المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الدكتور احمد زقاقي يكشف أبعاد وتداعيات ملف التشيع بالمغرب



فيثاغورس
04-20-2009, 07:19 AM
2009 الأحد 19 أبريل

هس بريس - ايلاف


نورالدين لشهب

بعد قطع العلاقة الدبلوماسية بين المغرب وإيران حول ما سمي بمخطط إيراني لنشر المذهب الشيعي الاثنا عشري بالمغرب، صدرت مقالات كثيرة في الإعلام داخل المغرب وخارجة، وبلغات متنوعة، وتم تسطيح النقاش الإعلامي والسياسي إلى درجة أن المتلقي/القارئ البسيط لهذي المقالات لا يكاد يفرق بين العلاقات الدبلوماسية التي تتحكم فيها مصالح الأقوياء، وبين حدود الاختلاف والائتلاف بين المذاهب داخل دائرة الإسلام، وعلى وجه التحديد بين مذهب أهل السنة والجماعة الذين يمثلون الغالبية، وبين مذهب الشيعة الاثني عشرية الذين يمثلون فقط أقل من 10% . مما يجعل المتابع يستفهم عن سر خوف الأغلبية على دينها من عقيدة الأقلية التي باتت تهدد "الأمن الروحي" كما يشاع عبر تصريحات بعض المسؤولين في وسائل الإعلام المختلفة !!

في سعيها لتوسيع النقاش حول موضوع التشيع بالمغرب حاورت هسبريس أحد المهتمين بالموضوع ، وهو الدكتور أحمد الزقاقي الخبير في الحوار السني-الشيعي ، حاولنا من خلال هذا الحوار أن نطرح عليه أسئلة محورية حول حقيقة "الصراع" بين السنة والشيعة، وعن كيفية تدبير هذا الملف بالمغرب، وحول أهمية الحوار وفضيلته لتجاوز الكوارث التي تهدد الاجتماع الإسلامي برمته، وعن دور الاجتهاد لتجديد ما اندرس من فتاوى ومقولات لم تعد صالحة في عصرنا الحالي عند كلا الطائفتين.

ولد الدكتور أحمد الزقاقي بتاهلة عام 1966. حاصل على درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله. صدر له عن داري النشر عالم الكتب الحديث بالأردن وجدارا للكتاب العالمي كتاب:"التقريب بين الشيعة وأهل السنة وتحديات الاختلاف والتصحيح"وكتاب:" الأساس التشريعي للوحدة بين الشيعة" وأهل السنة ومقالات عدة في مجلات متخصصة حول الحوار السني الشيعي.

توازن الانبهار

نبدأ الحوار أولا باستطلاع للرأي في هسبريس حول سؤال لماذا يتشيع المغاربة: نسبة 78% من المصوتين تقول بأن سبب التشيع هو التعاطف مع مقاومة حزب الله و12.4% ترجع الأمر إلى تسهيل دخول المطبوعات الشيعية للمغرب وأقل من 10% تقول بسبب التأثر برموز شيعية بالمغرب... كيف تعلق دكتور على هذا الاستطلاع؟

بسم الله الرحمن الرحيم،أوجه الشكر أولا للقيمين على موقع"هسبرس"المتميز متمنيا لهم مسيرة إعلامية موفقة، أولا اسمح لي أن أبدي بعض التحفظ على نجاعة أسلوب استطلاع الرأي في الدراسة العلمية لظاهرة ما،فالسؤال أولا يوهم بأن هناك حركة انتقال جماعية للمغاربة نحو التشيع،ثانيا:وُضع الذين استطلعت آراؤهم أمام خيارات وأجوبة محدودة،فلو عددنا الأجوبة سنجد من يقول:السبب هو الحصار والتعتيم الإعلامي المضروب على العلماء المستقلين،فهاهي جميع الدول الإسلامية تمتلك رموزا علمية وازنة تتحدث إلى الناس عبر الفضائيات بلغة حديثة ومستوعبة للعصر إلا المغرب،والأكيد أن هناك تفاعلا بين الأسباب الثلاثة الواردة في الاستطلاع،فالذي يتعاطف مع فرد أو طائفة أو جماعة يطمح إلى معرفة المزيد عنها وعن أفكارها ومبادئها ،والكتب ووسائل الإعلام والاتصال تشكل مدخلا لتلك المعرفة،وبعد التمثل تتجسد المعرفة في أشخاص يسعون إلى إقناع الآخرين بمقولاتها،وأنت تعرف أن المعرفة الأولية بموضوع ما يتمخض عنها انبهار يخفت معه صوت العقل والتحليل الدقيق ليعلو صوت الاحتجاج والتبشير،ذلك الانبهار لن تجده عند المتمرس بميكانزمات التحليل الشيعي للواقع والفقه والتاريخ والتراث،إذ تنحو أحكامه نحو الموضوعية والواقعية،وستبدو له الكثير من المواقف التراثية الشيعية- كما السنية- مغرقة في الابتعاد عن موازين الشرع والعقل.

