المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقد أحمد الكاتب (رؤيته للاعتداء على الزهراء(ع) نموذجاً)



باباك خورمدين
07-29-2006, 01:28 PM
ليس من الصعب على الكثير من الباحثين نقد رؤية تاريخية أو عقائدية معينة في إطار المواجهة والنقض الطائفي، حيث لا يبدو هناك معياراً واضحاً للحقيقة التاريخية فيما يكون السعي لإسقاط وإلغاء الآخر أكثر وضوحاً، وفي هذا الإطار فإنه لا مجال لالتزام هؤلاء الباحثين بأي قدر من المنهجية التي تقتدي أساساً الالتزام – بقدر الإمكان – بالحياد على الأقل في التعامل مع النصوص والمرويات المنقولة .
إن أحمد الكاتب لا يتكلف هنا أي محاولة لإخفاء العوامل والدوافع الطائفية في بحثه المعنون " هل قُتلت فاطمة الزهراء؟ ومتى قال الشيعة بذلك؟ ولماذا ؟ وعلى أي أساس؟ " وهنا يبدو السعي للنقض الطائفي واضحاً حتى قبل الشروع في قراءة البحث .
إن القضية الأساسية لأحمد الكاتب لا تبدو مرتبطة بما هو حقيقي في التاريخ الإسلامي بقدر ما هي مرتبطة بأن بعض هذه القضايا يثير الخلاف بين المسلمين وبالتالي فقد اعتبر أن الاعتداء بالضرب أو بالإحراق على السيدة الزهراء (ع) هو أسطورة في مقدمة بحثه الذي حمله مضموناً دينياً عاطفيا يسعى به لإزالة خلاف بين الطائفتين المسلمتين .
أن مثل هذه المقدمة الدينية المغرقة في مثالية مجحفة والتي ابتعدت عن أساس الخلاف والصدام ما بين خطين مسلمين ضخمين إلى قضية تبدو فرعية معلنة رأيها المنحاز فيها لأحد الأطراف قبل بداية دراستها تمثل خطأ في المنهج بحيث لا يمكن إقامة بحثاً منهجياً محايداً يعتمد على رصد واقع الحراك التاريخي بناء عليها، فالواقع أن أحمد الكاتب في بحوثه عموما يبدو مجتهداً في محاولة تمييع قضايا الخلاف بين الطائفتين كي يصل في النهاية إلى أنها لا تعدو أن تكون من نتاج المخيلات الشيعية بسبب : " تعرض الشيعة إلى ضغوط سياسية شديدة ومجازر وملاحقات وتعذيب على أيدي الأمويين " وليس لها أساساً تاريخياً .
على أن أحمد الكاتب يتناسى أن تطرف وغلو الطرف المستضعف في المرويات التي تظهر مظلوميته يقابله تطرف وغلو الطرف المعتدي كذلك في المرويات التي تسعى لتبرئته وتبرير مواقفه بحيث لا تبدو واقعة في إشكاليات دينية تطعن في شرعيته وبناء على ذلك فإن ما تسعى إليه المرويات السنية من تبرئة الخليفتين الأول والثاني من قضية إغضاب والاعتداء على الزهراء(ع) هو أيضاً يندرج تحت مسمى الغلو من منطلق سعيها لنقض كل ما قد يمس شرعيتهما الدينية كخليفتين مفترضين للنبي (ص)، وهذا التناسي المتعمد والذي يضع مرويات طرف تحت منظار النقض في حين يتبنى مرويات الطرف الآخر بكل بساطة لا يبدو بريئاً .
وبغض النظر عن حقيقة الأحداث حول الاعتداء على الزهراء(ع) فإنه من غير الممكن اختلاق كذبة تاريخية بناء على المخيلات فقط، حيث يبدو من الضروري وجود أحداث حقيقية يعتمد عليها هؤلاء الرواة للمبالغة أو الكذب، فحتى بالنسبة لقضية عبد الله بن سبأ والتي أصبح معظم الشيعة يعتقدون بكونها قضية ملفقة، فإن ملفقي هذه القصة اعتمدوا على وجود شخص بالفعل معاصر للإمام علي(ع) باسم شبيه " عبد الله بن وهب الراسبي السبئي " لتلفيق هذه الأحداث إليه رغم معرفتهم بأنه كان من الخوارج في الأساس .
في هذه الدراسة ورغم أنها تتناول بالأساس قضية تاريخية لها أهميتها في التراث الشيعي فإنه لم يسع أبداً لوضع تعريف لمصطلح " الشيعة " الذي يدرك هو مدى التنوع في استخدامه بالنسبة للمؤلفين السنيين بما يعني التنوع والتناقض أحياناً في مدلولاته، ويبدو أن أحمد الكاتب قد تعمد ترك هذا المصطلح دون تعريف كي يتمكن من استغلاله في إثبات بعض آراءه المرتبطة بالعلاقة بين الرعيل الأول من الشيعة وبين الخليفتين الأول والثاني، وهي نتيجة رغم فرعيتها إلا أنه أعتمد عليها كثيراً كمقدمة تؤدي بتسلسل منطقي لنتيجة دراسته النهائية عن مدى أسطورية الاعتداء على الزهراء (ع) .
إن مثل هذه الأخطاء المنهجية – كتابة بحث حسب نتائج مسبقة، عدم تحديد المنهج في تبني المرويات، وعدم تحديد المفاهيم – تعد نقطة ضعف في أي بحث كما تشكك في مصداقية الباحث عموما والذي يتحرك من ذهنية طائفية تحاول فقط تسجيل النقاط على طائفة أخرى بعيداً عن الحقيقة التاريخية .
إن هذا النقد على أطروحة أحمد الكاتب يجب أن يبدأ بتحديد المناهج البحثية والمفاهيم والمصطلحات التي لجأ الكاتب لتمييعها في محاولة منه للتخلص من أي معوقات علمية تحول بينه وبين إثبات رؤيته الجاهزة .
إن الضرورة التي تفرض على الباحث التاريخي تحديد منهجه التاريخي تقوم أساساً على ما تعانيه المرويات التاريخية في التاريخ الإسلامي من تعارض يعبر أساساً عن صراع طبقي وديني بين المذاهب المختلفة، وفي الغالب تخضع في ترجيحها إلى الخلفيات العقائدية والفكرية للباحثين، وهو ما قد يؤدي في الغالب لنتائج مزاجية أكثر منها مقاربة للحقيقة التاريخية، وبالتالي فإنني أعتقد أن استخدام المادية التاريخية في الترجيح ما بين المرويات المتعارضة يبدو أكثر مصداقية من ناحية كشفه للخلفيات الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة والتي تؤدي إلى حراك سياسي أو آراء وفرق دينية كرد فعل لها .
فيما يخص المصطلحات التي استخدمها أحمد الكاتب فقد أورد مرويات تناولت مصطلحي (شيعة) و(رافضة) ولم يسع في دراسته لتوضيح المقصود من هذه المصطلحات حيث استسلم تماماً للمرويات السُنية عنها دون أي نقد وبلا مبرر واضح فيما يبدو سوى أن هذا الاستسلام يفيد نتيجته النهائية .
يعد مصطلح " شيعة " أبرز وأشهر المصطلحات التي استخدمت للإشارة إلى المناصرين للإمام علي (ع) وأكثرها شيوعاً واتساعاً في مدلولاته، وقد أطلقته المصادر السنية عموماً على كل جيش الإمام علي بن أبي طالب (ع) والموالون له من أهل الكوفة في صراعه مع معاوية بن أبي سفيان، كما استمرت في إطلاقه كاسم جامع لكل المذاهب التي تبنت الدعوة لموالاة الإمام علي بن أبي طالب وأبناؤه .
إن هذا المدلول الذي منحته المصادر السنية لمصطلح شيعة يبدو مطاطاً وغير دقيق، فالعديد من الذين حاربوا مع الإمام علي بن أبي طالب (ع) لم يكونوا من المؤمنين بأفضليته على الخليفتين، وإنما اعتقد الجميع بالفعل بأفضليته على معاوية بن أبي سفيان، وربما رأى بعضهم أفضليته على عثمان بن عفان، وتشير المرويات الشيعية إلى مدى ما سببته هذه المجموعات التي شكلت فيما بعد ما عرف بـ" الخوارج " من متاعب للإمام علي بن أبي طالب (ع)، حيث نقل الكليني في روضة الكافي مروية للإمام علي (ع) عدد فيها المخالفات التي ارتكبها الخلفاء السابقين عليه كما أشار إلى مدى تأثر قدر كبير من جنوده بهذه المخالفات واعتبارهم لها كجزء من الشريعة : " والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي : يا أهل الإسلام غيرت سنة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري "(1)، وبالتالي فإن مصطلح " شيعي " في المدونات السنية يختلف في مدلوله عن نفس المصطلح في المدونات الشيعية التي ترى أنه يرتبط بكل من يعتقد بولاية الأئمة من أهل البيت (ع) مما يعني البراءة من أعدائهم والالتزام بحلالهم وحرامهم وهو ما يتجاوز مجرد الأفضلية إلى حصر تفسير وتأويل الدين في نطاقهم، وقد طرأ بعض التحول على هذا المصطلح فيما بعد حيث صار يطلق بشكل أكثر تحديداً على المحدثين الذين يفضلون الإمام علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان، في حين أطلق مصطلح " غلاة الشيعة " على من يطعن في عثمان والصحابة الذين واجهوا علياً (ع) في معركتي الجمل وصفين : " إن البدعة على ضربين فبدعة صغرى كغلو التشيع أو كالتشييع بلا غلو ولا تحرق فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية وهذه مفسدة بينة ... فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممن حارب عليا رضي الله تعالى عنه وتعرض لسبهم "(2).
ليس من الغريب إذاً أن يوصف العديد من المحدثين السُنة بالتشيع من منطلق تفضيلهم للإمام علي (ع) على الخليفتين مما يعني أن مصطلح (شيعة) عند السُنة لم يكن يترتب عليه حالة مذهبية بالضرورة كما هو عند الشيعة وإنما كان يعبر عن موقف سياسي في البداية أثناء المواجهة مع معاوية بن أبي سفيان، ثم تطور لرؤية خاصة بمكانة الإمام علي (ع) حيث أُعتقد بناء على مرويات منقولة عن بعض الصحابة والتابعين والفقهاء أن علي بن أبي طالب (ع) هو الأفضل والأعلم والأكثر قرباً للنبي (ص) من باقي الصحابة وهي مقولة تبناها العديد من السُنة وبعض المعتزلة والمرجئة(3)، وهنا يبدو التشيع موقفاً شخصياً أكثر منه مذهباً إعتقادياً وفقهياً .
على أن هذه المشكلة في التعريف كانت خاصة بالمصادر السُنية فقط، فمعظم من وصفوا بالتشيع لدى المصادر السُنية (بالمعنى السابق) لم تصنفهم المصادر الشيعية تحت ذات التصنيف وإنما اعتبرتهم من العامة رغم تفضيلهم للإمام علي(ع)، كما أنه من الملاحظ أن الوصف بالتشيع هو ناتج غالباً عن اهتمام المحدث برواية فضائل الإمام علي(ع) وعداؤه لمعاوية ليس أكثر وهو في الغالب مقدمة لتضعيف تأثير مروياته .
إن الفارق الجوهري بين التشيع كمذهب والتشيع كعاطفة لم يكن الوصية التي اعترف بها حتى بعض الإباضية من الخوارج وإنما كان عقيدة الإمامة بما تفرضه من ولاء ليس فقط للإمام علي(ع)، وإنما للأئمة من أبناءه (ع) بالإضافة إلى الاعتقادات المرتبطة بها كالعصمة، في حين لم يجد المتشيعين العاطفيين أن ولائهم للإمام علي(ع) واعتقادهم بأفضليته ملزم لهم بالاعتقاد بعصمة أو بأفضلية وعصمة أبناؤه وأحفاده كذلك .
المُصطلح الثاني هو (الرافضة) وهو مصطلح يشير إلى رفض الاعتراف بشرعية أي خلافة أو سلطة غير فترة ولاية الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع) كما يترتب عليه أيضاً الهجوم على هؤلاء الخلفاء والصحابة الذين اتبعوهم والصحابة الذين حاربوا الإمام علي (ع) في الجمل وصفين، وعدم قبول اجتهاداتهم الفقهية والتفسيرية وممارساتهم السياسية(4) .
وتشير كتب الفرق عموماً بهذا المُصطلح إلى كل الفرق الشيعية، وإن كان من النادر أن تطلقه على الزيدية لاعتقادها بأن الزيدية يقبلون إمامة المفضول مع وجود الأفضل(5)، وقد أختص هذا اللقب بالإثنى عشرية خصوصاً، في مقابل اختصاص الإسماعيلية بألقاب أخرى كـ " الباطنية "، والفرق المغالية – من وجهة نظر السُنة – بألقاب كـ" الغلاة "، " السبئية " أو " الخشبية "(6).
تؤكد كتب الفرق السُنية أن بداية ظهور هذا اللقب ارتبطت بالانتفاضة التي قادها زيد بن علي بن الحسين في سنة 121 هـ بالكوفة في مواجهة الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، حيث قام بإطلاق لقب (الرافضة) على المجموعات الشيعية التي رفضت قيادته عقب مناقشة حول موقف زيد بن علي من الخليفتين الأول والثاني، حيث عبر زيد عن احترامه للشخصيتين مما أدى إلى انسحاب هذه المجموعات من الاشتراك في الثورة(7).
إن هذا التصور الذي تعرضه المصادر السُنية يبدو واضحاً في سعيه لتشويه الشيعة كفرقة دينية وسياسية عارضت بضراوة الحكمين الأموي والعباسي عن طريق تصوير أفرادها وكوادرها كمجموعات من السذج غير المنضبطين المستعدين عموماً للنزاع والتخلي عن ثورة لمجرد الخلاف في رأي فرعي .
والواقع أن ممارسة أي قدر من النقد يظهر بوضوح ما تعانيه من نقاط ضعف، فبغض النظر عن أنها لم تذكر أسماء الشخصيات الشيعية التي أدارت هذا الحوار مع زيد بن علي (رض) والتي من المفروض أن تكون معروفة ومشهورة في مدينة كان للتشيع بها مجال خصب، كما أنها لم تذكر سبب توجيههم هذا التساؤل لزيد بن علي في هذا التوقيت على وجه الخصوص، فإن نقطة الضعف الأساسية التي توجه لها هي أن العديد من الثائرين مع زيد بن علي (رض) من الشيعة كانت لهم آرائهم السلبية تجاه الخليفتين كأبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني ومنصور بن المعتمر(8)، مما قد يثير الشكوك حول صحة نسبة هذه الآراء لزيد بن علي (رض).
من ناحية أخرى فإن هذه المروية تجاهلت أن زيد بن علي كانت له العديد من الزيارات السابقة على الثورة لمدينة الكوفة وبالتأكيد لا تبدو آراؤه العقائدية والفقهية غريبة على الشيعة المتواجدين بها كي يوجهوا إليه مثل هذا التساؤل وفي أثناء استعداده للقيام بالثورة ضد الأمويين.
إن بداية ظهور لقب (الرافضة) تعود إلى فترة ولاية المغيرة بن شعبة وقد استخدمها لوصف الشخصيات الشيعية التي تبنت التشيع حسب التعريف الأكثر خصوصية له(9)، وبالتالي فإن هذا الوصف للشيعة هو أقدم كثيراً مما تدعيه المصادر السنية، والملاحظ أن الألقاب الخاصة بالغلاة أُطلقت أيضاً على الإمامية في أحيان كثيرة كنوع من الإهانة، وكانت كذلك تشير إلى موقفاً سلبياً من الخلفاء السابقين على الإمام علي (ع)، أو موقفاً سياسياً ضد السلطة المعاصرة، فعلى سبيل المثال أُطلق وصف " الخشبية " على منصور بن المعتمر للتدليل على موقفه السلبي من المخالفين لعلي عموماً، كما أُطلق وصف " السبئية " على أبو هاشم بن محمد بن الحنفية لنفس السبب بالإضافة إلى حركته السياسية رغم وثاقته من ناحية الرواية(10) .


1 – محمد بن يعقوب الكليني . روضة الكافي . تحقيق / علي أكبر غفاري . بيروت (بدون تاريخ طباعه) . دار الأضواء . ص 52 .
2 - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . لسان الميزان . مراجعة دائرة المعارف النظامية بالهند . نسخة كومبيوترية . بيروت 1986 . www.sahab.org . مؤسسة الأعلمي للمطبوعات . ج 1 ص 6.
3 – علي بن حزم . الفصل في الملل والأهواء والنحل . تحقيق / عبد الرحمن خليفة . القاهرة 1348 هـ . طبعة محمد علي صبيح .ج 4 ص 90 .
4 – ابن حجر العسقلاني . م . س . ج 1 ص 6 .
5 – محمد بن عبد الكريم الشهرستاني . الملل والنحل . تحقيق / عبد الرحمن خليفة . بهامش الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم . القاهرة 1348 هـ . طبعة محمد علي صبيح . ج 1 ص 160 .
6 – م . س . ج 1 ص 151، ج 2 ص 12، ص 24، 26 .
7 - محمد بن جرير الطبري . تاريخ الرسل والملوك . نسخة كومبيوترية . موقع www.sahab.org ج 2 ص 204 - 206 .
