المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار مع الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان



الأمازيغي
07-14-2007, 12:29 PM
حوار مع الشاعرة الأمازيغية مليكة مزان
(أجرى الحوار الشاعر الأمازيغي الريفي المقيم بهولندا الأخ حسين أكروح )
ـ س : من هي مليكة مزان قبل أن تخوض تجربة الكتابة ؟
ـ ج : مليكة مزان ، قبل أن تخوض هذه التجربة بحلوها ومرها ، هي نفس الإنسانة الكاتبة التي تحاورها اليوم بكل غضبها وتمردها ، فلقد كان التمرد والرغبة في التغيير ، مع كل العناد المصاحب لهما ، صفات طبعت شخصيتي منذ الطفولة . إن مليكة الطفلة كأنها لم تكن تنتظر غير أن تكبر وتنضج كأنثى واعية ومتمردة ، وأن تتوفر لها بعض الشروط الموضوعية لتخرج من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل . وأعتقد أن هذه الشروط توفرت لي دفعة واحدة بعد سفري إلى أوربا وأنا إنسانة راشدة ، حيث وجدت هناك دواعي كثيرة للكتابة ، ووقتاً كافياً للتفرغ لها بعد أن تركت عملي كأستاذة لمادة الفلسفة بالرباط ، ولزمت البيت .
إن كل ما فعلته مليكة مزان الكاتبة ليس غير الوفاء لمليكة الطفلة التلميذة ، فالطالبة الجامعية ، فالأستاذة المقيدة بالواجب اليومي ، وفاء تمكنت منه وهي تستغل ما جد من ظروف مواتية للإعلان عن نفسها إنسانة منذورة للكتابة منذ البدء ، منفلتة بصوتها من كل أشكال القهر والإحساس باليتم والغبن .. لتقول لا وكفى والآن ...
نعم هي نفس الإنسانة التي تعشق الوطن الآن حد الجنون ، نفس الإنسانة التي تكره النفاق وتقاوم القبح وتلعن الجبن ، نفس الإنسانة التي ما تزال تحلم بحياة أطيب ومغرب أعدل ، أي أكثر عقلانية وديموقراطية ، أي أكثر أمازيغية حتى لا نقع في التناقض أو الكذب أو التلاعب بكثير من حقائق الجغرافية والتاريخ .
لقد لازمتني الرغبة في مباشرة الكتابة/الاحتجاج/التغيير كفعل ضروري وجميل منذ وعيت الحاجة إليه وانتبهت إلى جدواه . وقد تم ذلك الوعي في سن مبكرة منذ أيام الدراسة الثانوية تحت ضغط الحرمان والفقر ، وتحت وابل الشتم والقذف في حق أمازيغيتي من طرف بعض التلاميذ وأطفال الحي .
في هذا الإطار كتبت نصوصي الأولى ، ولكنها نصوص سرعان ما انتهى بها الأمر إلى سلة المهملات نظرا لغياب التشجيع والتوجيه ، وما كتاباتي الآن سوى انتقام من ذاك الماضي الطفولي القاهر ، وإشباع فعلي لرغبتي في مواصلة الاحتجاج والرفض ، والتزام مني إجباري لم أكن لأفلت منه .
ـ س : هل كان المحيط الذي نشأت فيه مهيأ لاستقبالك كصوت شعري ؟
ـ ج : محيط النشأة لم يكن مهيأ لاستقبالي كصوت له احتياجاته واحتجاجاته ، كان محيطا شحيحا وجارحا ، مما جعله سببا في انفجاري بكل تلك المرارة وذلك العنف الصادم ، بل مازال هذا المحيط يزداد إصرارا على تعامله الجاف مع نبرات هذا الصوت ، سواء في لحظات وداعته وتسامحه ، أو في نوبات غضبه وتمرده . هو تعامل كان منتظرا من محيط له منطقه وأولوياته ، وله حساباتها الخاصة ، وله كذلك أوهامه ومخاوفه . محيط ما زلت لا أجد فيه جهة واحدة تستقبل صوتي بما كنت أنتظره من تفهم وتشجيع . ويبقى علي ، في أحوال كهذه ، أن أدير ظهري لكل الإحباطات ، وأحمي صوتي من قسوتها حتى لا يموت ؛ فهو التحدي الوحيد الجميل الذي أصر به على الحياة ، كما أنه وسيلتي الوحيدة لإبلاغ رسالتي الفنية والإنسانية .