والحقيقة أن انتصار المقاومة بقيادة "حماس" في غزة أنجزت توازنين اثنين:توازن الرعب بصمودها الأسطوري في وجه الكيان الصهيوني،وتوازن الانبهار مع"حزب الله" بعد أن نالت إعجاب العالم أجمع، وهي المقاومة ذات الخلفية السنية التي لا جدال فيها،ولا مجال لمقارنة عظمة إنجازها بإنجاز حزب الله في حرب"تموز"2006، فحماس كانت مكشوفة ومحاصرة ومجوعة ومتواطأ عليها من دول كبيرة في النظام الرسمي العربي،وتسلحها وإعلامها متواضعان،وحزب الله توفر له العمق الداخلي والخارجي والتسلح،والمقاومتان تسلحتا برباطة جأش وإيمان قوي،وانتصارهما يحسب لمرجعيتهما الإسلامية لا المذهبية،وإلا فلنعتنق ديانة الفيتناميين لأنهم صمدوا في وجه أمريكا وانتصروا عليها في الحرب.


http://www.hespress.com/_img/za9a9i.jpg

وإذا كان الانتصار في المقاومة ضد العدو التاريخي للأمة قد أرسى توازن الانبهار بين المنتصِرَيْن فيها وهما مجرد حركتين واحدة شيعية والأخرى سنية ، فإنه لم يحدث بعد توازن بين دولتين، وما زال ميزان الانبهار يميل لحساب إيران لأنها تخففت من"آفة السلطان" ودولنا السنية لم تتخفف منها بعد،والمغرب مؤهل لإرساء هكذا توازن لماضيه التاريخي الغني، وإذا هو أنجز تغييرا كبيرا على مستوى الإصلاحات السياسية والدستورية لصالح قيم الشورى والعدل في الحكم وتوزيع الثروة.

الظلال الإيرانية

هل توجد سياسة إيرانية حقيقية لتشييع البلدان العربية ذات الأغلبية السنية ومنها المغرب؟

إن الجواب على هذا السؤال لا يقتضي التعليق على السياسة المذهبية للجمهورية الإسلامية الإيرانية فقط،بل التعليق على مجمل سياساتها في المنطقة،لنتفق بداية على أن من حق كل دولة أن تخدم مصالحها بما تراه مناسبا،إلا أن طبيعة الدولة ،وانتماءها التاريخي يفرضان عليها مراعاة جملة أمور:فإيران دولة إسلامية،تنتمي إلى المجال الحضاري الإسلامي الذي أغنته بعلمها وأدبها وفنها،فالبخاري ومسلم والبيهقي وأبو حنيفة والزمخشري وغيرهم كانوا ينتمون إلى المجال التاريخي الفارسي،وقد جمعوا الدواوين الحديثية التي عليها معتمد أهل السنة،قبل أن تتشيع إيران في عهد إسماعيل الصفوي في بداية القرن السادس عشر الميلادي، والعهد الصفوي كما تعلم مُتهم حتى من لدن بعض الزعامات والمرجعيات الشيعية بإغراق التشيع في طوفان من البدع، وإذكاء نيران الصراع المذهبي مع أهل السنة،وخاض الصفويون صراعا مريرا مع الدولة العثمانية السنية،وورث العراق مخلفات ذلك الصراع، وكان أحد أسباب عدوانه على إيران بعد اندلاع الثورة الإسلامية ،

حينها اصطفت جل دول النظام الرسمي العربي مع العراق؛ مما عمق الشرخ المذهبي، مع العلم أن النظام البائد لم يكن يفرق في قمعه بين شيعي وسني عندما يتعلق الأمر بتهديد كرسي الحكم،وأضاع العرب فرصة إقامة حوار عربي- إيراني،دون إغفال الأثر السلبي لخطابات"تصدير الثورة"التي رأى الكثير أن شعاراتها كانت ملفوفة في ثياب"طائفية"،وعَهدُنا بالثورات في بداياتها أن تكون شديدة الحماس والعقائدية،فيخيل إليها أنها ستُغير الأرض غير الأرض قبل أن تصدمها حقائق الواقع الباردة،ولهذا أظن أن إيران لن تجازف بمصير أفراد الأقليات الشيعية في البلدان ذات الأغلبية السنية بنهج سياسة ترمي إلى تشييع البلدان العربية،من دون أن نستبعد وجود مرجعيات شيعية عندها هذا الطموح.

