المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علي شريعتي عقل الثورة الاسلامية بقلم طلال يحفوفي



الدكتور عادل رضا
02-16-2010, 08:54 PM
علي شريعتي عقل الثورة الإسلامية
بقلم: طلال يحفوفي


إذا كانت الثورة الفرنسية التي رفعت شعار حقوق الإنسان في القرن التاسع عشر، هِبَةَ الانتفاضة الفكرية التي اسس لها المفكرون الاصلاحيون الفرنسيون أمثال جان جاك روسو ومونتسكيو وفولتير.

فهل يكون من المبالغة أن نقول إن الثورة الإسلامية التي فجرها الإمام الخميني في سبعينيات القرن الماضي، بمساعدة رجال الدين الإصلاحيين ليست إلا قطافاً لزرع بدأ العناية به رئيس الوزراء الإيراني السابق «مصدق» على المستوى السياسي والذي اطاحت به الاستخبارات الأميركية. والدكتور علي شريعتي على المستوى الفكري. والذي اغتالته الاستخبارات الإيرانية قبل عامين من إعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ربما.

ولكن في حدها الأدنى، تبقى بصمات الدكتور شريعتي الفكرية والاجتماعية واضحة وضوح الشمس، في مسيرة كبار رجال الدين الإصلاحيين الذين يقودورن الثورة الإسلامية حالياً في إيران. مرة من داخل السلطة، وأخرى من صفوف المعارضة توجيهاً وتقويماً.

يعتبر علي شريعتي من أبرز وأكثر الشخصيات الثورية الإيرانية تأثيراً في القرن العشرين. وقد بدأ العام 1952، مدرساً ثانوياً حيث احتك بعامة الناس الذين كانوا يعانون من حالات اقتصادية متردية. في نفس الوقت الذي بدأ يتابع باهتمام جوانب من الفلسفة الغربية والفكر السياسي.

حاول شريعتي أن يشرح ويقدم حلولاً للمشاكل التي كان يعاني منها المجتمع الإيراني المسلم بسبب مبادىء الإسلام التقليدية. وذلك في مقالاته التي نشرها في صحيفة «خراسان» اليومية والتي برز فيها تأثره بأفكار المجددين الإسلاميين كجلال الدين الأفغاني ومحمد إقبال الباكستاني وبعض المفكرين الغربيين كارل ماركس وسيغموند فرويد.ومن ثم لقائه بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر وإعجابه بأفكار المناضل الفرنسي فرانتز فانون.


شريعتي قبل الثورة


وفي محاولة لتنظيم أفكاره والتبشير بها أسس شريعتي منظمة الطلاب الإسلامية التي اعتقل على أثرها فانضم إلى حركة المقاومة الوطنية تضامناً مع رئيس الوزراء «مصدق» الذي أطاحت به الاستخبارات الأميركية بعد طرده للشاه وإجراء بعض الإصلاحات السياسية والاجتماعية بما فيها حركة التأميمات التي ضربت المصالح الأجنبية في الصميم.

وفي محاولة لإبعاده عن إيران بعد اطلاق سراحه حصل على منحة دراسية في جامعة السوربون في فرنسا حيث تعاون مع الجبهة الجزائرية الوطنية للتحرير. وبدأ بدراسة أعمال المفكر والمناضل الفرنسي فرانتز فانون وترجم بعض أعماله إلى الفارسية وروّج لها في دوائر المثقفين الثوريين الإيرانيين. مما أدى مجدداً إلى اعتقاله في باريس هذه المرة بعد مشاركته العام 1961، في تظاهرة تضامنية مع باتريس لومومبا أول رئيس وزراء منتخب للكونغو والذي اغتالته الاستخبارات البلجيكية بدعم من الاستخبارات الأميركية بعد تنصيبه بسنة.

