المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الكساد والتراجع منذ 1929



زوربا
11-18-2008, 06:53 AM
علي بن طلال الجهني الحياة - 18/11/08//

يوم الاثنين 28 تشرين الأول (أكتوبر) من عام 1929 هبط مؤشر «داو جونز» في نيويورك بنحو 10 في المئة فسمّى سماسرة السوق ذلك اليوم بـ «الاثنين الأسود»، لأن الكثيرين منهم كانوا يرهنون الأسهم ويشترون أسهماً إضافية فاضطروا إلى بيعها بخسارة أدت إلى إفلاس الكثيرين وانتحار نفر من الخاسرين.

غير أن السوق المالية واصلت انهيارها نهار الثلثاء 29 تشرين الأول، فصار ذلك اليوم أيضاً «الثلثاء الأسود». وفي نهاية يوم الثلثاء الأسود انهارت السوق خلال يومين فقط بنحو 23 في المئة. وفي نهاية الأسبوع الذي بدأ في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) انهار مؤشر «داو جونز» بأكثر قليلاً من 40 في المئة مقارنة بمستواه في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه (1929).

ما الذي حصل؟ ملخص ما حصل أن الاقتصاد الأميركي مر بتراجع عادي يعتبر أحد صفات الرأسمالية، الذي يحدث حينما يختل التوازن بين القطاعات الاقتصادية المختلفة لأسباب كثيرة ليس هذا مكان الخوض فيها. وبدلاً من استخدام أدوات الإنعاش المعروفة كخفض نسبة الضرائب وزيادة مستوى السيولة، حدث العكس.

ارتفعت الضرائب بنسب صغيرة، ولكن الأهم أن مستوى السيولة انخفض بنحو الثلث في نهاية تشرين الثاني مقارنة بما كان عليه في بداية ايلول. وهذا انخفاض هائل في المؤشرات المهمة والحيوية فعلاً لا مجازاً لديمومة النشاط الاقتصادي. ولو تخيل المرء أن كل من لديه نقد أو ما يمكن تحويله بسهولة إلى نقد من منشآت مالية واقتصادية لم يبق له من كل مئة إلا 66 أو 65، فماذا يكون تأثير ذلك في تصرفاته الاقتصادية؟ هل يزيد إنفاقه أو ينخفض؟ وهل ستزيد فرص العمل أو تنخفض؟ وأشياء أخرى كانخفاض الإنتاج على كل مستوياته، وانخفاض الأسعار، الذي يؤدي بدوره إلى إفلاس مزارعين ومصنعين ونسبة من مقدمي الخدمات بما فيها الخدمات المالية.

بإيجاز تحول «تراجع» الاقتصاد الأميركي عام 1929 إلى «كساد» عالمي كاد يوصل الشيوعيين إلى الحكم في أوروبا كافة لو لم يسبقهم إلى تولي الحكم في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا النازيون وحلفاؤهم الفاشيون.

إن أسباب كارثة 1929 نقدية بالدرجة الأولى ومالية بدرجة أقل. ولم يسبّبها فشل الدوافع الذاتية التي سمّاها آدم سميث بـ «الأيدي الخفية». لقد كانت لدى «الاحتياطي الفيديرالي» أو المركزي الأميركي كل الأدوات المعروفة لدى الاقتصاديين لرفع مستوى السيولة ومنع حدوث تحويل التراجع الاقتصادي الموقت في أميركا فقط إلى كساد هائل بدأ في أميركا وشمل سريعاً بقية دول العالم. (سبق تأسيس «الاحتياطي الفيديرالي» عام 1913).

وفي عام 1932 تم انتخاب الرئيس الأميركي الإصلاحي فرانكلين روزفلت. وهو الرجل نفسه الذي حرمه شلل الأطفال قبل أن يبلغ الأربعين من العمر من السير على قدميه وقابل مؤسس المملكة العربية السعودية بطل الصحراء العظيم، الملك عبدالعزيز في عام 1945.

أتى الرئيس روزفلت من أسرة غنية من ولاية نيويورك ولم يشعر بالحاجة منذ ولادته حتى يوم انتخابه. غير انه رجل نذر نفسه للخدمة العامة. فكان حاكماً لولاية نيويورك قبل أن يرشحه الحزب الديموقراطي لخوض انتخابات تشرين الثاني من عام 1932.

