المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أركان البازار.. مسجد الخميني وقصر «جلستان» والتجار



المهدى
04-08-2007, 05:29 PM
«الشرق الأوسط» في إيران (1): طهران.. مدينة المتناقضات


طهران: منال لطفي

عندما تضع قدميك للمرة الأولى في طهران تفاجئك المتناقضات لسببين، أولا لأنها فعلا مليئة بالمتناقضات، وثانيا لأن ما نعرفه عن ايران المعاصرة قليل. لذلك من السهل أن يدهش الزائر الذي يزور إيران للمرة الأولى، فالصور النمطية عن طهران تتبخر، فهي مدينة نظيفة منفتحة ويمكن أن تجد فيها أي شيء، وكل شيء يخطر على بالك. وعلى الرغم من ان معمار طهران ليس فخما، بل يتميز بطابع عملي بسيط، إلا أن سلسلة جبال «البورز» التي تحيط بها تحولها من مدينة عادية الى مدينة جميلة جدا. طهران ليست فقط العاصمة، بل أكبر المدن مساحة، وأكثرها تعددا للسكان، اذ تضم 14 مليون نسمة، غالبيتهم من الشباب، وبالتالي فإن فيها اكبر عدد من التنظيمات الطلابية ودور السينما والمطاعم والأحزاب والتنظيمات النسائية، وهي مركز الحكم والنقاشات والصحف والأكاديميين.


لا عجب ان تكون طهران متعددة الأوجه، وكل جزء بها له شخصيته، فالشمال غير الوسط، غير الجنوب، غير الغرب، ومنطقة وسط طهران ليست قلبها التجاري والمالي، فقلبها التجاري تاريخيا هو الجنوب، وحاليا بات الشمال منافسا قويا للجنوب في السيطرة على الأعمال والتجارة والمشروعات الجديدة. الوسط فيه عدة وزارات وفنادق ومتاحف، منها متحف الفن المعاصر ومتحف السجاد.


لكن وزن طهران وشخصيتها الحقيقية يبدوان في الجنوب من جهة، والشمال من جهة اخرى. فالجنوب الذي يقع فيه «بازار طهران الكبير» كان القلب الحقيقي للمدينة طوال القرن العشرين وهو يضم أبرز المتاحف الإيرانية ومنها المتحف القومي الايراني والمتحف القومي للمجوهرات و«قصر جلستان»، وهي قلعة بنيت خلال الحقبة الصفوية، لكن في عهد ناصر الدين شاه، أحد الحكام المهمين من الحقبة الغاجارية، حول القلعة إلى قصر على الطراز الغربي في نهاية القرن التاسع عشر.

شوارع طهران مقسمة على الطراز الغربي، وأطول شارع بها هو شارع «فالي قصر» الذي يمتد من جنوب المدينة إلى شمالها، ويقول عنه الإيرانيون إنه أطول شارع في الشرق الأوسط، وكان قبل الثورة الايرانية يسمى «شارع بهلوي». وكالكثير من الشوارع الايرانية تغير اسمه بعد الثورة 1979. ويعود الطابع الغربي الحديث لمباني طهران خصوصا الوسط، وهو ما يعني ان المباني رمادية وكلها تشبه علب الكبريت، الى التأثيرات الانجليزية على العمارة الايرانية في القرن التاسع عشر عندما بدأ ناصر الدين شاه ينقل من الغرب أساليبه في البناء والتصميم.

أما الشمال، فكان قبل نحو 30 عاما فقط منطقة شبه ريفية، وأصبح اليوم أغلى منطقة في طهران، وفيه يقع قصرا الشاه «سعد اباد» و«نيافران»، والآن يعيش فيه الأثرياء وكبار المسؤولين، كما أن به أكبر عدد من السفارات الأجنبية ومن المراكز التجارية الحديثة التي تبيع بضائع أميركية وأوروبية. وخارج الشمال قليلا بني على جانب «جبل البورز» عدد من القرى السياحية على غرار القرى السويسرية، ومطاعم انيقة ومقاه تنتشر على مدرجات الجبل.