ولكن الإمام الخميني سبق له وأن صرح لما كان عائدا عبر طائرة خاصة من باريس عام 1979 أن العرب قادوا الأمة الإسلامية قرونا وكذلك الأتراك والآن حان الحين ليقود الفرس الأمة الإسلامية ؟

لا يمكن أن نلوم دولة أو قومية أوديانة على طموحها للقيادة فهذا شأنها،ولكن يلام من لا يسعى للقيادة على انحطاط همته،كما أن الإشكال هو ما طبيعة هذه القيادة؟ فيجب أولا أن تكون نابعة من الشعب،أي تحترم اختياراته التاريخية والمذهبية والسياسية،فلا تمارس عليه الوصاية،وثانيا تحسن تدبير الاختلاف مع المخالفين،فلا تثير فتنة،ولا تقلب المواجع باستحضار مآسي التاريخ والماضي،بل عليها أن تتطلع للمستقبل.ومن المفارقات العجيبة أن الإيرانيين قادوا الأمة الإسلامية في شتى العلوم يوم كانوا سنة قبل أن يتشيع المجتمع والدولة.

غياب المشروع المجتمعي الخطر الحقيقي الذي يهدد المغاربة

هل يمكن الحديث في ظل ما يسمى بالغزو الشيعي عن خطر يهدد الأمن الروحي للمغاربة؟

عندما يغيب المشروع المجتمعي الذي ننشده،نصبح إزاء بنية دينية وثقافية وسياسية واجتماعية هشة معرضة للاختراقات من كل صنف ولون،وعندما نقع في الأزمة نلقي بالتبعة والمسؤولية على الآخرين،ولهذا يجب أن تعطى الأولوية للتحصين الداخلي وإشراك كل الفاعلين في صياغة المشروع المجتمعي الذي نريده،كما أن ثمة من يسعى إلى تكريس مفهوم مغلوط لمعنى الأمن ،فعندما أطلت ظاهرة"عبدة الشيطان"برأسها،حضرت المقاربة الأمنية وأحيل المتهمون على المحاكمة،كما حضرت ذات المقاربة في ملف"السلفية الجهادية" والآن في ملفي"الغزو الشيعي"و"المثلية الجنسية"،ولا مرة سمعنا حديثا عن مقاربة تربوية تعتمد الحوار مع العلماء والمثقفين الراسخين مدخلا لتناول الملفات المذكورة،وتحضرني هنا قصة ذلك المسؤول الذي راسل عمربن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس يشكو إليه استعصاء مواطني نفوذه الترابي على الانقياد لأوامره قائلا له:إنهم لا يُقيمهم إلا السيف،فكتب إليه عمر:إن العدل يقيمهم،وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم بقول الباري جل وعلا:"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن"،فالخروج عن اختيارات المجتمع نوع احتجاج على سوء توزيع الثروة،وعلى عدم المساواة في الفرص،وعلى عدم الإشراك في اتخاذ القرار،وعلى الاستبداد والقهر والظلم.

هل يمكن القول أن التشيع بالمغرب حالة سيكولوجية أكثر منها حقيقة سوسيولوجية؟

إن الغفلة عن طبيعة التكوين النفسي والعقلي للإنسان من حيث الميول والاستعدادات،والغفلة عن حتمية الاختلاف بين البشر، وتعميم الأحكام على وقائع استثنائية،والانتقائية في قراءة التطورات والمستجدات ،ستخل كلها لا محالة بالحكم الصائب على مجموعة من الظواهر والأحداث، ،فالذي سيقرأ ظاهرة التشيع بدون هذه الاعتبارات سيضخم من الظاهرة،وسيتوهم بأن المغرب بصدد تحول مذهبي عام،وسيكون الأمر أشبه بذلك الأعمى الذي لم يسبق له أن رأى الفيل،ومرة قيل له هذا الفيل أمامك،فلما أخذ يتحسس أذنيه خيل إليه أنها أوراق شجرة كبيرة،ولما تحسس إحدى قدميه خيل إليه أنها جذع تلك الشجرة،فالذي يلاحظ ارتباط المغاربة العاطفي الكبير مع أهل البيت سيعتقد بأنه أمام عاطفة شيعية فوارة،بينما سيعتقد آخر أن المغاربة كلهم نواصب يكرهون آل البيت عندما يرى ابتهاج أطفالهم واحتفالهم في عاشوراء،في وقت ينهمك آخرون في شق الجيوب ولطم الصدور حزنا على استشهاد الحسين عليه السلام في نفس الذكرى ،والحقيقة أن الأمر أسهل من أن تُتكلف له التأويلات والتفسيرات ولَي أعناق النصوص ،فلا إسلام ولا إيمان بدون حب أهل البيت،من غير أن يرد إلى ذهن المغاربة أن ذلك الحب يستحقونه لأنهم أحق بالخلافة أو ما شابه بموجب نص أو وصية،ألا ترى أنك قد تحب أحد إخوتك أكثر من الآخرين،والصحابة كإخوة منهم من أحب عليا أكثر من أبي بكر،ومنهم من أحب أبا بكر أكثر من علي،ومنهم من أحب سعد بن عبادة أكثر من الجميع،إذن فالعواطف لا حصار عليها،ولكن عندما تتدخل الأهواء والسياسات عندها يتم توجيه العاطفة،وذلك التمايز الطبيعي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعليمه لأهل بيته وصحابته عندما قال لهم في الحديث المعروف:"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر،وأشدهم في الله عمر،وأقضاهم علي،وأشدهم حياء عثمان" .فلم يرد منهم تنميط أحكامهم على الأفراد والمجموعات والمجتمعات.