ولإيمانه بالعمل المنظم، شارك العام 1961، في تأسيس حركة التحرير الإيرانية مع إبراهيم يزدي وصادق قطب زاده في باريس وتعرف على الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وقد تم اعتقاله للمرة الثالثة عند زيارته لإيران بتهمة المشاركة في نشاطات مناهضة للشاه. ثم اطلق سراحه العام 1965، ليبدأ بعدها التدريس في جامعة مشهد. وعندما انتشرت أفكاره بين الطلاب تحركت سلطات الشاه ونقلته إلى طهران حيث بدأ بإلقاء محاضراته في حسينية الإرشاد. وذاع صيته بين الطلاب مستقطباً الكثير من الطلاب غير المسجلين في الحسينية. فتحركت السلطات الإيرانية مجدداً لاعتقاله والزج به في سجن انفرادي لمدة 18 شهراً. وأدى الضغط الداخلي والشجب العالمي إلى الإفراج عنه العام 1977، وإبقائه تحت المراقبة الدائمة للاستخبارات الإيرانية التي زادت من التضييق عليه فقرر الهجرة إلى المملكة المتحدة. حيث وجد ميتاً في شقته في ظروف غامضة بعد ثلاثة أسابيع من وصوله إلى لندن.


شريعتي بعد الثورة


ترك شريعتي إرثاً مهماً من الأفكار التي أسهمت في تمهيد الطريق للإطاحة بالنظام الشاهنشاهي. ولعل ما كتب عن شريعتي في إيران يساوي مجموع ما كتب حول الأفغاني ومحمد إقبال ومهدي بازركان وطالقاني ومطهري. وأن هناك أكثر من مئة وخمسين دراسة عنه حتى العام 1997. ومجموع ما طبع لشريعتي في السبعينيات من القرن الماضي وصل إلى 15 مليون نسخة كما يؤكد الباحث محمد اسفندياري. وقد ذكر شريعتي نفسه أن عدد الطلاب الجامعيين الذين تسجلوا في دروسه تجاوز الخمسين ألف طالب ووزع من كتاب «الولاية» أكثر من مليون نسخة.

وقد أدّى وصول خاتمي إلى الرئاسة الإيرانية إلى إعادة إحياء أفكار شريعتي وطباعة كتبه وإقامة الكثير من الندوات والمحاضرات حول أفكاره الإصلاحية. وقد اعتبره هاشمي رفسنجاني مَعْلماً أساسياً في إرساء النهضة الإيرانية. أمّا محمود الطالقاني القائد الميداني لحركة الثورة الإسلامية (الخمينية) فيتحدث باحترام عن نزعة التجديد التي تميز بها شريعتي في محاضراته وكتبه. كذلك يقول مصطفى شمران الذي ترك الجامعة التي يُدرّس بها في الولايات المتحدة الأميركية ليساعد الإمام موسى الصدر في تأسيس حركة «أمل» في لبنان قبل أن يعين وزيراً لدفاع الجمهورية الإسلامية في إيران خلال حرب الخليج الأولى. إن رفيقه الأساسي في متاريس الجنوب اللبناني المواجهة للعدو الصهيوني، كان كتاب شريعتي «الصحراء».

أما السيّد موسى الصدر فقد أقام الصلاة على جثمان شريعتي في دمشق العام 1977. وقد أدّى احتفال تأبيني في بيروت دعا إليه الإمام الصدر للدكتور شريعتي إلى سحب الجنسية الإيرانية من السيد الصدر.

وللدكتور شريعتي حوالي الـ60 كتاباً حصلت دار الأمير للثقافة والعلوم في بيروت على حق إصدارها بالعربية بالاتفاق مع مؤسسة نشر آثار الدكتور علي شريعتي في طهران وقد صدر منها حتى الآن 29 كتاباً . وهي بصدد الإعداد لإصدار مجلة دورية باللغات الثلاث (العربية، الفرنسية والإنكليزية) متخصصة بفكر شريعتي نفسه وما كتب حوله من أبحاث ودراسات.

وتجدر الإشارة إلى أن مخازن دار الأمير في بنت جبيل وبيروت قد تعرضت لدمار كلي نتيجة الاعتداء الصهيوني في حرب تموز 2006. ولكنها استأنفت نشاطها بعد أشهر من العدوان لتعيد طباعة فكر شريعتي من جديد.