ـ س : إن عنف الواقع وقسوة المحيط الذي نشأت فيه جعل منك صوتا يتميز بجرأة عالية وتمرد نوعي ، هل هو تمرد على ذات الشاعرة أم على ذات الآخر ، أم على ذات المجتمع الذي لم يتفاعل مع نبرات صوتك ؟
ـ ج : كل عنف لا بد له من أن يستدعي عنفا ما لمواجهته .. هذه آخر قناعاتي . كنت فيما مضى وديعة في تعاملي مع كل عنف ، على أساس أن العقل والحياة والحب أمور ترفض العنف كموقف وحل ، ولكن ما أن أحسست بعدم جدوى تلك الوداعة في التعامل مع واقع قاس وعنيد حتى أسرعت إلى تغيير موقفي . فعلى قدر ما يكون هذا الواقع عنيفا ووقحا بقدر ما يجب أن يكون التمرد عليه أقوى ، والجرأة على مواجهته عالية . هذا الواقع العنيف لا يستحق سوى أن نوجه له صفعات قوية لعل ضميره يستيقظ ؛ هذا إن بقي له من ضمير ونحن نلاحظ ما نلاحظه من تردي الروح بل والعقل أيضا . صفعات تكون بمثابة زلزال قوي لخلخلة الحياة ، وإعادة النظر فيها ، والعمل على بنائها بناء جديدا وفق ما تقتضيه مصلحة الإنسان كقيمة عليا ، وإلا ظلت وقاحة الواقع سيدة كل المواقف ، ومضى الإنسان ضحية لكل واقع مفلس .
أعترف أني مؤخرا صرت أكثر جرأة مما مضى في تعرية الواقع ، كل واقع ، كما دشنت تمردا على مختلف الواجهات ، تمردا على الذات ، على الآخر ، كل آخر ، الآخر القريب الشبيه ، والآخر البعيد المخالف ، وكذلك واقع العلاقات بين كل هذه الأطراف .
هي جرأة على التمرد ، وجرأة أيضا على المواجهة الصريحة ، مواجهة الجميع بنفس العنف وبكثير من الرفض .. رفض الصمت / الجبن ، والنفاق / الخداع ، والخيانة / الاستسلام . هي جرأة أعتبرها رمز قوتي وصمودي أمام ضعف الذات وخذلان الآخر ، فردا كان أو جماعة ؛ جرأة أسجل بها انفلاتي الأصيل من قبضة كل قهر وعنف ، عنف أعرف أني إن لم أواجهه بما يكفي من شجاعة كان مصيري الانهيار والجنون ، أو على الأقل الخيانة . وكلاهما لن يجدا عندي سوى الرفض تلو الرفض .
ـ س : كشاعرة أمازيغية وظفت اللغة العربية كأداة للتعبير عن الوشم والجمال والجرح الأمازيغي هل تشعرين بنوع من الاغتراب بعدم استعمالك وتوظيفك للغة الأمازيغية كلغة قريبة إلى النص أم أن اللغة العربية كانت كافية للتعبير عما تريدين ؟
ـ ج : اللجوء إلى لغة أخرى للكتابة والتعبير ظاهرة معروفة لدى مثقفينا الأمازيغ ، وعبر كل مراحل عيشهم تحت هيمنة الثقافات التي غزت بلاد تمازغا ، إذ نجد منهم ، ومن قبل الغزو العربي ، من كتب باليونانية ومن كتب باللاتينية . ولست أدري ما كان الداعي لديهم إلى هذا المنفى الثقافي ، وهل كان منفى اضطراريا أم منفى اختياريا تفسره فقط الرغبة في الترجمة المباشرة لانشغالاتهم الفكرية والوجدانية حتى يطلع عليها الآخرون .
