المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شهادة لبناني ساكن في المربع الأمني



سمير
08-08-2006, 12:28 PM
زيارة صديق هاو للتصوير أدت لاعتقاله.. ولتحقيق «حزب الله» معي

مهما بلغ حذق المراقب ودقته، يبقى المربع الأمني عصياً على التقاط تفاصيله من طريق المشاهدة. وليس لأحد ان يصف الظروف التي تسوده أفضل من قاطن في هذه الناحية، فكيف وان هذا القاطن سبق نزوله في الناحية ظهور حزب الله، ومن ثم فهو على معرفة بأحوال المنطقة، قبل قدوم اصحاب المربع الأمني اليها وهو بالتالي شاهد على تحولاتها يوما بيوم انتهاء بصيرورة المربع الأمني كيانا ناجزاً.واذ نسرد هذه الرواية بصيغة ضمير المتكلم فلكي نكون امينين إلى أبعد حد لما رواه لنا. نعرضها كما جاءت على لسانه.
حين اختار أبي الإقامة في حارة حريك في الناحية التي ضمها حزب الله لاحقاً إلى نطاق مربعه الأمني وعرضها لسيطرته الأمنية المشددة، رجح اختياره هذا عوامل عدة، من بينها ما كانت عليه أبنية هذه الناحية يومها من حداثة وفخامة امتازت بهما عن سائر مناطق الضاحية الجنوبية، التي ما لبثت أن تحولت أبنيتها بفعل الحرب ونزول المهجرين فيها إلى ما يشبه مستوعبات بشرية تفتقر إلى أدنى شروط السكن اللائق والسوي. والعامل الآخر كان استجابة منطقة كحارة حريك إلى متطلبات السكن الآمن، كونها أكثر مناطق الضاحية بعداً عن خطوط التماس.

كان ذلك في عام 1978، وقتها كانت حارة حريك أقرب في بيئتها العمرانية إلى الريف منها إلى نمط الاكتظاظ العمراني، الذي بدأ بالزحف على المنطقة منذ ذلك الحين ولم يتوقف، حتى استحوذ على كل فسحة خضراء. وكان المبنى الذي ابتاع أبي شقة للعائلة فيه واحدا من مبان قليلة عرفتها المنطقة آنذاك، في وسط منازل متباعدة تحوطها الحدائق كان أكثرها علواً لا يزيد على الطوابق الثلاثة.

كانت المرة الأولى التي شاهدت فيها طفلة محجبة، حين قدم شيخ إلى الشارع الذي نقيم فيه في حارة حريك، واتخذ من شقة في البناء المقابل لبنايتنا بيتا له ولعائلته. حينها، على ما تسعفني ذاكرتي، لم يتحول الشيخ إلى محور اهتمام أهل الحي والجيران، بالنظر إلى ما يمكن أن يحدثه اليوم نزول شيخ في شارع من الشوارع والإقامة فيه، بل ان هذا الشيخ كان يبدو على هامش نسيج العلاقات التي كانت تسود الحي، وكانت النظرة إليه من قبل سكان الحي تغلب عليها الدهشة والاستغراب. فلم يحدث نزوله في الحي أثراً يذكر ولم يتنكب أهل الحي عناء اصطناع أوضاع جديدة مسايرة لورعه وورع عائلته، بل انني في مرات كثيرة سمعت أمي وبعض جاراتها يعلقن على حجاب الطفلة (طفلة الشيخ) بما يقرب من ندبهن حظها العاثر وسؤالهن عن قدرتها على تحمل هذا الحجاب في حر الصيف. ما هي إلا سنوات قليلة حتى انقلبت الأمور رأساً على عقب، فاستحال ما كان موضع استغراب واستهجان إلى مثال ونموذج، راح الكثيرون في الحي يحذون حذوه ويجهدون في تمثله، فانقلبت وحشة فرادة الطفلة المحجبة وأمها زوجة الشيخ إلى ألفة وريادة في وسط راح عدد السافرات فيه يتضاءل وتزداد فيه المحجبات. لا أعرف على وجه التحديد ما الذي أطلق ظاهرة التحجب والورع الزائد، لكن ما أذكره هو أن التحجب وقتها ارتدى شكل العدوى، التي لم تنج من تأثيرها سوى قلة من النسوة كانت من بينهن أمي التي عادت وتحجبت في وقت لاحق. الرجال أيضاً كان لهم نصيبهم من هذه الظاهرة، فشاع في أوساطهم إرخاء اللحى، واستحال الدين وما يتفرع عنه من تحليل وتحريم إلى محور أحاديثهم ومركز عنايتهم واهتمامهم. وبسبب ذلك أيضاً استحال ما كان على هامش اجتماعهم إلى مركزه فغدا الشيخ قبلة أهل الحي يست فتونه في ما استغلق عليهم من أمور الدين، ويشهدونه على صحة نطق أحدهم حكماً في أمور الدين، فان صادق عليه الشيخ صادقوا على صحته وإن أنكر صحته الشيخ أنكروه هم أيضاً.