شريعتي المفكر


يؤكد الدكتور المصري طارق حجي المدرس في جامعة عين شمس في القاهرة، وجامعة جنيف في سويسرا بأن كتابات المفكرين الإيرانيين المعاصرين ومعظمهم من الإسلاميين، ورغم اختلافه مع الكثير منهم، تبقى أرقى بمراحل من كتابات العديد من المفكرين الإسلاميين حيث كلما برز مصلح أو مجدد كان عليه أن يختار بين الصمت أو النفي أو الاغتيال.

ويأمل الدكتور طارق حجي أن يتوقف العالم السنّي عن ظلمه البيّن للعالم الشيعي وتكفيره، خاصة وأنه لا يعرف إلا القليل من المساهمات الشيعية الفكرية منذ جعفر الصادق وحتى لحظتنا هذه... «وكان نصيب الشيعة منا هو الظلم البيّن من لحظة اغتيال اسمى الصحابة (علي بن أبي طالب) وابنه (الحسين بن علي) وحتى جرائم صدام حسين في حقهم...»

ويؤكد الدكتور حجي إيمانه بأنه حالما تخف الهجمات الخارجية على إيران، فسوف تقوم بتنقية حياتها السياسية والمجتمعية، والفكرية. وربما تصبح بعد ماليزيا وتركيا، ثالث الديمقراطيات الحديثة في المجتمعات الإسلامية العالمية.

يبني الدكتور حجي مطالعته على كتابين مهمّين للدكتور شريعتي يستطيعان تلخيص مجمل مسيرته النضالية على جبهتين متلازمتين. فهو يخوض حرباً ضروساً داخل المذهب الشيعي لتنقيته من الشوائب السياسية التي حولته إلى حزب صفوي في مواجهة العالم الإسلامي السنّي.
ثم يعود لمناقشة الفراق السنّي - الشيعي المفتعل داعياً للعودة إلى روح الإسلام التوحيدية.

وهذا ما يتجلى بكل وضوح في دراساته عن التشيع الصفوي في مواجهة التسنّن الأموي من جهة. مشيداً بالرؤية التي تمتع بها شيخ الأزهر محمود شلتوت وإخوانه في حركة التقريب بين المذاهب الإسلامية والتي لقيت كل الاحتضان والتشجيع من النظام الناصري في مصر يومذاك.
بينما تتجلى حربه على «فقهاء السلطان» لتحرير العقل الشيعي من تحالف رجال الدين مع السلطات المالية والسياسية في كتاباته عن «النباهة والاستحمار» وهما عنوان كتابه الشهير الذي سبق بكثير مفاهيم من مثل «الاستكبار».. و«الشيطان الأكبر».


المحبة، الحكمة والقوة


هاجسان رئيسيان سيطرا على مسيرة الدكتور علي شريعتي الفكرية والإصلاحية. فهو يكاد يكون «ابن رشد» جديد يشهر عقله في مواجهة التراكمات الطفيلية والانتهازية والسياسية التي غلفت الدين ومذاهبه فانحرف بعيداً تحت سيطرة الفقهاء التجار والسياسيين.

معركته الأولى كانت داخل المذهب الشيعي، انتقل منها إلى تقليم الخلافات بين المذاهب وصولاً إلى وحدة إسلامية عقلانية، انتهاءً بمحاولته بث الوعي لدى الجماهير لتنظيم علاقتها مع السلطتين السياسية والدينية بموضوعية جدية وواضحة. ولعل أصدق مثال على هذا التوجه العلمي المنفتح على الثقافة العالمية مقالته عن المفكر الإسلامي الهندي - الباكستاني محمد إقبال.

يقول شريعتي في مقالته «إن أعظم نصيحة قدمها ذلك المفكر الهندي المسلم هي: ليكن قلبك مثل قلب المسيح، وفكرك مثل فكر سقراط، ويدك مثل يد قيصر. وليكن كل ذلك في إنسان واحد». فهو يؤكد على المنابع التي شكلت إنساناً يستطيع ان يجمع المحبة والحكمة والقوة في شخصية واحدة. فمحمد إقبال ذهب إلى اوروبا وتعرف على مدارسها الفلسفية وعرّف الناس بها عندما عاد إلى الهند.