عامة عرف عن الأمازيغ ومنذ القديم هذا الميل إلى الكتابة بلغة الغير ، بل والإعلان عن ولائهم التام للغرباء ، وكذلك تسمية الذات والأبناء بأسماء من ثقافات هؤلاء ، والنتيجة كانت تفقير الثقافة المغربية حد النزف بل حد ما يشبه الانقراض والموت . وأعتقد أن اللحظة التاريخية التي يعيشها العالم الأمازيغي الآن ، لحظة النهضة والانبعاث ، جاءت لتصحح أخطاء الأمازيغ الأولين ، ولتنقذ ما بقي من الذات الأمازيغية الصامدة أمام كل أشكال المحو التي هددتها ، سواء من الداخل على يد الأمازيغ أنفسهم وبسبب تواطؤهم وشدة غبائهم ، أو على يد الغرباء الغزاة . شخصيا أحس وأنا أكتب بالعربية باغتراب مرير فظيع ليس لي أن أنجو منه ، ذاك أنها ليست لغتي بل لغة غريبة دخيلة على وجداني ، لغة فرضت علينا فرضا من طرف العرب الغزاة ، هؤلاء الغزاة الذين ، وهم يدرجون الآن لغتنا الأمازيغية في البرامج الدراسية ـ من أجل عقد ، في ما يبدو على الأقل ، نوع من التصالح مع الذات المغربية تفاديا لمزيد من اجتثاث هويتها الأصلية ، ودفعا منهم لكل ما يمكنه ـ تبعا لذلك الاجتثاث ـ أن يزعزع استقرار البلاد ووحدتها ـ لم يدرجوها كغاية في حد ذاتها ، بل اعتبروها مجرد مادة يستأنس بها التلاميذ في تعلم اللغة العربية . وفي ذلك استخفاف بنا وبلغتنا الأم وبمشاعر الجماهير الأمازيغية الغفيرة أي ما استخفاف !
لذلك أرى أن أحسن انتقام من سلوك عنصري كهذا هو اعتبار لغة هؤلاء الغزاة مجرد وسيلة يلجأ إليها كل من حرم مثلي من لغته الأم لإرسال صوته من العدم ، وللتعبير عن جراحاته الأمازيغية العديدة والعميقة ، والتي هي جراحات هذا الشعب الذي قدم من دمائه ومن تضحياته الشيء الكثير فقط لينعم هؤلاء القلة بخيرات مغرب الاستقلال على حساب القاعدة الأمازيغية الواسعة .
نعم إن الكتابة باللغة العربية في نظري اغتراب مر كأي اغتراب آخر ، ذاك أن الوجدان ، الذي انبثقت منه كل قصائدي المكتوبة باللغة العربية ، كان وما يزال وجدانا أمازيغيا محضا . إن لغتي الأمازيغية المحاصرة المغيبة هي اللغة الوحيدة التي كان من الممكن أن تعبر بكفاية كريمة جدا عن هذا الوجدان ، ولكني للأسف لم أكتب بها قط ، ولسبب واحد هو عدم إتقاني لها ، لا كلغة تواصل يومي شعبي ، بل كلغة خلق وإبداع تحاصرها سياسة التعريب الجهنمية التي تتربص لنا ، ومنذ الصغر في المدن والبوادي ، لتمحو ما تبقى من ملامحنا الأمازيغية الثقافية منها والوجدانية .
لكنها سياسة ، إن نجحت في تعريب ألسنتنا ، ما لها أن تنجح أبدا في تعريب أرواحنا ووجداننا وقناعاتنا . لقد كان على النخبة العربية الحاكمة أن تدرك باكرا هذه الحقيقة ، وأن تتصرف بذكاء وعدل مع الشعب المغربي الأمازيغي ، بدل كل هذه السياسات الاستئصالية التي لم ولن ينتج عنها سوى إحساس المواطنين بمزيد من القهر ، وبالتالي بضرورة الرد عليه وبكل أشكال الاحتجاج والصمود والرفض .
