المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مثقفو الشيعة يحاولون استرداد استقلالية الطائفة



زوربا
11-25-2008, 07:18 AM
غسان الامام - الشرق الاوسط


في جلسة في بيت السفير العراقي في باريس (1981)، دعاني طارق عزيز إلى قضاء أيام معه في الريف العراقي. كان غرضه وضع كتاب عن «حزب البعث». لم أذهب لعدة أسباب. أولها تصميمي على عدم زيارة العراق وصدام حسين قابض عليه.
السبب الثاني ان مشروع الكتاب كان واضحا عندما قال لي «أبو زياد» سلفا ان صدام هو «المفكر والمنظِّر» لحزب البعث وليس ميشيل عفلق! يومها هبط طارق عزيز من مكانة التقدير والاحترام عندي، إلى «خانة» الانتهازية التي احتفظ فيها بصف عريض من ساسة عرفتهم، أو تابعت مسيرتهم السياسية.

السبب الثالث طريف بقدر ما هو غريب. فقد تناهى إليّ ان كل ضيف زائر للعراق يحمل أحد أسماء الخلفاء الراشدين (أبو بكر. عمر. عثمان) يتلقى نصيحة من جلاوزة صدام. النصيحة بأن لا يصرِّح باسمه إذا ما زار جنوب العراق، وإلا فسيتلقى شتيمة بذيئة في الشارع الشيعي، أو من رجل دين متعصب.

لعل شتيمة الراشدين كانت السلعة «الفكرية» الوحيدة التي سمح الطاغية صدام للشيعة بممارستها في عراقه، فيما أصدر مرسوما بشنق كل من يشتمه شخصيا، على الرغم من انه لم يكن راشدا قط.

ذكرتني الشتيمة بصديق من شلة السمر في دمشق الخمسينات، في ذلك العصر القصيِّ، لم نكن نُعنَى بمعرفة المذهب. عرفت انه شيعي عندما راح ينهال بالسباب على الخليفة عمر حملت السينما المصرية إلينا فيلما عنه آنذاك.

ثم كان اسمي جواز مرور لي في عاصمة الشيعة (ضاحية بيروت الجنوبية). في أول سني الحرب الأهلية، كان رجال الميليشيات الشيعية يفرجون عني فورا لكوني «إماما». لكن أصدقاء من الشيعة، بينهم مثقفون وصحافيون، لم يكونوا مرتاحين لاسمي الأول. بين الجد والمزاح، كانوا يعتبرون الغساسنة المسيحيين أنصارا لمعاوية الخصم اللدود لعلي.

كنت أضحك. كنت أدعوهم لزيارة دمشق ليروا بأعينهم كيف أن ضريح معاوية يكاد يندرس. فيما تزدهر القبة وتتوهج في مقام السيدة زينب، في ظاهر دمشق الذي أصبح اليوم حيا إيرانيا.
بعد هذه السنين، كنت أتوقع أن تخمد الحماسة لشتيمة الخلفاء ومعاوية ومروان في شارع اسلامي لا يستطيع فيه الشيعي الايراني أو السني العربي معرفة الفرق بين المذاهب. لكن بيان مثقفي الشيعة العرب الذي صدر في الأسبوع الماضي أكد أن هذه الشتيمة ما زالت ممارسة تقليدية في الشارع الشيعي، وعلى ألسنة بعض رجال الدين المتشددين الذين يلقنونها للبسطاء.
البيان الذي حمل عنوان «تصحيح مسار الطائفة الشيعية في الوطن العربي» كان أكثر جدية من مجمل تناوله ظاهرة الشتيمة وسلبية الغلو في أداء المشاعر (الطقوس) كجلد الرأس والظهر. فقد تعرض بجرأة وصراحة إلى اشكاليات في الفقه الشيعي، كمرجعية «التقليد»، ونظرية «ولاية الفقيه» التي ابتكرها الخميني.

دعوة هذه النخبة المثقفة الشيعة العرب إلى توقيع البيان تشير الى عَزمٍ واستعدادٍ للنزول إلى الشارع وإرساء نواة لرأي عام شيعي أكثر وعيا للتوجهات الطائفية المهيمنة حاليا، وأكثر استعدادا لتقبل تعددية شيعية دينية وسياسية. لا شك أن في مخيلة هذه النخبة ذكرى أجيال شابة من شيعة الأربعينات إلى السبعينات كانت رائدة في مجال الثقافة والأدب (من شعر ونثر)، وشكلت قاعدة وقيادة عريضتين لتعددية سياسية وحزبية في العراق ولبنان واليمن وبعض أطراف الخليج.
أرى في البيان أملا في استرداد النخبة المثقفة الشيعية الاعتبار الذي فقدته لحساب الجهد الفائق الذي بذلته المؤسسة الدينية لسحب الأجيال الشيعية الجديدة إلى زنزانة الطائفة، وحزمها بأحزمة «العفة» والطهارة، ثم تأهيلها للتطوع في خدمة الهجمة الإيرانية لاختراق العالم العربي، بـ «الشحن» المذهبي، وإثارة الكراهية بين الطوائف.