وبموازاة ذلك وقبل أن يبدأ الشيخ الصدارة كان عدد من أتراب الشيخ وإخوانه في الالتزام الديني قد بدأوا يتوافدون إلى المنطقة للإقامة فيها، سواء في الأبنية المشيدة حديثاً أو في بيوت تركها أصحابها وفضلوا بيعها لعجزهم عن التأقلم مع الأجواء المستجدة، فشكل القادمون الجدد مع الشيخ اجتماعهم الخاص، الذي راح يتسع من طريقين. الطريق الأول استمرار قدوم أتراب الشيخ إلى المنطقة والنزول فيها سكناً وإقامة، أما الطريق الثاني فكان تفضيل من لم ترق لهم الأجواء المستجدة الرحيل على البقاء والمواجهة.

كل هذا حدث ولم يكن لا الشيخ ولا أترابه من الملتزمين قد أشهروا بعد هويتهم الحزبية، وما كانوا بعد قد جمعوا الى تشددهم الديني لا السياسة ولا السلاح، ولا ما يتصل بهاتين المفردتين من إجراءات أمنية راحت تشتد شيئاً فشيئاً. إلى حد غدت معه الإقامة في المكان لغير محازبي حزب الله ومناصريه لا تحتمل ولا تطاق. وهكذا فبعد أن أضيف التشدد الأمني إلى التشدد الديني، واختلط واحدهم بالآخر، جاء دور رحيل مجموعة جديدة من فئة السكان القدامى عن الحي، بعدما استحال مكان أقامتهم، بحكم الحراسة الأمنية المشددة التي تحف به، إلى مكان مغلق على زيارة الغرباء، إلا ضمن شروط محددة ليس أقلها سؤال القادم إلى المحلة عن وجهته (اسم أصحاب المنزل الذين يود زيارتهم) وصلته بأهل البيت القادم لزيارتهم، وطبيعة علاقته بهم، إلى أسئلة عنه هو نفسه وعن مكان اقامته، كل هذا قبل خضوع السيارة إلى تفتيش دقيق (هذا إذا ما كانت وجهة القاصد إلى محلة يسمح بإدخال السيارات إليها). بكلام آخر ساهمت هذه الظروف المحيطة بالمحلة التي أسكن فيها على جعل الكثيرين من غير سكانها يتهيبون قصدها أو حتى العبور فيها، واستحالت بيوتها، ومنها بيتنا، إلى مكان اقتصرت وظيفته على المبيت والمنام لا محل فيه لعلاقات اجتماعية، حيث كثير من أصدقاء العائلة وأصدقائي راحوا تباعاً يخففون من زيارتنا في المنزل، خاصة بعد أكثر من حادث حصل مع قادمين لزيارتنا.

في أحدى المرات جاء لزيارتي في البيت صديق وكان من هواة التصوير، وقد سببت ممارسته لهوايته في محيط بيتي زيارة احد سجون حزب الله ليومين أفرج عنه لاحقاً.

بعدها تسبب لي هذا الحادث بالكثير من المتاعب مع الجهاز الأمني المولج بأمن المربع الأمني، خاصة بعد أن وجدوا في هذا الحادث ما يسوغ طلبهم المتكرر للسكان بالتعاون. هكذا، وبذريعة عدم إزعاجي وأصدقائي وتفادياً (بحسبهم) لتكرار حوادث مماثلة، كان لزاما علي إفادة الجهاز الأمني بمعلومات تفصيلية عن حياتي الشخصية وحياة من تربطني بهم صلة قرابة أو صداقة أو زمالة دراسية. أما حصيلة ذلك فكانت حصول الجهاز الأمني على الكثير من المعلومات عن حياتي الشخصية، تبدأ بأتفه التفاصيل وأدناها أهمية، ولا تنتهي بتفاصيل حميمية يجهلها حتى أهلي ولا يستفسرون الكثير عنها، من قبيل أين أمضي لياليّ حين آتي في وقت متأخر إلى بيتنا، وعدد أصدقائي ونسبهم الطائفي والمناطقي وتفاصيل عن عائلاتهم (عدد أفراد العائلة، اصهارها، تحصيلهم العلمي وأرقام هواتفهم وعناوين بيوتهم). بعد ذلك أمست حياتي وحياة من تصلني بهم صلة، عصية على الغفلة والكتمان، ولا محل فيها لحرية شخصية وخصوصيات.