8 – الشهرستاني . م . س . ج 1 ص 163 / أبو الفرج الأصفهاني . مقاتل الطالبيين . تحقيق / كاظم المظفر . قم 1965 . نسخة كومبيوترية بشبكة الشيعة العالمية www.shiaweb.org . منشورات دار الكتاب للطباعة والنشر . الطبعة الثانية . ص 93 / السيد عبد الحسين شرف الدين . المراجعات . تحقيق الشيخ حسين الراضي . قم 1416 . المجمع العالمي لأهل البيت . ط 2 ص 107، 108 .
9 - يوليوس فلهوزن . الخوارج والشيعة . ترجمة وتقديم / د . عبد الرحمن بدوي . القاهرة 1998 . ط الخامسة . دار الجليل للكتب والنشر . ص 155 .
10 – جمال الدين المزي . تهذيب الكمال . مراجعة / بشار عواد معروف . بيروت 1980 . نسخة كومبيوترية . موقع www.sahab.org . مؤسسة الرسالة . ج 16 ص 30 / عبد الحسين شرف الدين . م . س . ص 107 – 108 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 01:31 PM
لقد بدأ (أحمد الكاتب) دراسته بمحاولة إثبات أن الإمام علي بن أبي طالب والشيعة الأوائل لم يتخذوا موقفاً سلبياً مع الخليفتين الأوليين، وقد استعرض عدة استدلالات على هذا التصور، أولها تولي بعض القيادات الشيعية كسلمان الفارسي، عمار بن ياسر، البراء بن عازب، حذيفة بن اليمان، سهل بن حنيف، عثمان بن حنيف، حجر بن عدي، هاشم المرقال، ومالك الأشتر وظائف في حكومة الخليفتين، كما استعان ببعض الأقوال المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب والأئمة من أهل البيت (ع).
إن الاستدلال الأول لا يعد دليلاً على أي موقف إيجابي، حيث أن هذه وظائف والأعمال التي تقلدتها الشخصيات الشيعية اعتبرت كخدمة للمعتقد الإسلامي وليس لتوطيد سياسات عمر بن الخطاب على وجه الخصوص، والتي لم تكن – رغم سلبياتها – متناقضة بشكل فج مع ما يراه الإمام علي والشيعة صحيحاً، وإلا فليس من المنطقي اعتبار أن عمل بعض الشيعة في البلاط العباسي كبنو نوبخت هو دليل على ولائهم للعباسيين، وهو ما لا يمكن لأحمد الكاتب ادعاؤه .
إن السبب الرئيسي لاستعانة عمر بن الخطاب ببعض الشخصيات التي يدرك تماماً ولائها للإمام علي بن أبي طالب(ع) رغبته في إحداث قدر من التوازن مع العناصر الأرستقراطية العربية القديمة والتي تمكنت من استغلال حروب الردة والفتوحات كي تسعى لاحتلال موقعاً أكبر في الدولة، فالملاحظ مثلاً أن العديد من قادة جيوش الخليفتين الأول والثاني في حروب الردة والفتوحات كانوا من الشخصيات الأرستقراطية التي اعتنقت الإسلام في مرحلة متأخرة جداً كعكرمة بن أبي جهل، خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وبالتالي فقد كانت تعاني من وضع حرج في المجتمع الإسلامي بسبب تاريخها المعادي للدعوة الإسلامية وترغب في تحسين هذا الوضع وهو ما دفعها للتعاطف مع الخلفاء السابقين على الإمام علي (ع)، كما كان هؤلاء الخلفاء في حاجة لدعم هذه الطبقة الاجتماعية في مواجهة معارضة الأنصار – الخزرج على وجه الخصوص – والشيعة، ولا نعدم العديد من النصوص الصريحة التي نقلت على لسان الأنصار في مواجهتهم لأبي بكر بسقيفة بني ساعدة، لعل أهمها قول الحباب بن المنذر لأبي بكر : " لا نحسدك ولا أصحابك . ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا "(11)، وهو تدليل على أن التحالف مع هذه الطبقة كان واضحاً للأنصار ومثيراً لقلقهم، وعلى الرغم من أن مشروعات الخليفتين كانت مختلفة قليلاً عن ما تخطط له هذه الطبقة من منطلق انتمائهما لشريحة تجارية اكتسبت مكانتها عقب اعتناقها للدعوة الإسلامية، إلا أنهما كانا بحاجة مؤقتة لخدمات هذه الطبقة، ولا يبدو دور الخليفة هنا سوى السعي لمواجهة تيار بتيار آخر، وهو أسلوب مازالت بعض الحكومات الديكتاتورية تستخدمه حتى الآن .
وانطلاقاً من هذه النقطة يمكننا تفهم سبب قبول العناصر الشيعية العمل مع حكومة الخليفتين، والتي كان الجميع يدرك فيما يبدو أنها كأسلوب في الحكم غير مؤهلة للاستمرار طويلاً وبالتالي كان العمل على الإعداد لخلافة هذه الحكومة ناشئاً بشكل صدامي بين التيارين، وهو ما أدى بعمر بن الخطاب إلى الانحياز في النهاية للأرستقراطية القرشية في تخطيطه لوسيلة اختيار من يخلفه(12).
على أن التساؤل الذي لم يطرحه أحمد الكاتب هو السبب في عدم تولي الإمام علي بن أبي طالب(ع) لأحد هذه الأعمال أو لقيادة أي من الجيوش التي قامت بالفتوحات رغم قدراته القيادية والقتالية المعروفة ؟ إن هذا التعامل السلبي من الإمام علي بن أبي طالب مع المشروعات الحكومية، ناهيك عن توجيهه لعدة انتقادات صريحة لها يشير بوضوح إلى رفضه للأساس التي قامت عليه هذه الحكومة وإن سمح لأتباعه بالتفاعل مع بعض مشاريعها في نطاق تحسبه من سعي الأرستقراطية القديمة لاكتساب بعض عناصر النفوذ لها .
كما أن الاستدلال ببعض النصائح التي وجهها الإمام علي(ع) لعمر بن الخطاب بخصوص الفتوحات – على فرض صحتها – ليس تدليلاً على تأييده لحكمه، وقد أوضح الإمام علي(ع) في نهج البلاغة القاعدة التي تحكم تعاملاته عموماً مع الحكومات المخالفة : " فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم "(13) .
والواقع أن هذا التكلف الذي يبديه أحمد الكاتب في محاولة إظهار أي حالة من الود بين الإمام علي(ع) وبين عمر بن الخطاب إلى درجة التشبث بأي خبر مهما كانت نقاط ضعفه يبدو بوضوح في المرويات التي نقلها عن كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري والتي تبدو في بعض الأحيان أنها تسعى لإيجاد علاقة بين الطرفين ولو كانت وهمية .
وتعد المروية الأولى هي أكثر هذه المرويات هشاشة وضعفاً وقد نقل أحمد الكاتب أجزاء كبيرة منها ولم ينس أن يؤكد على أن مصادر شيعية لم يسمها في متن البحث ولا في الهوامش قد نقلتها كذلك : " إن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق ، وعبد الله بن وهب الراسبي، دخلوا على علي ، فسألوه عن أبي بكر وعمر: ما تقول فيهما؟ وقالوا: بين لنا قولك فيهما وفي عثمان. فقال علي: وقد تفرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي فيها قد قتلت؟ إني مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه فاقرءوه على شيعتي، فأخرج إليهم كتابا فيه :
"... فلما مضى (رسول الله) تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني، فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر، وإجفالهم عليه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور علي، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محو دين محمد وملة إبراهيم عليهما السلام، فخشيت إن أنا لم انصر الإسلام وأهله أن أرى في الإسلام ثلما وهدما ، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول منها ما كان كما يزول السراب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، وأن يرغم الكافرون. فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك الأمور فيسّر وسدّد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا، وبايعنا وناصحنا، فتولى تلك الأمور فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة أيام حياته ، فلما أحتضر قلت في نفسي: ليس يصرف هذا الأمر عني، فجعلها شورى وجعلني سادس ستة... ثم قالوا لي: هلم فبايع عثمان، وإلا جاهدناك، فبايعت مستكرها وصبرت محتسبا، وقال قائلهم: انك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص، فقلت لهم: أنتم أحرص... حتى إذا نقمتم على عثمان فقتلتموه، ثم جئتموني تبايعونني، فأبيت عليكم وأبيتم علي، فنازعتموني ودافعتموني ، ولم أمدَّ يدي ، تمنعا عنكم، ثم ازدحمتم علي، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، وأنكم قاتلي، وقلتم: لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق عنك ولا نختلف، فبايعتكم ودعوتم الناس إلى بيعتي فمن بايع طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فأول من بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا يسيرا حتى قيل لي : قد خرجا إلى البصرة في جيش ما منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة وسمح لي بالبيعة ... "(14) .
لم يلتفت الباحث في أثناء حماسه لإيراد هذا النص إلى مدى تناقضه مع سياق الأحداث التاريخية، ففي حين يورده ابن قتيبة في أثناء إقامة الإمام علي(ع) بالنخيلة في أعقاب المواجهة بينه وبين الخوارج بالنهروان والتي قتل في أثنائها عبد الله بن وهب الراسبي، ورغم ذلك لا تجد الرواية مانعاً من وجوده بعد هذه الحادثة كي يسأل الإمام علي(ع) عن موقفه من الخليفتين(15) .
إن نقاط ضعف المروية لا تقتصر على الشخصيات التي تحركها، فبعض مقاطعها لا تتطابق مع الواقع التاريخي، فتنسب للإمام علي(ع) قوله : " ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي العليا، وأن يرغم الكافرون "، وهي عبارة غريبة تتجاهل حقيقة أن الإمام علي بن أبي طالب(ع) لم يبد أي تعاوناً مع الخليفتين إذا ما استثنينا مجرد النُصح، وبالتالي فإن هذه العبارة والتي تشير إلى تفاعل وحماسة الإمام علي(ع) في تأييد مشاريع أبي بكر غير واقعية ولا يمكن نسبتها للإمام بأي حال .
من ناحية أخرى تبدو هذه المروية مركبة من أجزاء أو أفكار اقتبست من مرويات أخرى، فعلى سبيل المثال أُخذ المقطع : " فما راعني إلا إقبال الناس على أبي بكر، وإجفالهم عليه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور علي، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محو دين محمد وملة إبراهيم عليهما السلام، فخشيت إن أنا لم انصر الإسلام وأهله أن أرى في الإسلام ثلما وهدما ، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم التي إنما هي متاع أيام قلائل ثم يزول منها ما كان كما يزول السراب "، من كتاب الإمام علي بن أبي طالب(ع) إلى أهل مصر حين ولى عليهم مالك بن الحارث الأشتر(16)، كما أن العبارة : " ثم ازدحمتم علي، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، وأنكم قاتلي " مقتبسة من الخطبة للإمام علي(ع) وإن كانت مختلفة من حيث النص أو من حيث الموقف الذي ذكرت فيه : " فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم وردها قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها حتى ظننت أنكم قاتلي أو بعضهم قاتل بعض لدي "(17)، والعبارة " ثم جئتموني تبايعونني، فأبيت عليكم وأبيتم علي، فنازعتموني ودافعتموني ، ولم أمدَّ يدي ، تمنعا عنكم ... ، وقلتم : لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق عنك ولا نختلف " تتشابه من حيث الفكرة مع خطبة للإمام علي(ع) حول موقف طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام من ولايته : " فأقبلتم إلي إقبال العوذ المطافيل على أولادها، تقولون البيعة البيعة . قبضت كفي فبسطتموها، ونازعتكم يدي فحاذيتموها "(18)، على أن العبارة الأكثر وضوحاً في النقل هي التي أوردتها المروية عند نقل الإمام علي(ع) لاتهامات الأمويين له أثناء رفضه لتولية عثمان : " وقال قائلهم: انك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص، فقلت لهم: أنتم أحرص "، وهي منقولة بشكل واضح من مقولة للإمام علي(ع) وإن كانت قد ذكرت في إطار الخلاف الأول عقب سقيفة بني ساعدة : " إنك على هذا الأمر يا ابن أبي طالب لحريص، فقلت بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب "(19)، والواقع أن الباحث لو عرض المروية كاملة لظهرت ثغراتها بوضوح، ناهيك عن تناقضاتها الفجة، ففي حين يعلن الإمام علي(ع) رضاؤه عن الخليفة الأول والثاني، يوجه لهما وللصحابة في قطعة أخرى اتهاماً مباشراً : " فجعلها عمر شورى وجعلني سادس ستة، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره لولايتي، لأنهم كانوا يسمعونني وأنا أحاج أبي بكر فأقول : يا معشر قريش، أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب "(20) وهذا التناقض في موقف الإمام في مروية واحدة يظهر كون المروية ملفقة .
كما أورد أحمد الكاتب عدة نصوص للإمام علي(ع) والأئمة من أهل البيت تشير إلى رأيهم الإيجابي في الخليفتين، وهو لم يجد مانعاً منهجياً من أن يتناقض مع نفسه بشكل صريح، أو يتورع عن نقل المصدر ناقصاً في أحيان أخرى، أو محاولة منح إيحاء كاذب للغرض من النص لإثبات وجهة نظره .
فقد نقل من كتاب روضة الكافي هذه المروية عن الإمام الصادق(ع) : " عن أبي بصير قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله عليه السلام، إذ دخلت علينا أم خالد تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله: أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها، قال: وأجلسني معه على الطنفسة، قال: ثم دخلت فتكلمت، فإذا امرأة بليغة، فسألته عنهما – أي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما – فقال لها : توليهما، قالت: فأقول لربي إذا لقيته : إنك أمرتني بولايتهما، قال: نعم "(21)، والواقع أن الجزء الباقي من المروية لا يخدم أغراض الباحث وبالتالي فقد تعمد تجاهله : " قالت : فإن هذا الذي معك على الطنفسة يأمروني بالبراءة منهما وكثير النوا وأصحابه يأمرني بولايتهما فأيهما خير وأحب إليك؟ قال : هذا والله أحب إلي من كثير النوا وأصحابه، إن هذا يخاصم فيقول : [ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ] [ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ] [ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ] " ومن الواضح أن الجزء الذي تجاهله الباحث ينقض تماماً النتيجة التي يسعى لإثباتها وكان من المفروض، في حالة اعتقاده بعدم جداوه من ناحية علمية أو عدم تأثير نقل باقي المروية، أن يشير في هوامش بحثه إلى هذا الرأي .
والغريب أن يسعى لإيراد أحد نصوص الصحيفة السجادية والتي تتناول الصحابة بصفة عامة كي يحاول التدليل على أنها خاصة بالخليفتين رغم أنها لا تحتوي على أي إشارة تؤيد هذا الافتراض : " اللهمّ وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث اسمعهم حُجّة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به، وما كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهمّ تركوا لك وفيك وأرضهم من رضوانك "(22) وهنا يبدو أحمد الكاتب كما لو كان يسعى بطرف خفي إلى اتهام الشيعة بأن عداؤهم للخليفتين هو عداء للصحابة جميعاً وهي رؤية ساذجة تنطلق من تجاوز للأحداث التاريخية التي تلت وفاة النبي (ص) والتي أدت إلى وجود تمايز في الموقف من الصحابة ما بين العداء للبعض والاحترام والتقديس للبعض الآخر كسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري .
والواقع أن وضع الصحابة كمجموعة في مكانة واحدة يخير الإنسان بين قبولهم جميعاً أو رفضهم جميعاً كما يريد الباحث غير متواجد لدى أي طائفة إسلامية بما فيها السُنة والتي تذكر مدوناتها العديد من المرويات المعادية للصحابة : " حدثني محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن المغيرة بن النعمان عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا { كما بدأنا أول خلق نعيده } الآية وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم وإنه سيجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم } إلى قوله { الحكيم } قال فيقال إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم "(23)، وثمة مروية أكثر وضوحاً بهذا الشأن يرويها البخاري كذلك : " حدثنا أحمد بن صالح حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب عن بن المسيب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يرد على الحوض رجال من أصحابي فيحلؤون عنه فأقول يا رب أصحابي فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى وقال شعيب عن الزهري كان أبو هريرة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيجلون وقال عقيل فيحلؤون وقال الزبيدي عن الزهري عن محمد بن علي عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "(24) ومع دلالة هذه المرويات على الصراع الذي تم بين الصحابة عقب وفاة النبي (ص) وتأييدها للمرويات التاريخية في هذا الشأن، فمن غير الممكن له اعتبار نص دعاء الإمام السجاد (ع) شاملاً لكل الصحابة بما فيهم الخليفتين .
إن السلبية الأساسية تتمثل في عدم وجود منهجية لدى الباحث للاستعانة بالمرويات، حيث لجأ لأسلوب حشد النصوص بغض النظر عن قيمتها وحقيقتها التاريخية وهو ما أوقعه في تناقض صريح وواضح حيث تبنى نص ورد في صحيح البخاري منسوب للإمام علي(ع) ومتطرف في تفضيله لأبي بكر وعمر : " لا أُوتَى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حدَّ المفتري "، كما نقل مقولة منسوبة لشريك بن عبد الله تنص على تفضيل أبي بكر وعمر : " أن سائلا سأل شريك بن عبد الله فقال له: أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر. فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي؟ فقال له: نعم، من لم يقل هذا فليس شيعياً. والله لقد رقي هذه الأعواد علي فقال : " ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر " وبالإضافة إلى أن شريك بن عبد الله لم يكن شيعياً بالمعنى المذهبي وإنما بالمعنى العاطفي، بل أنه تولى القضاء لفترة للعباسيين في عهد الخليفة المهدي ويدل رأيه في إباحة النبيذ إلى عدم اعتناقه للتشيع كمذهب(25)، ويبدو أن الباحث لاحظ مدى تطرف هاتان المرويتان في تعارضهما مع الأحداث التاريخية فاضطر للإعترف بعدها بأن الشيعة عرفوا في التاريخ بتفضيل الإمام علي على باقي الصحابة بما فيهم أبي بكر وعمر، دون أن يحكم على المرويتان بالبطلان بما يستدعي طرح التساؤل عن مدى قيمة مثل هذه المرويات التي أوردها في حال لم يقتنع الباحث بصحتها ؟ على أن الباحث فيما يبدو يستخدم أسلوب حشد النصوص في محاولة لإظهار مصداقيته بغض النظر عن ما تحويه من قيمة علمية في البحث ذاته .