ويشعر المرء وكأنه انتقل من مدينة إلى أخرى بمجرد التوجه نصف ساعة بالسيارة من الجنوب أو الوسط إلى الشمال الذي يتميز بالهدوء النسبي في حركة المرور وبعمارات عالية غربية الطابع، وفيلات حديثة واسعة بحمامات سباحة وحدائق تختفي خلف الأبواب الحديدية والأسوار التي تعكس ثراء غير عادي لسكانها، ومراكز تجارية تبيع أحدث الملابس والمنتجات الكهربائية وأدوات الترفيه، ومطاعم راقية مقسمة إلى عدة مطابخ، من بينها المطبخ الفرنسي والإيطالي والصيني والإسباني ومحلات «سوبر ماركت» على الطراز الغربي. الشمال منطقة سكن التكنوقراط الإيرانيين، أو الموظفين الكبار في الدولة، والتجار وأصحاب الأعمال الخاصة والمهندسين والأطباء، والكتاب والناشرين، وهؤلاء دائمو السفر إلى الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا والخليج.

ثراء الشمال كذلك ينعكس في سياراته، فإذا كانت السيارات التي تصنعها شركة «خوردو» الإيرانية تسيطر على وسط طهران، فإن سيارات «مرسيدس بنز» و«بي ام دبليو»، و«هوندا»، و«هيونداي»، و«بيجو» تسيطر على شمال طهران. ومن العادي جدا في الشمال أن تجد طالبات الجامعة وهن متوجهات للجامعة في الصباح بكامل مكياجهن وملابسهن الأنيقة خصوصا الحذاء طويل الرقبة على بنطلون جينز وجاكيت قصير وغطاء رأس زاهي الألوان، فيما يندر ان تجد التشادور في هذه المنطقة من طهران. بين شمال طهران الثري وجنوبها الفقير، يقع «بازار طهران الكبير» في الجزء الجنوبي من المدينة، وهو يعد من أقدم الأسواق وأكبرها.


وتشير التقديرات إلى أن البازار يتحكم في نحو 30% من حجم التجارة في إيران، وتجار السجاد بالذات لديهم رؤوس أموال بالعملات الصعبة، وهم كالبنوك يستطيعون أن يعطوا قروضا مالية بنسب فائدة. وليس من المعروف على وجه الدقة متى ظهر البازار لأول مرة، غير أن بعض الباحثين يقولون إن رحالة دونوا في كتبهم أن البازار ظهر بعد دخول الإسلام إيران بقرون قليلة وانه بدأ محدودا، ثم تطور على مرور الزمن ليصل إلى الحجم المعروف به حاليا. وجانب من البازار ظهر خلال حكم سلالة الدولة الصفوية، وحتى القرن السابع عشر، كان الجزء الأكبر من البازار مفتوحا، وليس مغطى بأسقف كما هو اليوم.


وفي البازار اليوم عدة حوائط ومبان تعود إلى 400 سنة، غير أن الجانب الأكبر منه يعود إلى 200 سنة فقط. البازار مقسم إلى حارات ضيقة، كل حارة تضم تجارا متخصصين في نوع من التجارة، هناك حارة تجار السجاد، وأخرى للذهب والمشغولات الفضية والنحاس، وثالثة للأدوات المنزلية، وأخرى للملابس، والعطارة، والصناعات اليدوية التقليدية.

كما توجد حارة متخصصة في بيع الملابس المقلدة، بدءا من ايف سان لوران، حتى كالفن كلاين وبيير كاردان ولاكوست ونايكي. بعض هذه الحارات يصل طولها إلى 10 كيلومترات. وهناك عدة مداخل للبازار، بعضها يغلق ويحرس بالليل. وعلى عكس سوق خان الخليلي بالقاهرة الذي لا ينام تقريبا ويظل عامرا بالزائرين والسائحين حتى الفجر، يغلق بازار طهران أبوابه الساعة السابعة مساء. والى جانب البازار هناك بنوك ومساجد، ومحلات صرافة، وفنادق صغيرة، ومطاعم.


وهو عادة مزدحم جدا، إلا انه منذ ظهر الخميس حتى صباح السبت يتوقف تماما عن العمل. وفي قلب البازار هناك المسجد والقصر لتكتمل أضلاع مثلث السلطة في الشرق، «السوق والمسجد والقصر»، فإلى جانب البازار يقع «قصر جلستان» أو القصر الأزرق، الذي كان قصر الحكم خلال فترة حكم ناصر الدين شاه.