ما جرى معي جرى بطريقة أو بأخرى مع كل الجيران، غير أن أكثر هؤلاء لا يحسبون ان ما يفعله جهاز الأمن من قبيل التدخل في حياتهم الخاصة، أو انه تجاوز لحقوق لا يملكها، بل أنهم على العكس من ذلك تراهم مندمجين في آلته الأمنية، حتى ان بعضهم، وقد حفظ عن ظهر قلب الممنوع والمباح في المنطقة تجده يتولى بنفسه في بعض الأحيان فعل ما قد يفعله عنصر الأمن إزاء موضوع شبهة ان فاتت هذا الأخير فيعترض مصورا ويطلب إليه موافاته إلى مركز الأمن ويسأل غريبا قادما عن ظروف قدومه وغايته من ذلك. لم تقف الأمور عند هذا الحد، بل تعدت ذلك إلى ما هو أبعد، لا سيما بعد دخولي الجامعة. هناك وبعد ان عرف جهاز الأمن من محازبين لحزب الله زملاء لي في الجامعة بأنني في الجامعة على علاقة وطيدة مع بعض أبناء الطائفة الدرزية القادمين من منطقة حاصبيا في الشريط الحدودي المحتل آنذاك، جاءني إلى المنزل احد أعضاء جهاز الأمن عارضا عليّ تزويدهم بمعلومات عن منطقة حاصبيا تردني من خلال رفقتي في الجامعة، وأشار عليّ بإمكانية صعودي معهم إلى حاصبيا ان دعاني أحدهم، إذا ما كنت أرغب بذلك، لكن كل ذلك شريطة تقديم معلومات عن رحلتي من غير ان يشير إلى شرطه هذا بصيغة مباشرة، بل عن طريق الإيحاء. في البدء تمنعت بذريعة ان لا معلومات لدي ذات قيمة، لكن بعد طول تفكير وكثير طلب منه شعرت بمسؤولية كبيرة وراحت خشية تزداد من كون أحد هؤلاء الأصدقاء الدروز متورطا فعلاً بعلاقة مع الإسرائيليين أو عملائهم فينكشف أمره، وأغدو بنتيجة امتناعي عن التعاون أنا أيضاً متهما فعدت وأعطيته معلومات عنهم وأخبرته ما أعرفه من يومياتهم في قراهم خلال الأيام التي يقصدونها فيها في العطل، لكني شيئاً فشيئاً وبعد ان شعرت باني جاسوس ومخبر على أصدقائي، رحت أبتعد عنهم رويداً رويدا حتى فترت علاقتي بهم ومن ثم انقطعت نهائياً.

منذ زمن بعيد اعتادت أمي تمضية فصل الصيف في قريتنا التي كانت واقعة ضمن الشريط المحتل قبل التحرير، لكن وفي النصف الأخير من ثمانينات القرن المنصرم طرأ شيء على حياة أمي جعلها تنقطع عن زيارة بلدتها نهائياً.

