المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المرجع الاسلامي الكبير السيد الامين (رض) كما يراه العلامة المرجع فضل الله



سيد مرحوم
07-07-2004, 01:34 PM
قبسات من تجربة المرجع الإسلامي السيد محسن الأمين (ره)


العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله


العضو العقيلي - شبكة العراق الثقافية


http://www.alradhy.com/alqudes/alameen/mohsen2.jpg


السيد محسن الأمين، كان الإنسان الذي يفكر بأن أي شخص – ولا سيما إذا أراد أن يكون عالماً دينياً أو مبلغاً إسلامياً –



لا بد أن يتميز بصفات ثلاث:


لا بد أن يكون له تقوى تمنعه من الانحراف وأن يعطي انحرافه قداسة، لأن بعض الناس قد يعملون على توجيه الناس إلى أن يجعلوا من الأخطاء مقدسات؛

وأن يكون له علم يستطيع به أن يُثقف عقول الناس بالفكر لكي تتمكن من التفكير بمنهجية منفتحة متوازنة، تستطيع أن تلتقط الفكرة من هنا وتطلق الفكرة إلى هناك، بطريقة لا تبتعد عن المبادئ ولا تتنكر للواقع؛

وأن يكون له عقل يدير به الأشياء. لا يكفي أن يكون الإنسان تقياً ليصلح أن يكون مرشداً للناس، ولا يكفي أن يكون عالماً ليتحرك ليكون قائداً للناس، بل لا بد من أن يكون عاقلاً، والعقل هو الحكمة في التعبير القرآني: ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾ (الجمعة؛22)






الحكمة – كما يقول اللغويون – أن تضع الشيء في موضعه،

الكلمة في موضعها،

الحركة في ظروفها،

العمل في داخل ساحته…

أن تضع الشيء في مواضعه،

وأن تتحرك لتجعل القبيح في دائرة قبحه

وتعرف هذه الدائرة في حدودها،

وأن تجعل الحسن في دوائر حسنه

وأن تعرف ذلك.

كان يُعلِّم تلاميذه ذلك: أن يكونوا الأتقياء، العلماء، العقلاء، والعقل ينطلق من نافذتين؛ نافذة التأمل ونافذة التجربة. والتجربة عقل وحركة التأمل عقل، ولذلك كان يعلمهم أن عليهم أن يستفيدوا من تجاربهم، أن يحفظوا تجاربهم تأسيّاً بعلي (ع) في كلماته القصار، التي كان يقول فيها «العقل حفظ التجارب»(1)، أن تحفظ تجربتك، ولا تنساها، أن تحفظ تجربة الآخرين ولا تنساها.

قد تحتقر تجربتك، ولكن غيرك عندما يطّلع على هذه التجربة، يستطيع أن يأخذ منها درساً قد لا تأخذه أنت. نحن الآن

– مثلاً – نقرأ في التاريخ أشياء كثيرة، ربما كان يصنعها أصحابها بطريقة عفوية لا يدركون أهميتها أو خطورتها، ولكننا بعد مدة طويلة، أصبحنا ندرك كم هي هذه الفكرة كبيرة في إغناء واقعنا، أو كم هي حقيرة في إرباك واقعنا.

لذلك لاحظنا أن السيد محسن الأمين (رحمه الله) كان يكتب سيرة حياته، يكتب حتى القضايا الصغيرة جداً، عن أساتذته كيف كانوا يتحركون، كيف هو أسلوبهم مع تلاميذهم، كيف هي حياتهم الخاصة؟ كان يتحدث عن تجربته هو، عندما كان في جبل عامل، وعندما كان في النجف، وعندما جاء إلى الشام. كان ينقل لنا هذه التجارب، لأنه كان يشعر بأن تجربته ليست ملكه، لأن ما كان ملك الإنسان هو ما يختص به. أما ما يستفيد منه الآخرون، فهو ملك الآخرين


لذلك أن تحدث الناس بتجربتك، حتى لو كنت إنساناً عادياً، كن تاجراً، كن عاملاً كن موظفاً، كن عالماً دينياً، كن أي شيء… لكل إنسان خصوصيته في الحياة، ولكل إنسان منا ميزة يتميز بها عن الآخرين، قلها لا تعاظماً، ولكن قلها درساً لعل الآخرين يستفيدون منك. كان يعلمهم ذلك. وقد استطاع أن يعيش تجربة هذه الطريقة في علاقته ببعض تلاميذه.