وداخل البازار يقع «مسجد الامام الخميني»، الذي كان قبل ذلك «مسجد الشاه»، وقد بني في مطلع القرن الثامن عشر، وساحته مفتوحة على السوق. وتاريخيا لعب المسجد دورا في تقريب تجار البازار من السلطات، فخلال الصلاة يتجمع التجار للصلاة، ثم يجلسون يتحدثون داخله في الشؤون التي تهمهم، ينسقون فيما بينهم كل شيء حتى التصويت في الانتخابات، ويحددون مصالحهم، وهم يعملون كـ«لوبي» أو جماعة ضغط منظمة.

وخلال حكم الشاه السابق، محمد رضا بهلوي، تعارضت مصالح البازار مع سياساته، فطبقة التجار لم تستفد من طفرة أسعار البترول العالمية بين عامي 1974 و1978، كما انها تعرضت للتهميش في ظل مساعي الشاه تحويل إيران إلى دولة صناعية. وفي محاولة لإضعاف قوة البازار الاقتصادية ومن ثم تأثيرهم السياسي، أقام الشاه عدة طرق جانبية داخل البازار بهدف تفكيك وحدته، كما ساعد في تمويل مشاريع «سوبر ماركت»، وانشأ جمعيات استهلاكية حكومية تعزز سيطرة الدولة على بيع اللحوم والسكر والقمح.


لكن عندما قامت الثورة الإيرانية جاءت الفرصة لتجار البازار للرد، فأغلقوا البازار وشلوا حركة الاقتصاد حتى غادر الشاه إيران إلى المنفى. ومنذ الثورة الإيرانية والبازار وثيق الصلة بالحكم، غير أن العلاقات بين البازار والسلطة السياسية وصلت الى مستوى غير مسبوق من التنسيق خلال حكم الرئيس الايراني الأسبق هاشمي رفسنجاني الذي عمل على تحويل الاقتصاد الايراني الى السوق الحر، وترافق مع هذا تخفيض الضرائب على التجار.

وكانت الشكاوى الاعتيادية ساعتها من الايرانيين هي ان الكثير من السياسات الاقتصادية في عهد رفسنجاني، خصوصا التوجه للخصخصة، تميل لمصلحة التجار في البازار. وبعد رفسنجاني، ظل خلفه محمد خاتمي يتمتع بدعم البازار، ليس فقط بسبب سياساته الاقتصادية التي كانت تسير بشكل جيد، لكن كذلك بسبب سياساته الاجتماعية. فالكثير من تجار البازار لم يعارضوا توجهات خاتمي الاجتماعية بسبب أبنائهم، فأبناء التجار منفتحون على العالم الخارجي، ويسافرون كثيرا بسبب أوضاعهم الاقتصادية الجيدة، هؤلاء الشباب كانوا القوة الاجتماعية الأساسية التي دعمت خاتمي، وآباؤهم التجار دعموا بدروهم خاتمي وإصلاحاته الاجتماعية وصوتوا له في دورتي الانتخابات الرئاسية.

الكثير من هؤلاء التجار لا يدعمون الآن الرئيس محمود احمدي نجاد ايضا بسبب ابنائهم، والكثير منهم يشعر بالغضب من تعرض ابنه أو ابنته للمضايقات في الشارع من قبل قوات الباسيج، اذا كان حجاب البنت لا يخفي الشعر بشكل كاف، او اذا كان شعر الابن طويلا. وقد حاول خاتمي ان يحد من تدخلات الباسيج في الحريات العامة، غير ان احمدي نجاد، منذ جاء للسلطة، يحاول ان يعززها. وقالت زهرة نجاد بهرام، وهي ناشطة اصلاحية لـ«الشرق الاوسط»: «حتى اذا كان الشخص محافظا أو تقليديا في افكاره الاجتماعية، فانه بمجرد ان يرى ابنه يعود مضطربا لأنه أوقف من قبل الباسيج بسبب شعره الطويل، أو ابنته تعود باكية لايقافها بسبب غطاء رأسها، يتحول الاب الى شخص ثائر وغاضب بسبب ما تعرض له ابنه او ابنته. هذا شيء طبيعي، هذه غريزة الأبوة.