هل يمكن دمج التشيع في الوحدة المذهبية المغربية؟

إذا قصدنا دمج التشيع كعاطفة قائمة على معاني حب أهل البيت وتبجيلهم فهو مدمج بطريقة تلقائية وعفوية يَشِب عليها الصغير ويَهرَم عليها الكبير في المغرب،وإذا قصدنا الدمج المذهبي الفقهي،عندها لا نتحدث عن دمج،وإنما نتحدث عن الاعتراف بمذهب خامس هو المذهب الجعفري يضاف إلى المذاهب الأربعة السنية المعروفة:المالكي والحنبلي والحنفي والشافعي،وسيلاحظ أن الاختلاف مع الشيعة في معظم الأحكام الفقهية كالاختلاف بين المذاهب السنية نفسها،ودعاة التقريب بين المذاهب لم يكونوا يقصدون تغليب مذهب على مذهب،أو دمج مذهب في مذهب،أو إلغاء مذهب على حساب مذهب،ويبدو أن مما يخفف التوتر هو الاعتراف بالمذهب الفقهي الجعفري كمذهب خامس في البلدان التي يشكل فيها مقلدوه أغلبية،بحيث تصير المذاهب المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية والجعفرية من مشمولات لفظ " الجماعة" المضاف إلى "أهل السنة".

يبقى إذن المجال الحساس هو مجال العقائد،ما دام أن الشيعة نقلوا مبحث الإمامة إلى فضاء العقيدة،وهذا المبحث أصبح في ذمة التاريخ ،فلا أئمة الشيعة حاضرون حتى نختلف على أحقيتهم أو عدم أحقيتهم بالخلافة،ولا خلفاء أهل السنة الراشدون حاضرون حتى نختلف بشأنهم أيضا بعد وقوع الانقلاب على الخلافة الراشدة لصالح الملك الوراثي العضوض.

فيثاغورس
04-20-2009, 07:22 AM
كيف يمكن التمييز بين محبة آل البيت التي اشتهر بها المغاربة والالتزام المذهبي بالإمامة كما يطرحها الشيعة الجعفرية؟؟

هذا التمييز كان حاضرا منذ نشوء الدولة المغربية في صيغتها الإدريسية،إذ أعطيت البيعة الطوعية من القبائل الأمازيغية للمولى إدريس الأول من غير أن يرد إلى ذهنهم أن ثمة نص أو وصية تفرض عليهم تسليم أمر الحكم لأهل البيت،وإنما كان ذلك منهم تشريفا لشجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سمعوا حديثة في الرواية المعروفة:" أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِى بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِى لِحُبِّى "،وفي الرواية الأخرى:"أُذَكركم الله في أهل بيتي" وفي الرواية الأخرى:" أَدِّبوا أولادَكم على ثلاثِ خِصَالٍ حبِّ نبيكم وحبِّ أهل بيته وقراءةِ القرآن فإن حملة القرآن فى ظل الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله مع أنبيائه وأصفيائه "،هذا بالإضافة إلى أن إدريس الأول كان ينتمي إلى الفرع الحسني من أهل البيت بينما تحصر الشيعة الجعفرية الاثنا عشرية الإمامة في الفرع الحسيني،كما أن الدولة الإدريسية يحسبها البعض على الشيعة الزيدية التي تعتبر أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة فلا يحتاج الأمر معها إلى تقريب، فكانت تترضى على أبي بكر وعمر وتتأول لعثمان ،وتتبع في الفقه غالبا المذهب الشافعي،عكس الاثني عشرية التي تخاصم الخلفاء الثلاثة- رضي الله عنهم- .