ورغم أنه عاش في القرن العشرين وفي خضم الهيمنة السياسية والحضارية الغربية. ورغم اعتراف الجميع به وبعلمه، وبأنه فيلسوف من فلاسفة القرن الماضي إلا أن أحداً لا يتهمه بأنه صنيعة الفكر الغربي أو أنه «تغريبي»، بل على العكس، فشريعتي يرى أن إقبال استوعب ثقافة الغرب فصار لا يرهبها. وذلك لأن معرفة إقبال بالغرب مكنته من السيطرة عليه، وسلاحه في ذلك هو ما يمتلكه من ملكات نقدية وقدرة على الاختيار والتقييم واستنخاب الأفضل والأصلح.


النباهة والاستحمار


في كتيّبه «النباهة والاستحمار» الذي صدرت ترجمته العربية سنة 1991، يقول علي شريعتي «..وقع مصير الدين في أيدي قوات استحمارية مضادة للإنسانية تتسمى بأسماء كالطبقة الروحانية والطبقة المعنوية والطبقة الصوفية وطبقة الكهنوت الذين اتخذوا من الدين وسيلة لاستحمار الناس فردياً واجتماعياً». ويؤكد شريعتي على أنه يتحدث هنا عن الدين المضلل. الدين الحاكم الذي يتشارك السلطة مع رجال المال والقوة. «..يقولون دع الدنيا فإن عاقبتها الموت. إدخر كل هذه الامنيات والمشاعر إلى الآخرة. ليس الفاصل الزمني بكثير: ثلاثون أو أربعون أو خمسون سنة: ما قيمتها؟ بعدها كل شيء سيكون تحت أمرك. دع الدنيا لأهلها: السلطة والمال!

وهنا يقترب شريعتي من كارل ماركس وإن اختلف معه في التوصيف. فالدين ليس أفيون الشعوب. ولكن استعمال رجال الدين للدين هو الذي يجب أن يوصف بأنه أفيون الشعوب. وبينما نجد كارل ماركس يشن حملة شرسة لتدمير الدين، كان علي شريعتي يسعى لتغيير جوهر فهم الناس له تغييراً جذرياً.

وفي مكان آخر من الكتيّب، يقدّم لنا شريعتي مثالاً توضيحياَ آخر.

«..عندما يشبّ حريق في بيت، ويدعوك أحدهم إلى الصلاة والتضرّع إلى الله لإطفاء الحريق. انظر كم هي مقدّسة هذه الدعوة شكلاً، وما أبشع ما يمكن أن تؤدي إليه مضموناً، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائنة. فالمطلوب هو إطفاء الحريق ومن ثم التفرغ للصلاة والتضرع وشكر الله. والانصراف عن إطفاء الحريق إلى أي عمل آخر حتى ولو كان مقدساً إنما هو استحمار مبين».

ويستشهد شريعتي بالتاريخ الإسلامي البعيد عائداً إلى صدر الإسلام عندما كان المسلمون يقاضون الخليفة على أي سلوك لا يعجبهم. ويناقشونه في المجالس العامة دون خوف أو حذر. فقد كانوا أهل وعي ودراية، متنبهون لمصالح ومصير مجتمعهم، حيث يصعب ظلمهم والسيطرة عليهم فبالتالي لا يمكن «استحمارهم» أبداً. وذلك على خلاف المجتمع الإسلامي في العصر العباسي الذي بلغ ذروة الحضارة العلمية والازدهار الاقتصادي، إلا أنه فقد الوعي والاهتمام بمصيره الاجتماعي حتى أصبح غير مبالٍ بأي ظلم وجور أو تبذير تقوم به السلطات آنذاك كما حدث بعد الوليمة التي اقامها جعفر البرمكي بمناسبة زفافه «..حيث طبخ من الطعام ما أخذوا يُخرجون الباقي منه من بغداد عدة أيام. حتى تجمع جبل من الطعام خارج المدينة، وبعد أن تغذّت منه الطيور والحيوانات أياماً، تعفّن فأخذ يهدد صحة الناس وسلامتهم مما اضطرهم لاستئجار جماعة لإبعاده عن المدينة. ولم يظهر لهم رجل من المسلمين ليقول لهم هذا الطعام الكثير إسراف في الدين».