في المجالس الخاصة، هؤلاء الآباء يتحدثون ضد احمدي نجاد بسبب هذا الأمر، وبسبب سوء الادارة الاقتصادية ». في ظل التحولات السياسية والفكرية التي تشهدها إيران لم يعد من الصحيح اطلاق الحكم التقليدي حول ان تجار البازار محافظون في افكارهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالكثير من العوامل غيرت البازار وتجاره، فبعضهم بدأ يتجه الى أعمال أخرى منها الاستثمار العقاري، والاتجار في الادوات الكهربائية من آسيا، وهذا مؤشر على الصعوبات التي تواجه تجار البازار وعلى تدهور أهميتهم الاجتماعية والاقتصادية، إلا انه كذلك مؤشر على أن أفكارهم تتغير. وبسبب الاوضاع الاقتصادية وقلة السياحة عموما الى إيران، لم يعد تجار البازار يستطيعون التمسك بالصناعات التقليدية اليدوية، لأنها مرتفعة الاثمان.


واليوم هناك هجمة صينية، فتحت قبة البازار هناك سلع صينية رخيصة الاثمان، ضئيلة الجودة، تشوه منظر البازار وتحوله من منطقة تاريخية الى سوق شعبي معدوم القيمة. على الحوائط الملونة هناك أحذية بلاستيك وأدوات مطبخ من الألومنيوم، ومرايا مذهبة فجة المنظر. غالبية الصناعات اليدوية الايرانية حلت محلها محلات تمتلئ بالبضاعة الصينية، ومما يزيد الامر سوءا ان الصينيين باتوا يقلدون الصناعات اليدوية الايرانية مثل الرسم اليدوي على الاطباق، واللوحات التي تشغل بالصدف وكلها مكتوب عليها: «صنع في الصين». محمدي عباس من البازار قال لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا افعل؟ الناس تريد أشياء رخيصة. لم اعد أستطيع بيع بضائع ايرانية، هل أضعها في المتحف؟».


اما مجيد علي فقال ان الايرانيين لا يحبون الصينيين، ووصف إغراق الاسواق بالسلع الصينية بأنه قرار حكومي من اجل ضمان استمرار دفاع الصين عن طهران خلال مشاورات مجلس الامن حول الملف النووي الايراني. ثم تابع «هل ندفن الصناعة الايرانية من اجل الصين التي تصدر لإيران أسوأ منتجاتها؟ كيف نشتري هذه الصناعات الرديئة بمال؟ إنها لا تستحق». طهران في الإجمال مدينة مكتظة بالسيارات أكثر كثيرا من طاقتها وطاقة شوارعها وبها ما يزيد عن مليوني سيارة، والسبب في ذلك يعود الى عدم ارتفاع اسعار السيارات كثيرا، فشركة «خوردو» الايرانية تصنع السيارات منذ عقود، ومتوسط سعر السيارة بين 11 مليون تومان الى 12 مليون تومان (ما يعادل 11 الف دولار) وهو سعر مناسب لقدرات الكثير من أفراد الطبقة الوسطى الايرانية، و80% من قطع غيارات السيارات تصنع محليا في ايران، بما ذلك الشكمان او عادم السيارة المسؤول عن تلوث هواء طهران وعن موت 5000 سنويا بسبب امراض مرتبطة بتلوث الهواء.


وقيادة سيارة في طهران تجربة حياة أو موت لان السيارات والأتوبيسات والدراجات النارية تأتي من كل اتجاه، بدون اشارة، وبدون تمهل. ونسبة الحوادث المرورية من أعلى النسب في العالم، وهي خطيرة عموما في طهران، الا انها أخطر في الشمال بسبب صعود الجبل بالسيارة، وعليك ألا تحاول ان تتدخل وتنصح سائق السيارة ان يتمهل قليلا او يقود بطريقة مختلفة لأنه سيرد عليك قائلا «هذه هي الطريقة الايرانية في القيادة. نحن تعودنا»، وقد يكون محقا، فخلال فترة لا تتجاوز 12 يوما رأيت عدة حوادث سيارات ودراجات نارية، لم يكن اي منها قاتلا، ورأيت احدى الناشطات الايرانيات تقود سيارتها وهي تدخن سيجارة بيد وتتحدث على جوالها بيد أخرى وتضبط طرحة رأسها كل 30 ثانية بإحدى اليدين، وهي تصعد الجبل شمال طهران.