بدأ الأمر في صباح أحد الأيام بعد عودتها مباشرة في الليلة الفائتة من القرية. بأن صعد إلى منزلنا أحد عناصر الأمن في الحزب وسأل عن أمي، ولما أتته سألها معتذراً ان تفيده ببعض المعلومات وترد على أسئلة بحوزته انصبت جميعها على أشخاص يقطنون قريتها، بعضهم من أقاربها وبعضهم الآخر من غير الأقارب، لم تنته الجلسة سوى بعد ساعتين كانت أمي في خلالها قد أخبرته ما عرفته وشاهدته ورأته وسمعته في القرية خلال الشهر الذي أمضته فيها. في الصيف الذي تلا جلسة التحقيق اللطيفة والمهذبة التي خضعت لها أمي كان رعبها مما حدث معها السنة الفائتة قد زال، خاصة بعد ان عرفت ان ما خضعت له أجراء «عادي» يخضع له غالبية المترددين على قرى الجنوب المحتل من أهل الضاحية، وعلى الأخص القاطنين منهم في المربع الأمني. إزاء ذلك وجدت من الطبيعي الاستمرار في ممارسة ما ألفته سنوياً، فتوجهت إلى قريتها وهناك أحست برعب حقيقي على نفسها من تهمة العمل والتجسس لصالح المقاومة، لا سيما بعد ان سمعت خبرية اعتقال الإسرائيليين لامرأة قادمة من الضاحية الجنوبية بتهمة إفشائها معلومات عن المنطقة الحدودية لحزب الله. وفي اليوم التالي غادرت القرية. وحين وصلت إلى البيت جاءها في اليوم التالي عنصر الامن فأعطته ما أراد من تفاصيل رحلتها القصيرة وامتنعت نهائياً عن زيارة الضيعة التي لم ترجع إلى زيارتها سوى بعد التحرير في 25 مايو (أيار) عام 2000.

سمير
08-08-2006, 12:31 PM
المربع الأمني في الضاحية الجنوبية

«شبان الزوايا» يعكسون سيطرة «حزب الله» ورقابته على شوارع وأحياء الضاحية


بيروت: فادي توفيق *


ليس من غير دلالة، أن تكون المناطق المجملة تحت مسمى الضاحية1 التي لا تطابق حدودها الحدود الرسمية للمنطقة تبعا لاصطلاحات التقسيم العقاري، هي تلك المناطق المستوفية شروط المعقل ـ الغيتو، وتلك الواقعة داخل السور المتمثل في الطريق الممتدة من المطار حتى مستديرة الطيونة مرورا بطريق صيدا القديمة وصولاً إلى حي السلم من جهة الشويفات، وهي المناطق عينها التي لحزب الله اليد الطولى في تسيير شؤونها كافة، منذ سيطر عليها إبان معاركه وحركة أمل التنظيم الشيعي الآخر، عام 1988 هذه المعارك التي انتهت بإجلاء أمل عن كافة مناطق الضاحية باستثناء منطقة الشياح التي عاد حزب الله وضم بعض أحيائها إلى نطاق سيطرته المستمرة غداة انتهاء الحرب.
بسبب هذه السيطرة الظاهرة والمعلنة، يتهيب كثُر المجئ إلى هذه المناطق أو حتى العبور بها. ويفضل مواطنون من غير ابناء الطائفة الشيعية، هجروا منها قسراً أثناء الحرب بيع ممتلكاتهم فيها على استرجاعها والعودة اسوة بغيرهم من المهجرين في لبنان إلى العيش فيها وسط أجواء مستجدة لا يسعهم احتمالها أو مجاراتها.

عن طريق هذه الأجواء أيضاً اقتصر السكن في الضاحية على سكان يدينون بالولاء لحزب الله ويتقبلون إملاءاته الأمنية والشرعية وسواها، التي تبلغ في مواضع معينة من الضاحية، لا سيما داخل «المربع الأمني» الذي يؤوي مراكز حزب الله الحيوية ومساكن قادته ـ حد إرغام المقيمين فيها على ملء استمارات توثق علاقاتهم العائلية وصداقاتهم وحركة الزيارات إليهم وأسماء الزوار المعتادين والمحتملين. أما البعض القليل من الشيعة الذين لا يشاركون حزب الله قيمه، ولا يوافقونه استطراداً على صنيعه في المنطق، فإنما بقاؤهم في الضاحية على مضض، مرده في الغالب إلى عجزهم عن الإيفاء بالمتطلبات المالية للسكن خارج الضاحية، مع الإشارة إلى أن القسم الأكبر من هؤلاء يقطن غالباً في النواحي البعيدة من مراكز حزب الله واماكن سكن قادته داخل المربع الأمني، حيث تشتد سيطرة حزب الله وقبضته الأمنية وتصل إلى حد يتعذر معه السكن على غير المحازبين والموالين الخلص له.