يوم أسمع قصائدي تلقى باللغة الأمازيغية ربما لن أتوقف عن البكاء ، تماما كما لا أتوقف عن الانفعال العميق وأنا أستمع لأي أغنية أمازيغية للفنان الرائع محمد رويشة ، أو لأي موال من مواويل الفنانة الجميلة شريفة مع أني في كثير من الأحيان لا أفهم مضامين كل ما أستمع إليه. وهنا ألتمس من المترجمين الأمازيغ أن يكرموا إخوتهم الكتاب المغتربين في اللغات الأجنبية بأن يعيدوا كتاباتهم إلى لغتها الأم ، لغتها التي كان من المنتظر أن تخرج بها ومنها إلى العالم ، لولا سياسة أولئك الذين أجرموا في حق ثقافتنا ووجودنا ، معتقدين أنهم بذلك يخدمون غايات نبيلة ، في حين أنها غايات بعيدة كل البعد عن إكرام الإنسان ، ذلك الإكرام الذي لن يكون بغير احترام حقه في الاختلاف كما خلقته الطبيعة ، وكما توصي بذلك كل الأديان ، السماوية منها والوضعية ، وكل القوانين والأعراف الدولية .
ـ س : غالبا ما تعرضت نصوصك إلى انتقادات يغلب عليها الطابع الانفعالي أكثر مما هي آراء نقدية أدبية تتناول الجانب الجمالي في النص كنص يتميز بصوت متمرد جريح وعنيد . هل هذا الانفعال راجع إلى غياب أقلام النقاد أم أنه لازالت هناك خلفية يحكمها تراكم إيديولوجي سياسي بعيد عن النقد الأدبي ؟
ـ ج : من الطبيعي جدا أن يطمح كل مبدع إلى أن يلتفت النقاد إلى تجربته ، وكم يكون سعيدا إذا ما وجدهم يقومون بذلك وبشكل موضوعي وجاد ، فالتفات النقاد إليها بهذا الشكل مقياس نجاح تجربته في فرض نفسها وجلب الأنظار إليها ، ودليل على أنها إضافة تستحق استغوارها ، والوقوف عندها للكشف عن قيمتها الفنية والفكرية . بالنسبة لي لم تجد تجربتي ولحد الآن من يقف عندها وقفة موضوعية منصفة . كثير من الذين اطلعوا على نصوصي يبدون إعجابا يصل بعض الأحيان حد الاندهاش ، والإشادة بأصالة التجربة وتفردها ، وبكونها إضافة نوعية إلى الكتابة الشعرية ، سواء داخل المغرب أو عبر ما يسمى ظلما بالعالم العربي . ولكن إشادتهم تلك لم تتجاوز كونها تعليقات عابرة ، أو كتابة بضعة سطور في تقديم ديوان ، أو إنزال خبر صدور ديوان لي جديد بإحدى الجرائد أو المجلات أو المواقع الثقافية .
إلا أني مؤخرا ، ومن خلال نشري لكثير من قصائد ديواني الأخيرين في مواقع ثقافية عديدة على شبكة الأنترنت ، وجدت قراء كثيرين يقفون عند نصوصي سواء كمجرد قراء متذوقين أو كنقاد محترفين . ومن القراء والنقاد من كان المعجب الصادق والذي ظل وفيا لنفس الموقف على امتداد كل النصوص المنشورة هناك ، وعلى رأسهم القاص التجريبي الأمازيغي إسماعيل غزالي ، والشاعر الأمازيغي حسين أكروح ، والناقد التونسي فوزي الديماسي ، والشاعر السعودي محمد خضر ( وقد أبان هذان الأخيران ، وهما كاتبان عربيان ، عن تسامح ثقافي نادر ونضج إنساني كبير) وكذلك الشعراء الأكراد عبد الستار نور علي ، وهوشنك أوسي ، ومحمود عبدو عبدو ، ومصطفى إسماعيل .