ومن القرارات التي اتخذت من نحو عامين قرار عمدة طهران محمد باقر قليباف وضع خوذة للقيادة على رأس قائدي الدراجات النارية، وهو قرار أدى الى تقليل معدل الوفيات بسبب حوادث المرور في طهران، كذلك تم تقسيم دخول السيارات وسط طهران خلال يومي العطلة من كل أسبوع، الخميس والجمعة، على حسب أرقام السيارة وذلك لتقليل الازدحام. ومنذ الثمانينيات طبق نظام فرض رسوم على السيارات التي تدخل وسط طهران، وتم أخيرا انشاء 300 كيلومتر من الطرق الجديدة في العاصمة، كما تم إنشاء مترو أنفاق في طهران منذ 3 سنوات وهو يستوعب 600 الف راكب يوميا، لكن هذا لم يسهم إلا بشكل محدود في التقليل من حدة مشكلة التكدس المروري في العاصمة المكتظة.

ومن الظواهر اللافتة أن السيارات الخاصة في إيران يمكن أن تعمل كسيارات أجرة بدون ترخيص أو أوراق خاصة. ففي شوارع طهران يمكن ان تجد سيارة خاصة انيقة جدا تعمل كسيارة اجرة بعد الظهر أو في ساعات الليل، فعمل السيارات الخاصة كسيارات أجرة، ليس مخالفة قانونية، ولا يحتاج صاحب أو صاحبة السيارة الخاصة أي شروط، وليس هناك ضرائب اضافية من أي نوع. وقد تزايدت الظاهرة بسبب الاوضاع الاقتصادية وحاجة الشباب إلى مصادر إضافية للدخل. ولهذا السبب لم تتدخل السلطات في إيران حتى الآن لتقنين أو تقييد هذه الظاهرة.

والأمر مثير للالتباس جدا لزائر طهران الذي لا يعرف هذه الظاهرة. وقال شاب ايراني يدعى بناهي كانت تجلس بجانبه خطيبته لـ«الشرق الأوسط» انه يحب اذا كان متوجها للسينما مع خطيبته بعد الظهر ان يأخذ فى الطريق زبونا أو اثنين، وذلك للمساعدة في مصاريف الزواج، او على الاقل دفع ثمن تذكرتي السينما.

اما فضل الله، وهو شاب جامعي كان في طريقة لجامعة طهران، فقال انه يأخذ زبائن معه في سيارته خلال توجهه الى الجامعة صباحا، وعند عودته الى المنزل بعد الظهر، وفي الليل عندما يذهب للقاء اصدقائه، موضحا انه يحتاج الى مصاريف لشراء ما يريد من الملابس او الاسطوانات الموسيقية، وهذا يساعده ويخفف الضغط على والده، مضيفا «لا ضرر اذا ساعدت نفسي.. فـ 8 آلاف او 10 آلاف ريال يوميا تمنحني الحرية».

ظاهرة السيارات الخاصة التي تتحول الى سيارات اجرة في اي وقت من النهار او الليل، تثير قلق السلطات، والبعض يرجع تزايد معدلات الجريمة في طهران اليها، وقال رضا نوبختي، وهو مسؤول بالخارجية الإيرانية لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات تعمل على تقنين هذه الظاهرة، عبر الترخيص للسيارات التي تريد ان تتحول لأجرة. أما الاتوبيسات في طهران فعادة ما تكون مقسمة الى نصفين: النصف الاول من الكراسي في مقدمة الاتوبيس مخصص للرجال، والنصف الثاني للنساء، وهو أحد أشكال الفصل القليلة بين الرجال والنساء الى جانب الملاعب الرياضية. فالسينما وأماكن العمل والمقاهي والمطاعم والكثير من الجامعات، باستثناء كليات الطب، كلها مختلطة بين الجنسين.

