المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : احذروا صفِّيـــن جديدة!



خديجة
12-22-2006, 01:02 PM
د. رياض نعسان أغا

مفجع أن يقع العرب في فخ الحرب الأهلية التي ذاقوا منها الويلات عبر تاريخ تراجيدي قد لا تكون حرب البسوس الشهيرة أول أحداثه الدموية في التاريخ القديم. وأعتقد أن تلك الحروب هي التي فوتت عليهم فرصة تكوين أمة قوية ذات شأن قبل ظهور الإسلام. فقد ظهرت دويلات عربية صغيرة على تخوم الإمبراطوريتين الضخمتين بيزنطة وفارس، ودفع الغساسنة والمناذرة من دمائهم ثمن صراع الدولتين على النفوذ. ثم غزاهم أبرهة الأشرم وكاد يهدم كعبتهم، ولم يتمكنوا من التحرر حتى جاء الإسلام فنقلهم من موقع التبعية إلى موقع القيادة بين الأمم.

ولكن الصراع على السلطة لم يتوقف حتى في صدر الإسلام، فقد كانت موقعة الجمل، وبعدها موقعة صفين أخطر نتائج الصراع الذي بلغ ذروته بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وما تزال الأمة إلى اليوم تعاني من نتائج وآثار ذاك الصراع الذي تفرقت بسببه الأمة إلى شيعة وسُنة. وقد تحول هذا الخلاف السياسي إلى خلاف فقهي مذهبي، وجدت فيه الأمة في مراحل قوتها نوعاً من التعددية والثراء، ولكن الفاجعة أن مستصغر الشرر بقي كامناً تحت الرماد حسْب العدو أن ينفخ فيه حتى يشب ويستعر.

والمفارقة أن المسلمين يعرفون خطة عدوهم ولكنهم ينفذونها كأنهم يجهلون. فلا أحد من العرب المسلمين يخفى عليه أن خطة الولايات المتحدة وأنصارها لتغيير البنية السياسية والاجتماعية والفكرية للشرق الأوسط الكبير هي تفتيت هذا الشرق إلى مسلمين ومسيحيين وسُنة وشيعة، وعرب وأكراد، وسوى ذلك من تكوينات طائفية وعرقية. وكل الحكام والمحكومين يعرفون أن الصهيونية أنفقت مالاً وجهداً كبيرين في دعم حركات التطرف الديني وإن كانت تتظاهر بأنها تحارب الإرهاب، وقد تمكنت من تحويل حربها على الإرهاب إلى حرب على الإسلام، وعلى كل أشكال المقاومة الوطنية حين نجحت في خلط الأوراق وقدمت نموذجها الدموي للديمقراطية في العراق. ولم يعد خافياً على أحد أن عتاة الصهاينة من قادة الولايات المتحدة لا يرون عرباً أو مسلمين في الشرق الأوسط، وإنما يرون سُنة وشيعة.

وهم ينبشون تحت الرماد لإضرام جمر تاريخي بارد، ينفخ فيه معهم جهلاء متعصبون من الطرفين، يقدمون الفتاوى الدموية، ويثيرون الفتنة التي دمرت الأمة مرات في تاريخها. وما يحدث اليوم من اقتتال مذهبي وفوضى عارمة في العراق وتفتيت له على الطائفية والمذهب والعرق سينسحب على عدد من الدول العربية والمسلمة. ولا أحد من العرب يجهل أن انتصار الفتنة الطائفية في العراق سيمتد لهيبه إلى دول أخرى، وكان حسب العرب ما حدث في لبنان من حروب طائفية عبر تاريخه كي يبتعدوا عن التقسيمات الطائفية البغيضة.


ولا نجد أمام العرب اليوم مخرجاً من نفق الفتنة غير العودة إلى الالتفاف حول عروبتهم بمعناها التعددي الثري الذي يحتضن بالمحبة والتعاضد كل الأعراق والقوميات الشقيقة للعرب التي عاشت مع أمتنا العربية قروناً، وبات تاريخنا وتاريخها واحداً مثل الأكراد الذين أنجبوا صلاح الدين الأيوبي الذي يعتز به العرب والكرد، وأنجبوا كثرة من عباقرة الأدب العربي الذين يجهل الناس أصولهم العرقية لعمق انتمائهم للعربية مثل أحمد شوقي الذي ولد لأب كردي وأم تركية وجدتين شركسية ويونانية ولكنه كان أمير الشعر العربي. ومحمود تيمور الذي ولد لأب كردي وأم تركية وكان أمير القص العربي الحديث. وعباس محمود العقاد الكردي الأصل الذي كتب في مقدمة حوار له يقول: "حسب الأكراد شرفاً أنهم أخرجوا للعالم الإسلامي بطلين خالدين:

