المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ليس دفاعا.. عن هولاكو....... د أحمد صبحي منصور



على
09-08-2006, 11:46 PM
د أحمد صبحي منصور

بسم الله الرحمن الرحيم


1 ـ من بين عشرات السفاحين الذين أهلكوا الحرث و النسل يتمتع هولاكو بمكانة خاصة فى التاريخ الاسلامي والعربي، فهو السفاح الذى اطاح بالدولة العباسبة والذى قتل فى بغداد سنة 656 هـ ما يقرب من 2 مليون نسمة. انه سجل دموي يستحق عليه هولاكو – بلا شك- كل اللعنات، ولكن المسئولية لا يتحملها هولاكو وحده.. !

2 ـ اللوم ينبغى أولا ان يوجه الى امير المؤمنين المستعصم بالله العباسي الذى حمل أمانة المسلمين ففرط فيها، والذى مازال بعضنا يذرف الدموع حزنا عليه وعلى الخلافة العباسية التى تمثل حتى الآن حلما من أحلام اليقظة لدى بعض الناس فى عصرنا.

وقد وصفه المؤرخ ابن طباطبا بقوله : "كان مستضعف الرأى ضعيف البطش قليل الخبرة بالمملكة مطموعا فيه، وكان زمانه ينقضي فى سماع الأغاني و التفرج على المساخر.. وكان اصحابه مستولين عليه، وكلهم جهال من أراذل العوام".

وقد يقال : ان المؤرخ ابن طباطبا كان شيعى المذهب، يتحامل على الخليفة المستعصم المشهور بتعصبه لأهل السنة، إلا أن مؤرخا سنيا موثوقا فيه مثل ابن كثير يتفق مع ابن طباطبا فى رأيه، يقول عن الخليفة المستعصم بالله : " كان محبا لجمع المال، ومن ذلك أنه استحل الوديعة التى استودعها اياه الناصر داود المعظم، وكانت قيمتها نحوا من مائة ألف دينار، فاستقبح هذا من مثل الخليفة". أى أن الخليفة مع كل ما يملك من أموال خان الأمانة المالية التى استحفظه عليها الناصر داود الأيوبى، فأخذها لنفسه.
وأدى نهم الخليفة بالمال وحرصه عليه الى ان عرض الخلافة للخطر حين هددها المغول، اذ انه قطع عن الجنود ارزاقهم فى وقت هو احوج ما يكون اليهم فيه؛ يقول ابن كثير انه " صرف الجيوش ومنع عنهم ارزاقهم حتى كانوا يتسولون على ابواب المساجد وفى الاسواق وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الاسلام وأهله ".

3 ـ على ان شح الخليفة المستعصم بالاموال على الجند فى وقت حاجته لهم يقابله فى الناحية الاخرى اسرافه الشديد فى الانفاق على خدمه واتباعه من الظلمة الذين يأكلون أموال الناس، وكان أولئك الخدم من الجهال واراذل العامة و المماليك الذين صعد بهم الزمن الردئ، فى عصر انحلال الدولة العباسية، فاحتكروا الثروة بينما عاش العلماء والاشراف يتضورون جوعا. ولنضرب أمثلة تاريخية على ما جرى فى اواخر الدولة العباسية، حين أغدقت الأموال على الخدم فأصبحوا أعجوبة فى الثراء، ومنهم :

*- علاء الدين الطيبرسي الظاهرى، كان دخله من أملاكه نحو 300 ألف دينار، وكانت له دار لم يكن ببغداد مثلها، وحين تزوج دفع صداقا قدره 20 الف دينار.. ووهب له الخليفة المستنصر ليلة زفافه 100 الف دينار، وألحقه بأكابر الدولة، ومنحه ضيعة كانت تدر له دخلا يزيد على 200 الف دينار سنويا.
**- مجاهد الدويدار، قيل عن أملاكه : إنها كانت "مما يتعذر ضبطه على الحساب".. وفى ليلة زفافه حصل على هدايامن الجواهر والذهب ما يزيد على 300 الف دينار، وكان ايراده السنوي من مزارعه وأملاكه اكثر من 500 الف دينار، وكان ايراده السنوي من مزارعه اكثر من 500 الف دينار.

***- عبد الغني بن فاخر، شيخ الفراشين فى قصر الخلافة، كانت داره تشمل عدة حجرات، وفى كل حجرة جارية وخادمة وخادم، ثم رتب لكل جارية عملا، فواحدة لطعامه، واخرى لشرابه، واخرى لفراشه، واخرى غسالة واخرى طباخة..