المنبر الحسيني المتوازن


كان من رسالته إصلاح المنبر الحسيني، وذلك بأن يبعد الأكاذيب والخرافات عنه، مما لا تستسيغه العقول أو يثبت بشكل موثوق، لأنه كان يرى أن في سيرة النبي (ص) وفي سيرة الأئمة من أهل البيت (ع) مما هو حق وصدق، ما يغني المنبر والكتاب والخطاب، دون حاجة إلى أن نكذب لنزيد في مآسيهم مآسي، أو نكذب لنزيد في فضائلهم فضائل أو تكذب من أجل أن نثير بعض الأشياء في المسائل المتعلقة بالذين كانوا يعارضونهم.

الحق أكبر من ذلك، للإمام الصادق (ع) كلمة، كان (ع) في مجلس يضم أصحابه، وكان هناك شامي قادم، ليناقش الإمام الصادق في مسألة الإمامة. وعهد الإمام (ع) إلى بعض تلاميذه أن يناقشوه، لأنه كان يريد لتلاميذه أن يتحدثوا ويحاوروا ويجادلوا أمامه لينقدهم بعد ذلك – نقد الإيجاب في ما ينجحون فيه ونقد السلب في ما يخطئون فيه – وانطلق هذا وذاك ليناقشه، وبدأ الإمام (ع) يرصد تجربتهم، قال لبعضهم «إنك أخذته بالحق والباطل» ناقشته بالحق وبالباطل لتتغلب عليه، مستغلاً غفلته عن أن يكتشف الباطل في ما حدثته من الباطل و«قليل الحق يكفي عن كثير الباطل»(2).

إن الحق قوة في ما يملكه من عنصر قهر الباطل، لا يحتاج فيها الحق إلى أن تضيف له شيئاً من الباطل، فالحق لا يحتاج إلى بهارات بل هو لذيذ في عمقه




ولذلك فإن القصة هي أن نثير تاريخنا، ولنكتب من خلال النقد تاريخاً جديداً، لأن التاريخ كان يكتب للسلاطين ولم يكتب تاريخ الشعب، وقد يختلط تاريخ السلاطين بتاريخ الشعوب، وقد ينطلق بعض الناس ليبالغوا بأشياء كثيرة. يُنقل أن بعض الرواة كان يروي أنه من قرأ سورة الفاتحة، فله سبعون ألف غرفة في الجنة، وله سبعون ألف حورية، وله سبعون ألف نهر وهكذا… قيل له إنك تكذب على رسول الله، أو ما سمعت قول رسول الله (ص) «مَنْ كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»(3)، قال: سمعته لكن كذبت له لا عليه، باعتبار أنه يشجع الناس على قراءة القرآن.

بعض الناس يقولون: نحن لا نكذب على أهل البيت ولكن نكذب لحسابهم. أهل البيت (ع) ،

يقولون كما روي عن الإمام زين العابدين (ع)، «أحبونا حُبَّ الإسلام»(4).


[COLOR=Blue] الحب الذي ينطلق من الموقع ويتجسد في موقف،
والحب الذي يتحول إلى ولاية،
والولاية تعني الالتزام،
والالتزام يعني الاستقامة في الخط.

«والله ما شيعتنا، إلا من اتقى الله وأطاعه، وكانوا يُعرفون بالتواضع والتخشع وصدق الحديث وأداء الأمانة، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء. أفيكفي من ينتحل التشيع أن يقول: إني أحب علياً (ع) وأتولاه ثم لا يكون فعّالاً، فرسول الله خير من علي، أفيكفي الرجل أن يقول أحب رسول الله ثم لا يعمل بسنته؟ من كان ولياً لله فهو لنا ولي، ومن كان عدواً لله فهو لنا عدو. والله ما تُنال ولايتنا إلا بالورع»(5)،


والصدق من الورع،
صدقك في نقل التاريخ ورع،
وصدقك في نقل الحاضر ورع،
لأن الورع أن تجتنب الحرام،
وكل كذب حرام.

ولذلك كان السيد محسن الأمين معنياً – ما أمكن – بأن يكشف الكثير من الأكاذيب، مما لو سمعته الآن من بعض خطباء المنبر أو من بعض المحدثين لرأيته من الحقائق، وهو يشير في بعض كتبه ومنها كتاب «التنزيه» إلى أن ذاك الحديث وُضع في بعض بيوت العائلة الفلانية في النجف، ولذلك كتب «المجالس السنية»، من أجل أن يقدم مجالس للمنبر الحسيني لا ينكرها أحد ولا يكذبها التاريخ ما أمكنه ذلك. وقد أعطى تلاميذه هذا التوازن، فلذلك عندما تسمع تلاميذه الذين مارسوا مهمة المنبر الحسيني، فإنك تجد أن هناك توازناً، يختلف عما يتعارف عليه لدى الكثير من الناس.