صلاح الدين الأيوبي ومحمد علي الكبير، وقد تلاقيا في النشأة الأولى، وفي النهضة بمصر، وفي نسب القلعة اليوسفية إليهما (قلعة القاهرة اليوم)، فهي بالبناء تنتسب إلى صلاح الدين، وبالتجديد والتدعيم تنسب إلى محمد علي الكبير"، وكان العقاد أحد عباقرة الثقافة العربية. والأمثلة عن امتزاج العروبة بالكرد حديث يطول، وتأمله يثير في النفس نشوة هذا الثراء والتلاحم، ولا يحول دون هذه النشوة في التوحد والانصهار ويحولها إلى شقاق إلا التعصب البغيض الأعمى أو الشوفينية المغلقة في فهم الانتماء القومي.

إن دعوتنا إلى الالتفاف حول العروبة هي دعوة إلى الالتفاف حول ما أنجزت الثقافة العربية التي ضخ فيها كل المسلمين والمسيحيين ثقافاتهم باللغة العربية بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية، ذاك أن جوهر العروبة ثقافي حضاري وليس مفهوماً عرقياً، لأن العربية اللسان أي الفكر والثقافة.


ولقد كان حرياً بالعرب أن يفيدوا من النصر الضخم الذي حققته المقاومة في لبنان مرتين، حين التف اللبنانيون حولها دون النظر لمذهب شيعي أو سُني، أو لدين إسلامي أو مسيحي. فلم يكن القصف الإسرائيلي يفرق بين المِلل والنِّحل والطوائف، وإنما كان يستهدف اللبناني حيث كان، وسيكون الخطر فظيعاً إذا استعاد اللبنانيون مأساة الحرب الأهلية لا سمح الله، وهم بحمد الله يعون هذا الخطر ويحذرون من الوقوع فيه. وحقيقة الأمر أن ماهية الخلاف ليست طائفية، ففي كل من الفريقين تنويعات المجتمع اللبناني كله، ولابد من الوصول إلى حلول وسط، تحقق الوفاق الوطني، لأن لبنان وطن الجميع ولا يجوز أن ينتصر في معاركه إلا لبنان كله.
ويبدو شبح الفتنة مرعباً في فلسطين، وعلى الرغم من تأييدي لـ"حماس" لكونها حركة مقاومة وطنية شريفة، إلا أنني شديد الحرص على "فتح" التي انتمينا إلى نضالها العريق منذ أن نهضت، ولها في قلوبنا مثل ما لكل حركات المقاومة الفلسطينية من تقدير لنضال مرير.

ولئن باعدت دروب السياسة بين الفصائل فإن دروب الدم تلتقي كلها في نهر القضية الفلسطينية المقدسة، وسيكون دماراً يحقق فوق ما تريد إسرائيل من تدمير لشعب فلسطين إذا وقعت فتن تكفي إسرائيل عبء قتل الفلسطينيين. ولذلك أحيي حكمة وعقلانية كل من "حماس" و"فتح"، وأستبشر بأن تجدا طريقاً للوفاق، حيث لابد من الوفاق في كل أرض عربية، ولابد من إفشال أية مخططات تريد تفريق العرب إلى شيع وملل.

ولابد من التوجه بخطاب وطني عراقي شامل إلى العراق يسمو فوق الطائفية والأعراق، ولقد بات ترسيخ مفهوم الوطنية في الأقطار العربية ضرورة قصوى قبل أن تعصف بها عواصف التغيير المدمر الذي تحلم به إسرائيل التي تبدو اليوم في أضعف حالاتها، وهي تريد أن تحقق عبر بث الفتن الداخلية الطائفية ما عجزت عن تحقيقه في حروبها.

فأما الولايات المتحدة التي ترفض الحوار مع سوريا بل ترفض توصيات ومقترحات مفكريها ورجال السياسة الخبراء فيها، فإنها تعيش حالة مخاض جديدة، نرجو أن يولد منها دعاة سلام يعيدون للولايات المتحدة رؤية إنسانية يفتقر إليها حكام البيت الأبيض الذين أغرقوا العالم بالدماء وهم يبشرون بالديمقراطية والرخاء. وفي عهدهم الدموي كرهت شعوب العالم أميركا، وكرهت الديمقراطية التي يدعون إليها، ونحن نتفاءل بأن تتخلص الولايات المتحدة من سيطرة إسرائيل عليها، وأن يتحرر القرار الأميركي من التسلط الإسرائيلي، لتعود إلى الولايات المتحدة مكانتها الإنسانية التي حملت شعار العدل والحرية للشعوب فأحبها الناس قبل أن تقع في أسر الصهيونية العالمية التي حذر الأميركان منها لينكولن.

الاتحاد الاماراتية