ونظرية الإمامة ليست محل إجماع من الشيعة بالمعنى العام، فهناك فرق عدة غير أهل السنة اختلفوا مع الإمامية الاثنا عشرية في سوق الإمامة في أبناء علي رضي الله عنه،ونضرب مثالا لذلك في اختلافهم في سوق الإمامة بعد وفاة الإمام السابع موسى بن جعفر الكاظم :

ففرقة قالت: إن موسى بن جعفر لم يمت وأنه حي ولا يموت حتى يملك الأرض شرقا وغربا وإنه المهدي المنتظر.

- وفرقة قالت: إنه المهدي القائم وقد مات، ولا تكون الإمامة لغيره حتى يرجع فيقوم ويظهر.

- وقالت فرقة إنه قد مات ورفعه الله إليه.

فسمي هؤلاء جميعا الواقفة لوقوفهم على موسى بن جعفر وعدم تعديتهم الإمامة إلى غيره بعده، ومن عداها انخرط في المعنى الخاص الشيعة الإمامية.

- وفرقة قطعت بموته وساقت الإمامة إلى علي بن موسى الرضا فسمت لأجل ذلك بالقطعية.هذا بالإضافة إلى الخلاف القوي الذي برز بعد وفاة الإمام الحادي عشر الحسن بن علي العسكري،إذ ثمة من كان يعتقد أنه مات عن غير ولد،ولذلك يبدو أن الالتزام بالإمامة لم يكن أيضا محل إجماع – لاسيما وأن الداعين إليها بتحدثون عن إمامة منصوصة- حتى من أهل البيت أنفسهم فالفرع الحسني له رأي مخالف تماما.ولذلك تجنب المغاربة كل هذا الجدل بتبجيلهم لآل البيت لوجه الله وللأمر النبوي.

"تشيع"و"تشيع"

تحدث الكثير من مفكري المذهب الشيعي عن التشيع الصفوي الذي اعتبروه سببا في توسيع الفجوة وتعميق الجفوة للتقارب الإسلامي، ويذهب حسن العلوي في كتابه "عمر والتشيع" إلى أن ما يسمونهم المستبصرين يأخذون أفكارهم من كتاب "المجلسي" الذي منعه الخميني في أيام ولايته .. مما يساهم في القطيعة كما ألمع إلى ذلك عالم الاجتماع العراقي علي الوردي وعلي شريعتي ...هل تعتقد أن التشيع الصفوي هو سبب التطاحن والاصطفاف الطائفي التي تشهدها المنطقة العربية والإسلامية؟

نعم بالإضافة إلى أسباب أخرى أهمها الجهل والأهواء السياسية المنفلتة من الضوابط الشرعية والأخلاقية،إلا أنه بالرغم من إقرار مجموعة من مراجع الشيعة بالأثر السيئ لبعض الأخبار الواردة في دواوينهم الحديثية على الوحدة الإسلامية كالكتاب الذي ذكرته،فإنهم لم يعمدوا إلى التخلص من تلك الأخبار التي بدون شك أدخلها الغلاة ونسبوها إلى كبار أئمة أهل البيت كمحمد الباقر وجعفر الصادق،مما جعل بعض أهل السنة يفسر انتقاد مراجع الشيعة لتلك الأخبار بأنه نوع تقية.وفي سياق النقذ الذاتي والتصحيح دعا الدكتور علي شريعتي جماهير الشيعة إلى الرجوع إلى "التشيع العلوي" والإعراض عن "التشيع الصفوي" الذي ربطه بكل معاني الخنوع والاستسلام والجهل والانتظار السلبي،ووافقه على ذلك مهدي بازركان أول رئيس للحكومة بعد الثورة في كتابه "الحد الفاصل بين السياسة والدين"،ويتابع مفكر شيعي آخر هذه الخطوات التصحيحية وبشكل أكثر جرأة هو الأستاذ أحمد الكاتب الذي ذهب إلى حد التشكيك في وجود الإمام الثاني عشر أصلا،معتبرا القول بوجوده وغيبته مجرد فرضية كلامية فلسفية لا حقيقة واقعية، باعتبار أن الإمام الحادي عشر مات عن غير ولد،وهو بذلك ينسف نظرية الإمامة الإثني عشرية من الأساس.