4 ـ وفى المقابل كان أعظم العلماء وقتها لا يتقاضى احدهم اكثر من 12 دينار شهريا فحسب، وذلك هو المرتب الذى كان يأخذه علماء المدرسة المستنصرية ـ أعظم المعاهد العلمية فى ذلك العصر ـ وابن الفوطى وابن الساعي اشهر مؤرخى هذا العصر كان كلاهما يأخذ راتبا شهريا قدره عشرة دنانير !! فأين اولئك من شيخ الفراشين فى قصر الخلافة؟!

وفى ذلك الوضع المقلوب لابد ان تكتمل الصورة الفاسدة المقيتة لأى امبراطورية فارسية أو بيزنطية أو رومانية او عباسية، لابد ان تتفشى الرشوة وتكثر مصادرة الاموال وتتفاقم الاضطرابات الداخلية مع الانحلال الخلقى والانشغال بالتوافه عن الخطر الذى يدق الابواب.

يقول الغساني صاحب كتاب "العسجد المسبوك" يصف السلطة العباسية فى أواخر أيامها (واهتموا بالاقطاعات و المكاسب، وأهملوا النظر فى المصالح الكلية، واشتغلوا بما لا يجوز من الأمور الدنيوية، واشتد ظلم العمال – اى الولاة - واشتغلوا بتحصيل الاموال. و الملك قد يدوم مع الكفر، ولكن لا يدوم مع الظلم).

صدقت ياغساني : (الملك قد يدوم مع الكفر لكن لا يدوم مع الظلم)، فالقاعدة الالهية تقول "واذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، فحق عليهم القول فدمرناها تدميرا" (سورة 17 / 16).أى أمرناهم بالعدل فردوا بالفسق والظلم والعصيان فنزلت بهم العقوبة الالهية بالتدمير، فلا يمكن ان يحل التدمير الا اذا استشرى الظلم، يقول تعالى (وماكان ربك ليهلك القرى بظلم واهلها مصلحون) (11/ 117). ولكن أمير المؤمنين المستعصم العباسي لم يستوعب الدرس، ولم يعرف أن عقوبة الفساد مستمرة، وإن تنوعت اساليبها..

5 ـ وقد رأى الخليفة المستعصم بنفسه طرفا من ذلك قبل ان يقتله المغول رفسا بأقدامهم. يقول الهمذاني فى كتابه : "جامع التواريخ" ان هولاكو بعد ان اقتحم بغداد دخل قصر الخلافة وأشار باحضار الخليفة المستعصم فلما جىء به اليه قال له هولاكو متندرا: "أنت مضيف ونحن الضيوف فهيا احضر ما يليق بنا" فأحضر الخليفة المستعصم بالله وهو يرتعد من الخوف صناديق المجوهرات والنفائس، فلم يلتفت اليها هولاكو، ومنحها للحاضرين وقال للخليفة:

"إن الأموال التى تملكها على وجه الأرض ظاهرة، وهى ملك لعبيدنا، لكن اذكر ما تملكة من الدفائن ما هى وأين توجد؟"فاعترف الخليفة بوجود حوض مملوء بالذهب فى ساحة القصر، فحفروا الأرض حتى وجدوه، وكان مليئا بسبائك من الذهب الاحمر تزن الواحدة مائة مثقال". واستحق الخليفة المستعصم بالله احتقار هولاكو السفاح الدموى، اذ تعجب هولاكو كيف يكون للخليفة كل هذه الكنور ثم يبخل على الجنود بأرزاقهم وهو فى أشد الحاجة لهم؟!! ولم ينس هولاكو ان يذكر ذلك فى منشوره الذى ارسله الى حاكم دمشق ينذره بالتسليم ويخوفه من مصير الخليفة العباسي وماحدث لبغداد، ويقول فيه بكل احتقار عن الخليفة المستعصم : "واستحضرنا خليفتها وسألناه عن كلمات فكذب، فواقعه الندم، و استوجب منا العدم، وكان قد جمع ذخائر نفيسة وكانت نفسه خسيسة، فجمع المال ولم يعبأ بالرجال.."

وقد أورد المؤرخ المقريزي خطاب هولاكو بالتفصيل..