الأسلوب العاشورائي المشرق

وكان أستاذ هذا الجيل، السيد محسن الأمين، يؤكد أن علينا عندما نريد تقديم عاشوراء إلى الناس، أن نقدمها بالأسلوب المشرق الذي يمثلها قوة في ساحة الصراع، وحركة في طريق الجهاد، ووعياً لقضية الإسلام. أن نقدمها على أساس أننا إذا أردنا التأسي بالإمام الحسين (ع)، لنجرح أو لنتألم، فإن علينا أن نعمل على أن نجرح في الخط الذي نواجه فيه أعداء الله. أن تواسي الحسين لتتألم كما تألم، لتجرح كما جرح، ليس أن تحمل السيف بيدك لتضرب رأسك بعقل بارد لتثير انتباه الناس، بل أن تحمل السيف، البندقية والسيف، المدفع والسيف، العبوة والبندقية… لتنطلق لتُجرح في مواجهة «إسرائيل» والطغيان والاستكبار العالمي. إنك بذلك تواسي، لأنك تُجرح في المجال الذي جُرح فيه الحسين (ع). جُرح وهو يطلب الإصلاح في أمة جده. جُرح وهو يرفض الذلة من الآخرين. جٌرح وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر… ولذلك إذا أردت أن تواسيه، فليست مواساته باليد الباردة، والسيف البارد، والرأس البارد، والدم البارد… ولكن باليد الحارة التي تعرف كيف تطلق الرصاصة بكل طاقتها في وجه الذين يحاولون إسقاط عزة الأمة وعنفوانها ورساليتها، كما حدث في فلسطين.

إذا أردت أن تواسي السيدة زينب (ع) في مأساتها، لأنها جُلدت بالسياط، فليس عليك أن تحمل السياط بيدك، لتجلد ظهرك، لتوحي إلى نفسك أنك واسيتها



بل جاهد ليعتقلك العدو،

ليجلدك في الزنزانات.

إنك بذلك مع زينب في طريق واحد.

وكان السيد محسن الأمين (رض) يريد أن يجعل الوجه العاشورائي، في أسلوب الاحتفال به وفي أسلوب الذكرى، وجهاً لو انطلق الزمن كله في حركة أساليبه، لاستطاع أن يظل خالداً مع الزمن، لا أن يكون أسلوباً يتحرك اليوم ليمثل التخلف.


قد تكون بعض الأساليب التي تعارف عليها الناس
ذات فائدة في مرحلتها، ولكنها ذات ضرر كبير جداً
في المراحل التي نعيشها من المستقبل،


ولذلك


وقف السيد محسن الأمين ليحارب ذلك، وأثار الكثيرين من المتخلفين ومن الطيبين الساذجين، حتى كفروه وزندقوه، ولكن أين هؤلاء وأين السيد محسن الأمين؟ انتصرت قضية الحق وتساقطت كل الكلمات.

وهكذا انطلق، ربما جاء بعض الناس من بعده يحاولون أن يُحيوا المسألة، ولكنه استطاع أن يطلق القضية. والقضية عندما تكون قضية حق، سوف تمتد وتبقى حتى لو زرعت في طريقها مئات الألغام، وحتى لو رسمت كل الحواجز أمامها. إن قضية الحق نتمثلها في رسول الله (ص)، كان وحده وكان العالم كله ضده، وقالوا عنه إنه مجنون وساحر وكاذب وكاهن وشاعر… وقالوا عن القرآن ﴿أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا﴾ (الفرقان؛5) وقالوا ﴿إنما يعلمه بشر﴾ (النحل؛103)،

وقالوا وقالوا… ولكن أين هؤلاء الذين عملوا على النيّل من محمد (ص)؟

لذلك،

القضايا الكبرى تحتاج إلى إنسان كالسيد الأمين،
يتأسى بأجداده، يكون قوياً في عقله،
وقوياً في قلبه، قوياً في كلمته ومواقفه،
حتى لو تساقطت كل الكلمات السلبية على رأسه،
لأن رأسه أصلب من كل تلك الكلمات.



