المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وستبقى الكويت موطناً للوفاق والتسامح ....... علي يوسف المتروك



أمير الدهاء
11-30-2008, 07:14 AM
علي يوسف المتروك - الوطن


لو سألت اكثرهم ما معنى الديموقراطية التي ترددونها وتلوكونها بألسنتكم ليل نهار؟ لقالوا: الديموقراطية تعني الديموقراطية (كمن فسر الماء بعد الجهد بالماء)، فقد سئل احدهم مرة ما معنى الماء؟ ففكر طويلاً ثم قال: الماء يعني الماء، ومن هنا يبدو ان من يردد هذه الكلمة لا يفهم ابجدياتها، فالديموقراطية تعني بالدرجة الاولى، عدم احتكار الحقيقة، وقبول الرأي الآخر، وحفظ حقوق الاقليات، وما الى ذلك من معان انسانية سليمة.

قضية السيد الفالي كشفت المستور، فإصرار اصحاب الثوابت على تسفير الرجل خلال اربع وعشرين ساعة، اظهر ان الحكم عليه قد صدر قبل ان تنظر قضيته امام القضاء، اضافة الى نعته بالزنديق، وهذه التهمة لم تأت جزافاً، فقد لعبت دوراً مروعاً في ايام العهد العباسي، فمجرد اطلاقها على شخص، يعني اهدار دمه، ونهب امواله، وخروجه من الملة.

لو كان دافع من لاحق السيد الفالي، خالصا لوجه الله، ودفاعاً عن الصحابة رضوان الله عليهم، لترك ليواجه القضاء، وينال ما اقترفت يداه جزاء ما ارتكبه من جرائم، ولطالب اصحاب الدعوة ان تبث محاكمته عبر وسائل الاعلام، ليكون عبرة لمن اعتبر، ولكنهم يعرفون ان ادعاءاتهم لن تثبت امام دفاع الفالي، وما سيقدمه من ادلة تضمنتها كتب الحديث، والتاريخ.

ربما يسأل النشء الجديد ما الذي جعل الناس تهاجر الى الكويت، في ايام نشأتها الاولى على الرغم من شحة الموارد وقساوة الطبيعة؟ والجواب هو: التسامح الذي عرف عن حكام هذا البلد.

كان مكتب المغفور له الشيخ مبارك الصباح في ساحة الصرافين، فيما يعرف الآن بسوق المباركية (الكشك)، وكان قرب هذا المكتب سوق للصفارين، وهذه المهنة كانت معروفة، وهي مهنة من يعملون الاواني النحاسية وغيرها من اللوازم وفي احد الايام نزل من مكتبه، فلم يسمع ذلك الرنين المعتاد الذي يطلقه الصفارون اثناء عملهم، فدخل السوق مع خادمه، فوجد شخصاً يعمل وحده في السوق، فسأله المرحوم الشيخ مبارك الصباح: أين ربعك يا فلان؟ فقال: اليوم تحاريم يا طويل العمر، فسأله: عن سبب التحاريم فقال: اليوم وفاة الامام الحسن، فسأله الشيخ مبارك مستفسرا: الحسن ولد فاطمة؟ فقال له الرجل: نعم يا طويل العمر، فقال الشيخ مبارك: وليش ما تبعت ربعك؟ ثم اردف قائلا: لا اريد ان اراك تعمل وحدك وتفتح دكانك أيام التحاريم.

وفي هذا التوجيه حكمة، واي حكمة، فهو يريد ان يخلق نوعا من الانسجام، والمشاركة في المناسبات، ليكون الشعب متضامنا، لا منفردا في موقف عن بقية زملائه سواء في السوق او في غيره، وقد سلك هذا النهج من تلاه من حكام الكويت، فقد شارك اولئك الحكام في بناء الحسينيات، واعطاء النذور، وقد شاهدت بنفسي كثيرا من الشيوخ من الاسرة الحاكمة، يحضرون ليلة العاشر من محرم في الحسينية الخزعلية للمشاركة في مناسبة استشهاد سيد الشهداء الحسين بن علي عليه السلام.

ان من يريد ان يستعرض عضلاته، ويفرض على المجتمع رأيا احاديا غير قابل للنقاش، استنادا الى قبيلة او عضوية مجلس الامة، او عبر اسناد خارجي، فهو واهم فلن يكتب لهذا البلد ان يعيش ويستمر الا بالتسامح وقبول الاخر، فالشيعة ليسوا لقمة سائغة، وان سكتوا عن بعض حقوقهم فلا عن ضعف او دعة، وانما حفاظا على السلم الاهلي، والعيش المشترك مع اخوانهم المواطنين.

قبل يومين كنت في المقبرة الجعفرية، لتشييع احد المتوفين، فاذا هي مليئة برجال القبائل، لتشييع احد موتاهم، فسألت احد مشايخهم على سبيل الاستطلاع: هل يشكل لكم اعتناقكم المذهب الامامي اشكالات في القبيلة؟ فقال: لا على الاطلاق، فنحن وان كنا مختلفين في المذهب فنحن نتبع ما تقرره القبيلة، ولا نرى تعارضا بين المذهب والقبيلة، فكثير من القبائل بل اكرمها يشكل الشيعة الامامية كثير من افرادها، ولكنهم لا يظهرون تشيعهم، فشكرت الرجل واجبته: ان المسلمين جميعا وان اختلفت مذاهبهم فانهم يؤمنون برب واحد، وكتاب واحد، وقبلة واحدة، وجميعهم الى خير ان شاء الله، ولدى نبيهم الكريم ضمانة من ربه جل شأنه ليشمل العفو كل من نطق بالشهادتين حين بشره بقوله: ?ولسوف يعطيك ربك فترضى? فتهلل وجهه فرحا، حين نزلت هذه الآية فقد سئل الامام محمد الباقر عليه السلام عن تفسير هذه الآية فقال: ان رضى رسول الله صلى عليه وآله الا يبقى مسلم في نار جهنم.


تاريخ النشر 30/11/2008