كما كان فيهم النقاد المجاملون الذين سرعان ما انفضحت مجاملتهم بمجرد ما انتبهوا إلى كوني أصر على توقيع نصوصي بانتمائي الأمازيغي ، وإلى ما تحمله هذه النصوص من رسالة إنسانية ذات هموم وانشغالات أمازيغية صرفة . وأذكر هنا بالخصوص الكاتب المغربي عبد الحميد الغرباوي ، والناقد المصري محمد جاهين بدوي ، والقاصة التونسية آسية السخيري ، والكاتب التونسي كمال العيادي ، والقاص المغربي نور الدين وحيد . فقد تغير موقف هؤلاء من تلك النصوص وانقلبوا ينتقدونها من جديد لا على ضوء خصائصها الفنية ، بل انطلاقا من قناعاتهم الإيديولوجية وأحقادهم العنصرية . مما جعل بعضهم يسقط في ما هو أفظع من كل ذلك وهو التجريح والقذف ، والشتم والسب في حق شخصي وانتمائي الأمازيغي واختلافي الثقافي ، بل وفي حق الشعب الأمازيغي وكل الشعوب المضطهدة التي تعيش تحت أنظمة الحكم العربي ومنها بالخصوص الشعب الكردي الصامد ، مما فضح حقيقتهم وكشف أي نوع من المثقفين والنقاد هم .
لقد صدمت عميقا وخرجت بخلاصة ، إن ليس من حقي تعميمها ، فمن حقي على الأقل تسجيلها وهي تدني المستوى الأخلاقي لبعض المثقفين العرب ، تدن ماتت معه ضمائرهم وتجلت فيه خيانتهم لرسالتهم الإبداعية والإنسانية . إن أغلبهم ينشغلون بالتافه من المواضيع ويعمون عن كل الفظاعات التي ترتكب أمام أعينهم ، وليس لهم من هم سوى تبادل المجاملات ، والتسابق إلى الألقاب والجوائز ، أو تبادل الشتائم والتهم ، أو في أحسن الأحوال الانسحاب ولزوم الصمت ، في الوقت الذي تحتاج فيه الجماهير المستضعفة إلى أقلامهم الحرة النزيهة الجريئة بعد أن يكون رجال السياسة قد خانوا آماناتهم ، لتظل هذه الجماهير المقهورة بلا سند ولا أمل .
ـ س: ما هي مشاريعك المستقبلية كشاعرة لها حضور قوي في ميدان النشر الرقمي ؟
ـ ج : النشر الرقمي مرحلة لا بد أن يدخلها كل كاتب له طموحه المشروع في الانتشار الكبير ، خاصة وأن المزية الأولى للنشر الرقمي هي إمكانية النشر وسرعته . وهنا أعترف أن ما حققته شخصيا من شهرة نسبية سأظل مدينة به للمواقع التي نشرت بها ، فهذه الأخيرة جعلتني أتحرر من ذاك الإحساس القاهر بالإقصاء والذي تمارسه بعض مؤسسات النشر ، أو بعض منظمي الملتقيات الثقافية ، ملتقيات لا يستدعى لحضورها سوى ذوي العلاقات الوطيدة وأصحاب الكلمة النافذة في الأوساط السياسية والثقافية. ولكن ، وبعد أن طردت من ثلاثة من هذه المواقع عربية وأمازيغية أيضا (!) ، وكذلك بعد انسحابي من اتحاد كتاب الأنترنت العرب ولم يمض على تواجدي به سوى بضع ساعات ـ بسبب إصراري على أن أكون لسان حال الشعب والثقافة الأمازيغيين ورفض البعض هناك لاختلافي العرقي والثقافي ـ لم أعد أتحمس كثيرا لمواصلة النشر الرقمي وبالشكل المكثف الذي كان يتم به ذاك النشر. فقد لاحظت ، فيما بعد ، أن هناك ، وللأسف ، رقابة مباشرة حتى في النشر الرقمي ، رقابة عنصرية تحول دون إصرار ما تبقى بيننا من المثقفين الغيورين على أداء رسالتهم ، رقابة تتذرع بحجج واهية مفادها ضرورة الوفاء لشروط التسجيل واحترام الأخلاق السائدة والمشاعر القومية والعرقية للعرب العنصريين ( ولتذهب المشاعر الوطنية والقومية للأمازيغ ، حسب هذه الرقابة ، إلى الجحيم ) ، وما إلى ذلك من العراقيل التي تكرس الظلم والكراهية ، وتخدم مصالح أقلية لا تستحيي من إقصاء فئة غالبة ، كما لا تستحيي من الانتصار لقيم بائدة ضدا على قيم جديدة عقلانية وشجاعة ، همها الوحيد في كل ذلك لا سعادة المجتمعات البشرية وخلاصها ، بل الإبقاء على الأوضاع المتخلفة والتنكر لحقوق كل الفئات والشعوب المستضعفة.