ونعود الى الهمذاني وهو يروى ذلك اللقاء بين هولاكو و الخليفة المستعصم فى قصر الخلافة فيقول :"إن هولاكو أمر باحصاء نساء الخليفة فبلغن سبعمائة زوجة وسرية و ألف خادمة.. وتضرع له الخليفة قائلا : منّ علىّ بأهل حرمي اللائي لم تطلع عليهن الشمس و القمر.."أى تضرع له أن يترك له نساءه اللواتى حبسهن فى قصوره بحيث لم تكن تراهن الشمس ولا يراهن القمر. وبالطبع فقد فرقهن هولاكو على جنده وقادته، بعد ان أمر جنوده بقتل الخليفة المستعصم رفسا بالأقدام لأنه عندهم أحقر من أن يقتلوه بالسيف كما يقتلون الرجال.

6 ـ المضحك أن هذا الخليفة المستعصم كان قد اعترض قبل عشر سنوات على تولى شجرة الدر السلطنة فى مصر. كانت شجرة الدر ـ بعد موت زوجها الصالح أيوب ـ قد أخفت موته، وتعاونت مع المماليك البحرية والمماليك السلطانية فى مواجهة الحملة الفرنسية التى كان يقودها الملك (القديس) لويس التاسع. ومات السلطان الأيوبى الصالح أيوب فجأة أثناء استيلاء لويس التاسع على دمياط وزحفه جنوبا متجها الى القاهرة. أقيم معسكر لمواجهته عند مدينة المنصورة الحالية.

أنتصر المماليك بقيادة شجرة الدر وأقطاى وأيبك وبيبرس وقطز على الحملة الفرنسية، وأسروا لوبس التاسع وأبادوا جيشه، وبعثت شجرة الدر الى توران شاه تستقدمه الى مصر ليتولى عرش أبيه فجاء، ولكنه لم يحفظ الجميل لشجرة الدر والمماليك، وبدأ يتآمر عليهم فقتلوه، وأتفق المماليك على تولية شجرة الدر اعترافا بمقدرتها السياسية قبل وبعد موت زوجها السلطان الصالح أيوب. وبويعت كأول وآخر سلطانة فى تاريخ المسلمين. تم لها الأمر إلا أن الخليفة المستعصم العباسى بعث لهم مستنكرا أن يولوا أمرهم إمرأة، وقال لهم ساخرا : إن لم يكن عندكم رجال فلنرسل لكم رجالا من عندنا. الخليفة الأحمق المأفون لم ير فى حياته سوى تلك المئات من النساء الحريم اللواتى لم تطلع عليهن شمس و لا قمر. حبسهن لمتعته الخاصة. ثم عجز عن حمايتهن وحماية ملكه وأسرته وخلافته ودولته وشعبه فمات رفسا بالأقدام ورحل غير مأسوف عليه الى مزبلة التاريخ العربى التى تتسع كل يوم حتى عصرنا السعيد.

هذا بينما استطاعت شجرة الدر أن تحافظ على ملك زوجها وأن تنقذ شعبها وأن ترفع رأس قومها. والمحاربون المماليك الأبطال هم الذين عرفوا قدرها فجعلوها سلطانة عليهم،ليس بالوراثة ولكن بالاستحقاق والجدارة. هذه الجدارة لم تكن فى ميدان الحرب فقط بل فى المفاوضات التى أجروها مع الملك الفرنسى الأسير والذى استنفدوا منه كل ما يستطيعون لاطلاق سراحه، كما يفعل كل منتصر صاحب حق. أما الخليفة العباسى الاحمق الذى جمع المال فما أغنى عنه ماله وما كسب.

يقول الهمذاني : "وقصاري القول أن كل ما كان الخلفاء العباسيون قد جمعوه خلال خمسة قرون، وضعه المغول بعضه على بعض فكان كجبل على جبل".أى إن المال السحت الذى سلبه الخلفاء العباسيون ظلما وعدوانا ـ وكان يسمونه عدة الخلافة ـ قد ورثه المغول أكواما وأطنانا من الذهب والجواهر. وبسبب ذلك الكم الهائل من الكنور الذهبيةالتى ورثها هولاكو من الخليفة العباسي، فإنه صهرها جميعا فى سبائك وأقام لها قلعة محكمة فى أذربيجان.

7 ـ لقد كان هولاكو – ذلك الهمجي السفاح- يعتقد أن الله تعالى قد بعثه عقابا الاهيا للخلافة العباسية وأعوانهم من الحكام الظلمة فى المنطقة، وحرص هولاكوعلى ابراز هذا المعني فى رسائله الى أولئك الحكام، يقول فى رسالته الى حاكم دمشق : "إنا قد فتحنا بغداد بسيف الله تعالى، وقتلنا فرسانها، وهدمنا بنيانها، وأسرنا سكانها.." ويقول فى رسالته الى السطان قطز فى مصر:" يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها..إنا نحن جند الله فى أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه..فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن كلام، وخنتم العهود والايمان، وفشا فيكم العقوق و العصيان، وقد ثبت عندكم انا نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة". وربما استفاد قطز من هذه الرسالة، فكفّ المماليك عن الظلم وتحلّى بالورع وهو يحارب المغول فى معركةعين جالوت. وحين أوشك جنوده على الفرار صرخ فيهم قطز:"وا اسلاماه" و ألقى بخوذته ونزل للمعركة بنفسه فاندفعوا وراءه، وكان الانتصار.