لماذا؟ لأنهم فقدوا تلك «النباهة»، حتى إذا جاءهم المغول تهدّم كل الصرح الاجتماعي الذي كان قائماً ولم يبق له أي مدافع.

ويعتبر الدكتور شريعتي نموذجاً فريداً بين مفكري إيران. فبالرغم من أنه فارسي العرق، لم يكن يتوقف عن نقد النزعة الشعوبية لدى الكثير من شيعة إيران.، بطريقة أكثر جذرية من غالب من تصدى لهذا الموضوع من الأدباء العرب. وتجدر الإشارة إلى فارسية جعفر البرمكي الذي ورد نقده في المثال السابق والذي كان وزيراً لهارون الرشيد في ذروة العصر العباسي.

كان شريعتي يؤكد وبكل شجاعة رفضه للحلف غير المقدس الذي كوّنه بعض رجال الدين (فقهاء السلطان) مع الحكام وأصحاب رؤوس الأموال. وفي سياق رفضه الشامل للطبقية، بلغ الحال بشريعتي أن طرح مقولة «إسلام بلا رجال دين أو بلا مؤسسة دينية». وهي المقولة التي أثارت غضباً عاماً ضده في الأوساط الدينية في إيران. أي في مجتمع كانت تركيبته الاجتماعية قائمة على هرمية يقف المرجع الديني على رأسها. أدى إلى إصدار بعض المرجعيات الدينية في إيران فتاوى تحرّم قراءة كتبه. إلا أن إخلاصه وشخصيته ونضاله ضد التسلط الشاهنشاهي ساعدت على إعلاء مصداقيته على مستوى الرأي العام الثقافي، الطلابي، وعلى مستوى رجال الدين الإصلاحيين.


الاستحمار الديني والاستحمار المديني


يمثل الدين أكبر قوة مسيطرة في التاريخ الإنساني. ويراه شريعتي أكبر وأقوى مستحمر في العصور القديمة وصولاً للعصر الحديث. وهنا ينبه شريعتي إلى ضرورة التمييز وعدم الخلط بين الدين الذي بلّغه الأنبياء في ذروة الحقيقة. وبين الدين الاستحماري (دين ضد الدين) الذي يقف في وجه الدين الحقيقي محاولاً تعطيل قدراته ونفوذه الثوري والإصلاحي.

ويضرب على ذلك أمثلة منها استخدام «الاستغفار» و«كتاب الأدعية» كصيغة شرعية لـ«صكوك الغفران» التي كان القساوسة المسيحيون يبيعونها إلى العامة المؤمنين جواز مرور إلى الجنة. أي أنك تستطيع القيام بكافة الموبقات ثم تذهب إلى كرسي الاعتراف لتخرج طاهراً. أو تستعبد الناس وتؤذيهم في مصالحهم ثم تتلو بعض جمل الاستغفار لتمسح بها ما فعلت.

والاستحمار نوع واحد تتنوع أدواته بين القديم والحديث. ففي حين يعتمد الاستحمار القديم على الدين وتحوير استخدام أدواته كـ«الزهد» حتى يتناسى الناس واقعهم المعاش وإهمال ثروات الدنيا.. ليحوز عليها غيرهم. و«الشكر» وسيلة لتقبل الواقع على علاته دون التحفيز على تغييره. و«الشعر» عندما يبتعد عن رسالته الاجتماعية والإنسانية ويبقى كلمات في إطار الفن للفن .وحتى «القومية» من باب تحوّل الفخر والاعتزاز بالماضي والتراث إلى عنصرية استعلائية تهمل الحاضر أو الانفتاح على الحضارات والشعوب الأخرى. وأما أدواته الحديثة فتحويل «التخصص» إلى انعزال هامشي. ولا يعني شريعتي هنا «التخصص» بمعناه التفريعي للعلوم وتطورها، بل بمعنى المحافظة على مراعاة «الشمولية» وتعدد الأبعاد في مجال البحث عن الحقائق الإنسانية.