ففي الضاحية يكاد لا يخلو حي من احيائها من اضطلاع أحد بإعلان سيطرته عليه. وحين تخبو السطوة الأهلية التي تتمظهر في الأحياء الداخلية للضاحية بسطوة «شبان الزوايا» أو «الحيطسيت» على ما يسمونهم في الجزائر، يقوم حزب الله بالمهمة هذه في الأحياء الفخمة في حارة حريك وغيرها، حيث يقطن أثرياء الشيعة. وتظهر سطوة الحزب في توزع عناصره بأسلحتهم الحربية الظاهرة والمستترة على مداخل الأحياء المؤدية إلى أماكن سكن قادته ومراكزه الحزبية ومؤسساته، وهي الأحياء عينها التي يقسمها حزب الله إلى «مربعات أمنية» بحسب تسمية شائعة ومتداولة يطلقها على الأماكن التي تعود شؤونها الأمنية إلى سلطاته المطلقة والعرفية.

تبعث أهلية الأحياء في الضاحية شعوراً في نفس الوافد إليها من خارجها، لا يجاريه سوى شعور من يخرق حرمة منزل على حين غرة من أهله. بحيث يشعر القادم إلى مناطق الضاحية كلما دخل شارعا من شوارعها ان يستأذن أحداً قبل دخوله ولا يبعد ان يستوقفه بعض الشبان «المدنيين» لسؤاله عن وجهته وعن سبب وجوده حيث هو فإن لم يسعفه لسانه باجابات مقنعة ومنطقية بحسب منطق الجهاز الأمني للحزب، جاز لهؤلاء انزاله منزلة المشتبه فيهم ومن ثم مرافقته إلى أحد المراكز الأمنية لحزب الله بغية استكمال استجوابه.

لا يعني ما سبق أن حزب الله يعفي أحياء الضاحية الجنوبية الواقعة خارج المربع الأمني في منطقة حارة حريك 2، من رقابته الأمنية الصارمة على الداخل والخارج إليها. وما امتناعه عن تدبير رقابته فيها علانية سوى لأن في وسعه تأمين ذلك، في هذه الأحياء، من طريق سكانها الذين يشاركون حزب الله ريبته من الغرباء شأنهم شأن أي تجمع سكني متجانس الهوية والانتماء، فترى شبانها «الحيطستيين» متأهبين على الدوام لاعتراض أيما قادم إلى زقاقهم إن صدر عنه ما يبعث على الريبة في مقاصد عبوره. أما إذا ما سولت لهذا الزائر نفسه بالتقاط صور فلا يبعد أن يجد من يهبّ من هؤلاء لاعتراضه بسؤاله عما إذا كان قد حاز إذنا بالتصوير من جهاز أمن حزب الله. بكلام آخر أو بكلمة واحدة، الضاحية منطقة غير مباحة ولا مستباحة بالمعنى المديني، والتعبير السياسي فيها معقود لطرف أوحد هو حزب الله الذي تعم سلطته على كافة وجوه الحياة فيها، العامة منها والخاصة، لا ينازعه أحد على ذلك سوى الحزب الشيعي الآخر حركة أمل، وإن كانت منازعة خجولة متوسلاً بمناسبة عاشوراء الدينية سبيله إلى هذا. قصة المربع الأمني

* لم يخرج المربع الأمني إلى الوجود دفعة واحدة. بل كان تشكله على مراحل وبالتدرج والتناسب مع ارتفاع حدة التهديد الأمني لقادة حزب الله أو القادة المقربين منه. وان كان للمرء أن يعين تاريخ ابتداء لهذا المربع، فان البداية بلا شك كانت غداة متفجرة بئر العبد، التي استهدفت السيد محمد حسين فضل الله في 8 مارس (آذار) عام 1986. وهي المتفجرة التي قتلت نحو 80 مواطنا ونجا منها فضل الله باعجوبة.