إن مثل هذه المرويات المتطرفة في الانحياز لوجود علاقة إيجابية بين الإمام علي(ع) والخليفتين تشير بوضوح إلى حجم الأزمة المطروحة في تلك الفترة، فما هي قيمة مثل هذه التساؤلات المفتعلة للشخصيات الشيعية والأئمة من أهل البيت(ع) لو كان رأيهم المشهور والمعلن تجاه الخليفتين إيجابي بالفعل .
لقد أورد الباحث بالفعل مرويتين يمتلكان قدراً من الوجاهة يبدو منهما أن الإمام علي(ع) يمدح الخليفتين أولهما رسالته إلى أهل مصر التي أرسلها مع توليته لقيس بن سعد بن عبادة، وقد نقلها الباحث من كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي : " فلما قضى (رسول الله) من ذلك ما عليه قبضه الله عز و جل صلى الله عليه ورحمته و بركاته، ثم إن المسلمين استخلفوا به أميرين صالحين عملا بالكتاب والسنة و أحسنا السيرة ولم يعدُوَا لِسُنـَّتِهِ ثم توفّاهما الله عز و جل رضي الله عنهما "، والنص الثاني مأخوذ من نهج البلاغة : " لقد قوَّم الأود و داوى العمد و أقام السنة و خلَّف الفتنة، ذهب نقيَّ الثوب، قليل العيب، أصاب خيرها و سبق شرَّها، أدَّى إلى الله طاعته واتَّقاه بحقِّه " وأعتقد أنه كان الأجدر بالباحث أن يكتفي بهذين النصين بدلاً من حشر نصوص أخرى لا قيمة تاريخية لها وتعاني من نقاط ضعف واضحة .
بالتأكيد يتعارض هذان النصان مع العديد من النصوص الأخرى التي تشير إلى حالة سلبية من الأئمة تجاه الخلفاء السابقين على الإمام علي بن أبي طالب(ع) عموماً لعل أهمها الخطبة الشقشقية : " أما والله لقد تقمصها فلان (أبي بكر) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القُطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير . فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً ... فصبرت وفي العين قذى . وفي الحلق شجاً أرى تراثي نهباً حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده (عمر) ... فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها "(26)، وفي رده على تساؤل الذي طرحه أحد أصحابه : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ؟ فقال : أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً، والأشدون برسول الله صلى الله عليه وآله نوطاً، فإنها كانت إثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين "(27)، وفي رسالته لأخيه عقيل بن أبي طالب يقول : " فجزت قريشاً عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي "(28) وهي تشير بوضوح إلى مساندة القرشيين للخليفتين الأول والثاني الذين وجه لهما الإمام علي(ع) اتهاماً واضحاً بسلبه حقوقه .
والواقع أن الباحث لم يسعى لإثبات خطأ النصوص المخالفة له وإنما قام بالقفز على هذا الجزء الضروري من بحثه .
وبناء على النصوص السابقة وصل الباحث إلى النتيجة التي نقل صيغتها من نصوص أخرى : " إن التاريخ يسجل : أن الأجيال الأولى من الشيعة، وخاصة في القرن الأول الهجري قالت : " إن عليا كان أولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده ، و أشجعهم وأورعهم وأزهدهم" . وأجازوا مع ذلك إمامة أبى بكر وعمر وعدوهما أهلا لذلك المكان والمقام، وذكروا : " إن عليا سلم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك، ولا يسع منا أحدا إلا ذلك، وان ولاية أبى بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه "(29)، كما نقل نصاً آخر يعبر عن رأي فرقة أخرى من الشيعة : " إن عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس أن يولوا عليهم غيره إذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا، أحبّ ذلك أو كرهه، فولاية الوالي الذي ولوا على أنفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عز وجل ، وطاعته واجبة من الله عز وجل "(30)، أما الفرقة الأخيرة من سلف الشيعة – حسب رأي الكاتب – فقد رأت أن : " إمامة علي بن أبى طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر أمره "(31).



11 - أحمد بن يحيى البلاذري . أنساب الأشراف . تحقيق / محمد حميد الله . القاهرة 1987 . طبعة دار المعارف ج 1 ص 583 .
12 – أحمد صبري السيد علي . الحقوق السياسية في فكر الإمام علي(ع) . " نشر ضمن مقالات مؤتمر الإمام علي الدولي . نشر معهد العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية . طهران 1422 هـ . ق . ص 138 – 141 .
13 – الإمام علي بن أبي طالب(ع) . نهج البلاغة . شرح / الشيخ محمد عبده . بيروت 1990 . دار الكتب العلمية . ص 393 .
14 – عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري . الإمامة والسياسة . تعليق / خليل المنصور . بيروت 1997 . طبعة دار الكتب العلمية . ج 1 ص 125 .
15 – علي بن الحسين المسعودي . مروج الذهب ومعادن الجوهر . القاهرة 1966 . طبعة دار التحرير للطبع والنشر . ج 1 ص 652 .
16 - الإمام علي بن أبي طالب(ع) . م . س . ص 393 .
17 – م . س . ص 73 .
18 – م . س . ص 177 .
19 – م . س . ص 218 .
20 – ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 126 .
21 – محمد بن يعقوب الكليني . م . س . ص 198، 199.
22 – الإمام علي بن الحسين(ع) . الصحيفة السجادية . بيروت 1999 . طبعة دار المرتضى . ص 53 (دعاؤه عليه السلام في الصلاة على أتباع الرسل ومصدقيهم) .
23 – محمد بن إسماعيل البخاري . صحيح البخاري . مراجعة / مصطفى ديب البغا . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . بيروت 1987 . طبعة دار ابن الكثير ، دار اليمامة . المجلد الخامس ص 352 .
24 – م . س . مجلد 5 ص 365 .
25 – ابن خلكان . وفيات الأعيان . تحقيق / إحسان عباس . طبعة دار الثقافة . نسخة كومبيوترية . www.ahlahdeeth.com . ج 3 ص 464 – 468 .
26 - الإمام علي بن أبي طالب(ع) . م . س . ص 26، 27 .
27 – م . س . ص 204، 205 .
28 – م . س . 355 .
29 – الحسن بن موسى النوبختي . فرق الشيعة . تحقيق / هبة الدين الشهرستاني . بيروت 1984 . طبعة دار الأضواء . ص 20 .
30 – م . س – ص 21 .
31 – م . س . ص 58 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 01:34 PM
الواقع أن هذه النتيجة للباحث تعاني من نقاط ضعف ناتجة عن عدم أمانته في النقل، فعرض النصوص بهذا الشكل يعطي انطباعاً واضحاً بأن الشيعة الأوائل كقيس بن سعد بن عبادة ومالك الأشتر وعمار بن ياسر ... الخ كانوا يرون هذا الرأي، في حين أن أصحاب هذه الآراء – التي نقلها الباحث عن النوبختي - لم يوجدوا إلا في العهد الأموي أي في فترة متأخرة نوعاً عن الجيل الأول من الشيعة، فالرأي الأول نسبه النوبختي إلى البُترية – وهي تكملة لم يوردها الباحث – وقد دون النوبختي أسماء مؤسسي هذه الفرقة وهم كثير النواء، الحسن بن صالح بن حي، سالم بن أبي حفصة، الحكم بن عتيبة، سلمة بن كهيل، وأبي المقدام ثابت بن هرمز الحداد(32)، وهم عموماً ليسوا من الجيل الأول للشيعة، فسلمة بن كهيل توفي في سنة 121 هـ عن اثنين وسبعين عاماً أي أنه ولد في سنة 49 هـ فهو لم يرى الأئمة الثلاث علي والحسن والحسين (ع)(33)، وسالم بن أبي حفصة توفي في سنة 140 هـ(34)، أما الحسن بن صالح بن حي فقد عاش في القرن الثاني الهجري ولد سنة 100 وتوفي سنة 169 هـ(35)، وربما كان أقدمهم الحكم بن عتيبة ت / 113 هـ(36) وثابت بن هرمز الهمداني(37)، المعاصرين للإمام علي بن الحسين السجاد(ع)، وكثير بن إسماعيل النواء وهو من رجال الإمام الباقر(ع)(38) .
والواقع أنه من الغريب بالفعل أن يجمع النوبختي هذه الشخصيات على رأيها الإيجابي في الخليفتين، فقد عُرف كل من سالم بن أبي حفصة وكثير النواء بالإفراط في التشيع والعداء للخليفتين(39)، ولا تذكر المصادر الرجالية موقفاً محدداً للحسن بن صالح بن حي أو الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل من الخليفتين، أما ثابت بن هرمز فمن الغريب اعتباره من الشيعة، بل أن الشيخ الطوسي لم يورد اسمه في الفهرست(40)، وهو ما يشكك كثيراً في مصداقية ما نسبه الشيخ النوبختي في كتابه لهذه الشخصيات من آراء وجمعه لهم في نطاق طائفة واحدة .
أما الرأيين الثاني والثالث فقد نقلهما الباحث كذلك من كتاب فرق الشيعة وقد أوردهما النوبختي دون أن ينسبهما إلى أي شخصيات معينة، على أنه اعتبر أن الرأي الثاني قالت به فرقة منشقة عن البترية، بما يعني كونها تالية لها من ناحية زمنية، في حين نسب الرأي الثالث لفرقة من الزيدية أطلق عليها اسم الحسينية دون أن ينسبها لأي شخص، إلا أن المعروف أن الفرقة الحسينية من الزيدية قد ظهرت في أواخر القرن الرابع الهجري على يد الإمام الحسين بن القاسم العياني (ت/ 404)(41) فمن هي الفرقة الحسينية التي يشير إليها الشيخ النوبختي في القرن الثالث الهجري ؟ إن عدم نسبة الشيخ النوبختي هذه الفرقة لأي شخص تدل على احتمالين إما أن هذه الفرقة مختلقة من الأساس وكانت مشهورة كاسم دون واقع حقيقي في فترة الشيخ النوبختي، وإما أن هذا الرأي لم ينقله الشيخ من مصادر لهذه الفرقة وإنما سمعه شفاهة وفي كلا الاحتمالين تبقي نتيجة أن كلا من الرأيين السابقين غير موثقين إطلاقاً، كما لا يمكن نسبتهما إلى الجيل الأول من الشيعة أو الأئمة .
إن هذا النقد لأدلة أحمد الكاتب يشير بوضوح إلى أنه لم يقم بأي محاولة للتثبت من مصادره ومدى كونها تعبر بالفعل عن الحقيقة، كما يلغي كذلك نتيجته السابقة عن أن رأي سلف الشيعة الأول كان إيجابياً تجاه الخليفتين، ومع ذلك يبقى التساؤل مطروحاً عن طبيعة موقف أئمة أهل البيت (ع) والجيل الشيعي الأول من الخليفتين .
إن الإجابة على هذا التساؤل تستدعي مناقشة الأوضاع الاجتماعية السائدة في المدينة حين وفاة النبي (ص).
فقد تطورت المدينة بشكل كبير عقب وصول النبي إليها واتخاذها كمقر دائم للدعوة الإسلامية، كانت المدينة تتميز بنمط إنتاجي يتشابه كثيراً مع نمط الإنتاج الزراعي حيث اعتمدت على زراعة البساتين، وعلى الرغم من كون اليهود أقلية في يثرب فقد كانوا مسيطرين على الحياة الاقتصادية فيها وكانوا يملكون معظم البساتين بها(42)، وقد دخل العرب في تحالفات وشراكات مع القبائل اليهودية المقيمة وخاصة قبيلتي بنو النضير وبنو قريظة اللتان تحالفتا مع الأوس(43) .
عقب وصول الرسول (ص) إلى المدينة ) يثرب) مع المهاجرين تغيرت الأمور قليلاً فقد كان الكثير من المهاجرين ينتمون إلى الطبقة التجارية وعلى الأخص أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان(44) وقد واصلوا ممارسة نشاطهم التجاري بالمدينة مع تغير جديد في وضعهم الاجتماعي الذي شهد تصاعداً من منطلق اعتبارهم كأصحاب للنبي (ص)، على أن ذلك لم يمنع من انتقاض الآيات القرآنية بعض ممارساتهم التجارية خاصة في سورة الجمعة : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ* فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُم ْتُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَزِقِينَ "(الجمعة / 9 - 11)، هذا التغير أدى إلى وجود صراعا طبقيا خفيا بين ملاك الأراضي من قادة الأوس والخزرج وبين التجار من المهاجرين، بالإضافة إلى الغالبية من المهاجرين والأنصار والمسلمين من غير العرب كسلمان الفارسي الذين كانوا يمثلون الطبقة الكادحة وكانوا يمثلون غالبية المسلمين .
ومن الواضح أن كبار الملاك من الأنصار كانوا يخشون إن سيطر المهاجرين التجار على الوضع في المدينة عقب وفاة النبي )ص) أن يكون ذلك مقدمة إلى سيطرة الأرستقراطية القرشية على الأوضاع بالمدينة وقد ظهر ذلك بوضوح في عبارة الحباب بن المنذر لأبي بكر حيث قال له :" ما نحسدك ولا أصحابك . ولكنا نخشى أن يكون الأمر في أيدي قوم قتلناهم، فحقدوا علينا "(45) وبالتالي فقد لجأ ملاك الأراضي إلى التجمع تحت راية سعد بن عبادة سيد الخزرج، ومع ذلك فقد كان هذا التجمع به أكثر من نقطة ضعف، فالخزرج كانوا منقسمين ما بين زعامة سعد بن عبادة وزعامة بشير بن سعد، كما كان هناك الخلاف القديم بين الأوس والخزرج مازال حاضراً حيث نظر الأوس بقيادة أسيد بن حضير بريبة وتحفظ إلى تولية سعد بن عبادة الخلافة بعد النبي (ص)(46) وقد أتضح ذلك من تعاون بشير بن سعد الخزرجي ومعن بن عدي وعويم بن ساعدة الأوسيان مع المهاجرين فالأول كان هو أول من بايع أبي بكر والاثنان الآخران كانا من أبلغ عمر باجتماع الأنصار(47)، كما أن أبو بكر استطاع اللعب على هذا الوتر بذكاء في مقولته للأنصار : " إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا تداوى ، فان نعق منكم ناعق جالس بين لحيي أسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري "(48).
من ناحية أخرى فقد كانت القبائل العربية التي اعتنقت الإسلام في فترة متأخرة تترقب ما سيحدث عقب وفاة النبي (ص) ويبدو أنها أيضاً كانت تخشى سيطرة قريش على الدولة الإسلامية فالعرب اليمنيين لن يتقبلوا هذه السيطرة بسبب المشاكل التقليدية بينهم وبين العرب الشماليين بالإضافة إلى الحساسيات الموجودة بين العرب الشماليين أنفسهم وخاصة بين أبناء مضر ومنهم قريش وأبناء تميم(49)، ويبدو من كلمة عمر بن الخطاب في السقيفة أن تلك القبائل لم تكن قد خرجت على الدولة بعد : " والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي أمورهم منهم "(50)، على أن هذه القبائل لم تفرق كثيرا بين الشخصية التي ستتولى الأمر بعد النبي حيث من الواضح أن الأرستقراطية الحاكمة في هذه القبائل كانت تنوي الاستقلال السياسي مع احتفاظها بالإسلام كدين خشية أن تؤدي المساواة التي أعلنها القرآن والنبي (ص) إلى أن تخسر مكانتها ونفوذها في القبائل وبالتأكيد كان هذا سيؤدي إلى قيامها بتحريفات ضخمة في التشريع الإسلامي .
كان من الواضح أن المواجهة بين تجار المهاجرين والأنصار ستنتهي بانتصار تجار المهاجرين الذين كانوا يكونون جبهة متماسكة وقاموا بالاستعانة بقبيلة اسلم البدوية التي كانت تقطن خارج المدينة للاطمئنان على قدرتهم الكاملة على حسم المعركة لصالحهم(51) .