كذلك تتحوّل «الحضارة والتجدد والمدنية» إلى عادات استهلاكية على مستوى تسوّق البضائع الأجنبية أو استيراد الخبرات الغربية فيتحوّل الإنسان في العالم الثالث إلى مستهلك مُخَّدر معصوب العينين فاغر الفاه. يعيش في مجتمع «حديث» الأبنية والسيارات. والطرقات بحيث تصبح البلدان الأكثر «تجدداً» و«حداثة» هي الأكثر تخلفاً على مستوى الإنتاج الاقتصادي.

ولا ننسى «الحريات الفردية» التي يحوّلها الاستحمار الحديث إلى عائق أمام الوعي الجماعي كإطلاق طير من قفصه في غرفة مغلقة.
أما «حرية الجنس» و«حرية المرأة» فجزء تعويضي زرعه الغرب في العالم الثالث ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها من أساليب الاستخدام: نباهة عقلية أم تشويش للإلهاء بينما يمتص الغرب مقدراتنا وثرواتنا.


التشيع والتسنّن


يُعدّ فيلسوف ومهندس الثورة الإسلامية في إيران الشهيد الدكتور على شريعتي الملّقب بـ«المعلم» واحداً من القلائل الذين استطاعوا التجرد بعيداً عن هوى المذاهب والتمذهب. وسعى بكل ما أوتي من قوة إلى لملمة الصفوف تجاه الوحدة. لا بل إنه خصص كتاباً يعد معلماً من معالم الفكر الشيعي في العصر الحديث ألا وهو «التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي». ويعيد انتشار الخلافات الإسلامية والخصام المذهبي إلى ما يسمّيه انتشار العدويّن المتآخيين «التشيّع الصفوي» و«التسنّن الأموي» مقابل انحسار الأخوين التوأمين «التشيّع العلوي» و«التسنّن المحمدي». فما هو «التشيّع الصفوي» وبالتالي ما هو «التسنّن الأموي».

التشيّع الصفوي نسبة إلى الدولة الصفوية التي حكمت إيران. من العام 1501 إلى العام 1722. وقد أسس هذه السلالة شيخ طريقة صوفي يدعي صفي الدين الأردبيلي (1252 - 1334). ثم تحوّل أبناء هذه الطائفة إلى المذهب الشيعي منتصف القرن الخامس عشر حيث قام إسماعيل الصفوي بقيادة هذا التنظيم وكون وحدات من الجيش اشتهرت بإسم «القزلباش» وتعني الرؤوس الحمراء نسبة إلى العمامة الحمراء التي يرتديها أتباع الطريقة الصفوية وتشتهر بلفها حول الرأس اثنتا عشرة لفة تلميحاً للأئمة الاثني عشر. واستطاع من خلال هذه الميليشا السيطرة على كامل بلاد فارس في العام 1551. ثم تمددت سلطة هذه الدولة عسكرياً فضمت البحرين والساحل الشرقي لجزيرة العرب العام 1601. ثم استولت على أذربيجان سنة 1603، وأرمينيا وأجزاء من أفغانستان 1608، ثم العراق وكردستان 1623 - 1624.

وقد زعمت هذه السلالة انحدارها من نسل الإمامة لتضفي شرعية زائفة على سلطتها الدينية. ويلاحظ شريعتي أن الحركة الصفوية ورجال الدين المرتبطين بها عملوا على إضفاء الطابع المذهبي وبعث القومية الفارسية من جهة، بينما ركزت أجهزة الدعاية الصفوية على نقاط الإثارة والاختلاف بين السنّة والشيعة، وأهملت النقاط المشتركة. حتى أن دعاتها كانوا يجوبون الشوارع ويرغمون المارة والعامة على لعن الشيخين (أبا بكر وعمر) لتحصين الجبهة الداخلية للدولة في مواجهة الجار السنّي العملاق: الدولة العثمانية.

ويصف شريعتي السباب واللعن والشتيمة بالأعمال الوحشية والارهابية. ويؤكد أن هذا النوع من التشيّع هو تشيّع الجهل والفرقة والبدعة. بل هو تشيّع الثناء للسلطة الملئ بالطقوس العبادية والمذهبية الدخيلة على التشيّع الأصيل من مثل تظاهرات وطقوس ندب وتأبين الإمام الحسين. بحيث تحولت ثورة كربلاء الاستشهادية ضد الظلم والتحريف إلى مجلس عزاء تجلد فيه الذات.

