسبب تنوع انتماءاتهم، بل تثير الحساسية وتغذي المواجهات العبثية التي شهدنا دمارها في الفترة الماضية. ولقد عبر عن ذلك بحق الشيخ محمد عبده المصلح الديني عندما قال:"لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين ".
فالطائفية هي التي أسست للمحاصصة التي يذمها الجميع الآن، وهي التي تعرقل بناء الدولة وتطبيق القانون باعتراف الجميع. والمحاصصة أيضاً هي التي عطلت تشريع القوانين وشجعت على الفساد وعلى سياسة تعطيل تطبيق القوانين بعد تشريعها ، كما شاهدنا بعد الموافقة على الموازنة العامة دون تطبيق بنودها وخاصة في ميدان الخدمات العامة وتعطيل تحقيق 115 ألف وظيفة للعاطلين عن العمل إلاّ بعد الانتخابات!!!، وهي ظاهرة لم تشهدها أي من الديمقراطيات في العالم.
ومن المعوقات والعثرات التي تعرقل تبلور سريع وسليم للعملية الديمقراطية هي توسل بعض النخب السياسية بمؤسسات عفا عليها الزمن وتتناقض مع قواعد المؤسسات الحديثة الملازمة لأي مشروع لبناء الدولة على أسس ديمقراطية. ويجري الآن وبشكل محموم، على سبيل المثال، افتعال أحياء المؤسسة العشائرية وعقد الاجتماعات وصرف الجهد والوقت والأموال على إحيائها في حين أن هذه المؤسسة الوهمية لم تصمد أمام التجربة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. فالانتداب البريطاني الذي عمل على احياء واستخدام العشائرية فشل في أحيائها عندما شجع البعض كي يتحولوا إلى شيوخ وسنوا قانون دعاوي العشائر. فلم تسعف هذه المؤسسة الهشة النظام الملكي من مصيره المحتوم، والذي انهار خلال ساعات جراء ضربات ثورة 14 تموز. كما أن كل جهود صدام حسين في إحياء المؤسسة العشائرية واجتماعاته مع رؤساء العشائر المفترضين لم تنقذه من المصير الذي واجهه في التاسع من نيسان عام 2003. وسوف لا تلعب جهود مماثلة الآن في التمهيد لبناء دولة ديمقراطية عصرية راسخة. فعلى الناخب العراقي والنخب السياسية أن تركز على تنشيط منظمات المجتمع المدني الحديثة والحركات السياسية الحديثة التي ترسي أركان الدولة الديمقراطية، بدلاً من إحياء واجهات عفا عليها الزمن، ولا تقدم ولا تؤخر.
ومن المعوقات التي تقف أمام الانتخابات والعملية الديمقراطية هو الموقف من المرأة التي تشكل أكثر من نصف المجتمع. وعلى الرغم من التشريع الخاص بحصة المرأة في

مثل صارخ من أمثلة عديدة عن تهميش المرأة العراقية وتقييدها
المؤسسات المنتخبة بمقدار 25%، وهو تشريع يلقي الترحيب، إلاّ أن واقع الحال يشير إلى الالتفاف عليه من قبل "النزعة" الذكورية المتخلفة التي غزت العاصمة بغداد وكل المدن العراقية، والتي تتمثل بمبدأ"ناقصات عقل ودين". وتتحكم هذه النزعة في المجتمع وفي الحركات السياسية الدينية خصوصاً، ناهيك عن وسط معين من النساء ممن يتمسكن بقيم تضع محرمات لا طائل لها أمام المرأة في نشاطها السياسي والاجتماعي. ولعل أداء غالبية النساء من أعضاء مجلس النواب الحالي خير مثال على التهميش الذي يطال المرأة في السلطة الأولى في الدولة العراقية. فعدد قليل منهن يبادرن إلى إبداء الرأي والدفاع عن حقوق المرأة العراقية والظلم والتهميش الذي تعاني منه. "فالمحرم" سيف متخلف مسلط على المرأة يحد من نشاطها، هدفه شل أكثر من نصف المجتمع بذرائع قد تصلح لتشكيلات وقيم اجتماعية قبل قرون، ولكنها لا تصمد أمام ما وصلت إليه المرأة في العالم من علم وخبرة وثقافة. في العراق آلاف النساء ممن يتمتعن بالخبرة والقدرة على المشاركة على قدم وساق وبكفاءة مع الرجل في كل سلطات الدولة العراقية، ومن ضمنها السلطة التشريعية.
كما يعرقل تطور العملية الديمقراطية والانتخابات الديمقراطية مشكلة حقيقية تتمثل في ظاهرة التطرف والتقوقع والانعزال القومي الذي عانى منه العراق، والذي أصيبت به النخب السياسية في المكونات القومية في بلادنا، وتعمل على تغذيته من أجل احتكار التمثيل القومي لأطراف معينة في هذه المكونات. وقد اشتدت هذه الظاهرة مع اشتداد ممارسة الحكم الديكتاتوري القومي المتطرف الظلم ضد المكونات القومية من تهجير وصهر وإبادة. فالتقوقع القومي وغير القومي لا يعني إلاً وضع مبدأ المواطنة العراقية على الرف، والتفكير فقط بالجزء دون الكل، وهذا لا يحل بأي شكل من الأشكال مشكلة الجزء بل يعرقلها، كما شهدنا ذلك في السنوات التي تلت انهيار الديكتاتورية. ولا يجني العراقيون من التقوقع والانكفاء القومي والمناطقي سوى المواجهة بين أبناء البلد الواحد، ويلحق الشلل بالدولة وقدرتها على انجاز عملية البناء وإزالة الخراب الذي حل بالبلاد.
نحن الآن أمام مرحلة جديدة من مراحل العملية الديمقراطية الفتية وبناء الدولة العصرية العراقية الحديثة. ويمكن للناخب العراقي في حالة الاستفادة من الخطأ السابق في اختيار ممثليه أن يختصر الوقت والمسافة لإزالة الركام في بلادنا وبناء العراق المزدهر من خلال انتخاب ممثلين لا يضعون الطائفة فوق الأمة العراقية، ولا الكيان القومي فوق الهوية العراقية. مجلس يكون للمرأة العراقية فيه دورها الخلاق والمؤثر، مجلس لا يتغنى ويحن أعضاء فيه إلى تكرار كارثة حكم البعث السابق، ولا إلى الديكتاتورية ولا الاستبداد الديني والتكفير، ولا إلى أعضاء هدفهم التفجير وعرقلة وشل العملية السياسية. انتخاب أعضاء من ذوي الأيادي البيضاء وذوي السمعة الطيبة، أعضاء لا يلهثون وراء الشهادات المزورة والبيانات المزورة لتسلق سلم مجلس النواب القادم. انتخاب مندوبين للشعب يشاطرونه الفرح والمرارة ولا يتنافسون مع الشعب حول ثروة الوطن، أعضاء ذوي ثقافة ديمقراطية رفيعة يجنحون للسلم في الداخل وعلاقات سلمية مع الخارج ويتحلون بالتسامح وثقافة الحوار، وليس مندوبين هدفهم التلويح بالهراوات والتنديد والوعيد الذي لا طائل منه.