ويبقى في النهاية وضع بني هاشم وخاصة الإمام علي بن أبي طالب(ع) من هذا الموقف السياسي فقد أصبح من الواضح أن فريق كبير من الأنصار لا يرغب في وصوله للحكم بسبب وجود ارتباطات في المصالح بينه وبين أبي بكر ورغبتهم في توليته الخلافة، كان هذا الفريق يخشى من تولي الإمام علي ربما أكثر من خشيته تولي سعد بن عبادة بسبب قوة شخصية الإمام علي بن أبي طالب(ع) والتزامه بنهج النبي (ص) إضافة لانحيازة للكادحين(52) وهو ما كان سيضع مصالحهم التجارية والزراعية في خطر، بالإضافة إلى ما يحمله من مصداقية النابعة من تاريخ الإمام علي مع الدعوة ومكانته من النبي بالإضافة إلى كونه من نفس أسرة النبي(ص) ، وبالتالي فرغم كثرة أنصار الإمام علي وشعبيته كما يؤكد في حواره الذي رواه محمد بن الحنفية مع أحد اليهود : " ولو لم أتق هذه الحال يا أخا اليهود ثم طلبت حقي لكنت أولى ممن طلبه لعلم من مضى من أصحاب محمد (ص) ومن بحضرتك منهم إني كنت أكثر عدداً وأعز عشيرة وأمنع رجالاً وأطوع أمراً وأوضح حجة "(53) إلا أن التوازنات السياسية لم تكن في صالحه، وعلى الرغم من أن الإمام كان قادراً على الدخول في صراع عسكري مع الخليفة الأول إلا أن هذا الصراع لم يكن سيؤدي إلا لانفراط عقد الدولة الإسلامية خاصة مع قيام القبائل العربية بالتمرد على الخليفة، وهو ما كانت ستفعله ضد أي خليفة قرشي آخر، ولعل هذا يفسر لنا كلمة الإمام علي : " وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير. ويشيب فيها الصغير. ويكدح فيها المؤمن حتى يلقى ربه "(54) وهناك مقولة أخرى للإمام علي توضح سبب عدم دخوله في مواجهة عسكرية مع السلطة : " فإن القائم بعد النبي (ص) كان يلقاني معتذراً في كل أيامه ويلزم غيره ما ارتكبه من اخذ حقي ونقض بيعتي ويسألني تحليله فكنت أقول تنقضي أيامه ثم يرجع إلي حقي الذي جعله الله لي عفواً هنياً من غير أن أحدث في الإسلام مع حدثه وقرب عهده بالجاهلية حدثاً في طلب حقي بمنازعة . لعل قائلا يقول فيها : نعم وقائل يقول : لا فيؤول ذلك من القول إلى الفعل "(55) .
وعلى الرغم من وجود إشارات في بعض المرويات على التفاف مجموعة من المهاجرين والأنصار خلف علي فإن الإمام لم ير تصويب فكرة اللجوء للحل العسكري لأسباب أخرى لعل أهمها أن بعض الملتفين حوله من الأنصار لم يكونوا من المؤمنين بإمامته بالفعل بل من الذين غضبوا على السلطة بسبب الطريقة التي تولت بها الخلافة، كما أن بعضهم الآخر وخاصة من بني هاشم كانوا منحازين له انطلاقاً من منطلق قبلي، وعلى الرغم أن هذه الاعتبارات لا تعني السياسي التقليدي إلا أنها ذات تأثير بسبب ما تؤدي إليه من تكوين صراعات داخلية بين الأطراف المختلفة(56) .
إن هذا الرصد الاجتماعي - الاقتصادي للأحوال في المدينة في فترة وفاة النبي (ص) يشير إلى أن حدوث الصدام بين هذه المجموعات كان حتمياً، وبغض النظر عن المرويات الطائفية من السنة أو الشيعة فإن التمايز الاقتصادي كما يفرض وضعاً اجتماعياً للإنسان فهو يفرض كذلك اتجاهاً دينياً وسياسياً له، ويبدو من النادر على أي إنسان أن يتجاوز مصالحه الاقتصادية والاجتماعية، وربما تكون شخصية الزبير بن العوام هي المثال الأوضح على شمول هذا القانون حتى لشخصيات من الصحابة الأوائل، فالزبير بن العوام كان له موقفاً مؤيداً للإمام علي بن أبي طالب(ع) في السقفية، إلا أنه عقب تولي الإمام علي(ع) للخلافة اتخذ موقفاً معارضاً، إن التغير الحادث في الرأي الديني والسياسي للزبير بن العوام ناتج عن تغير حالته المادية ووضعه الاقتصادي، ففي سقيفة بني ساعدة كان الزبير يصنف من الفقراء، إلا أنه استفاد من مرحلة خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في تكوين ثروة ضخمة غيرت كثيراً من مصالحه التي صارت مرتبطة بأوضاع محددة(57) .
إن هذه الخلفية تمثل القاعدة التي يمكن بناء عليها التقييم بين المرويات المتعارضة حول موقف أئمة أهل البيت(ع) من الخليفتين، فالواقع أن المرويات التي تتخذ موقفاً سلبياً هي الأكثر مصداقية بناء على هذه الخلفية، فالصراع بين مشروعين اقتصاديين واجتماعيين مختلفين حتمي بكل تأكيد، ففي حين كانت مشروعات أبي بكر وعمر تخدم الطبقة التجارية، كان الإمام علي(ع) يمثل الجوهر الإسلامي المنحاز للطبقات والفئات الكادحة في المجتمع الإسلامي ويلاحظ أن الصحابة من أنصار الإمام علي(ع) هم في غالبيتهم ممن انتموا إلى هذه الطبقات في المدينة، كسلمان الفارسي، أبو ذر الغفاري، المقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر(58) وقد وصفت السيدة عائشة في أحد النصوص أتباع الإمام علي بالغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة(59)، وهي لهجة تشير إلى حجم سيطرة النبرة الطبقية على المجتمع في المدينة عقب وفاة النبي (ص) .
إن أحمد الكاتب في تحليله لظهور حالة العداء تجاه الشيخين رأى أن حالة العداء ترجع إلى فترة الاضطهاد الأموية التي عانى منها الشيعة فأدت إلى نشوء نظرية الإمامة الإلهية مما أدى لاعتبار المعتقدين بهذه النظرية أن أبي بكر وعمر مغتصبين للإمامة، وقد حدد توقيت هذه النظرية بالثورة التي قام زيد بن علي(رض) : " ولكن ما أن انتهى القرن الهجري الأول، وتعرض الشيعة الى ضغوط سياسية شديدة ومجازر وملاحقات وتعذيب على أيدي الأمويين، حتى نشأ لدى فريق صغير منهم نوع من التطرف والغلو، كما يحصل في أي تيار يتوسع شعبيا ويتعرض لضغوط مماثلة، فنشأت نظرية الإمامة الإلهية، التي تحصر الحق في الحكم والخلافة في أهل البيت، ولا تكتفي بالقول أنهم أولى وأحق من غيرهم، وعادت إلى الوراء لتقول بأن النبي الأكرم (ص) قد عين الإمام عليا خليفة من بعده ونص عليه، وان الإمامة تنحصر في ذريته إلى يوم القيامة. وقد انعكست هذه النظرية سلبا على مبدأ الشورى والخلفاء الراشدين الذين اعتبرتهم النظرية "غاصبين" للخلافة من الإمام علي، وقد ظهرت هذه النظرية أول ما ظهرت في الكوفة، أثناء ثورة الإمام زيد بن علي على هشام بن الحكم سنة 122، وأدت إلى انشقاق "الرافضة" عن الحركة الشيعية العامة " ثم نقل مروية الطبري سالفة الذكر حول ظهور الرافضة، وعلى الرغم من أنه قد سبق توجيه النقد إلى هذه المروية وتوضيح ما تحويه من نقاط ضعف، فإن هذه المقولة للباحث تستدعي مناقشة أخرى من ناحية مصداقيتها التاريخية سواء فيما يخص نشأة الإمامة الإلهية، أو تعيين النبي الإمام علي خليفة من بعده، وأخيراً علاقة الخلفاء الراشدين – حسب وصفه – بمبدأ الشورى .


32 – م . س . ص 57 .
33 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . تهذيب التهذيب . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . بيروت 1984 . طبعة دار الفكر . ج 4 ص 93 .
34 – م . س . ج 3 ص 252 .
35 – محمد بن حبان . الثقات . مراجعة السيد شرف الدين أحمد . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . بيروت 1975 . طبعة دار الفكر . ج 6 . ص 83 .
36 – ابن حجر العسقلاني . تهذيب التهذيب . م . س . ج 2 ص 259 .
37 – يوسف بن الزكي المزي . تهذيب الكمال . مراجعة بشار عواد معروف . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . بيروت 1980 . طبعة مؤسسة الرسالة . ج 4 ص 123 .
38 – ابن حجر العسقلاني . تهذيب التهذيب . م . س . ج 8 ص 259 .
39 – م . س . ج 8 ص 259، ج 3 ص 252 .
40 – محمد بن الحسن الطوسي . الفهرست . نسخة كومبيوترية . موقع www.al-shia.com . ص 41، 42 .
41 – أيمن فؤاد السيد . تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن . القاهرة 1988 . الدار المصرية اللبنانية الطبعة الأولى . ص 242 .
42 – عز الدين بن الأثير . الكامل في التاريخ . نسخة كومبيوترية – www.al-eman.com ص 16، 19، 21 / جعفر السبحاني . السيرة المحمدية . ترجمة / جعفر الهادي . نسخة كومبيوترية . www.14masom.com . ص 98. .
43 - ابن الأثير . م . س . ص 16.
44 - هشام بن محمد بن السائب الكلبي . مثالب العرب . تحقيق / محمد طي . بيروت 1998 . ص 39 .
45 - أحمد بن يحيى البلاذري . م . س . ج 1 ص 583 / ابن أبي الحديد . شرح نهج البلاغة . نسخة كومبيوترية . موقع www.al-shia.com ج 2 ص 44 .
46 - أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري - السقيفة وفدك - جمع وتحقيق / محمد هادي الاميني - نسخة كومبيوترية .موقع www.rafed.net . ص 58 / محمد رضا المظفر . السقيفة . قم 1415 هـ . ص 103 إلى 108 .
47 - الجوهري . م . س . ص 55 / المظفر . م . س . ص 120، 121 .
48 - المظفر . م . س . ص 108 .
49 - من الملاحظ أن معظم القبائل المتمردة كانت تميمية، كما أن دعوة الخوارج انتشرت أكثر في وسط بني تميم حيث أن زعمائها الأساسيين كانوا من هذه القبيلة : د / عامر النجار - الخوارج - القاهرة 1994 .
50 - شهاب الدين النويري . نهاية الأرب في فنون الأدب . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم . القاهرة 1975 . طبعة الهيئة العامة المصرية للكتاب . ج 19 ص 34 .
51 - محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 2 ص 244 .
52 – عبد الحسين شرف الدين . م . س . ص 207 .
53 - محمد بن النعمان المفيد . الاختصاص . تحقيق / علي اكبر غفاري / السيد محمود الزرندي . بيروت 1993 . طبعة دار المفيد . ص 172 .
54 – الإمام علي(ع) . م . س . ص 26 .
55 – محمد بن النعمان المفيد . م . س . ص 171 .
56 – م . س . ص 171 .
57 – أحمد بن يحيى البلاذري . فتوح البلدان . موقع www.al-eman.com . ج 1 ص 2 .
58 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . الإصابة في تمييز الصحابة . مراجعة / علي محمد البجاوي . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . بيروت 1992 . طبعة دار الجيل . ج 3 ص 92 ، ج 4 ص 328، 329 ، ج 6 ص 126، 127، ج 7 ص 91 – 94 .
59 – محمود إسماعيل . سوسيولوجيا الفكر الإسلامي . القاهرة 1982 . طبعة دار مدبولي . ج 1 ص 59 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 01:37 PM
من الغريب أن المصادر السُنية ترجع نشأة نظرية الإمامة الإلهية إلى فترة مبكرة ترتبط بالثورة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان وقد أحالتها إلى شخصية غامضة أطلقت عليها اسم عبد الله بن سبأ(60)، وبغض النظر عن عدم اعتقادي بصحة وجود هذه الشخصية في التاريخ الإسلامي، فإن تحميل المصادر السُنية لهذه المعتقدات عليها واعتبارها أن هذه الشخصية تمكنت من نشرها في أوساط الصحابة المقربين من الإمام علي(ع)(61)، هي تدليل واضح على أن هذه المعتقدات كانت منتشرة في وقت مبكر بين الصحابة خصوصاً والمسلمين بصفة عامة وإن رغبت هذه المصادر في خلق أصول خارجية لها للتخلص مما تسببه لها من حرج ديني ناتج عن ما تحمله شخصيات أهل البيت (ع) والصحابة من شرعية(62) .
على أن سياق الأحداث التاريخية ذاته يشير إلى أن تصور الشيعة للإمامة لم يختلق في فترة تالية كما يرى الباحث، فعقب استشهاد الإمام علي(ع)، تولى الخلافة الإمام الحسن بن علي(ع)، ولنا أن نتساءل عن السبب الذي دعا المسلمين وأصحاب الإمام إلى تولية الإمام الحسن(ع)، رغم وجود العديد من صحابة النبي (ص) على قيد الحياة وهم أكثر معاصرة ومعايشة للنبي (ص) بالإضافة لالتزامهم بمنهج الإمام ؟ ويطرح تساؤل آخر نفسه عن السبب في اعتقاد الشيعة بإمامة الإمام الحسين بن علي(ع) عقب استشهاد الإمام الحسن(ع)، وإذا كانت فكرة الشورى مطروحة بالنسبة لهم في تلك الفترة فما هي ضرورة تولية أبناء علي(ع) لمنصب الإمامة على التوالي ؟ إن هذا التتابع في اعتقاد الشيعة الأوائل بإمامة الإمام علي وأبناؤه (ع) يؤكد على أن عقيدة الإمامة الإلهية والوصية كانت متواجدة وراسخة داخل الذهنية الشيعية في هذه الفترة .
ويبدو من الغريب والمتناقض أن يؤكد الباحث على أن ظهور فكرة تعيين النبي الإمام علي خليفة من بعده والنص عليه في هذه الفترة، في حين تؤكد النصوص السُنية المنقولة عن الإمام علي(ع) إشهاره لهذه الحقيقة، فينقل جلال الدين السيوطي مروية لأحمد بن حنبل عن أبي الطفيل قال : " جمع علي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم : أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، فشهدوا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "(63) إن هذه المروية كنموذج لمرويات أخرى كثيرة تشير بوضوح إلى أن هذه العقيدة ليست مختلقة في مرحلة متأخرة، بل لها جذورها المرتبطة بتعاليم أئمة أهل البيت (ع)، فليس ثمة ضرورة محددة تدعو الإمام علي(ع) إلى استرجاع هذه الحادثة بعد توليه الخلافة سوى ممارسة الدعوى لإمامته بناء على نص النبي (ص) .
لقد اعتبر أحمد الكاتب أن الطريقة التي تولى بها الخلفاء قبل الإمام علي(ع) تعد الأساس التاريخي لرؤيته عن الشورى في مواجهة عقيدة الإمامة الإلهية التي يرفضها، على أن هذه الرؤية لم يستقها الباحث من الواقع التاريخي، وإنما من إحدى الرؤى السُنية المتعددة لأسلوب تولي الخلافة، فالأحداث التاريخية لا تشير إلى أي نوع من الشورى في التجربة السياسية للخلفاء السابقين على الإمام علي(ع) .
فخلافة أبو بكر لم تتم عن طريق الشورى إطلاقاً، وبعيداً عن الدخول في سرد تقليدي لأحداث السقيفة، فإن وصف عمر بن الخطاب لها بكونها " فلتة وقى الله شرها " يبدو كافياً لإظهار حقيقتها، وقد نقل ابن أبي الحديد تعريف العلماء للمعنى الذي قصده عمر من كلمة فلتة : " الفلتة ليست الزلة و الخطيئة بل هي البغتة وما وقع فجأة من غير روية و لا مشاورة "(64)، كما ذكر في شرحه لهذه العبارة : " فأما قوله فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير مشاورة و لا عدد يثبت صحة البيعة به و لا ضرورة داعية إلى البيعة ثم بسط يده على المسلمين يدخلهم في البيعة قهرا فاقتلوه "(65) وهنا يؤكد ابن أبي الحديد – وهو غير شيعي – حقيقية أن بيعة أبي بكر لم تكن شوروية بأي حال، لا عن طريق الأسلوب ولا عن طريق العدد الذي بايعه، فبغض النظر عن المهاجرين والأنصار فقد كان هناك أعداد أخرى من المسلمين خارج المدينة تم تجاهلها بشكل غير مبرر في المراحل الخلافة الثلاث السابقة على الإمام(66)، كما لو أنهم لا يدخلون في عداد المسلمين وهو ما ظهر من كلمة مالك بن الحارث الأشتر الاحتجاجية عقب مبايعة الإمام علي(ع) : " يا أمير المؤمنين، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار، فإنا من التابعين بإحسان، وإن القوم وإن كانوا أولى بما سبقونا إليه، فليسوا بأولى ما شركناهم فيه "(67) ورغم اعتقاد مالك الأشتر بالإمامة الإلهية – حسب وصف الباحث – فإن مقولته تبدو في المقام الأول احتجاجية على حالة التهميش السياسي التي عانى منها المسلمون من غير المهاجرين والأنصار في العهود السابقة على الإمام .
كما أن تولية الإمام علي بن أبي طالب(ع) لم تكن نتاج شورى في الواقع وإنما نتاج ثورة شعبية جارفة ضد الإقطاع الذي ميز خلافة عثمان بن عفان، قامت بها العديد من الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية، ورغم إجماعهم على تأييده فإن كل منهم كان له أسبابه في الثورة ومبرراته العقائدية المختلفة في هذا التأييد، وهو بالتأكيد شكل سياسي يختلف عن الشورى التي تقوم على النقل الهادئ للسلطة بما يكفل الإصلاح السياسي لها وليس التغيير الجذري الذي تفرضه ثورة شعبية، بما لا يمثل قاعدة تاريخية يمكن أن يرتكن عليها الباحث في تأييد شرعية نظريته .