أما التسنّن الأموي فهو التسنّن السياسي الذي يضفي الشرعية على السلاطين والحكام والتبرع بالأحكام والفتاوى الجاهزة لتتناغم مع التوجه الرسمي للحكومات.

فالتشيّع الصفوي كما هو التسنّن الأموي. يمثلان الإسلام الرسمي وكلاهما دين حكومي فُصِّل لتبرير سلطتي الصفويين والأمويين وتشريعهما على قمة قيادة العالم الإسلامي.

وبكل شجاعة وندرة يصرّح شريعتي بأن معظم رموز التشيّع الموجود في إيران وشعائره هي رموز مسيحية أدخلها الصفويون على يد طلائع الغزو الفكري الغربي. لكي يفصلوا إيران تماماً عن الإسلام السنّي عندما ارتكب الصفويون ذلك الخطأ الفادح بتحالفهم مع الأوروبيين ضد العثمانيين مما أودى بالصفويين والعثمانيين معاً. ويؤكد شريعتي أن لو استطاع العلماء المخلصون تنقية المذهب الشيعي من شوائبه الدخيلة لتبخرّت معظم الخلافات بين مذاهب الإسلام.

أما التشيّع العلوي فهو حركة ثورية تمارس الجهاد فكراً وأسلوباً في مواجهة الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي والطبقي. وهو تشيّع يتبنى إقامة العدل ورعاية حقوق الجماهير المستضعفة سيراً على خطى ونهج الإمام علي بن أبي طالب.

ويخلص شريعتي إلى أن الاختلاف بين التشيّع العلوي والتسنن المحمدي ليس أكثر من الاختلاف بين عالمين أو فقيهين من مذهب واحد حول مسألة علمية. تكاد تتشابه لا بل تتطابق مع خلافات الأئمة في المذاهب الأربعة.

ويلاحظ الباحث الإسلامي محمد عيسى أن شريعتي يعيد تقديم شخصية الصحابي إمام المتقين ورابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، كنموذج حي وراق للترفّع عن الخلافات في سبيل الوحدة الإسلامية منذ تسلّم أبو بكر الخلافة الأولى، فخلافة عمر، ومن ثم إلقاء كرة النار في حضن الإمام علي بعد اغتيال الخليفة الثالث عثمان. وفي هذا السياق، يسرد شريعتي بعض الأمثلة التاريخية عن المنطق المعتدل والمنصف للتشيّع العلوي كإستعانة الخليفة عمر بالإمام علي في بعض المسائل الفقهية الحياتية.

ويلتقي شريعتي في ذلك مع علماء التسنّن المحمدي الذين أقروا بالفضل للإمام جعفر الصادق. فها هو الإمام الشافعي يجهر بمحبته لآل البيت، وها الإمام مالك بن أنس يرفض أن يعمم فقهه على الناس بقرار من الخليفة المنصور. وصولاً إلى التاريخ الحديث عندما أعلن شيخ الأزهر محمود شلتوت عن فتواه بجواز التعبد بالمذهب الجعفري.

ويطالب شريعتي بالعودة إلى التراث الإسلامي مطلقاً مشروعه الفكري النهضوي الكبير لقيام إسلام عالمي أممي، لا تشوبه عنصرية القوميات أو نعرة المذهبيات، منادياً على العلماء من الطرفين. فيخاطب علماء ومفكري الشيعة كيف أن الأجهزة الإعلامية للتسنّن الأموي تستغّل مزاعم رجالات التشيّع الصفوي للإساءة إلى كل الشيعة. وتشويه صورتهم عند إخوانهم أهل السنّة. وفي المقابل، فإن الأجهزة الإعلامية للتشيّع الصفوي تفعل الشيء نفسه بتركيزها على مزاعم الوهابيين والسلفيين المتطرفين ولصقها باسم السنّة جميعهم. ويحث في أماكن أخرى العلماء المخلصين من أهل السنّة لتفنيد هذه المزاعم التي تثار ضد إخوانهم الشيعة، فهم ليسوا أعداء المسلمين ولا حلفاء الصهاينة. بل هم مسلمون أصيلون مجتهدون في فقههم مخلصون لوحدة الإسلام والمسلمين.