وبسبب التلوث الكبير في طهران، نظرا لعوادم السيارات، طبقت بلدية طهران «خطة عشرية» على الاتوبيسات، تقضي بتقليل استهلاكها للبنزين، وهذه ميزة اخرى يضيفها اهالي طهران الى عمدتها قليباف الذي جعل طهران من أنظف المدن الايرانية، فمساء كل يوم وحوالي الساعة التاسعة يقوم اهالي طهران بإخراج أكياس النفايات لديهم، ومنذ ذلك الوقت وحتى الفجر، يقوم عمال بلدية طهران بجمع الاكياس والتخلص منها.

عندما تسأل اي شخص في طهران عن المدينة ونظامها يتردد إسم قليباف عمدة طهران، وهو سياسي اصلاحي في افكاره، وكان قد ترشح في الانتخابات الرئاسية الماضية، الا انه خسر في الجولة الاولى، ووجه ككثير من المرشحين الآخرين أصابع الاتهام الى مجموعات في النظام تدخلت لصالح الرئيس محمود احمدي نجاد. قليباف الذي يتردد انه سيترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، يعتقد الكثير من أهالي طهران ان حظوظه كبيرة في الفوز بسبب طريقته في ادارة طهران. ولم يخف قليباف انتقاداته الى احمدي نجاد، فبعد تعيينه عمدة لطهران اتهم نجاد بأنه لم يفعل أي شيء لطهران، وأنها كانت في حالة سيئة.

طهران أيضا هي مدينة الشباب، فبسبب وجود الكثير من الجامعات الايرانية في العاصمة تجد ان نسبة الشباب في العاصمة أعلى من باقي المدن الايرانية. ويمكن القول اجمالا ان الشباب الايراني منفتح على العالم، ويعرف ما يدور حوله بمتابعة القنوات الفضائية، ومن ضمنها قنوات عربية مثل «الجزيرة» (مسموح بها) وروتانا (غير مسموح بها). لكن المفارقة ان اللغة العربية، وهي اللغة الثانية في إيران رسميا بعد الفارسية، لا يتحدث بها إلا قلة، أغلبهم من رجال الدين الذين يتعلمونها لفترة أطول من خلال دراستهم للقرآن والفقه، ولهذا لا يمكنهم التحدث إلا باللغة الفصحى وفي إطار الموضوعات الدينية.

اما غالبية الايرانيين فيدرسون العربية حتى المرحلة الثانوية فقط، وكما قالت طالبة جامعية ايرانية فإن التدريس يركز على قواعد النحو والصرف وطريقة الكتابة، وليس التحدث. ولقلة عدد السائحين العرب في إيران وقلة الشركات العربية والتواصل الثقافي لا يجد غالبية الايرانيين حاجة فعلية الى مواصلة حفظ عما تعلموه في المدرسة من اللغة العربية، وبالتالي عمليا تعد الانجليزية هي اللغة الثانية، فالمتحدثون بها أكثر الآن، ومستوى اجادتها أفضل، خاصة بين طلبة الجامعات الايرانية.

ويقتصر فهم الكثير من الشباب الايراني للغة العربية على عدد محدود من الكلمات، وما يستطيعون متابعته على شاشات التلفزيونات العربية التى تصل الى بيوت الايرانيين عبر الاقمار الصناعية هو الاغاني، وليس مثلا البرامج الحوارية او الاخبار.

حميد، وهو شاب في العشرينات، هتف ضاحكا عندما سمع أنني عربية: هل تعرفين نانسي واليسا ونوال وهيفاء وعمرو دياب وراغب علامة؟ وقال انه يعرفهم من «روتانا»، موضحا ان اللاقطات الهوائية ليس مسموحا بها في إيران، لكنها موجودة في كل بيت تقريبا.

ولم يكن حميد يعرف فقط المطربين والمطربات العرب، فهو قال بفخر انه يعرف كذلك جبران خليل جبران ونجيب محفوظ. ومع ان الزائر قد لا يلاحظ انتشار المساجد في طهران كل عدة أمتار، إلا أنها موجودة وبكثرة. فللدين تأثير قوي على الحياة الاجتماعية والسياسية للايرانيين، على الرغم من أن هذا قد لا يكون ملحوظا من الوهلة الاولى. هذه هي طهران مدينة المتناقضات.