إن الملاحظ على الباحث أنه مستعد دوماً لإيراد أي مروية تؤيده حتى لو كانت غير منطقية ومتعارضة مع ما هو معروف بالضرورة من ناحية السياق التاريخي أو عن الرواة، ولذلك فهو بكل ثقة يورد مروية على لسان جابر بن يزيد الجعفي(ره) عن الإمام الباقر يتبرأ فيها من بعض الشيعة الذين يوجهون انتقادات لاذعة لأبي بكر وعمر : " وقد واجهت هذه النظرية رد فعل رافض من قبل أهل البيت عليهم السلام، والشيعة الأوائل قبل غيرهم. فقد قال الإمام محمد الباقر (ع) لجابر الجعفي: يا جابر بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبوننا ويتناولون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. ويزعمون أني أمرتهم بذلك. فابلغهم أني إلى الله منهم بريء . والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم . لا نالتني شفاعة محمد أبدا إن لم أكن استغفر لهما وأترحم عليهما . وقال لتلميذه سالم: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى رضي الله عنهما . وقال لمن سأله عن حلية السيف : لا بأس به فقد حلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه سيفه. وعندما تعجب السائل وقال: وتقول الصديق؟ وثب الإمام الباقر وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة "(68) .
وبغض النظر عن أن الباحث اقتبس هذا النص من كتاب للمستشار عبد الحليم الجندي، الذي لم يورد مصدر هذه المرويات في كتابه، إلا أنها رغم ذلك تعاني من إشكاليات كثيرة تجعلها غير قابلة للتصديق، فالمروية الأولى منسوبة لجابر بن يزيد الجعفي، وهو من تتهمه كتب الرجال السُنية بالرفض وسب أصحاب النبي (ص) والإيمان بالرجعة : " جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي أبو عبد الله الكوفي ضعيف رافضي "(69)، ويقول العسقلاني في تهذيب التهذيب : " قال يحيى بن يعلى سمعت زائدة يقول جابر الجعفي رافضي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ... وقال العجلي كان ضعيفا يغلو في التشيع .. وقال بن قتيبة في كتابه مشكل الحديث كان جابر يؤمن بالرجعة وكان صاحب نيرنجات وشبه .. وقال بن حبان كان سبائيا من أصحاب عبد الله بن سبأ وكان يقول أن عليا يرجع إلى الدنيا "(70) وهنا نتساءل عن الكيفية التي يمكن بها الجمع بين هذه الصفات لجابر بن يزيد الجعفي وبين المروية السابقة، سواء من حيث اختلافها مع الآراء المعروفة لجابر بن يزيد أو من حيث ما تضمنته من آراء منسوبة للإمام الباقر(ع) تختلف تماماً مع رأي أحد تلامذته المقربين وأحد المعتقدين بإمامته والذي من المفروض أنه استقى هذه الآراء من خلاله، والطريف في هذه المروية أن الإمام الباقر يكلف فيها بإبلاغ الشيعة الكارهين لأبي بكر وعمر، وهو من ضمنهم، ببراءة الإمام منهم، أما المروية الثانية فالمقصود بسالم الموجه إليه الحديث هو سالم بن أبي حفصة، وقد سبق التعريف بحقيقة رأي هذا التلميذ للإمام في أبي بكر وعمر وهو غير مختلف عن جابر بن يزيد الجعفي، يقو ابن حجر : " قال حجاج بن منهال ثنا محمد بن طلحة بن مصرف عن خلف بن حوشب عن سالم بن أبي حفصة وكان من رؤوس من ينقص أبا بكر وعمر "(71)، وهي عموماً تشترك مع باقي المرويات في مبالغتها في عرض رد فعل الإمام الباقر(ع) إزاء موقف الشيعة السلبي من أبي بكر وعمر بما لا يتناسب حتى مع ما الأحكام الشرعية، فحتى مع فرض أن الإمام لا يتبنى هذه الآراء فإن الأحكام التي أوردتها المروية على لسانه تجاه من يتناول أبي بكر وعمر بشكل سلبي وهي حسب النص السالف : " والذي نفس محمد بيده لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم "، و هو غير مقبول إسلامياً وغير متوقع من شخصية كالإمام الباقر(ع)، فحتى الخوارج الذين كفروا الإمام علي(ع) لم ير الإمام تكفيرهم أو التقرب إلى الله بدمائهم إلا بعد ارتكابهم لجرائم تجاه مسلمين أبرياء(72)، وتشير المرويتين الأخريين اللتين نقلهما المستشار الجندي إلى ذات هذا التطرف، ففي حالة تطبيق الرأي المنسوب للإمام الباقر(ع) في المروية الثانية : " : يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى رضي الله عنهما " والمروية الثالثة : " قال: نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة " فإننا سنضطر للبراءة من صحابة آخرين كانوا معادين لأبي بكر وعمر حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم كسعد بن عبادة، والحباب بن المنذر بن الجموح، وقيس بن سعد بن عبادة الذي اصطدم هو وعمر بن الخطاب بالأيدي في سقيفة بني ساعدة(73)، والاعتقاد بأن الله لن يصدق لهم قولاً في الدنيا والآخرة وبالتالي فإن ما يستدل به الباحث على تبرئة أبي بكر وعمر سوف يؤدي لاتهامات بالنسبة لصحابة آخرين إلا أنهم أقل قيمة من حيث تأثيرهم في التراث الديني والسياسي للسُنة، وبالتالي فلم يهتم الباحث كثيراً بمصيرهم سلباً أو إيجاباً .
ولا يبدو الباحث قادراً على قراءة حالة الافتعال الواضحة في مثل هذه المرويات والتي تنطق بها ردود الفعل المبالغة والمتطرفة التي تنسبها للأئمة(ع) والتي لا تليق بمكانتهم أو علمهم، بل أنه حتى لم يفترض أو يضع حتى مجرد احتمال للمناقشة بناء على هذه المبالغة غير المنطقية وجود أهداف مذهبية فرضت مثل هذه المرويات على خلفية الصراع بين التيارات الدينية المختلفة على السلطة عقب سقوط الأمويين وسعي كل طائفة إلى إثبات أحقيتها وشرعيتها عن طريق سلب الطوائف الأخرى لأي شرعية من الممكن أن تدعيها وتدعم مذهبها الديني واتجاها السياسي، فالواقع أن الباحث كانت لديه نتيجة يبحث لها عن أدلة، وهو أسلوب مقلوب في ممارسة البحث والذي يفترض وجود أدلة تؤدي لنتيجة .
لقد اتهم الباحث التيار المغالي – حسب تعبيره – الذي حدد أفراده بالمغيرة بن سعيد، بيان بن سمعان التميمي، بشار الشعيري، أبو الخطاب الأسدي، بأنهم هم من اختلق هذه الفكرة – العداء للخليفتين – في الوسط الشيعي، واستدل بمرويات تدل على رفض الأئمة لأفكارهم المتمثلة في العداء للخليفتين حسبما توحي هذه الصياغة التي استخدمها الباحث .
الواقع أن العداء للخليفتين لم يكن قاصراً على هذه التيارات مع تحفظي شخصياً على وصفها بالغلو، وعلى صحة المرويات التي تصفها بهذه الصفة، لقد كان العداء للشيخين منتشراً بين الشيعة عموماً وقد سبق توضيح رأي التلامذة المقربين من الإمام الباقر(ع) ثم الإمام الصادق(ع) كجابر بن يزيد الجعفي وسالم بن أبي حفصة وهما ليسوا من ضمن هذه التيارات كما يعرف الباحث .
أن الباحث نقل هذه المرويات من كتاب المستشار عبد الحليم الجندي وبالتالي فقد تبنى نفس استنتاجات الكاتب رغم أن المرويات لا تدل عليها، لقد نقل المستشار الجندي آراء كتب الفرق السنية في هذه الشخصيات والتي تناولت رأي المغيرة بن سعيد – على وجه الخصوص – السلبي في أبي بكر وعمر، ثم أضاف انتقادات الإمام الصادق(ع) الموجهة لهم من كتاب رجال الكشي، وبالتالي فقد بدا الأمر أن الإمام الصادق ينتقد رأيهم في الخليفتين من ضمن آرائهم الأخرى(74) .
على أن عدم أمانة الباحث تمثل في نقله لنص المستشار الجندي ذاته مبتوراً، والذي تبدو فيه قضية الموقف من الشيخين فرعية تماماً، وقد حولها الباحث عن طريق نقله المبتور والمشوه إلى القضية الأساسية التي واجهها هؤلاء الغلاة .
من ناحية أخرى فإن الباحث مارس شكلاً آخر من عدم الأمانة، تمثل في استسلامه المتعمد للشكل الذي عرض به المستشار الجندي لموقف الإمام الصادق(ع) رغم تمكنه من الرجوع إلى المصادر الأصلية وعرض الفكرة المطروحة بها بشكل صحيح .
وفي المقابل سعى أحمد الكاتب إلى إظهار أن الرأي السائد بين الشيعة في هذه الفترة المبكرة هو : " قال كثير منهم بوجود النص الخفي وليس الصريح على الإمام علي، وقالوا نتيجة لذلك بأن الصحابة " أخطأوا " عندما لم ينتخبوا الإمام علي يوم السقيفة . ولم يقولوا بردتهم ولا نفاقهم ولا كفرهم، والعياذ بالله " إن اعتراف الباحث بأن هذا الرأي هو السائد بين الشيعة في تلك الفترة يتناقض مع الرأي الذي عرضه في بدايات بحثه عن إيمانهم فقط بأفضلية الإمام علي(ع) وإجازتهم رغم ذلك لإمامة أبي بكر وعمر، من منطلق عدم اعتقادهم بوجود نصوص من النبي (ص) حول هذه القضية، ففي هذا النص يعترف الباحث أنه كان ثمة اعتقاد في الأوساط الشيعية بوجود نص من النبي (ص) على الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وأن تولية أبي بكر وعمر للخلافة بدلاً من الإمام علي(ع) هي خطأ وقع فيه الصحابة، كما أن تصوره عن كون عامة الإمامية كانوا يعتقدون بهذا الرأي يتناقض مع تصويبه السابق لمروية الطبري عن نشأة الرافضة والتي أظهرت أن الغالبية العظمى من الشيعة تخلت عن زيد بن علي(رض) بسبب رأيه الإيجابي في أبي بكر وعمر .
إن الرأي السالف ينسب إلى الشيعة الزيدية الهادوية(75)، والتي تأسست على يد الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين سنة 280 هـ في اليمن، وهي مرحلة متأخرة كثيراً عن مجال المناقشة، ورغم ذلك فإن موقف الزيدية الهادوية من الصحابة أعلنه الإمام الهادي إلى الحق في رسالته لأهل صنعاء وإن اتخذ شكلاً دبلوماسياًُ : " ولا أنتقص أحداً من الصحابه الصادقين والتابعين بإحسان، المؤمنات منهم والمؤمنين، أتولى جميع من هاجر، ومن آوى منهم ونصر، فمن سب مؤمناً عندي استحلالا فقد كفر، ومن سبه استحراما فقد ضل عندي وفسق، ولا أسب إلا من نقض العهد والعزيمة، وفي كل وقت له هزيمة، من الذين بالنفاق تفردوا وعلى الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة بعد مرة تمردوا، وعلى أهل بيته اجترءوا وطعنوا "(76) وتشير عبارة الهادي إلى الحق إلى هذه المجموعة من الصحابة وهم : " من نقض العهد والعزيمة، وفي كل وقت له هزيمة، من الذين بالنفاق تفردوا وعلى الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مرة بعد مرة تمردوا، وعلى أهل بيته اجترءوا وطعنوا " إلى حقيقة رأيه السلبي في الشيخين بالإضافة إلى عثمان بن عفان والصحابة الذين واجهوا الإمام علي(ع) في معركتي الجمل وصفين .
إن الباحث لم يضع أي مصدر أو تفسير لأسباب اعتقاده بأن الشيعة في فترة الإمام الصادق(ع) كانوا في غالبيتهم يؤمنون بهذا الاعتقاد خاصة أنه يتناقض مع ما سبق أن عرضه كرأي عن تفسير الرافضة بما يعني أن عبارته عن إيمان عامة الشيعة بفكرة النص الخفي لم تكن دقيقة إطلاقاً .



60 – الشهرستاني . م . س . ج 2 ص 12، 13 / النوبختي . م . س . ص 22، 23 .
61 – محمد بن جرير الطبري . م . س . ج2 ص 616، 647، 648 .
62 - النوبختي . م . س . ص 22، 23 / محمد بن جرير الطبري . م . س . ج2 ص 647، 648 .
63 – جلال الدين السيوطي . تاريخ الخلفاء . بيروت (بدون ذكر سنة الطبع) . طبعة دار الفكر . ص 158 .
64 - ابن أبي الحديد . م . س . ج 2 ص 26 .
65 – م . س . ج 2 ص 27 .
66 – أحمد صبري . م . س . ص 136 – 141 .
67 – م . س . ص 143 .
68 – عبد الحليم الجندي . الإمام جعفر الصادق . القاهرة 1977 . طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية . ص 143 .
69 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . تقريب التهذيب . مراجعة / محمد عوامة . نسخة كومبيوترية . موقع www.sahab.org . دمشق 1986 . طبعة دار الرشيد . ص 99 .
70 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . تهذيب التهذيب . م . س . ج 2 ص 29 .
71 – م . س . ج 3 ص 252 .
72 – الإمام علي بن أبي طالب(ع) . م . س . ص 76 / أحمد بن واضح اليعقوبي . تاريخ اليعقوبي . بيروت (بدون تاريخ الطباعة) . طبعة دار صادر . ج 2 ص 191 .
73 – أحمد بن علي بن حجر العسقلاني . الإصابة في معرفة الصحابة . م . س . ج 2 ص 6 ، ج 3 ص 43 ، ج 5 ص 397 – 398 / أحمد بن عبد الوهاب النويري . م . س . ج 19 ص 36، 37 .
74 – عبد الحليم الجندي . م . س . ص 168، لم يشر المستشار الجندي لمصادره في نقل آراء الغلاة وانتقادات الإمام الصادق(ع) لهم لكن هذه الآراء موجودة في كتاب عبد القاهر البغدادي . الفرق بين الفرق . تحقيق / لجنة إحياء التراث بدار الآفاق الجديدة . بيروت 1987 . طبعة دار الآفاق الجديدة . ص 227 – 233 / وكتاب هاشم معروف الحسني . سيرة الأئمة الإثنى عشر . بيروت 1990 . طبعة دار التعارف . القسم الثاني ص 250 – 255 . وقد نقل السيد هاشم معروف الحسني انتقادات الإمام الصادق(ع) لهذه المجموعة من كتاب اختيار معرفة الرجال (رجال كشي) للشيخ محمد بن الحسن الطوسي كما أشار في مصادر الكتاب .
75 - الأمير يحيى بن الحسين . يوميات صنعاء . أبو ظبي 1996 . الطبعة الأولى . منشورات المجمع الثقافي . ص 139، 161 ، 338، 346 . هذا الرأي الإيجابي المزعوم لزيد بن علي في الخليفتين الأول والثاني لا أثر له تقريباً عند الزيدية رغم تحاشي بعض علمائهم من الذم العلني لهما، وتشير المدونات التاريخية اليمنية إلى أن معظم علماء الزيدية كان موقفهما من الشيخين سلبياً للغاية / الإمام يحيى بن الحسين . المعالم الدينية في العقائد الإلهية . تحقيق سيد مختار محمد حشاد . بيروت 1988 م . ط 1 . دار الفكر المعاصر . ص 133 / علي بن عبد الكريم الفضيل شرف الدين . الزيدية المذهب والطائفة . مؤسسة الإمام زيد الثقافية . صنعاء 1419 . موقع www.izbacf.org .
76 – الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين . مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق . رسالة (جواب لأهل صنعاء على كتاب كتبوه إليه عند قدومه البلد) . باب (الترضية على الصحابة وأمهات المؤمنين) . نسخة كومبيوترية . مؤسسة الإمام زيد الثقافية موقع www.izbacf.org .