ويمكن أن نمثل بمسألة واحدة تجعل القاريء يفرق بين "التشيع العلوي"و"التشيع الصفوي" تلك المسألة هي شخصية الإمام علي كرم الله وجهه،فعلي في نهج البلاغة رجل شجاع،مبدئي،ولي عابد،زاهد،مدافع قوي عن الدين ومباديء العدالة في الحكم وتوزيع الثروة،علاقته مع الصحابة الآخرين مبنية على الاحترام والمودة إلا من حاربه،لايسب ولا يشتم مخالفيه ويأمر أفراد جيشه بالكف عن السب والشتم،عندما أرادوا مبايعته بعد مقتل عثمان كمبادرات فردية،قال:إنما الشورى للمهاجرين والأنصار،ولم يحتج بنص ولا بوصية،ولكنه احتج على عقد البيعة بدون حضوره،وحُفِظ حقه في الامتناع عن البيعة إلى أن بايع طائعا بعد مرور ستة أشهر،ثم التفِتْ إلى شخصية الإمام علي في مصادر"التشيع الصفوي"لتصدمك مصطلحات المؤامرة واغتصاب الحكم والتقية والسب واللعن والخلاف وكل الخصال المنحطة،ومع الأسف فإن الكثير ممن يطلق عليهم"المستبصرون"(أي الذين انتقلوا من مذهب أهل السنة إلى الشيعة) لم يأتوا بجديد إطلاقا،بل يكررون مقالات الخلاف القديم بأسلوب عصري تحضر في بقوة ألفاظ الكفاءة والديموقراطية والتغيير والجماهير والثورة ،مما يجعلني أرجع أسباب اجتهادات بعضهم إلى الانبهار الذي تخلقه المعرفة الأولية بموضوع ما.

فضيلة الحوار

هل يمكن اعتبار الاعتقالات والمداهمات ومصادرة الكتب بمثابة محاكم تفتيش جديدة التي تبث أنها لم تنجح في القضاء على العقائد المخالفة كما حدث في تاريخ الأندلس مثلا ؟

هذا الأسلوب لم يعد ينفع في عالم لم يبق للحدود فيه معنى،وأنت تعلم أن كل ممنوع مرغوب،المطلوب هو خوض معركة الوعي والعلم والمعرفة ،وأنجع دواء هو الحوار ،إلا إذا تعلق الأمر بسب معلن حينئذ يلجأ إلى العدالة إذا وجد القضاء النزيه.

هل يوجد حوار حقيقي بين السنة والشيعة ، علما أن الكثير من المؤتمرات المكرسة لهذا الموضوع والتي دامت عشرات السنوات أثمرت اصطفافا طائفيا بين من كانوا يصنفون بالمعتدلين من المذهبين فور تصريح الشيخ القرضاوي حين تحدث عن التبشير الشيعي في البلدان ذات الغالبية السنية؟

الحوار الحقيقي هو الذي يلامس القضايا الجوهرية المختلف بشأنها،ولا يرمي إلى تشييع السني ولا إلى تسنين الشيعي،وبهذا التوصيف مر الحوار بين الشيعة والسنة في العصور المتأخرة بعدة مراحل،فغلب على بداياته طابع المجاملات وتطييب الخواطر،لأن الأمر كان يحتاج إلى كسر الحواجز النفسية ،كما اضطلعت بمهام الحوار مؤسسات كان أولها وأشهرها"دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي تأسست بمصر في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي،في ظروف كان القصر الملكي المصري يرتبط بعلاقات مصاهرة مع القصر الملكي الإيراني،وتوقف نشاط الدار بعد توتر العلاقات بين السادات وقادة الثورة الإيرانية،ولقد تركت الدار مجموعة من البحوث والمقالات التي كانت تحلل تراث الفريقين برؤية تقريبية،ومنها ينطلق وعليها يبني"المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية " الذي تأسس بإيران بعد وفاة الإمام الخميني،والحقيقة أن السياسة كانت تفسد ما كان يتحقق من تقارب في عناوين الدرس الفقهي والأصولي والفكري بين الشيعة وأهل السنة،ومع انفتاح المجال الإعلامي وانتشار الفضائيات الشيعية دخل الحوار مرحلة تختلط فيها عقليات الاستقطاب بنفسيات إبراز الذات وخطابات الإغراق في وصف المظلومية،دون تورع البعض عن سب وشتم رموز إسلامية كبيرة ككبار الصحابة،والتزام البعض الآخر بلغة الحكمة وتغليب المصلحة العليا للمسلمين.وأكاد أجزم بأن تراث الشيعة الفقهي والكلامي والسياسي- بسبب الطفرة الإعلامية- لم ينل من حرية وسهولة الوصول إليه مثل ما ناله في هذا العصر،وهذا شيء إيجابي يؤدي إلى بناء أي حوار حقيقي على الوضوح والشفافية ويقلل من اللجوء إلى التقية،وأخيرا مما يعين على نجاح أي حوار شيعي سني هو حصره في دائرة العلماء المتخصصين،وأن يكون مسبوقا بخطوة مهمة وهي التصحيح