الفهم الحق للوحدة الإسلامية

نتذكره، عندما نرى الكثيرين ممن يريدون أن ينتجوا مثل هذا التخلف في واقع الذكريات، نتذكره وهو يدير مسألة الوحدة الإسلامية بحكمته ووعيه للإسلام كله وللمجتمع من حوله.



* * * * جاءه شخص وقال له: «إني أريد أن أكون شيعياً»

قال له: لا فرق بين الشيعة والسنّة. الشيعة مسلمون والسنّة مسلمون، إن الإنسان عندما يريد أن ينتقل من دين إلى دين، يمكن له أن يسأل ماذا يقول وماذا يعمل؟ ولكنّا كلنا مسلمون.

أصرّ الرجل، وربما كانت للرجل خلفيات، تريد أن تثير فتنة من خلال توريط السيد الأمين في كلمة قد تشعل ناراً.

وخضع السيد الأمين لإلحاحه،

وقال له «تريد أن تكون شيعياً، اجلس بين يديّ، قل أشهد أن لا إله إلا الله،

فقال الرجل،

ثم قال له قل: أشهد أن محمداً رسول الله،

فقال الرجل،

قال له أصبحت شيعياً، لأن التشيع ليس إلا هذا».

---------------------
الى بقية الخطاب00

سيد مرحوم
07-07-2004, 01:51 PM
إننا عندما نختلف في قضية الخلافة والإمامة، وهذا الفقه وذاك الفقه، فنحن نختلف فيه، لا على أساس أنه شيء فوق الإسلام أو شيء زائد عن الإسلام، ولكن نحن نختلف في فهم ما قاله الرسول وفي وعي ما تحدث به. القضية ليست قضية أن هناك شيئاً زائداً عن الشهادتين. الشهادتان هما التعبير الحيّ عن كل ما في الإسلام من عمق. وإذا كنا اختلفنا في الخلافة، فهو اختلاف في ما قاله رسول الله، هو جزء من تفاصيل حركة الرسالة في ما بيّنه الله. وقد دلنا الله على أننا إذا تنازعنا في شيء فنرده إلى الله والرسول. إذا تنازعنا في الخلافة والإمامة فنرد ذلك إلى الله والرسول، وإذا تنازعنا في بعض الجبر والتفويض وحرية الإرادة فنرد ذلك إلى الله والرسول، وإذا تنازعنا في هل نسبل في الصلاة أو نكتف فنرده إلى الله والرسول.

إذاً، قصة المذهبية ليست شيئاً خارجاً عن معنى الرسالة، ولكنها شيء ينطلق من خلال الحديث عما هو موضوع الرسالة. وذلك هو الفهم الحق للوحدة الإسلامية. الوحدة الإسلامية أن نتفق على أساس أن نؤمن بالكتاب والسنّة، كتاب الله الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ (فصّلت؛42)، وسنّة الرسول ﴿ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (الحشر؛7). عندما نضمن هذين العمودين ونتمسك بهما، عند ذلك، نقرأ ماذا قال الرسول (ص) في أهل البيت (ع)، وما موقع أهل البيت من الرسول، وما موقعهم من الإسلام؟ ماذا قال الرسول في هذا، وماذا فسر الرسول هذه الآية أو تلك؟ عند ذلك، إذا عشنا مسؤولية وعقلانية وروحية الإسلام وواقعيته، نستطيع أن نصل إلى نتيجة.

لماذا يتعصب بعضنا لموروثاته؟

الفكر ليس نحن،

الفكر شيء ورثناه

أو شيء اقتنعنا به،

عندما تقتنع بشيء ويقتنع الآخر بشيء، إذا كنت واثقاً أنك على الحق، لماذا تخاف أن تحاور الآخر؟

وإذا أقنعك الآخر، لماذا تخاف أن تلتزم قناعتك الجديدة؟

إن قضية العقيدة لا بد أن تنطلق من عمق القناعة،

ولذلك كلما كنا موضوعيين أكثر،

وكلما كنا عقلائيين أكثر،

وكلما كنا مسؤولين عن سلامة الإنسان أكثر؛

عرفنا كيف نتحاور بالحكمة والعقل والحجة والبرهان. وكلما عشنا المسؤولية، استطعنا أن نقدم التنازلات عندما تكون الأزمة تسقط الأمة.