إن شروط بعض المواقع ( وخاصة منها موقع دروب ) شروط تكيل بمكيالين ، تتسامح مع البعض وتحاصر البعض الآخر ، وبشكل مسيء جدا لسمعة تلك المواقع ، ومن يقف خلفها من أفراد أو حكومات ، ومن إيديولوجيات مغرقة في التعصب ورفض الاختلاف ، إيديولوجية عدوة للإنسان ولقيم الحرية والعدل والتسامح ، خانقة لنداء العقل ، هذا العقل الذي تمنحه عطلة مفتوحة لا نجني منها جميعا سوى الألم والخسارات .
هذا بالنسبة لموقفي من النشر الرقمي ، ذاك أني أقتصر الآن على النشر في موقع واحد هو موقع الحوار المتمدن نظرا لمساحة الحرية والتسامح المتوفرة فيه ، ونظرا لرغبتي في التضامن مع كل موقع يعاني ما يعانيه من حجب في بعض الدول العربية المناهضة للعقلانية وللعلمانية ولكل قيم الحداثة .
أما بالنسبة للكتابة في حد ذاتها فهناك أمامي أكثر من مهمة ستأخذ مني ما يلزم من الوقت ، وهي تتوزع ما بين كتابة رواية عن القضية الأمازيغية تستلهم تجربتي الحياتية والنضالية الخاصة ، ونشر مجموعة من الرسائل بعثت بها لأشخاص وجهات مختلفة ، والسفر لمنطقة أزيلال ، مسقط رأسي بين جبال الأطلس ، للبحث في تراثها الأمازيغي المحلي وتدوين ما زال صامدا منه أمام عوامل الانقراض والتلاشي . وأتمنى أن أجد الإرادة الكافية لأفي بكل هذه المهام على أن أنجزها بنفس الإخلاص والجرأة التي اشتغلت بها لحد الآن والتي جرت علي كثيرا من شتائم العرب العنصريين وخذلان الأمازيغ من المتواطئين المستلبين .
ـ س : الأمازيغية ذاكرة ، وشم ، أم وجود ؟
ـ ج : الأمازيغية كل هذه الأشياء بل وأكثر ، هي أرض وعشق ، هي دين ونبل ، هي التزام وأمانة ، هي تسامح واحترام ، هي نضال وصمود ، هي انخراط في حرب رائعة ضد إبادة الشعوب والثقافات الأصلية ، هي دفاع لن يكل عن كرامة الإنسان ، هي كل شيء جميل ... ولكن مع الحصار المضروب عليها أخاف أن تتحول الأمازيغية إلى مجرد لعنة نتحمل تبعاتها المرة في مدننا وقرانا ، في سهولنا وأعالينا ، في ودياننا وصحارينا ، في استقرارنا وترحالنا ، ودون أن يتخذ وجودنا في ظلها أي معنى غير معنى الرضوخ والانمحاء من أجل سيادة الآخرين ، أو على الأقل أخاف أن تظل مجرد نضال يستغرق المستقبل كله ، كما استغرق الماضي كله ، حتى نمنح الأجيال الأمازيغية القادمة شبر ظل تحت شمس كرامة ، قد لا تبزغ وسط كل هذه العتمة من الجحود المر والقتل العمد .
ـ س : في ظل تحديات هذا القرن كيف تتصورين مستقبل الأمازيغية ؟
ـ ج : مستقبلها ، وبلمسة تشاؤم لها ما يفسرها ، غامض الملامح ومرتبط بقدرة الأمازيغ أنفسهم على الرفض إلى أبعد مداه ، ذاك المدى الذي تعود معه الأرض الأمازيغية أمازيغية كما كانت ، وكما هي ، وكما يجب لها أن تبقى . مستقبل الأمازيغية هو مستقبل الأرض الأمازيغية .. هوية وذاكرة ، ثقافة وإنسانا ، وحدة وسيادة ، مجدا وكرامة . فمن غير هذه الملامح مجتمعة لن يعود أمامنا من شيء نفعله سوى أن نشيع جنازتها ـ التي هي جنازتنا ـ وبدون أي نفاق يذكر ، لأن حياتها و موتها بأيدينا ، نحن الأمازيغ ، قبل أي طرف آخر . إن الوجود الحق هو انتزاعه وممارسته لا استجداؤه من جهات نعرف أنها لن تجود به قط إلا استردادا بالقوة.