التصحيح لمواجهة التحريف

ما معنى هذا التصحيح وهل تحقق شيء منه عند الشيعة وأهل السنة؟

التصحيح ضرب من النقد الذاتي،وهو تحديدا أن يتصدى عالم للرد على جملة من الآراء والأقوال التي يعتقدها أهل مذهبه، أو على أعمال يمارسونها لما يراه من مخالفتها للكتاب والسنة، أو إسرافها في التشدد والغلو، أو إضرارها بوحدة الأمة الإسلامية، أو الرد على مشاعر متطرفة في الحب والبغض (العواطف)، وفي كل ذلك يكون هاجس التقريب والتفاهم واردا لديه،

أما ما تحقق من التصحيح ، فيمكن القول إن الشيعة حققوا إنجازين مهمين:

الإنجاز الأول: تمثل قديما في محاربة الغلاة الذين اعتقدوا الإلهية في بعض أئمة أهل البيت، أو ادعوا لأنفسهم النبوة والرسالة، أو عملوا على تعطيل الشريعة، فضلا عن أساطير أخرى خلفت رواسب لم تخل منها كتب الشيعة.

الإنجاز الثاني: مواجهة الاتجاهات الإخبارية المنكرة للاجتهاد في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، بحيث تم الانتصار للمدرسة الأصولية، وحدث تقارب كبير على إثر ذلك بين الشيعة وأهل السنة في عناوين الدرس الفقهي والأصولي، واكتمل هذا الإنجاز بمواجهة تيار التحجر والجمود داخل الجامعات والحوزات العلمية، وإعادة الفعالية السياسية للفقهاء في عصور الغيبة، ومحاربة عقلية الانتظار السلبي، وأوصل هذا التصحيح الشيعة إلى تكوين دولة في العصر الحديث.

وما زال الكثير الذي يجب فعله على صعيد محاربة بدع المآثم الحسينية على جبهتين:

الجبهة الأولى: المواعظ الحسينية ، وذلك بتصحيح الانحرافات التي طالت المتون والنقول التي تصف واقعة كربلاء بشكل يختلط فيه التهويل والكذب بالواقعية والصدق، والدعوة إلى الكف عن اعتبار ثورة الحسين ثورة مذهبية شيعية.

الجبهة الثانية: المواكب الحسينية التي اقترنت الانحرافات فيها بممارسات غريبة تلحق الأذى بالأجسام، وتشوه صورة الإسلام والمسلمين في عين المراقب الخارجي.

وأوصل التصحيح الذي نهجه الكثير من حكام وعلماء أهل السنة المتنورين إلى تحقيق ثلاثة إنجازات:

الإنجاز الأول: محاربة رواسب النصب الأموي وتيارات الانحراف عن آل البيت، وتم هذا الإنجاز في موقعين:

في القمة: وتذكر هنا الجهود التي قام بها الرجل الصالح والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه-.الذي أوقف عادة سب الإمام علي على المنابر.

وفي القاعدة: فتذكر في هذا المضمار الجهود التي بذلها العلماء على المستوى النظري عندما جعلوا "النصب"(أي بغض أهل البيت) من القوادح التي تسقط الراوي وناقل الخبر عن مرتبة الاعتبار الشرعي، وعلى المستوى العملي عندما استرخصوا أرواحهم في سبيل إظهار الولاء لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدث للإمامين النسائي وابن السكيت – رحمهما الله-، كما بذلت جهود لتصحيح النظرة إلى ثورة الحسين –رضي الله عنه- باعتبارها ثورة شرعية، وقضية عادلة استهدفت انقاذ الإسلام، ومواجهة مبكرة لبدعة توريث الحكم.

الإنجاز الثاني: التصحيح النظري الذي حصل على صعيد الفكر السياسي:

أولا: بإدراك التحول الذي حصل بعد الخلافة الراشدة لصالح الملك العضوض.

ثانيا: بارتقاء العلماء بمعايير الحكم الراشد إلى مستوى العقيدة التي يجب الإيمان بها.

ثالثا: بعدم ذكر العلماء لتجارب حكم الملوك إلا في سياق الضرورة والإخبار بالواقع.

الإنجاز الثالث: انتقاد "الاتجاه السلفي" الذي لم يكن يعارض ويعيق كل محاولة للتقارب والحوار فقط، بل كان يعيق – أيضا- حركة الإسلام عن الامتداد والانتشار، نظرا لما اتسم به من تشدد وشدة على المخالفين مع قلة إدراك لفقه الواقع.

