المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة ابن مهزيار



بركان
12-05-2008, 10:49 PM
في كتاب (حق اليقين) روى الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والطبرسي وغيرهم ـ قدس سرهم ـ باسانيد صحيحة عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار، ورواها البعض عن علي بن إبراهيم بن مهزيار(1) انه قال: حججت عشرين حجة كلاً اطلب به عيان الإمام(عليه السلام) فلم أجد إلى ذلك سبيلا، فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلاً يقول: يا علي بن إبراهيم قد اذن الله لك في الحج.

فانتبهت وانا فرح مسرور فما زلت في الصلاة حتى انفجر عمود الصبح وفرغت من صلاتي وخرجت اسأل عن الحاج، فوجدت فرقة تريد الخروج فبادرت مع أول مَن خرج، فما زلت كذلك حتى خرجوا وخرجت بخروجهم أريد الكوفة.. فما وافيتها نزلت عن راحلتي وسلمت متاعي إلى ثقات اخواني وخرجت اسأل عن ابي محمد(عليه السلام)، فما زلت كذلك فلم أجد أثراً ولا سمعت خبراً وخرجت في أول من خرج أريد المدينة، فلما دخلتها لم أتمالك أن نزلت عن راحلتي وسلمت رحلي إلى ثقات اخواني وخرجت أسأل عن الخبر وأقفو الأثر، فلا خبراً سمعت ولا أثراً وجدت.

فلم أزل كذلك إلى أن نفر الناس إلى مكة وخرجت مع من خرج حتى وافيت مكة، ونزلت فاستوثقت من رحلي وخرجت اسأل عن آل أبي محمد(عليه السلام) فلم أسمع خبرا ولا وجدت أثراً، فما زلت بين الاياس والرجاء متفكراً في أمري وعائباً على نفسي وقد جن الليل.

فقلت: ارقب إلى أن يخلو لي وجه الكعبة لأطوف بها واسأل الله عزوجل أن يعرفني أملي فيها، فبينما انا كذلك وقد خلا لي وجه الكعبة إذ قمت إلى الطواف فإذا أنا بفتى مليح الوجه، طيب الرائحة متزر ببردة متشح باخرى وقد عطف بردائه على عاتقه فرعته.

فالتفت اليّ فقال: ممن الرجل؟

فقلت: من الأهواز.

فقال: أتعرف بها ابن الخصيب؟

فقلت: رحمه الله دُعي فاجاب.

فقال: رحمه الله.. لقد كان بالنهار صائماً، وبالليل قائماً، وللقرآن تالياً، ولنا موالياً.

فقال: أتعرف بها علي بن إبراهيم بن مهزيار.

فقلت: أنا علي.

فقال: أهلاً وسهلاً بك يا أبا الحسن أتعرف الصريحين.

قلت: نعم، قال: ومن هما؟

قلت: محمد وموسى.

ثم قال: ما فعلت العلامة التي بينك وبين أبي محمد(عليه السلام).

فقلت: معي.

فقال:أخرجها إليّ فأخرجتها إليه خاتماً حسناً على فصه(محمد وعلي) فلما رأى ذلك بكى ملياً ورن شجياً وهو يقول: رحمك الله يا أبا محمد، فلقد كنت إماماً عادلاً، ابن أئمة وأبا إمام، أسكنك الله الفردوس الأعلى مع آبائك(عليهم السلام).

ثم قال: يا أبا الحسن صر إلى رحلك وكن على أهبة من كفايتك حتى إذا ذهب الثلث من الليل وبقي الثلثان فالحق بنا فانك ترى مناك إن شاء الله.

قال ابن مهزيار: فصرت إلى رحلي أطيل التفكر، حتى إذا هجم الوقت فقمت إلى رحلي وأصلحته وقدّمت راحلتي وحملتها وصرت في متنها حتى لحقت الشعب، فإذا أنا بالفتى هناك يقول: أهلاً وسهلاً يا أبا الحسن، طوبى لك فقد اُذن لك، فسار وسرت بسيره حتى جاز بي عرفات ومنى وصرت في أسفل ذروة جبل الطائف.

فقال لي: يا أبا الحسن انزل وخذ في أهبة الصلاة، فنزل ونزلت حتى فرغ وفرغت، ثم قال لي: خذ في صلاة الفجر وأوجز فأوجزت فيها وسلم وعفر وجهه في التراب، ثم ركب وأمرني بالركوب فركبت، ثم سار وسرت بسيره حتى علا الذروة، فقال: المح هل ترى شيئاً؟

فلمحت فرأيت بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاء. فقلت: يا سيدي ارى بقعة نزهة كثيرة العشب والكلاء.