ـ س : بأي لغة تصرخين لحظات الغضب ؟
ـ ج : منذ أن فقدت ثقتي في الصلاة عامة ، وفي إله ودين العرب ، صرت أصرخ بلغات ثلاث لا رابع لها : القصيدة العاهرة ، كسر أواني المطبخ ، البصق حولي كلما عضتني قسوة الأشياء أو أفقدني صوابي خبث المكان واللحظة والآخر الكريه ، أقول الكريه لسبب واحد : قسوته وإصراره على رفضه لي ، وجحوده لحقوق شعبي وأرضي في الوقت الذي يتمتع هو فيه وقومه وثقافته بكامل اعترافي !
ـ س : هل الرقابة الممارسة عليك تجعلك أكثر قوة عكس ما ينتظره منك صاحب الرقابة ؟
ـ ج : لا أدعي أن كتبي الورقية قد منعت من النشر ، ولكني أعتبر ما قدمه لي أحد المحسوبين الكبار على الحركة الثقافية الأمازيغية من نصح لجعلي أتخلى عن كتابة القصيدة الملتزمة ، إلى جانب استخفاف أمازيغ المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بتجربتي ، بل إساءة بعض أساتذته الباحثين إلى شخصي ، دون أن يوجه لهم أي إنذار أو يصيروا موضوع أي عقاب ، وكذلك التعامل العنصري لبعض المثقفين العرب مع ما أنشره على شبكة الأنترنت ، وعلى رأسهم كمال العيادي رئيس تحرير القسم الأدبي بموقع دروب الذي كان يتصرف في نصوصي وفي ردودي على القراء كما يحلو له ، والذي عمل في ما بعد على حذف كل كتاباتي من موقع دروب ، مع الاحتفاظ بالشتائم التي وجهها إلي بعض القراء الجهلة شماتة منه بي ، أقول أعتبر كل هذه التصرفات نوعا من الرقابة العنصرية ، هدفها اغتيالي .. مثقفةً غيورة ، وضميرا إنسانيا حيا ، ومناضلةً شجاعة ، وصوتا أمازيغيا منتفضا ، وهويةً صامدة ، وحقا مشروعاً في الاختلاف وفي الحياة .
ولكنها رقابة فات هؤلاء جميعا كونها مثل صب البنزين على النار الملتهبة أصلا ، فمع كل رفض وكل حصار ، وكل إقصاء وكل تهميش ، وكل عنصرية وكراهية ، وكل خيانة وخذلان من طرف بعض الأمازيغ أنفسهم ( سامحتهم الأرض ) ، لا أزداد سوى إصرار على تأدية رسالتي الإنسانية والثقافية ، وبكل ما لدي من قوة وإيمان ؛ بل لا أزداد أحيانا ـ تحت كل هذه الضغوطات النفسية ـ إلا كفرا وتمردا ، إلا تطرفا ورغبة في إشعال نار الثورة والتحرر حتى يكون الشعب الأمازيغي أو لا يكون .
ـ س : ما هي الأشياء التي تفرحك ؟
ـ ج : كثيرا ما أحسني كائنا روحانيا ساميا لذلك لا أجد لدي أي طموح مرتبط بالماديات . أكتفي بنضالي وانتصاري لقيم الجمال والحق والخير مصدرين للسعادة . إني لأجدني سعيدة حقا .. مع كل قصيدة ملتزمة ناجحة ، بعد كل حق يعاد لأصحابه ، بين ملامح فرح ترتسم على وجه طفل يتيم ، في حضن كل عاطفة نبيلة صادقة ، في ظل كل منطق سليم يعيد الأشياء للمناسب من المكان واللحظة ، للجميل من الوظيفة والمعنى ... كلها مواقع ولحظات تجعلي أسكر بالسعادة التي أبحث عنها وبالتالي تساعدني على أن أغفر لهذا العالم كثيرا من خبثه وجنونه .