"آفة العوام" و" آفة السلطان"

سبق أن ختمت في واحدة من مقالاتك حول موضوع الصراع بين السنة والشيعة بقولك "إن النجاح الكامل للتواصل الشيعي-السني لن يتم على المدى البعيد إلا إذا تخلص أهل السنة من "آفة السلطان" وتخلص الشيعة من "آفة العوام"؟ هل من توضيح أكثر للقارئ الكريم؟؟

من المعروف أن المؤسسة الدينية الشيعية التي يوجد على رأسها الفقهاء ومراجع التقليد، الذين يتلقون الخمس من الأرباح التي يدفعها كل مقلد باسم "سهم الإمام"، مما جعل المؤسسة الدينية تحافظ على استقلالها المالي مستغنية عن الهبات والمساهمات التي تقدمها الدولة،.

ويعد الأستاذ المطهري- وهو من رواد التصحيح في المذهب الشيعي- تسلم الفقهاء لسهم الإمام موضع ضعف وموضع قوة في آن واحد: فيعتبره موضع قوة لأن علماء الشيعة لا يتقاضون ميزانيتهم من الحكومة، وأن تعيينهم وعزلهم ليس بيد الدولة، وعلى ذلك فاستقلالهم محفوظ دائما في قبال الحكومات ، إذ هذا الاستقلال في الميزانية، والاستناد إلى عقيدة الناس هما السبب أحيانا في الوقوف بوجه انحرافات الحكومات، ومعارضتها وإسقاطها،ونقطة ضعف لأن علماء الشيعة "مضطرون إلى مجاراة أذواق العامة وعقائدها، للإبقاء على حسن الظن بهم، وهذا منشأ أغلب المفاسد الموجودة في السلك الديني الشيعي، ويخلص إلى أن المنظمة التي تتكئ على الناس تكون قادرة على محاربة ظلم الحكومات وتجاوزها، لكنها ضعيفة في محاربة خرافات الجهلة وعقائدهم الباطلة" ولا أدل على ذلك مما حدث في مطلع العام الهجري(1427) بالعراق بعد هدم مرقدي الإمامين الهادي والعسكري عندما زحفت الجموع الشيعية الغاضبة إلى مساجد أهل السنة تهدم وتدنس وتخرب غير عابئة بالنداءات التي وجهها علماء ومراجع الشيعة من أجل الكف، وعدم السقوط في المخطط الأمريكي الرامي إلى إغراق البلد في حرب أهلية طائفية طاحنة.

ومن ثم دعا المطهري إلى ترتيب وإصلاح النظام المالي، وتنظيم ميزانية الفقهاء كي تتوفر لهم الحرية والقدرة على محاربة الآفة التي يسميها "آفة الإصابة بالعوام"،ونفس الآفة نبه عليها مرجع شيعي آخر هو الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أفاد بأن علماء الشيعة يعانون "ضغوطا شارعية"،وبتعبير عصري"سقوط القيادة في قبضة الجماهير"،أما في عالم أهل السنة فقد أرخ الانقلاب على الخلافة الراشدة لصالح الملك العضوض لظهور"أفة السلطان" لتصادر حرية الأمة في اختيار من يحكمها ويسوسها،وصار القبول غير المشروط بحكم المتغلبين هو القاعدة بعد أن كان استثناء فرضته هواجس الخوف من الفتن وإراقة الدماء،والحرص على الوحدة بأي ثمن،وجرد العلماء من مصدر رزقهم المستقل بعد إلحاق الأوقاف بالدولة، ولذلك ترى العلماء عندما يتكؤون على السلطان فهو يسمح لهم بالتنفيس عن غضبهم بمحاربة البدع، وأحسب أن مرشد"العدل والإحسان" كان مدققا في توصيف الآفتين عندما قال:"المسلمون الشيعة في قبضة حركية تولدت من الانكسار التاريخي،وقويت واشتدت وتأزمت حتى انفجرت في وجه العالم،العامة ثائرة،والقادة لا يملكون الزمام،والمسلمون السنة في قبضة حركية تاريخية،السلطان فيها هو المحرك،والعامة لا تملك من أمرها شيئا،من ضمن العامة العلماء ..إن مسايرة علماء أهل السنة للسلطان ومسايرة الشيعة للعامة الذين منهم أرزاقهم وعليهم اعتمادهم،يفسر سقوط الأمة في"دسيسة" تاريخية خافية وبادية،العالم الشيعي المرجع له أتباع،وعالم القصر له أطماع،ذاك تسلط عليه أتباعه،وهذا أردته أطماعه،والحكم الغاصب والرعاع السائب مناخ ملائم للاستخفاف والتحريف".