8 ـ أساس انهيار الدول يبدأ من الداخل، وقد يأتي تدخل خارجي ليعجل بالسقوط ولكن يظل الانهيار الداخلى هو الأساس.ويأتى الانهيار الداخلى حين تتكون طبقة مترفة تتحكم فى الثروة وفى السلطة فتنشر الظلم والفساد والانحلال وتحيل حياة الأكثرية الى جحيم تهون فيه الحياة، ويتضاءل معه الفوارق بين الموت والحياة.

والقرآن الكريم يضع العلاج فى تشريعاته الاقتصادية التى تمنع تركز المال فى يد فئةقليلة ويأمر فى الوقت نفسه بالانفاق فى سبيل الله،بل يأتي الأمر أحيانا فى صورة التهديد كقوله تعالى : "وانفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة واحسنوا ان الله يحب المحسنين" (2/ 195) ومعناه انه اذا لم يكن هناك انفاق في سبيل الله فالتهلكة هى المصير. الانفاق فى سبيل الله يمنع تركز المال فى طبقة قليلة العدد يتحول ثراؤها الى ترف.

ووجود المترفين فى أمة ما هو دائما قرين باهلاكها.الانفاق فى سبيل الله يذيب الفوارق بين الطبقات ويدعم الطبقة الوسطى ؛الفقير عنصر مستهلك بطبعه، يسارع بالشراء ليطفىء حاجته الى الطعام والضروريات، لذا يروج الشراء بوجود المال القليل فى أيدى ملايين الفقراء المحتاجين،فيدور المال سريعا ليعود إلى المنتجين الأغنياء محملا بالأرباح، فإذا قام أولئك الأغنياء بتوزيع جزء آخرمن أرباحهم صدقات تاليةعلى المحتاجين فستتم سريعا دورة أخرى لرأس المال، وهكذا تدور أسرع عجلة الانتاج ويتزايد الربح والتوظيف للعاطلين ويتحول المسكين الى فقير ويتحول الفقير الى قادر على الكسب وعلى شراء المزيد،ويتحول القادر على الكسب الى وافد جديد على الطبقة المتوسطة فتنتعش ويعتدل بها ميزان المجتمع وأمنه ويستعيد بها عافيته.

كل ذلك يتحقق بإعطاء الفقراء (حقوقهم)التى نصّ عليها القرآن الكريم.إنها (حقوق) وليست تفضلا أو منّة أو تعطفا.وبهذه الحقوق يضمن المجتمع سلامته،ويأمن من تولد المترفين. فاذا سلب المجتمع حقوق الفقراء فإن المال يصبح (دولة بين الأغنياء) بالتعبير القرآنى (59 / 7) أى يتداولونه بينهم فقط فتتركز فيهم الثروة والسلطة وتتضاءل أعدادهم وتتعاظم ثرواتهم وفسادهم وتسلطهم وتبذيرهم، بينما تتسع دائرة الفقروتتعاظم الفجوة بين قلة مترفة وأغلبية ساحقة جائعة محرومة. هنا لا مناص من أن ينهار المجتمع من الداخل. وقد تتشجع قوة خارجية بنذر الانهيار القادم فتأتى غازية لتنال نصيبا من خراب المجتمع الآيل للسقوط، فتعم الكارثة. هذا ما حذر منه القرآن الكريم وحدث كثيرا قبل الخلافة العباسية وبعدها، وحدث فى العراق و فى غير العراق،، ولكن لا يعتبر المسلمون.!!

9 ـ إن الله تعالى قد هدد المسلمين فى عصر الرسول فقال لهم: "هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وانتم الفقراء وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم " (47/ 38).

إذا كان هذا خطابا مهددا للمسلمين فى عهد النبوة فكيف بالمسلمين فى عصرنا؟

واذا كانت تلك هى نهاية المسعتصم العباسى فماهى نهاية أمثاله فى عصرنا؟

وهل يصح بعدها أن نظل نلعن (هولاكو) وحده؟!!