المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثلاثة كتبوا تاريخ السود في الولايات المتحدة: لينكولن ولوثر كينغ وأوباما



زهير
01-21-2009, 11:45 AM
الشرق الاوسط اللندنية

مسيرة طويلة بدأت منذ أكثر من خمسين عاما مع رئيس أبيض ولم تنته بوصول رئيس أسود

واشنطن - محمد علي صالح

قبل ثلاثة أيام من تنصيبه رئيسا للجمهورية، تحدث باراك أوباما من أمام نصب الرئيس إبراهام لينكولن، وقال إنه يقف في نفس المكان الذي وقف فيه القس الأسود مارتن لوثر كينغ. ثلاثة رجال، وثلاثة تواريخ، وثلاثة أحداث هزت أميركا.

سنة 1862، أعلن لينكولن قانون «تحرير العبيد». وخلال المائة سنة التالية، صدرت قوانين، وأجريت تعديلات دستورية أوقفت تجارة وامتلاك الرقيق. لكن، استمرت التفرقة العنصرية ضد السود. وسنة 1964، أعلن كينغ بداية الحملة ضد التفرقة العنصرية. وخلال الخمسين سنة التالية، صدرت قوانين كثيرة ضد التفرقة العنصرية. لكن استمرت تفرقة عنصرية تحت السطح، ولم تساعد ظروف السود الاقتصادية والاجتماعية على تحقيق مساواة مع البيض. سنة 2009، صار أوباما أول رئيس جمهورية أسود. وخلال السنوات القليلة القادمة، لا بد أن يساعد على تغيير رأي السود في أنفسهم، ورأي البيض في السود، داخل أميركا، وربما خارجها.

قبل أن يصير لينكولن رئيسا، وعندما كان يتعلم السياسة في ولاية الينوي (في نفس الولاية التي تعلم فيها أوباما السياسة)، استقال من الحزب الديمقراطي الذي كان يدافع عن تجارة وامتلاك الرقيق، وانضم إلى الحزب الجمهوري. في سنة 1855، دخل لينكولن، عضو الكونغرس الشاب الأنيق الطويل، مكتب صحيفة «شيكاغو تربيون» (تقع شيكاغو في ولاية الينوي). وقال إنه جاء ليهنئ الكولونيل ماكورميك (الجمهوري) الذي اشترى الصحيفة، وإنه لم يكن يرتاح لرأي الصحيفة في عهد مالكها السابق (الديمقراطي).
ومنذ ذلك الوقت، وخلال ستة انتخابات (أربعة للكونغرس واثنين لرئاسة الجمهورية) خاضها لينكولن، أيدته الصحيفة. وفي انتخابات سنة 1860 لرئاسة الجمهورية، أيدته لأنه، كما قالت: «رجل محافظ ويعارض تجارة الرقيق. يدل هذا على استقامة شخصيته، وندره معدنه». واشتهر لينكولن في مناظرة في انتخابات سنة 1860، ضد السناتور ستيفن دوغلاس (ديمقراطي). حسب مناظرات ذلك الوقت، تحدث كل واحد ساعة، ثم نصف ساعة، للرد على الآخر. في البداية، تحدث دوغلاس، وأثار حماس المستمعين بأسئلة مثل: «هل تريدون زنجيا يكون مواطنا متساويا معكم؟» وهتف بعض المستمعين: «لا». «هل تريدون زنوجا يملكون مزارع مثل مزارعكم، وثروة مثل ثرواتكم؟» وهتفوا: «لا».
لكن ركز لينكولن على بنود الحرية والمساواة في إعلان الاستقلال والدستور. وسأل: «ألم يخلق الله الناس متساوين؟» وهتف البعض: «نعم». وسأل: «لماذا لا نلتزم بالدستور وحقوق الإنسان؟» وهتفوا: «نقدر على ذلك، نقدر على ذلك». لكن لم يكن التحول بين يوم وليلة. مضت سنتان قبل أن يفوز لينكولن برئاسة الجمهورية. ثم سنتان حتى أعلن قانون تحرير العبيد. ثم ثلاث سنوات حتى انتصر في الحرب الأهلية وهزم ولايات الجنوب المؤيدة للرقيق.
ومثلما ظهرت معالم السياسة والطموح والرؤية (وخاصة الظلم الواقع على الزنوج) في وقت مبكر من حياة لينكولن، تكررت بالنسبة لمارتن لوثر كينغ. في سنة 1957، تخرج من كلية اللاهوت، وانتقل قسيسا في مونتغمري (ولاية الاباما). في ذلك الوقت، كان السود يعانون الاضطهاد والاحتقار، خاصة في المدارس وحافلات المدينة التي اشتهرت بإهانة السود والتفرقة ضدهم، لكن، اختط كينغ خطا سلميا، ونادى بمقاومة تعتمد مبدأ «اللاعنف» على طريقة المناضل الهندي غاندي. وكان يستشهد بقول المسيح: «أحب أعداءك، واطلب الرحمة لمن يلعنونك، وادع الله للذين يسيئون معاملتك». وكانت حملة كينغ إيذانا ببدء حقبة جديدة لرفع الظلم عن السود. ونادى بمقاطعة شركة الحافلات، حيث كان السود يمثلون 70 % من ركاب خطوطها، ومن ثم من دخلها السنوي. لم تجد الشرطة البيضاء ما يدين كينغ، فقبضت عليه بتهمة قيادة سيارته بسرعة 30 ميلا في الساعة في منطقة أقصى سرعة فيها 25 ميلا. وألقت به في زنزانة مع سكارى ولصوص وقتلة. كان هذا أول اعتقال له، وأثر فيه بشكل بالغ العمق، حيث شاهد وعانى بنفسه الأوضاع غير الإنسانية، إلى أن أُفرج عنه بالضمان الشخصي. وبعد أيام، قبضت عليه الشرطة مرة أخرى، بتهمة الاشتراك في مؤامرة لإعاقة العمل دون سبب قانوني بسبب المقاطعة، واستمر الاعتقال إلى أن أصدرت المحكمة حكما بعدم قانونية هذه التفرقة العنصرية. وساعتها فقط، طلب كينغ من أتباعه أن ينهوا المقاطعة، ويعودوا إلى استخدام الحافلات «بتواضع ودون خيلاء»، وأفرج عنه بعد ذلك.
لكن دخل كينغ التاريخ حقيقة سنة 1963، بمظاهرة لم يسبق لها مثيل، اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض أمام نصب لينكولن التذكاري. وألقي خطبه تاريخية: «عندي حلم». قال فيها: «عندي حلم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان بشرتهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم».
ويوم الأحد، وقف أوباما في نفس المكان الذي وقف فيه كينغ، أمام نصب لينكولن التذكاري. وأمس، وقف أوباما في نفس المكان الذي وقف فيه لينكولن، أمام الكونغرس سنة 1860، عندما أدى القسم رئيسا لأميركا. وكرر أوباما عبارات من خطبة كينغ امام نصب لينكولن، وعبارات من خطبة لينكولن أمام الكونغرس. وهكذا، مر قرنان من بداية وامتلاك الرقيق في أميركا، حتى عتقهم لينكولن، ثم مر قرن من لينكولن حتى كينغ، عندما ألغيت قوانين التفرقة العنصرية، ثم نصف قرن من كينغ حتى أوباما، عندما صار أسود رئيسا لأميركا. لكن، هل تساوى الآن البيض والسود في أميركا؟ هذا ما ستكشف عنه السنوات القادمة.