كانت أولى الخطوات التي اتخذتها إدارة روزفلت على الصعيد الاقتصادي مضاعفة الإنفاق على الأشغال العامة في البلاد كافة كبناء الجسور وإنشاء الموانئ البحرية والجوية أو توسيعها، ووضع برنامج للتقاعد، وعلاج لمتقاعدي القوات المسلحة وبدل بطالة، وضمان للودائع التي لا تتجاوز مئة ألف دولار (مبلغ كبير في ذلك الوقت) وإنشاء هيئات رقابية مالية.

فزيادة الإنفاق رفعت مستوى السيولة. أضف إلى هذا أحاديث الرئيس التي كان يوجهها أسبوعياً (عن طريق الراديو) إذ كانت تُدخل الاطمئنان وتشيع الثقة. وإذا عادت الثقة التي لا يقف عثرة في طريقها تدني مستويات السيولة، استعاد أي اقتصاد صناعي انتعاشه ونشاطه. فانتهى الكساد وارتفعت المداخيل وتدنت نسبة البطالة مع بداية الحرب الكونية الثانية في عام 1939.

ومن طبيعة الأمور أن يمر الاقتصاد الأميركي الذي نما بنسب كبيرة ابتداء من عام 1937 وحتى عام 1950 بتراجع اقتصادي موقت. وهذا ما حدث حينما وجد الجنرال أيزنهاور القائد الميداني المجرب، والذي فاز في انتخابات الرئاسة في تشرين الثاني 1952، انه لم يكن ممكناً علاج التراجع الاقتصادي بالوسائل العسكرية نفسها التي وظّفها حينما كان قائداً عسكرياً يخوض المعارك في أوروبا. فقال الرئيس المتقاعد هاري ترومان قولته الشهيرة «مسكين الجنرال الرئيس الذي اعتاد أن ينفذ مساعدوه العسكريون أوامره. أما أوامره في البيت الأبيض فسيقال له إنها نُفّذت وفي الحقيقة نادراً ما ينفذ أعضاء حكومة أي رئيس أميركي أوامره».

ولكن الجنرال أيزنهاور لم يكن رجلاً ساذجاً من النواحي الاقتصادية. فشرع ببناء الطرق الواسعة المتعددة الاتجاهات من أقصى نقطة في شرق الولايات المتحدة إلى أقصى نقطة في غربها، وكذلك من أقصى شمالها إلى أقصى جنوبها بحيث لا توجد إشارة مرورية واحدة على هذه الطرق العابرة للولايات كما يعرف كل من عاش في أميركا.

والسؤال هو: هل ستؤدي الكارثة المالية الحالية، التي سبق الحديث عن أسبابها مرات عدة في هذا الحيز، إلى كساد عالمي؟

من المتفق عليه أنها الزلزال المالي الأهم منذ انهيار الأسواق المالية الأميركية والانكليزية وغيرها في أوروبا في الربع الأخير من عام 1929. فمنذ 16 تشرين الاول 2008 حين انهارت مؤسسات مالية كبيرة وحتى اليوم انخفضت مستويات المؤشرات المالية العالمية ما بين 30 إلى ما زاد على 40 في المئة.

غير أن سرعة التواصل ووجود حيز كبير من حرية التجارة الدولية، التي أسهمت في تسارع وانتشار كارثة الرهون العقارية وما ولّدته من «مشتقات»، هي المعول عليها في الوقت ذاته لإعادة التوازن إلى اقتصاديات العالم. وبالطبع لن تتخذ أي دولة تحكم شؤونها النقدية أدنى درجات المهنية قراراً بخفض مستوى السيولة. ومستوى السيولة هو الذي يُمكّنُ من البناء والتداول على الأصعدة المالية وأصعدة تجارة السلع والخدمات.

وهذا لا يعني أن المعاناة الحقيقية التي يمر بها العالم يمكن الخروج منها بسرعة. وقد تستمر بضعة أشهر أو حتى بضعة عشر شهراً في أسوأ الأحوال.

والله من وراء القصد.

* أكاديمي سعودي.