باباك خورمدين
07-29-2006, 01:44 PM
إعادة وضع قواعد الاستغلال الطائفي للتاريخ



يضع أحمد الكاتب عنواناً صارخاً : " إعادة كتابة التاريخ " لبدئه مناقشة قضية الاعتداء على الزهراء(ع)، وقد وضعه بهذا الشكل كتمهيد لما سيعرضه من رؤى متعارضة مع ما هو مشهور بين الطائفة الشيعية التي يوجه انتقاداته لرؤيتها، يقول الباحث : " وأعاد أولئك الغلاة قراءة التاريخ الإسلامي وكتابته من جديد، فأضافوا إليه من عند أنفسهم ما لم يحدث أبدا، واختلقوا أساطير تاريخية زرعت الحقد والعداوة والبغضاء على الصحابة الطاهرين، وتركت أثرا سلبيا على وحدة المسلمين النفسية على مدى التاريخ " إن التعبيرات الجزافية التي يستخدمها الباحث في هذا النص لا تدل إلا على حالة من السخط الطائفي تجاه الرؤية الشيعية الرافضة للخليفتين، وتبدو هذه التعبيرات صارخة في عبارته (وأعاد أولئك الغلاة قراءة التاريخ الإسلامي وكتابته من جديد، فأضافوا إليه من عند أنفسهم ما لم يحدث أبدا، واختلقوا أساطير تاريخية) وبالتالي فقد أصبحت كل الرؤى الشيعية – المُضطهَدَة والمحكومة - للتاريخ زائفة وخاضعة لأغراض الدس والتلفيق على يد الغلاة – حسب تعريف الباحث – بما يعني كنتيجة أن الرؤية السُنية – المُضطهِدة والحاكمة – هي السليمة والواقعية والأقرب إلى التصديق، وهذا الحكم قد يصلح في مجال السباب الطائفي حيث تتهم كل طائفة الأخرى بفساد مصادرها وأصولها، إلا أنه في مجال البحث التاريخي لا يمكن قبوله، فمن غير المنطقي أن تكون المصادر التاريخية لطائفة واحدة هي فقط من تعرضت للتحريف والتلفيق، كما أن الموقف العدائي من الصحابة كان متواجداً بأشكال متنوعة في العهود الأولى بين الصحابة أنفسهم وظهر بوضوح من خلال الصراعات التي نشبت بينهم سواء في السقيفة أو في الجمل وصفين، وهذا الموقف هو إفراز في الواقع لهذه الصراعات والتي أدت إلى أن يرفض البعض شخصية الإمام علي(ع)، في حين رفض البعض الآخر شخصيات أخرى كأبي بكر، عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ومن غير الممكن أن يتم اعتبار هذا الموقف مختلق بكل تفاصيله في مراحل متأخرة على يد مجموعة ضئيلة من الغلاة كما يرى الباحث، وإلا فإن عليه في البداية إنكار أنه كان ثمة صراعات بين الصحابة في السقيفة أو في عهد عثمان أو الجمل أو صفين، خاصة مع استخدامه عبارات رنانة أكثر مما هي واقعية في وصفهم (الصحابة الطاهرين) متجاوزاً كل أحداث ما بعد وفاة النبي (ص) .
إن المثل الأكثر وضوحاً بالنسبة للباحث على هذا التحريف هو قضية ميراث الزهراء(ع) من الرسول (ص)، والذي شاء الباحث أن يعطيه شكلاً مختلفاً على عكس المرويات التاريخية عموماً .
يقول الباحث : " وكان من الأمور التي ضخموها موضوع (فدك) التي أفاء ها الله على رسوله يوم خيبر بلا قتال، فأعطاها لابنته السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وعندما تولى أبو بكر الخلافة استرجعها منها باعتبارها من الأموال العامة، ولكن الزهراء قالت إن النبي أعطاها لها منحة، فطالبها بالشهود، فجاءت بزوجها الإمام علي وأم أيمن فشهدا لها، ولكن أبا بكر رفض الحكم لها برجل وامرأة وطالبها بمزيد من الشهود، فانصرفت فاطمة غاضبة " أما كيف تم تضخيم هذا الحدث فإن الباحث يعرضه على النحو التالي : " والى هنا فالقصة مما يجمع عليه المؤرخون، وهي، كما هو واضح، قصة خلاف قضائي شخصي لا يحمل معنى عدائياً ضد الزهراء ... ولكن الغلاة أضافوا على تلك القصة خطبا مزعومة وموهومة قالوا إن السيدة فاطمة ألقتها في المسجد ضد أبي بكر والمهاجرين والأنصار، وذمتهم فيها كثيرا. ويوجد نسخ عديدة لهذه الخطب المتناقضة، وكلها منقولة عن كتب مجهولة من القرن الثالث والرابع والسادس، بلا إسناد متصلة، أو رواية موثوقة " فالباحث لا يرى في تصرف أبي بكر أي معنى عدائي ضد الزهراء(ع)، والأمر لا يعدو أن يكون خلاف قضائي، وهذا التبسيط المفتعل للخلاف أحد الوسائل التي لجأ إليها الباحث كثيراً في هذه الدراسة، فثمة علامات استفهام كثيرة حول سبب هذا التصرف من الخليفة تجاه فاطمة الزهراء(ع) ؟ وهل من المعتاد أن يضطر الإنسان إلى الاستعانة بشهود لإثبات ميراثه عن آباءة ؟ وما هو دافع أبي بكر لتكذيب كل من الإمام علي(ع) وأم أيمن(رض) اللذين شهدا بصحة ادعاء السيدة الزهراء(ع) في فدك وهو يعلم مكانة كل منهما من النبي (ص) ؟ ومن الغريب أن السيدة الزهراء(ع) لم تعتبره مجرد خلاف قضائي، بل أخذته على محمل عدائي تجاهها وإلا لما هجرت أبي بكر طوال ستة أشهر حتى وفاتها كما ذكرت السيدة عائشة، ورفض الإمام علي بن أبي طالب(ع) أن يصلي عليها الخليفة أو أي من الصحابة الذين أيدوه(77)، وبغض النظر عن مدى صحة خطبة الزهراء(ع)(*) من الناحية السندية، ما هو تفسير الباحث لهذا التصرف من السيدة فاطمة والإمام علي (ع) ؟ وكيف يمكن أن يجمع بينه وبين تصوره التبسيطي عن الخلاف القضائي بين الزهراء(ع) وأبي بكر ؟ .
وقبل الخوض في دراسة قضية إحراق بيت فاطمة الزهراء(ع)، دون الباحث بعض النقاط المهمة كتوضيحات لبحثه، وهي ربما تكون – رغم الانتقادات – الإيجابية الأولى في هذا البحث، وقد ناقش فيها بعض ما اعتبره حقائق في الوضع الديني والمذهبي والتاريخي السائد في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي .
1 – في النقطة الأولى قال الباحث : " أن المسلمين في القرون الثلاثة الأولى لم يكونوا يعرفون الانقسام الطائفي الحاد، حيث لم يكن اسم " أهل السنة " يطلق إلا على مجموعة صغيرة من " أهل الحديث " ولم يكن اسما عاما على طائفة مقابل " الطائفة الشيعية ". حيث كان يوجد تداخل كبير بين تيارات الشيعة المختلفة من محبي أهل البيت من الزيدية والإمامية والمعتزلة وأهل الحديث، من العلويين والعباسيين وغيرهم، بصورة يصعب فيها إطلاق وصف شيعي أو سني على أي شخص، فضلا عن إطلاقه على عامة الناس. ولعل أبرز مثل على ذلك هو الإمام الشافعي الذي اعتبر بعد وفاته أنه إمام من أئمة أهل السنة، بينما كان يتهم في حياته بأنه شيعي أو رافضي. وكذلك المؤرخ الطبري، الذي صُنِّف مؤخرا على أنه شيعي، بينما كان المتطرفون من أهل السنة، أي الحنابلة، يتهمونه بالتشيع والرفض. وفيما اعتبر الإمامية أئمة أهل البيت، أئمة خاصين بهم، كان عامة "أهل السنة" يعتبرونهم أئمة لهم ويوالونهم ويحبونهم "، والواقع أن هذا الرأي يحتوي على أجزاء من الصحة، من منطلق عدم وضوح فكرة التشيع والتسنن في القرنين الأولين من الهجرة، إلا أن هذا الغموض حول تعريف الشيعي عانى منه بالأساس مؤلفي علم الرجال السُنة، ولعل هذا ما يبرر الاتهامات التي وجهت إلى بعض علماء السُنة بالتشيع من قبل الحنابلة، وهي اتهامات مازال السلفيين يوجهونها إلى الآن للأشعرية من السُنة وخصوصاً المتصوفة منهم، في حين كان المعنى الأساسي للشيعي معروف في الأوساط الشيعية كنتيجة لعملها السياسي المعارض ضد السلطة الأموية، وهذا العمل هو ما أدى لوضوح المُصطلح وتصنيف المسلمين بناء عليه، وربما كان الدليل الأوضح هو حالة الاضطهاد المنهجية التي مورست على الشيعة والتي تدل على أن هذا التعبير كان واضحاً تماماً للسلطة الأموية ثم العباسية .
على أن حكمه بأن القرون الثلاثة الأولى لم تشهد انقساماً طائفياً يبدو متجاوز لحد كبير، فقد كان الخوراج متواجدون كمذهب له أصوله الفكرية، وفي أواخر الدولة الأموية ظهر الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وقد ظهرت كذلك مذاهب أخرى فكرية وعقائدية كالمرجئة، كما كان الشيعة يعرفون باعتمادهم في الفقه والأصول على أهل البيت (ع) وكانت عقائدهم محددة وواضحة ومشهورة بين الطوائف الأخرى، وقد شهد العالم الإسلامي في أواخر العهد الأموي بعض الحراك السياسي الذي صاحبه نوع من الاصطدام بين المذاهب المختلفة التي تشير إلى معتقداتها، فعلى سبيل المثال قام الثائر الخارجي أبو حمزة بإلقاء خطبة على منبر المدينة سنة 130 هـ ينتقد فيها الشيعة قال فيها : " قد قلدوا أمرهم أهواءهم، وجعلوا دينهم عصبية لحزب لزموه وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم : غياً كان أو رشداً، أو ضلالة أو هدى . ينتظرون الدول في رجعة الموتى، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدعون علم الغيب لمخلوق لا يعلم أحدهم ما في داخل بيته، بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه أو يحويه جسمه "(78) وبغض النظر عن اللهجة الساخطة في خطبة أبو حمزة الخارجي والناتجة عن دور الشيعة في تحجيم حركته وسيطرته على المدينة، فإن خطبته دليل على أن التشيع كان مذهباً مستقلاً وله عقائده المتوافقة مع العقائد الحالية في أثناء الدولة الأموية، وتشير رسالة الخليفة هشام بن عبد الملك إلى والي الكوفة يوسف بن عمر في شأن زيد بن علي(رض) سنة 122 هـ إلى أن هذه العقائد كانت هي الطابع العام لأهل الكوفة : " أما بعد فقد علمت بحال أهل الكوفة في حبهم أهل هذا البيت ووضعهم إياهم في غير مواضعهم لأنهم افترضوا على أنفسهم طاعتهم ووظفوا عليهم شرائع دينهم ونحلوهم علم ما هو كائن حتى حملوهم من تفريق الجماعة على حال استخفوهم فيها إلى الخروج "(79)، فحسب هذين النصين كان الشيعة في هذه الفترة يعتقدون بأن أئمة أهل البيت (ع) أئمة مفترضي الطاعة، ومختصين بالعلم النبوي بما يؤهلهم لمعرفة المغيبات، كما اعتقدوا بالرجعة، وهي ذات العقائد الشيعية التي تواجدت طوال العصور السابقة وحتى الآن .
2 – يثير الباحث في هذه النقطة قضية هامة حول اليقيني والشكي في التاريخ : " ولا بد أن نشير إلى نقطة أخرى مهمة، وهي أن التاريخ يحتوي على روايات متواترة حول أمور معينة، يحصل لمن يقرأها مجتمعة القطع واليقين على أمر معين، في حين يحتوي أيضا على إشاعات وأساطير، وروايات تسمى بروايات الآحاد، وهي روايات أقرب إلى الإشاعات، وتنقل بصور غامضة ومتناقضة وبلا إسناد، أو عبر رجال كذابين أو غير ثقاة أو كتب غير معروفة ولا معتبرة ... والموقف منها هو الشك والرفض والتمسك بالأمور اليقينية الثابتة بالتواتر والإجماع حسب القاعدة الأصولية المعروفة : لا تنقض اليقين بالشك " .
إن تحديد اليقيني والشكي في التاريخ يختلف بكل تأكيد من باحثٍ لآخر، كما أن الرجال والكتب الموثوقة تختلف من طائفة لأخرى، كما أن أجماع علماء طائفة على قضية يتعارض مع إجماع علماء طائفة أخرى، فما هي القاعدة التي تجعلنا نتبنى مروية ونرفض أخرى أو نوثق مصدراً دون الآخر، أو نتبنى إجماع طائفة ونتجاهل إجماع طائفة أخرى ؟
إن التعبير عن المروية التاريخية بكلمة (موثوقة) أو وصف إخباري بكلمة (ثقة) لا وجود له في التاريخ إطلاقاً، فليس ثمة إنسان قادر على التخلص من يقينياته ومصالحه التي تؤثر في رؤيته للأمور وبالتالي في نقله للمروية، مما يعني أن كل المصادر التاريخية أياً كانت تحتوي على مرويات صادقة وأخرى كاذبة، كما أن كل إخباري من الممكن أن ينقل مروية صادقة وأخرى كاذبة أو مشوهة بما يخدم مصالحه الدينية والسياسية والاجتماعية، كما أن استخدام معايير علم الرجال غير مقبول فيما يخص التاريخ، وإلا فلن يجد في الواقع إخبارياً واحداً موثقاً أو متفقاً على توثيقه بين علماء الرجال المسلمين .
3 – في النقطة الثالثة يستعرض الباحث الكيفية الصحيحة – من وجهة نظره – لقراءة النصوص التاريخية : " أما النقطة الثالثة، فهي ضرورة قراءة التاريخ قراءة ظاهرية طبيعية، وتجنب التفسيرات التعسفية والقراءات الباطنية المقلوبة، التي قام بها الغلاة، للتاريخ ولأقوال أئمة أهل البيت، وقلبوا من خلالها الأبيض إلى أسود، والأسود إلى أبيض، وذلك باسم " التقية " التي كانوا يستخدمونها كغطاء لتمرير أقوالهم ونظرياتهم المغالية المضادة لفكر وأقوال أهل البيت " إن قراءة النصوص التاريخية يجب أن يعتمد على إدراك خلفيات صدورها، ولا يوجد أي قيمة لقراءة ظاهرية تتجاهل التطورات والخلفيات التاريخية والتي تشمل التطورات الاقتصادية والاجتماعية، فلا يمكننا أن نتفق مع السلفيين على سبيل المثال في أفكارهم حول الاحترام المتبادل بين الإمام علي(ع) وبين الزبير بن العوام أو السيدة عائشة في حين كان هناك صدام اجتماعي وعسكري بين الطرفين في معركة الجمل، على الرغم من كم المرويات التي يستدلون بها والتي حسب هذه الخلفية التاريخية لن تكون لها أي قيمة، إلا أنها سوف تكون كذلك بالتأكيد لو قرأت بالطريقة التي يدعو لها أحمد الكاتب وهي لا تختلف كثيراً عن الأسلوب السلفي في قراءة مثل هذه الأحداث، حيث ستبدو الخلفية التاريخية شأن مختلف عن العلاقات الخاصة بين هذه الشخصيات وهو بالتأكيد لا يرتبط بالحقيقة إطلاقاً وإنما برغبة البعض في التوصل لهذه النتيجة .
وحسب المثل الذي عرضه الباحث فعلى الرغم من اتفاقي معه في أن التقية استخدمت كمبرر لتمرير بعض المرويات الغير مقبولة على الأئمة (ع) فإن هذا لا يشمل جميع المرويات من حيث أن التقية أمر متوقع بالنسبة لأئمة أهل البيت (ع) الذين كانوا يمثلون المعارضة السياسية في مواجهة السلطتين الأموية والعباسية، وبالتالي فإن التقية تعد وسيلة تقليدية في مواجهة القمع الأمني المتطرف للأمويين والعباسيين .
4 – وأخيراً يرى الباحث في النقطة الرابعة أن من الواجب على الباحثين تجنب الافتراض والتخمين في التاريخ : " وهناك نقطة رابعة، هي ضرورة تجنب الاعتماد على تشكيل الصورة التاريخية بالافتراض والتخمين، إذ يلاحظ أن بعض من يكتب في التاريخ، يقوم بافتراض كثير من الأمور التي لم تقع ولم يسجلها التاريخ، ولا يوجد لديه أي دليل عليها، اعتمادا تصورات معينة، أو ادعاء حذفها من التاريخ ومنعها من التدوين، وهو ما يعني محاولة كتابة التاريخ على مجرد الافتراض والخيال، دون العلم واليقين "، إن حالة العلم اليقيني تبدو مرتبطة بالعقيدة أكثر من التاريخ، فالمرويات التاريخية الموجودة بالفعل لا تعبر سوى عن وجهة نظر الإخباري في الأحداث ليس أكثر وهي وجهة ترتبط بمصالح وانتماءات طائفية واجتماعية بما لا يمكن الحصول على أي يقين بهذا الشكل التأكيدي الذي يطلبه أحمد الكاتب ومن الغريب إنكار الباحث لعملية التلاعب التي مورست تجاه المصادر التاريخية، وهي حقيقة بديهية تقوم بها أي سلطة ديكتاتورية قمعية كالسلطتين الأموية والعباسية، بل أن السلطة الحكومية في عهد الخلفاء الثلاثة الأوائل منعت كذلك عن تدوين حديث النبي (ص) واتخذت إجراءات مشددة وصلت إلى الاعتقال لبعض الصحابة أو تحديد إقامتهم(80)، وليس ثمة تبرير واضح لهذا التعسف سوى أن هذه الأحاديث المروية عن النبي (ص) كانت تمثل إزعاجاً سياسياً لسلطة الحكومة الراشدية .
إن الافتراض التاريخي ليس مجرد عملية ذهنية خيالية، وإنما هو أسلوب في استكشاف الفراغات التي نتجت عن عدم ذكر الأحداث التاريخية بشكل كامل أو ذكرها مبتورة عن مسبباتها أو نتائجها، وهذا الأسلوب يقوم على أساس قراءة الخلفيات الاجتماعية والاقتصادية للحدث والتي تمثل عامل الضغط المؤدي للحراك التاريخي، فهو إذن ليس تخميناً مزاجياً حسب أهواء الباحث، كما أن الدعوة لقراءة الأحداث التاريخية حسب ظواهر المرويات لن يعدو أن يكون مجرد تقبل لما أملته السلطة السياسية القائمة والتي بالتأكيد تسعى لتبرير ممارساتها بعيداً عن الحقيقة التاريخية .