وبعد..

فإن هذه القطرات من بحر علي شريعتي الفكري ليست كافية لإلقاء الأضواء على هذا الفيلسوف والمفكر الذي لم يأخذ حقه من الأضواء الإعلامية. ولعل هذه العجالة تساهم في استثارة فضول بعضٍ من المسلمين مفكرين ومؤمنين لإعادة قراءة التراث العريض لشريعتي. مساهمة منهم في إعادة إرساء ركائز العالم الإسلامي الموحد في مواجهة قوى الإستحمار المحلي، الإقليمي والعالمي.

متمنياً أن لا يتجدد معه ما حدث مع الأديب والمفكر العربي الكبير طه حسين الذي تصدى لوضع كتابين عن الفتنة الكبرى من وجهة نظر محايدة. عندما أكد في مقدمته للكتابين (الشيخان - علي وبنوه) أنه لن يتزلف أهل السنّة، ولن يتملق أهل الشيعة، بل سيطبق منهجاً نقدياً مقارناً لروايات الفريقين. فتقبل الشيعة نقد السنّة كما تقبل السنّة نقد الشيعة ولكنهما لم يتقبلا نقده المباشر لهما فرذل الكتابان من معظم فقهاء الأثنين.

علي شريعتي: السيرة

1933 - ولد علي شريعتي في بلدة مازينان ضواحي مدينة مشهد حيث تلقى علومه الابتدائية والثانوية.
1952 - أسس منظمة الطلاب الإسلامية واعتقل على أثرها.
1960 - تخرج من كلية تدريب المعلمين وحصل على منحة للدراسة في فرنسا.
1961 - شارك في تأسيس حركة التحرير الإيرانية في الخارج وجعل باريس مركزاً لها.
1961 - اعتقل في باريس بعد مشاركته في تظاهرة تضامنية مع باتريس لومومبا أول رئيس وزراء منتخب للكونغو والذي اغتالته الاستخبارات البلجيكية.
1964 - نال شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة السوربون في فرنسا.
1965 - اعتقل عند عودته إلى إيران، ثم أفرج عنه ليلتحق بالتدريس في جامعة مشهد.
1969 - أسس حسينية الإرشاد لتربية الشباب وبدأ محاضراته الثورية التي استقطبت الكثير من الطلاب غير المسجلين.
1973 - أغلقت السلطات الحسينية واعتقلته هو ووالده لعام ونصف.
1977 - قرر الهجرة إلى المملكة المتحدة حيث تم اغتياله قبل الثورة الخمينية بعامين عن عمر يناهز الـ 43 سنة.

.. والإنتاج

كان الدكتور علي شريعتي غزير الإنتاج تفرغ للكتابة والمحاضرة. حيث له عشرات الكتب ومئات المحاضرات والأحاديث وقد ترجمت معظم كتبه إلى معظم اللغات المعاصرة الحية.
فقد ترجم إلى الإنكليزية حتى العام 1998، ستة وعشرون كتاباً.
وإلى الألمانية حتى العام 1982 ثمانية كتب.
وإلى الإيطالية حتى العام 1984 ثلاثة كتب.
بينما ترجم إلى التركية حتى العام 1993 تسعة وخمسون كتابا.ً
وإلى العربية حتى العام 2006 تسعة وعشرون كتاباً.
وإلى الكردية ستة كتب.
والأندونيسية كتاب واحد.
والألبانية كتابان.
والسيريلانكية كتابان.
والتايلاندية خمسة كتب.
والبنغالية كتابان.
ولعل أشهر كتبه على الإطلاق:
1 - النباهة والاستحمار
2 - التشيع العلوي والتشيع الصفوي
3 - دين ضد الدين
4 - علي اسطورة تاريخ
5 - فاطمة هي فاطمة
6 - أبي.. أمي.. نحن متهمون
7 - العودة إلى الذات

* المصدر: مجلة الرأي الآخر - العدد 37