علي (ع) مبدع فكر وقائد مسيرة

وهذا ما نتعلمه من عليّ (ع)، مشكلتنا أننا حوّلنا علياً إلى ضرّاب سيف، ولكننا لم نفهمه كمبدع فكر، وكقائد مسيرة، وكإنسان يعيش لله وبالله ومع الله. إن سيف عليّ (ع) جزء من رسالته، ولذلك كان يحركه عندما تريد الرسالة أن يحركه، ويغمده عندما تريد الرسالة أن يغمده، «لأسلّمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة، فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي، حتى إذا رأيت راجعة الناس عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد (ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما زال كما زال السراب وكما ينقشع السحاب فنهضت في تلك الأحداث، حتى زاح الباطل وزهق واطمأن الدين وتنهنه»(6).

ومن خلال هذه التجربة، سمعنا قائلاً يقول «لولا علي لهلك عمر»(7)، وسمعنا قائلاً يقول «لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن»(8). وعندما يكون الإسلام في خطر، عند ذلك لا مجال للسلبيات ولا مجال للتحفظات؛ علينا أن نندفع، لأن الذين يكيدون للإسلام يستغلون خلافات المسلمين في الأوقات العصيبة.

وهذا ما تنبه إليه السيد محسن الأمين (رض)، الذي أحب لجيلكم وللأجيال من بعدكم أن تدرسوا سيرة هذا الرجل الكبير. لأن هذا الرجل – يمكن أن نقول – هو الذي صنع تاريخ هذه الجماعة بكل عمق

. جاءه فرنسيون في عهد الاستعمار الفرنسي

وقالوا له: إننا نريد أن ننشئ مجلساً ملياً للشيعة، ونريد أن نجعلك رئيس هذا المجلس. ونحن مستعدون لأن نؤمن لك كل المصاريف. قال لهم: «أولاً ليس هناك فرق بيننا وبين المسلمين. نحن لا نفصل أنفسنا عن المسلمين في سوريا، لنا ما لهم وعلينا ما عليهم، نشاركهم الآلام والأفراح ويشاركوننا، لن نميز أنفسنا عنهم، حتى لو اختلفنا في بعض النظريات كما يختلف السنّة بعضهم مع بعض وكما يختلف الشيعة بعضهم مع بعض».

وقال لهم وهم يحدثونه عن المال وعن الرئاسة
«إنني موظف عند الله، فلا يمكن أن أكون موظفاً عند المندوب السامي الفرنسي».

هذا الرجل كبير في مواقفه،ونعرف أن كل قادة الرأي والسياسة في هذا البلد من غير طائفته ومذهبه من صحافيين وسياسيين، كانوا يأتون إليه ويستشيرونه وكان يشارك في دفع الكثير من الحركات في وجه الاستعمار الفرنسي.

ولذلك فإن تجربته هي التجربة الرائدة، التي لا بد لنا من درسها جيداً، لا ندرسها لنشيد باسمه ولا لنعظمه؛ ولكن ندرسها لندخل في تجارب جديدة، لأن قضية الطائفية لا تزال تتحرك من خلال الاستكبار العالمي والأعداء الذين يستغلون نقاط ضعفنا، ويستغلون كلاماً حاداً قاله شخص من هنا، ليكون الرد كلاماً حاداً يقوله شخص من هناك؛ ويستغلون سباباً وتكفيراً من هنا لينطلق سباب وتكفير من هناك. ونسبُّ ويسبّون، ونكفِّر ويكفِّرون، وماذا تكون النتيجة؟ إن الاستكبار يقهقه عندما يرانا مشغولين بتكفير بعضنا بعضاً ويلعن بعضنا بعضاً، وهو يأخذ كل ثرواتنا ونفطنا وكل بلادنا، وهو يصادر كل عنفواننا ويفرض علينا كل ما عنده من الاستكبار.


التخطيط للحاضر والمستقبل


المرحلة التي نعيشها هي من
أصعب المراحل التي مرّ بها المسلمون في كل تاريخهم،
لأنها المرحلة التي يراد من خلالها إسقاط كل روح –
أن لا تكون لنا روح – ويراد لنا إسقاط كل عنفواننا
كما يراد لنا أن ننطلق في الحديث عن الواقعية
في السياسة، بمعنى أن نخضع للأمر الواقع.
ونحن نفهم أن الواقعية هي أن تغير الواقع
بأدوات الواقع، لا أن تسقط أمام الواقع.

علينا أن نعي جيداً طبيعة اللعبة الدولية واللعبة الصهيونية، وأن ندرك جيداً كل التطورات وكل المتغيرات القادمة، لأن هناك كهوفاً ومغاور وزلازل لا يُعرف إلى أين تنتهي، لذلك فلنعمل على تدريب أقدامنا على الثبات، ولندرب رؤوسنا على الارتفاع، وإرادتنا على التصلّب، ومواقفنا على الحسم... ولننطلق لنكون مع المجاهدين.