ـ س : هل لك من كلمة أخيرة ؟
ـ ج : من الصعب أن تكون لي كلمة أخيرة ، فالكلمة الأخيرة بمثابة حكم نهائي يمكن إصداره حين تتضح الأشياء ، ولا أعتقد أنها كذلك . ولكن ، بالنسبة لكلمتي الأخيرة لهذا الحوار ، لن أتأخر في البوح بما يلي ، وهو حقيقة أعيشها وأشعر بها ، وقد تصدم العنصريين وتزيد من تعنتهم ، ولكني أقولها ومفادها أني ـ من غير اعتراف رسمي وطني ودولي بأمازيغية كل أرض أمازيغية على حدة ، بل وإقامة دول أمازيغية عليها ـ أجدني أتمنى لهذا العالم مزيدا من البؤس ، بل أتمنى له الدمار الشامل ، لأنه بالنسبة لي .. لا عدالة هناك ، ولا ديمقراطية ، ولا سلام ، ولا إخاء إنساني ، ولا وجود حقيقي ومشرف للإنسانية .. مع هذا الإهدار العربي اليومي لحقوقنا كشعب أمازيغي وكل الشعوب التي في مثل وضعيتنا ، ولا مع هذا القتل العربي العمد للهوية الأمازيغية للأرض والشعب .
حين تتراجع العروبة المتواجدة الآن على غير أراضيها ، وبكل نزاهة وشجاعة لتترك الشعوب التي تحتلها تحكم نفسها بنفسها ، إذاك فقط يمكن للحكومات العربية أن تتحدث عن الإسلام العادل الحق ( إن بقي هناك من إسلام حق ) ، وعن الأخلاق العربية النبيلة ( إن كانت أخلاق العرب ، في يوم ما ، على شيء من النبل ) ، وعن الديموقراطية العربية ( إن كانت لهذه الحكومات بعض الشجاعة على دمقرطة الحياة فيها ) ، وعن تمتع الإنسان الذي يعيش تحت هيمنتها بالكرامة والحرية ( إن كانت تقوى على تمتيعه بحرياته اللازمة دون أن تخشى شيئا على وجودها واستمرارها ) ، وعن الرغبة الصادقة في القضاء على كل أشكال الاستعمار من سجل العهر البشري ( إن كان لها أن تحترم إسلامها ، وتخشى ربها ، وتكف ظلمها عن المستضعفين الذين ما فتئوا يرفعون جراحاتهم للتنديد بغطرستها وجرائمها ) . تلك هي كلمتي الأخيرة إن كان لا بد من كلمة لي في آخر هذا الحوار وشكرا .
ــــــــــــــــــــ إشارة :
قام الشاعر الأمازيغي الأخ حسين أكروح بنشر هذا الحوار بموقع دروب كواحد من أوائل كتاب هذا الموقع ، لكن كمال العيادي رئيس تحرير القسم الأدبي قام بحذف الحوار ـ كما يفعل عادة مع كل الكتابات الغيورة على الوجود الأمازيغي ـ وبعث برسالة إلى حسين أكروح يخبره فيها بالتشطيب عليه من لائحة كتاب الموقع ، إمعانا منه في رفض الأمازيغية والأمازيغ الواعين منهم ، بطبيعة الحال ، بضرورة إنصاف وجودهم وثقافتهم ، ليبقى موقع دروب موقعا عربيا عنصريا يؤسس لمزيد من الكراهية والحقد بين الثقافات والشعوب . والمؤسف جدا أن كثيرا من الكتاب الأمازيغ يعلمون ذلك لكنهم مازالوا أعضاء في هذا الموقع يصرون ، وبغباء قاتل ، على أن يصنعوا نجاحه وشهرته على حساب القضية الأمازيغية العادلة .
http://tamazight.myblog.ma/15938

ام الجواد
07-14-2007, 02:57 PM
شكرا لك اخي الامازيغي على هذا الحوار
الذي مكننا من التعرف عن قرب الى الشاعرة مليكة مزان

فاتن
07-14-2007, 03:01 PM
يفضل ان تضع لنا نماذج من الشعر الذي تنظمه الشاعرة مليكة

شكرا لك يا امازيغي