إن التساؤل الذي يمكن أن نطرحه الآن حول النقاط الأربعة السابقة، هل يمكننا أن نعتبرها معبرة عن منهج في نقد المرويات التاريخية يدعو له الباحث ؟
إن هذه النقاط لا تعبر عن منهج – كما يتضح من النقد الموجه لها – بقدر ما تعد مبرر للنتائج التاريخية التي سيتبناها الباحث فيما بعد وهو لن يمكنه الوصول إلى هكذا نتيجة إلى عن طريق إتباع النصائح والإرشادات التي أوردها في نقاطه الأربعة والتي يرغب كذلك في إجبار المُتلقي على إتباعها كضمان لوصوله إلى ذات النتائج .
إن أي بحث تاريخي لا يمكن أن يعتمد على مثل هذه النقاط الأربعة والتي تتجاهل بتعمد خلفيات الأحداث، وتعتمد على توثيق مرويات أشخاص محددين انطلاقاً من مواقف تاريخية أو دينية، إلا أنها تصلح كقواعد يقوم عليها الاستغلال الطائفي للتاريخ، بحيث يتحول التاريخ إلى مجرد وسيلة لا غاية وهو بالتالي سيوظف للسباب الطائفي بغض النظر عن الحقيقة .


77 – محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 2 ص 236 .
(*) توجهت لمكتب سماحة المرجع السيد محمد حسين فضل الله (دام ظله) حول مدى صحة هذا الادعاء لأحمد الكاتب، فأجاب :
" هذا الادعاء غير صحيح فقد روى ذلك السنة والشيعة وهناك تسالم عليه، والادعاء الحاصل ان الخطبة لأبي العيناء، قال المرتضى : أخبرنا ابو عبيد الله المرزباني حدثني علي بن هارون اخبرني عبد الله بن ابي طاهر عن أبيه قال ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كلام فاطمة عند منع أبي بكر إياها فدكاً وقلت له إن هؤلاء يزعمون انه مصنوع وانه من كلام أبي العيناء لأن الكلام منسوق البلاغة فقال لي رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه أولادهم وقد حدثني به أبي عن جدي يبلغ به فاطمة على هذه الحكاية وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جد أبي العيناء " ثم قال المرتضى : وقد روي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة.."
وذكر صاحب كتاب بلاغات النساء ابو الفضل أحمد بن ابي طاهرالمولود ببغداد سنة 204 والمتوفى سنة 280 هـ مثله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته " .
78 – فلهوزن . م . س . ص 151 .
79 - محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 4 ص 198 .
80 – نجاح الطائي . نظريات الخليفتين . بيروت 1998 . ج 2 ص 13، 14 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 01:55 PM
ميزان القوى القبلية عند بيعة أبي بكر



إن الاعتداء على الزهراء(ع) كقضية ترتبط في الأساس بحالة الصدام السياسي التي حدثت بين الصحابة عقب وفاة النبي (ص)، والتي تطورت في النهاية إلى استخدام العنف ضد أسرة النبي والتي كانت من ضمن الأطراف المعارضة لما أفرزته السقيفة (ص) .
لقد لجأ الباحث في مناقشته لهذه الجزئية التي يدرك تماماً مدى أهميتها كخلفية لقضية الاعتداء على الزهراء إلى تبسيطها بأقصى درجة كي يصل لنتيجتين مبدئيتين، الأولى : أن ما حدث عقب وفاة النبي لم يكن سوى خلاف مؤقت بين الصحابة، لا يصل لدرجة الصدام العدائي، الثانية : أن خلافة أبي بكر ظلت معلقة حتى مبايعة الإمام علي(ع) له بعد مرور ستة أشهر وبعد وفاة السيدة فاطمة الزهراء(ع)، بما يعني أنه كان بمقدور الإمام علي(ع) إسقاط أبي بكر نظراً لانتمائه لعشيرة ضعيفة في قريش وعدم ميل ميزان القوى القبلية لصالحة في تلك المرحلة حيث أن أبي بكر كان مرفوضاً من معظم عشائر قريش التي تواجدت بالمدينة بالإضافة إلى كونه مرفوضاً من بعض عشائر الأنصار كالخزرج، وهو ما يعني قبول الإمام علي(ع) لخلافة أبي بكر بشكل هادئ .
وفي النهاية يصل أحمد الكاتب إلى النتيجة الأساسية لهذه الجزئية : " ومع بيعة الإمام علي لأبي بكر بعد ستة أشهر من وفاة الرسول (ص) طويت صفحة الخلاف بين الإمام علي وإخوانه من السابقين والمهاجرين والأنصار، وعم الود والحب والتقدير والتعاون في سبيل الله والدفاع عن الإسلام، إلى حد تزويج الإمام علي ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب . وتسمية ثلاثة من أبنائه باسم أبي بكر وعمر وعثمان " ويستشهد الباحث بدليل يتوافق مع مقدمته : " فإذا كان أبو بكر قد ترك سعد بن عبادة ولم يجبره على البيعة، فقد كان أضعف من أن يجبر الإمام علي على البيعة، وأبعد من أن يأمر باقتحام داره وجلبه بالقوة، أو يسمح لأي أحد بتهديده بإحراق بيته عليه " .
على أن استعراض الأحداث التاريخية لا يتفق مع هذا التبسيط الذي لجأ إليه الباحث، فقد استغل أبو بكر حالة العداء التقليدية بين الأوس والخزرج لإثارة الخلاف بينهما : " إن هذا الأمر إن تطاولت إليه الخزرج لم تقصر عنه الأوس وإن تطاولت إليه الأوس لم تقصر عنه الخزرج ، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا تداوى ، فان نعق منكم ناعق جالس بين لحيي أسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري "(81) مما أدى إلى فشل سعد بن عبادة في الحصول على تأييد الأوس، بل أن قطاع من الخزرج تحت قيادة بشير بن سعد الأنصاري لم يكن مؤيداً له وتحالف مع المهاجرين في هذا الخلاف(82)، على أن ما أدى لحسم هذا الصراع لصالح المهاجرين هو تدخل قبيلة أسلم البدوية وقيامها باحتلال طرقات المدينة حيث تقول المروية : " أن أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر فكان عمر يقول ما هو إلا أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر "(83)، إن كلمة النصر التي استخدمها عمر تشير إلى نوع الخلاف المؤقت الذي تحدث عنه الباحث، فبعض مرويات الطبري تشير إلى حدوث صدام بالأيدي بين عمر بن الخطاب وقيس بن سعد عبادة بالإضافة إلى صدام آخر بينه وبين الحباب بن المنذر بن الجموح، وعموماً فثمة تساؤل ربما يفرض نفسه في هذا الإطار عن كيفية دراية قبيلة أسلم بالأمر في حين كانت بعض أحياء المدينة غير منتبهة بما يحدث ؟ ناهيك عن سبب انحياز قبيلة أسلم لأبي بكر على وجه الخصوص ؟
وبغض النظر عما قد تثيره إجابات تلك الأسئلة من شكوك فإن سقيفة بني ساعدة انتهت بنتيجة واضحة وهي حصول أبي بكر على تأييد قبيلة أسلم التي قامت باحتلال المدينة، وقبيلة الأوس وقدر كبير من الخزرج، بل أن البقية الباقية من الخزرج بايعت أبي بكر بعد أيام قلائل كما يذكر الطبري(84).
فيما يخص عشائر قريش فقد نقل الباحث مروية عن ابن قتيبة بشكل مبتور ومشوه : " إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب... واجتمعت بنو أمية إلى عثمان واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين، فلما اقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار "(85) إن نقل المروية بهذه الصورة قد يعطي إيحاء بأن كل هذه العشائر كانت تسعى لتولية الصحابي الذي ينتمي إليها بما يعني أنها لم تؤيد أبي بكر في مسعاه لتولي السلطة، إلا أن الجزء الذي لم يدونه الباحث يعطي صورة أوضح : " فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا "(86)، وحسب هذه المروية التي استدل بها الباحث، فإن أبي بكر حصل على مبايعة بني زهرة وبني أمية وهما من العشائر القوية في قريش .
لقد عول الباحث كثيراً على حالة التحريض والحماس التي أبداها أبو سفيان للإمام علي(ع) حين عاد إلى المدينة واكتشف أن أبو بكر قد بويع له بالخلافة، على أساس كونها تؤكد أن أبي بكر لم يحظ بتأييد قريش، إلا أن هذه الحادثة متأخرة عن السقيفة في حين كان بني أمية قد بايعوا بالفعل إتباعاً لخطى عثمان بن عفان والذي أصبح هو المتزعم الأساسي لهذه العشيرة عقب سيادة الإسلام على الجزيرة العربية اعتماداً على أسبقيته في اعتناق الإسلام .
والواقع أن هذه الحماسة لأبو سفيان سرعان ما تلاشت أمام محاولات التدجين التي استخدمتها معه السلطة الجديدة بما أدى لتغيير موقفه السياسي تماماً، فقد كان مكلفاً من قبل النبي (ص) بجمع صدقات نجران، وقد لجأت السلطة الجديدة إلى شراء تأييده عن طريق التغاضي عن مطالبته بهذه الأموال : " و روى أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عمر بن شبة عن محمد بن منصور عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال كان النبي (ص) قد بعث أبا سفيان ساعيا فرجع من سعايته و قد مات رسول الله ص فلقيه قوم فسألهم فقالوا مات رسول الله (ص) فقال من ولي بعده قيل أبو بكر قال أبو فصيل قالوا نعم قال فما فعل المستضعفان علي والعباس أما و الذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما .
قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز و ذكر الراوي و هو جعفر بن سليمان أن أبا سفيان قال شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلما قدم المدينة قال إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم قال فكلم عمر أبا بكر فقال إن أبا سفيان قد قدم و أنا لا نأمن شره فدع له ما في يده فتركه فرضي "(87) .
إذن فقد تحولت الأوضاع القبلية لصالح أبي بكر الذي أجاد استغلال حالة الاحتقان القبلي ما بين الأوس والخزرج في السقيفة كما تمكن من الحصول على دعم عشائر قريش باستثناء بني هاشم، والصحابة الموالين للإمام علي(ع)، على أنه لابد من توضيح أن قوة الخليفة الأول لم تكن بناء على قاعدة حقيقية فالأمر لم يتعد القدرة على عقد التحالفات مع قوى أخرى كانت لها مشاريعها الخاصة إلا أنها اتفقت على رفض تولي الإمام علي(ع) للخلافة .
لقد رفض الباحث المرويات التي تحدثت عن الصراع الناشب بين الإمام علي(ع) والسلطة الجديدة بناء على أن الأوضاع القبلية لم تكن في صالحة بتلك الفترة، وعلى الرغم من أن هذا الاستدلال تبين مدى هشاشته فإن استنتاج الباحث يظل مطروحاً : " فإذا كان أبو بكر قد ترك سعد بن عبادة ولم يجبره على البيعة، فقد كان أضعف من أن يجبر الإمام علي على البيعة، وأبعد من أن يأمر باقتحام داره وجلبه بالقوة، أو يسمح لأي أحد بتهديده بإحراق بيته عليه " أن قوة الإمام الحقيقية لم تكن في قوة عشيرته فقط أو قدرته على أن يثير المشاكل تجاه الحكومة الجديدة بقدر ما كانت فيما يمثله من شرعية دينية، وهو ما لا يتحلى به سعد بن عبادة الذي ترك بلا بيعة استخفافاً بقيمتها كما نصح بشير بن سعد الأنصاري : " إنه قد لج وأبى وليس بمبايعكم حتى يقتل وليس بمقتول حتى يقتل معه ولده وأهل بيته وطائفة من عشيرته فاتركوه فليس تركه بضاركم إنما هو رجل واحد فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه "(88) فمحاولة إجبار سعد بن عبادة على البيعة لن تسبب بالنسبة للحكومة الجديدة سوى مشاكل مع الخزرج الذين كانوا قد بايعوا بالفعل دون أن تحوي قيمة أو فائدة حقيقية وبالتالي فإن أبي بكر لم يجد داعياً لمخاطرة بلا قيمة، وبالتأكيد كان وضع الإمام علي(ع) يختلف عن بشير بن سعد في تمثيله لقاعدة دينية وسياسية وقبلية قوية – رغم أقليتها العددية في هذه الفترة – كانت قادرة على التشكيك في شرعية تولي الخليفة للخلافة، وإعادة استقطاب القوى الأنصارية التي أُجبرت على البيعة مرة أخرى، في مقابل إدراك الخليفة الأول لهشاشة تحالفه مع الأوس وبعض القوى القبلية، وبالتالي فقد كان يجب على الخليفة السعي للحصول على بيعة الإمام علي(ع) بكل الطرق .
أما المرويات التي تذكر اعتصام الإمام علي(ع) عقب بيعة أبي بكر مع أنصاره في بيت فاطمة(ع) ورفضه البيعة والعنف الذي مورس ضد المعتصمين فقد عرضها الباحث بشكل مستهجن دون توضيح لنقاط الضعف سوى التعويل على ميزان القوى القبلية : " ولكن بعض الروايات تقول إن الإمام علي أخذ يقاوم أبا بكر وانه أركب فاطمة على حمار وراح يدور بها في طرقات المدينة ليلا، استجلابا لدعم الأنصار له، وانه اعتصم مع الزبير وعدد من المهاجرين في بيته وحملوا السلاح استعدادا للمقاومة، مما دفع أبا بكر إلى أن يرسل عمر إلى فاطمة الزهراء ليهددها بإحراق البيت عليهم أو يخرجوا للبيعة، وان الإمام علي قد أُجبر على بيعة أبي بكر " .
الواقع أن الخليفة الأول فشل بالفعل في إجبار الإمام علي(ع) على البيعة لمدة ستة أشهر(89) كما تذكر المرويات، إلا أن استبعاد الباحث لحدوث الاعتصام وما تلاه من أحداث لا يقوم على أساس إذا كانت التوازنات القبلية في صالح الخليفة ولو بصفة مؤقتة، وهي أحداث اتفق على روايتها معظم الإخباريين حتى من غير الشيعة كما يقول ابن أبي الحديد : " فأما امتناع علي (ع) من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه فقد ذكره المحدثون و رواه أهل السير و قد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب و هو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين و قد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة "(90) وإن كان ابن أبي الحديد قد استثنى بعض الأحداث التي ينفرد بها الشيعة كالاعتداء بالضرب على السيدة الزهراء(ع)، وبغض النظر عن هذا الحادث فتوجد شواهد كثيرة على مصداقية الأحداث الأخرى كالاعتصام وطلب الإمام النصر من الأنصار لعل أهمها الرسائل المتبادلة بين الإمام علي(ع) ومعاوية بن أبي سفيان، وبين الأخير وولاة الإمام كمحمد بن أبي بكر، فردود الإمام علي(ع) على معاوية تشير إلى حدوث عنف ومحاولات لإجبار الإمام علي البيعة : " وقلت إنني كنت أُقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أُبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت، وأن تفضح فافتضحت . وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه ولا مرتاب بيقينه "(91)، ورسالة معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر(رض) : " ... فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازماً لنا مبروراً علينا . فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده، وأتم له ما وعده، وأظهر دعوته، وأبلج حجته، وقبضه الله إليه صلوات الله عليه، فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه، وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا . ثم أنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما، وتلكأ عليهما، فهما به الهموم، وأرادا به العظيم . ثم بايع لهما وسلم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، ولا يطلعانه على سرهما، حتى قبضهما الله ... ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب، ولسلمنا إليه، ولكنا رأينا أباك فعل ذلك من قبلنا فأخذنا بمثله "(92)، كما يذكر معاوية في أحد رسائله إلى الإمام يستدل فيه بعدم وجود أي حقوق له في الخلافة بالحادثة التي ذكرها ابن قتيبة عن طلب الإمام علي(ع) الدعم من الأنصار في مواجهة السلطة الجديدة : " وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صحاب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقاً لأجابوك ولكنك ادعيت باطلاً وقلت مالا يعرف ورمت ما لا يدرك . ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم "(93)، إن هذه النصوص تشير بوضوح إلى حقيقة العلاقة ما بين السلطة الجديدة والإمام علي(ع) سواء في عهد أبي بكر أو عهد عمر، كما أنهما يشيران إلى محاولات الضغط التي مورست على الإمام علي(ع) لإجباره على البيعة، والتي عبر عنها معاوية بعبارة واضحة " فهما به الهموم، وأرادا به العظيم " وذلك بغض النظر عن عدم نجاح الخليفة الأول على إجبار الإمام على البيعة عقب السقيفة مباشرة أو اضطراره للانتظار حتى وفاة فاطمة الزهراء(ع) : " لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه "(94) فالمرويات التي تتحدث عن ترك السلطة للإمام علي(ع) وبني هاشم لمدة ستة أشهر دون بيعة إنما تشير إلى تأجيل السلطة لمحاولات الضغط على الإمام(ع) بعد الفشل الأول حتى وفاة فاطمة(ع) خوفاً مما قد تحدثه من تأثير سلبي على المسلمين .