كما يقول البيان، فنحن في حاجة إلى مرجعية ثقافية وسياسية شيعية عربية، تؤكد على هويتها وانتمائها القومي، واستقلاليتها عن مرجعيات ومؤسسات خارجية لها مصالحها ولها أغراضها، في فصل الأجيال الشيعية العربية عن أمتها العربية، وعن مجتمعاتها، وعن الثقافة المتوسطية الأكثر انفتاحا وتسامحا ووعيا، بل وتطورا.

أعود إلى «نظرية الفقيه» التي طرحها الخميني، وركز على نقدها بيانُ النخبة المثقفة الشيعية، لأقدم تفسيرا سريعا ومبسطا لها: الفقه الشيعي ليس أكثر انفتاحا وتجديدا من الفقه السني، كما يزعم المفكر محمد أركون وأمثاله، أو كما يوحي أدونيس في نقده للتراث السني، وتجاهله التام للتراث الفقهي الشيعي.

كانت الإضافة اليتيمة للخميني على التراث الشيعي الفقهي هي دعوته لتسييس وتثوير الشيعة من خلال إقامة دولة «ثيوقراطية» يحكمها رجال الدين. لكي يتجنب مصالحة الإسلام مع ديمقراطية الانتخاب والاقتراع، فقد أضفى الخميني عباءة القداسة والمعصومية على رجل دين (غير منتخب شعبيا) اختاره هو أولاً، ثم أوصى حفنة من الفقهاء باختيار خلفه.

لم يكن معقولا أو مقبولا أن ينصِّب الخميني نفسه بعد ثورته، الإمام الغائب، ابتكر منصب «الفقيه» النائب للإمام المنتظر. جلس هو شخصيا في مقعده، ونصَّب «آية الله» حسين علي منتظري (1985) خلفا له. الطريف ان معارضة نظام ولاية الفقيه برزت من داخل النظام والمؤسسة الدينية. كان أول الرافضين لحكم رجال الدين منتظري نفسه، تَمَّ عزل الرجل واحتجازه والخميني على قيد الحياة. انتخب «الحجة» علي خامنه ئي، بعد وفاة الخميني، فقيها من دون أن يمتلك المؤهلات والدرجات الفقهية. كان الخميني ينصحه بالانكباب على الدراسة لتعميق معلوماته الدينية.
المفكر الديني الايراني علي شريعتي قدم تفسيرا حداثيا للإسلام الشيعي من خارج المؤسسة الدينية. رفض شريعتي الإمامة المعصومة. دعا إلى إمامة شعبية ودينية بلا قداسة ومعصومية. قتل شريعتي في ظروف غامضة (1977) قبيل انفجار ثورة الخميني.

علماء الشيعة العربية لم يكونوا مؤيدين لكل مقولات الخميني والفقه الفارسي عن قداسة الإمامة ومرجعية التقليد، السيستاني على الرغم من فارسيته لم يطرح نفسه شاهاً وخمينياً في العراق بل هو يعارض حكم رجال الدين. صدام حاول تنصيب الفقيه (العربي) صادق الصدر (والد مقتدى) مرجعا للشيعة، ثم غير رأيه وقتله.

ها هو المجتهد الديني اللبناني محمد حسين فضل الله يحاول انتزاع «مرجعية التقليد» في التسعينات من الحوزة الإيرانية. على الرغم من تأييده لإيران، فقد تم إسكاته بشن حملة غوغائية شعواء عليه من قم وطهران، ثم منذ تصنيفه كأب روحي لـ «حزب الله» الذي يقدم زعيمه حسن نصر الله اليوم ولاءه المطلق لخامنه ئي، على ولائه لعروبته وبلده لبنان.

أحسب انجرار شباب الشيعة اللبنانية والعراقية لتأييد نظام إيران في معاركه المفتعلة ضد الغرب وضد النظام العربي، هو من قبيل الاعجاب المؤقت من جهة، ومن جهة أخرى لانخداعه بما تنشره آلة الدعاية وآلة المال السياسي، اللتان حجبتا ربما إلى حين قدرة الأجيال على إدراك مدى الانغلاق السياسي والديني الذي تعيشه المجتمعات الشيعية.

لعل النخبة الثقافية الشيعية في الخليج والعراق تنجح في استرداد وعي هذه الأجيال لعروبتها وخصوصيتها واستقلالها المذهبيين. ولعل مصيرها في مهمتها الصعبة يكون أفضل من مصير شريعتي.