فقال لي: هل ترى في أعلاها شيئاً؟

فلمحت فإذا أنا بكثيب من رمل فوق بيت من شعر يتوقد نورا.

فقال لي: هل رايت شيئاً؟

قفلت: أرى كذا وكذا.

فقال لي: يا ابن مهزيار طب نفساً وقرّ عيناً.. فان هناك أمل كل مؤمّل.

ثم قال لي: انطلق بنا، فسار وسرت حتى صار في اسفل الذروة، ثم قال: انزل فها هنا يذّل لك كل صعب، فنزل ونزلت حتى قال لي: يا ابن مهزيار خلّ عن زمام الراحلة.

فقلت: على من أخلّفها وليس ها هنا أحد؟

فقال: إن هذا لا يدخله إلا ولي ولا يخرج منه إلا ولي.

فخليت عن الراحلة فسار وسرت، فلما دنا من الخباء سبقني وقال لي: قف هنا إلى أن يؤذن لك، فما كان هنيئه فخرج إلي، وهو يقول: طوبى لك قد أعطيت سؤلك.

قال: فدخلت عليه صلوات الله عليه وهو جالس على نمط، عليه نطع أديم احمر متكئ على مسوره أديم، فسلمت عليه وردّ عليّ السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولابالبزق، ولا بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة صلت الجبين، أزج الحاجبين، ادعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدين، على خدّه الأيمن خال، فلما أن بصرت به(عجل الله تعالى فرجه) حار عقلي في نعته وصفته.

فقال لي: يا ابن مهزيار كيف خلّفت أخوانك في العراق؟

قلت: في ضنك عيش وهناء، قد تواترت عليهم سيوف بني الشيطان.

فقال: قاتلهم الله أنى يؤفكون، كأني بالقوم قد قتلوا في ديارهم واخذهم أمر ربهم ليلاً ونهاراً، لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ اذلاّء.

ثم قال: إن أبي صلوات الله عليه عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها، إسراراً لأمري وتحصنياً لمحلي من مكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم والضوال...

إعلم أنه قال(2) صلوات الله عليه يا بني، إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلّي أطباق أرضه وأهل الجّد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلي بها، وامام يؤتم به ويقتدى بسبل سنته ومنهاج قصده، وأرجو يا بني أن تكون أحد من اعده الله لنشر الحق ووطي الباطل واعلاء الدين واطفاء الضلال، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض وتتبع اقاصيها، فان لكل ولي من أولياء الله عزوجل عدواً مقارعاً، وضداً منازعاً… فلا يوحشنّك ذلك.

وأعلم أن قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إلى أوكارها، وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة وهم عند الله بررة أعزاء يبرزون بانفس مختلة محتاجة وهم أهل القناعة والاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد. حضهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى وكرامة حسن العقبى،فاقتبس يا بني نور البصر على مــــوارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ مما تحمده غبه إن شاء الله.

وكأنك يا بني بتأييد نصر الله وقد آن وتيسر الفلج وعلو الكعب قد حان، وكأنك بالرايات الصفر والأعلام البيض تخفق على أثناء اعطافك ما بين الحطيم وزمزم، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود، وتصافق الاكف على جنبات الحجر الأسود. تلوذ بفنائك من ملأ برأهم الله من طهارة الولادة، ونفاسة التربة، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذبة افئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحق وأهله، فإذا اشتدت أركانهم وتقوت أعمارهم فدنت بمكانفتهم طبقات الأمم إلى إمام إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشعبت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية فعندها يتلألأ صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق يود الطفل في المهد لو استطاع اليك نهوضاً ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازاً، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة، وتنشر بك أغصان العز نضرة، وتستقر بواني الحق في قرارها وتؤوب شوارد الدين إلى أوكارها، تتهاطل عليك سحائب الظفر، فتخنق كل عدو وتنصر كل ولي، فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاسط ولا جاحد غامط ولا شانئ مبغض ولا معاند كاشح ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً.

ثم قال: ليكن مجلسي هذا عندك مكتوماً إلا عن أهل الصدق والأخوة الصادقة في الدين...

قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حيناً أقتبس ما أؤدي إليهم من موضحات الأعلام ونيرات الأحكام وأروى النبات الصدور من نضارة ما أدخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم…

فاستأذنته بالقفول وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته والتجرع للظعن عن محاله، فاذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخراً عند الله ولعقبي وقرابتي ان شاء الله.

فلما أزف ارتحالي وتهيّأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودّعاً ومجدداً للعهد وعرضت عليه مالاً كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، وسألته أن يتفضل بالأمر بقبوله مني.

فابتسم وقال: استعن به على مصرفك، فان الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة.. ثم دعا لي كثيراً وانصرفت إلى وطني.