هؤلاء الذين عندما يُسقطون في كل يوم قتيلاً فإنهم يُسقطون روح العدو،

وعندما يدمرون دبابة لـ «إسرائيل» فإنهم يدمرون قوة من قواها

. أنهم يريدون نزع سلاح المقاومة، لأنهم لا يريدون للأمة أن ينطلق فيها أناس لا يخافون

. لقد أنتجوا لنا سياسة الخوف،

ولذلك علينا أن ننتج سياسة القوة {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين} (آل عمران؛175)،

لنكن الأقوياء بعقل،

ولنكن الأعزاء بثبات،

ولنكن الرافضين بوعي.

نحن لا ندعو إلى التحرك عشوائياً،

ولكنهم يخططون فعلينا أن نخطط،

ويستعدون فعلينا أن نستعد،

ويعملون لتنامي قوتهم فعلينا أن ننمي قوتنا.

نحن أقوياء كأمة،

لسنا ضعفاء

، أنا لا أتفق مع الذين يقولون إنه لو تمت التسوية فسوف تصادر «إسرائيل» سياستنا واقتصادنا وأمننا.

هذا كلام يوحي بأن الأمة ليس لها ما تستطيع أن تتمسك به. في الاقتصاد لنا عقول اقتصادية ولنا تجارب اقتصادية، في السياسة نملك الكثير مما نفهم به طبيعة اللعبة وحركتها. المهم أن نريد. مشكلة الكثيرين منا أنهم يخافون أن يريدوا، إذا ضاق بنا الحاضر فلن يضيق بنا المستقبل.

مشكلة الكثيرين منا أنهم يفكرون كأفراد. وأنا أقول لكم إن الفرد لا يستطيع أن يحمي نفسه إذا لم تكن أمته قوية،

لا يستطيع أن يكون قوياً اقتصادياً إذا لم تكن أمته قوية اقتصادياً.

إن قوتنا من قوة أمتنا،

لنجمع كل قوانا لنوحدها في قوة الأمة

ولنحرك كل طاقاتنا، لننطلق بها لتكون طاقة للأمة

﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون﴾ (الأنبياء؛92) إن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ (الأنفال؛46)

لا تتنازعوا على مستوى العائلة والمحلة والطائفة والوطن والأمة.

تعلموا كيف تديرون خلافاتكم إذا كان لا بد من الاختلاف، حتى لا تسقط خلافاتكم كل كيانكم

. قالها الإمام أمير المؤمنين (ع) لولده محمد بن الحنفية عندما انطلق في حرب الجمل، «أعرِ الله جمجمتَك تدْ في الأرض قدمك، ارمِ ببصرك أقصى القوم»(9) انظر في الأفق الواسع ولا تنظر في الأفق الضيق.

هذه هي قصتنا

وهذه هي قصة هذا الجيل، الذي كان فقيدنا أحد نماذجه الطيبة الخيرة، فقد عاش إنساناً متواضعاً، طيباً، بسيطاً في غير سذاجة، واعياً، منفتحاً، خدم الناس بكل طاقته ولقي ربه.

أيها الشباب،

إننا لا نريد للساحة أن تعيش الفراغ، عندما نفقد هذه النماذج التي تمثل القيم.

إن عليكم أن تملأوا هذا الفراغ،

أنا لا أقول لكم كونوا مثلهم،

أنا أقول لكم كونوا أفضل.

تعلموا منهم كل عناصر الخير والقيم الروحية والقوة، وحاولا أن تنتجوا لأنفسكم شيئاً جديداً في الخير والقيم الروحية والقوة،

ولا تقولوا كم ترك الأول للآخر،

ولا تسقطوا أمام هيبة الماضين.

إن هناك كلمة للسيد محسن الأمين، وهو يتحدث عن بعض الناس في الماضي الذي يختلف معهم في الحاضر


«هم رجال ونحن رجال»

﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت﴾ صنعت تاريخها ﴿ولكم ما كسبتم﴾ (البقرة؛134) اصنعوا تاريخكم ﴿ولا تُسألون عما كانوا يعملون﴾ (البقرة؛134)، بل ستُسألون عما عملتم ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ (الصّافات؛24)، ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ (الزّلزلة؛7-8).[/COLOR]