مع هذه المتفجرة عثر التشدد الأمني على مسوغه. فيما حزب الله الذي لم يخف نزوعه، قبل ذلك، إلى تسوير المنطقة بقبضة أمنية مشددة، بدا كأنما عثر على ضالته. وبالنظر إلى ما أعقب هذه المتفجرة من اجراءات أمنية وما خلفته من تأثير على سكان الضاحية، يسع المراقب القول ان هذه المتفجرة شكلت الأساس الذي نهضت عليه عمارة حزب الله الأمنية، إلى الحد الذي يمكن القول معه ان هذا الحدث الأمني شكل للضاحية ما شكلته هجمات 11 سبتمبر (ايلول) الإرهابية للولايات المتحدة من شعور بالتهديد، نقل معه ساكني الضاحية إلى وضعية جعلتهم يتقبلون اجراءات حزب الله الأمنية وينخرطون فيها بحماسة، وهي نفسها الاجراءات التي كانوا ضاقوا ذرعاً بها وبقسوتها إلى زمن قصير سبق وقوع المتفجرة، وبعد ان كان بعضهم قد بدأ بالتعبير عن ضيقه بها، وهي اجراءات تبدو لا شيء اذا ما قيست بالإجراءات التي استجدت غداة وقوع متفجرة بئر العبد. خلال الحرب اللبنانية كانت المتفجرات والسيارات المفخخة جزءاً من يوميات اللبنانيين، يتعاطون معها كما لو انها قدر مقدر. وباستثناء ازالة الركام وانقاذ من يمكن انقاذه من الضحايا ما كان أحد ليمني نفسه بالقبض على الفاعلين أو التعرف على هوياتهم. وفي هذا المجال أيضاً استطاع حزب الله ان يحرز سبقاً، ففي الذكرى السنوية الأولى على وقوع المتفجرة اذاع حزب الله على الناس خبر القاء القبض على المتورطين في متفجرة بئر العبد 3 فنجح حزب الله، أقله في نظر سكان الضاحية، في اثبات نفسه حامياً للناس ولم يكن لهذا الشيء الأثر القليل في تبدل نظرتهم تجاه الحزب نفسه.

هذا من غير ان نغفل التأثير الذي خلفه اكتشاف هوية المتورطين في هذه المتفجرة، الذين كانوا بغالبيتهم من الطائفة الشيعية، وبعضهم الكثير تصلهم صلة قربى باناس يقطنون في محيط قريب من مكان وقوع المتفجرة استفادوا من التردد على اقاربهم للتحضير للعملية الاجرامية. ذلك ان هوية المتورطين الشيعة بغالبيتهم، سوغت لحزب الله الاعتماد، في نهجه الأمني، على قاعدة الظن بالجميع، وهذا مما لم يكن متيسراً له لولا هذه المتفجرة ولا كان ليلقى تجاوبا من المواطنين ولكان عد تعسفاً في حقهم من شأنه تأجيج مشاعر مناهضة للحزب وهي القاعدة التي يرى كثيرون انها في رأس اسباب عصيان حزب الله على الاختراق الأمني.

بيد ان هذا النجاح في مجال الأمن لم يكن بلا ثمن على حياة الناس، لا سيما سكان النواحي التي وقع اختيار الحزب عليها، مكانا للمربع الأمني خاصته. 1 ـ في كتابه الموسوعة اللبنانية المصورة يحدد طوني مفرج الضاحية الجنوبية بالمناطق التالية: برج البراجنة، حارة حريك، الغبيري، المريجة. وفي مرسوم حكومي صدر عام 1964 عن وزارة التصميم يرسم الحدود الخارجية للضاحية وفقاً لمشروع إيكوشار، وفيه ضمت إلى نطاق الضاحية المناطق التالية: الشويفات، وادي شحرور، بعبدا، المنصورية، ضبية.

2 ـ يعرف المصورون الصحافيون بأنهم لا يستطيعون القيام بالتصوير داخل الضاحية الجنوبية من غير طلب الأذن من حزب الله وتوضيح سبب الطلب، ويعرف الكثيرون منهم انهم ان قاموا بالتصوير من غير حصولهم على إذن مسبق قد يعرضهم هذا الامر الى تحقيق واستجواب او أقله اتلاف ما التقطوه من صور. ويخبر احد العاملين في السينما انه في احد الافلام التي عمل فيها وقع اختيار المخرج على احد محلات تصليح السيارات في الضاحية مكانا للتصوير فحصل الاخير على إذن بالتصوير من حزب الله ولما باشر بتصوير المشهد ارسل الحزب برفقة الفريق السينمائي عنصرا من حزب الله راح يراقب مدى التزام المخرج بإذن التصوير المعطى له ولما ازاح المخرج عدسة الكاميرا ما ينقص عن المتر خارج المساحة المسموح له بالتصوير له فيها طلب من المخرج ايقاف العمل كي يتسنى له مراجعة القيادة وأخذ موافقتها على التعديل، الذي اضافه المخرج اثناء عمله ولم يسمح بمباشرة التصوير الا بعد ان وافقت القيادة على ذلك.

3 ـ في صحيفة «السفير» في 8 آذار 1987 نشر حزب الله على صفحتين تفاصيل التحقيقات مع المتورطين في العملية وأعلن تنفيذ حكم الاعدام بهم.