وتبدو مروية طلب الإمام التأييد من الأنصار بمساعدة السيدة الزهراء(ع) منطقية في إطار هذا الصراع، وهي تفسر الإجراءات التالية التي اتخذتها السلطة تجاه الإمام علي(ع) والسيدة فاطمة(ع) خاصة فيما يخص ميراثها من الرسول (ص) في فدك، وتغير موقف بعض الأنصار وندمهم المعلن على بيعتهم لأبي بكر مما استدعى لجوء السلطة إلى إجراءات سلبية تجاه الأنصار، تقول المروية : " لما بويع أبو بكر واستقر أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وذكروا علياً وهتفوا باسمه وإنه في داره لم يخرج إليهم. وجزع لذلك المهاجرون وكثر في ذلك الكلام. وكان أشد قريش على الأنصار نفر فيهم : سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل، ... فلما اعتزلت الأنصار تجمع هؤلاء فقام سهيل بن عمرو فقال : يا معشر قريش إن هؤلاء القوم قد سماهم الله الأنصار وأثنى عليهم القرآن فلهم بذلك حظ عظيم وشأن غالب، وقد دعوا إلى أنفسهم وإلى علي بن أبي طالب وعلي في بيته لو شاء لردهم ! فادعوهم إلى صاحبكم (أبو بكر) وإلى تجديد بيعته فإن أجابوكم وإلا فاقتلوهم، فوالله إني لأرجو أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم ... وقال الحارث : فإنه قد لهجوا بأمر إن ثبتو عليه فإنهم قد خرجوا مما وسموا به وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف. وقال عكرمة : إن الذي هم فيه من فلتات الأمور ونزعات الشيطان وما لا يبلغه المنى ولا يحمله الأمل، اعذروا إلى القوم فإن أبوا فقاتلوهم "(95) إن تعصب شخصيات قرشية كسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل للسلطة الجديدة ضد الأنصار يؤكد أن عشائر قريش كانت قد قررت دعم السلطة الجديدة، وقد اعتبرت أن هذه المجموعة من الأنصار التي قررت تغيير موقفها ودعم الإمام علي(ع) تمثل خطر على مستقبلها السياسي إلى درجة تقديم اقتراحات تصل إلى القتل والمحاكمة بالسيف كعقاب لهذا التصرف، ومن ناحية أخرى لا يوجد مبرر لهذا التحول لدى هذه المجموعة من الأنصار سوى سعي الإمام علي(ع) لاستقطابهم وتغيير موقفهم السياسي وهو ما يؤكد صحة مروية حمل الإمام للزهراء(ع) والدوار بها على بيوت الأنصار ليلاً(96) .
يطرح الباحث تساؤلات لمناقشة قضية الاعتداء على الزهراء(ع) : " هل تقاوم هذه الأسطورةُ الروايةَ الأولى علميا ؟ وهل هي رواية متواترة ؟ أم هي خبر آحاد ؟ أو إشاعة سخيفة ؟ وهل هي مسندة بشكل متصل ؟ أم مقطوعة ومرسلة وغامضة ومتناقضة ومجهولة ؟ وهل هي قديمة ومعروفة في الأجيال الأولى؟ أم نظرية حادثة في العصور المتأخرة؟ " .
إن هذه الأسئلة تدل على أن الباحث يرغب في التعامل مع مرويات القضية حسب موقفها السندي، وهو أسلوب يصلح مع مرويات الفقه أو العقيدة لكنه غير صالح إطلاقاً مع المرويات التاريخية والتي لا تعترف بأي مصداقية لأشخاص دون آخرين في نقل الأحداث .
لقد لجأ الباحث إلى استعراض المرويات والبحث عن وسائل تحقق له نتيجته المعلنة مسبقاً، وقد بدأ بالمروية التي نقلها ابن أبي الحديد عن مصنف ابن أبي شيبة : " حدثنا عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (المعاصر لمالك بن أنس) حدثنا زيد بن أسلم العدوي (توفي سنة 136) عن أبيه أسلم مولى عمر بن الخطاب (توفي بين سنة 60 – 70 هـ) : أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم ، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال : " يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك ، وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك، أن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت ". قال : فلما خرج عمر جاءوها فقالت : تعلمون أن عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت وأيم الله ليمضين لما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فَروا رأيكم ولا ترجعوا إلي، فانصرفوا عنها فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر " .
وقد نقل ابن أبي الحديد هذا الخبر عن كتاب السقيفة للجوهري وان اختلف في ذكر الأسماء التي كانت تدخل بيت فاطمة(ع) حيث ذكر أن الزبير والمقداد كانا يدخلان إلى الإمام علي(ع) في جماعة من الناس للتشاور ثم ذكر بقية المروية(97) وهي في مروية الجوهري تبدو أكثر واقعية .
والواقع أن الباحث نفسه شكك في قيمة هذه المروية من الناحية العلمية وإن لم يوضح أسباب تشككه، إلا أنني اتفق معه بالتأكيد في أن هذه المروية – مروية ابن أبي شيبة – تعاني من عدة نقاط ضعف لعل أهمها اختزالها المعارضين لخلافة أبي بكر في الإمام علي(ع) والزبير بن العوام، بالإضافة إلى إشارة المروية لبيعة الإمام علي(ع) للخليفة قبل وفاة السيدة فاطمة الزهراء(ع) وهي نقطة الضعف التي تشترك فيها الصيغتين للمروية، أما نقطة الضعف الثالثة فهي عدم توضيح المروية للأسباب التي دفعت الإمام علي(ع) والمجموعة المناصرة للاستسلام بهذه السهولة أمام تهديد عمر بن الخطاب حتى مع إدراكهم الواضح في المروية لصدق تهديده لهم .
على أن المثير للغرابة هو استخدام الباحث لسياسة التبسيط مع هذه المروية : " فان هذه الرواية تتحدث فقط عن التهديد بحرق البيت . مع إعراب عمر عن محبته للزهراء، وانصراف علي والزبير ومبايعتهما لأبي بكر " وهنا يسعى الباحث بشكل غريب لخلق قناعة ما تتقبل أن يجتمع التهديد الجدي بحرق المنزل الزهراء(ع) ومحبتها واحترامها في آن لدى عمر بن الخطاب، وهو لم يكن من الممكن أو المحتمل أن يفكر بهذا الأسلوب أو يسعى لمثل هذه المغالطة لولا أن الاتهام موجه لشخصية عمر بن الخطاب وتبنيه للأسلوب السلفي في إخضاع التاريخ للانتهازية الطائفية بغض النظر عن الحقيقة .
ولم يستخدم الباحث نفس أسلوب عرض المروية وتبريرها بهذا الشكل مع مرويات الجوهري التي نقلها ابن أبي الحديد ربما لأنها – رغم ما في بعضها من تناقض – لا تخدم أغراضه، وبالتالي فقد لجأ للتشكيك في ابن أبي الحديد ذاته : " وكل هذه الروايات لا نستطيع التأكد من صحتها، لأن ابن أبي الحديد ينقلها في القرن السابع الهجري عن الجوهري، الذي توفي القرن الرابع ، عن كتابه (السقيفة وفدك) المفقود، الذي ينقل الروايات من دون سند متصل، رغم توثيق ابن أبي الحديد له . وبالتالي لا يمكن الاعتماد على أية رواية منها. لأن الوجدان في الكتب من أضعف طرق الرواية، خاصة إذا كانت قديمة وعرضة للتلاعب والتزوير " والواقع أن تبني منهج الباحث في التعامل مع المرويات بهذا الأسلوب يعني الاستغناء عن كل مصنفات التاريخ الإسلامي تماماً بما فيها تلك التي تتحدث عن إنجازات الخلفاء كالفتوحات وحروب الردة، والتي لم تنقل عن أشخاص وإنما عن مصنفاتهم، وهي تعاني كذلك من كونها مفقودة الآن، وليس من الصعب على أي إنسان التشكيك في التاريخ الإسلامي كله إذا ما استخدم هذا الأسلوب في إطلاق الأحكام دون عرض أدلة، فالباحث لم يشر لمن الذي يتهمه بالتزوير والتلفيق في الكتاب ؟ وكيف لم ينتبه المؤلفون وعلى الأخص ابن أبي الحديد لهذا التناقض في النسخ المختلفة – لو كان ثمة تناقض – خاصة مع شدة الصراع الدائر بين المذاهب المختلفة وسعي كل منها لتوظيف التاريخ كذلك في صراعاتها مع الآخرين ؟ بالإضافة إلى أنه لم يحدد بالضبط ما هو المُلفق أو المزور في الكتاب ودلائله على ذلك ؟ هذه الأسئلة لم يطرحها الباحث وهو يشكك بكل سهولة في نص كتاب " السقيفة وفدك " والذي يبدو من الواضح أنه تعرض للأحراج الشديد بسبب توثيق ابن أبي الحديد للجوهري بما لم يمكنه من التشكيك في المرويات الواردة أو الطعن في مصداقية المؤلف فسعى للتشكيك في الكتاب ذاته للتخلص من حرج ممارسة نقد حقيقي على المرويات .



81 - الجوهري . م . س . ص 55 / المظفر . م . س . ص 120، 121 .
82 - الجوهري . م . س . ص 58 / المظفر . م . س . ص 103 - 108 .
83 – محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 2 ص 244 .
84 – م . س . ج 2 ص 244 .
85 – ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 14، 15 .
86 – م . س . ص 14، 15 . تقول المروية : " " إن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب... واجتمعت بنو أمية إلى عثمان واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف فكانوا في المسجد مجتمعين، فلما اقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايعته الأنصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا " .
87 – ابن أبي الحديد . م . س . ج 2 ص 44 . والراوي هو أحمد بن عبد العزيز الجوهري والذي يصفه ابن أبي الحديد بقوله : " هو من رجال الحديث و من الثقات المأمونين ". م . س . ج 2 ص 60 .
88 - محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 2 ص 244 .
89 - ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 16، 17 .
90 - ابن أبي الحديد . م . س . ج 2 ص 60 .
91 – الإمام علي بن أبي طالب(ع) . م . س . ص 336، 337 .
92 – المسعودي . م . س . ج 2 ص 10 .
93 – مرتضى العسكري . عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى . قم 1997 . طبعة المجمع العلمي الإسلامي . المجلد الأول . ص 137 .
94 - ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 16 .
95 – سعيد أيوب . معالم الفتن . بيروت 1994 . طبعة دار الكرام . ج 1 ص 338 .
96 - ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 16 .
97 - ابن أبي الحديد . م . س . ج 2 ص 45 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 02:04 PM
أما كتاب أنساب الأشراف للبلاذري فقد عرض الباحث بعض مروياته والتي نقل معظمها عن أبي الحسن المدائني، وتتميز مرويات المدائني عموماً بالحرص على إخفاء حادث اقتحام منزل السيدة الزهراء(ع) كما في المرويات 1184، أو إظهار الشكل الودي لمبايعة الإمام علي(ع) لأبي بكر عقب وفاة الزهراء(ع) كما في المروية رقم 1186، والمروية 1190(98)، وذلك رغم ذكر المدائني للتهديد بالعنف الذي مارسه عمر تجاه الإمام، وهي الجزئية التي استفزت وأحرجت الباحث للغاية الأمر الذي دفعه إلى السعي لتوهين كل من البلاذري والمدائني في آن : " وبغض النظر عن انقطاع السند في كل روايات البلاذري الآنفة، توجد ملاحظة على شخصيته " الانتهازية " إذ ينقل عنه أنه كان يمدح المأمون ثم كان من ندماء المتوكل، كما يقول ابن عساكر وياقوت الحموي، ويقال أنه وسوس في آخر أيامه ومات في البيمارستان. وأما المؤرخ البصري علي بن محمد أبو الحسن المدائني (توفي سنة 224) الذي نقل البلاذري عنه الرواية الأخيرة، فانه ليس بالقوي في الحديث، كما يقول ابن عدي في (الكامل). ولم يذكره ابن حبان في الثقات، إضافة إلى أنه قلّما يذكر رواية مسندة ... ومن هنا فان رواية البلاذري في القرن الثالث الهجري، عن استعمال عمر للعنف مع علي، أو تهديده بقبس من نار، رواية ضعيفة لا يمكن الاعتماد عليها في مقابل الروايات الأخرى "، إن التساؤل الذي يفرض نفسه أمام طريقة الباحث الساذجة في إسقاط المرويات والمؤلفات المعارضة لما يرغب في إثباته هو : ما هي علاقة انتهازية البلاذري مع الخلفاء أو وسوسته في آخر أيامه بمصداقية هذه المرويات المنسوبة للمدائني بينما لا يتجاوز دور البلاذري مجرد النقل ؟ وفي حالة صدق تصور الباحث عن انتهازية البلاذري وعمالته للحكام العباسيين (المعادين للشيعة بالضرورة) فما هو الدور المتوقع منه ممارسته مع هكذا مرويات في رأي الباحث ؟ هل هو تحريف المرويات لصالح الشيعة ؟ أم تحريفها لصالح السلطة التي هو عميل لها ؟
لقد تجاهل البلاذري العديد من المرويات الأخرى التي نقلها الإخباريين عن هذا الحدث التي قد تشكل مصداقية للآراء الشيعية، والنموذج الأكثر وضوحاً هو المروية رقم 1188 : " حدثني بكر بن الهيثم، ثنا عبد الرازق، عن معمر، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي رضي الله عنهم حين قعد عن بيعته وقال : ائتني به بأعنف العنف . فلما أتاه، جرى بينهما كلام . فقال : احلب حلباً لك شطره . والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً [ فقال علي ] وما ننفس على أبي بكر هذا الأمر ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا أن لنا حقاً لا يجهلونه . ثم أتاه فبايعه "(99) وهي مروية ناقصة ومبتورة كما هو واضح، كما أن نهايتها لا تتفق مع الحوار العنيف والاتهام الذي وجهة الإمام علي(ع) لعمر بالانحياز لأبي بكر كي يورثه الخلافة فيما بعد وهو اتهام يشير إلى اعتقاد الإمام(ع) بوجود مؤامرة ما بين الشيخين، كما يؤكد إصرار الإمام على رفض بيعة أبي بكر كمبدأ، لكن النهاية تأتي متناقضة مع هذه المقدمة العنيفة حيث تصور الإمام علي يبايع الخليفة بكل سهولة ويتضح من المروية أن المشكلة تتلخص فقط في عدم مشاورة أبي بكر لآل البيت (ع) قبل توليه الخلافة .
إن العديد من المصنفين السُنين الذين لم يتمكنوا من تجاوز هذه الحادثة والقفز عليها اضطروا إلى إدخال هذه الأجزاء الواضحة الافتعال وربما الكذب لتخفيف حدة وقع تصرف عمر وأبي بكر مع آل البيت (ع) عقب بيعة السقيفة مما قد يمنح الشيعة مصداقية في الصراع المذهبي بين الطائفتين، فالمروية الحقيقية حول هذا الموضوع والتي تجاهلها البلاذري رواها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسية) عن ابن أبي مريم، عن العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري، كما نقلها أيضاً عن سعيد بن كثير عن عفير بن عبد الرحمن(100)، كما رواها أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه (السقيفة وفدك) عن أحمد بن إسحاق، أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري(101) : " ... قال : ... وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا . فأبوا عليه، وخرج الزبير بسيفه، فقال عمر : عليكم الكلب . فوثب عليه سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم، وعلي يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهوا به إلى أبي بكر فقيل له بايع فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبوئوا بالظلم وأنتم تعلمون .
فقال له عمر : إنك لست متروكاً حتى تبايع . فقال علي : احلب يا عمر حلباً لك شطره !! اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غداً !! لا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه . فقال له أبو بكر : إن لم تبايعني فلم أكرهك . فقال له أبو عبيدة : يا أبا الحسن إنك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالاً له، واضطلاعاً به، فسلم له هذا الأمر، وأرض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك . فقال علي : يا معشر المهاجرين، الله الله لا تخرجوا سلطان محمد من داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أهَلهُ عن مقامه في الناس وأهلِهِ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن – أهل البيت – أحق بهذا الأمر منكم . أما كان منا القرئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية ! والله إنه فينا فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعداً .
فقال بشير بن سعد [ الخزرجي الأنصاري ] : لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم بايعوا . وانصرف علي [ عليه السلام ] إلى منزله ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع "(102) .
إن المقارنة بين المرويتين يلاحظ فيها أن المروية الأولى اختزلت أحداث الصدام، سواء كان هذا الاختزال نقله البلاذري من الراوي ذاته أو كان قام هو باختزاله بنفسه، فهو في كل الأحوال تبنى مروية ناقصة مع توفر المروية الأخرى الأكثر معقولية ومنطقية في أحداثها، كما أن تواجدها بنفس النص في مصدرين مختلفين يؤكد ثبوتها، ورغم ذلك لم يهتم البلاذري بإيرادها إطلاقاً، وهنا يمكن الاتفاق حول سعي البلاذري للتقارب مع القصر العباسي لكن هذا التقارب أدى بالعكس من تصور الباحث إلى إخفائه وتجاهله لمرويات تذكر ما حدث من اعتداء على بيت الزهراء(ع) بشكل أوضح ويمثل إدانة أكبر للخليفتين .
ومن الغريب أن الباحث لم يطعن إلا فيما نقله البلاذري من مرويات عن علي بن محمد المدائني في حين روى البلاذري هذا الحادث عن رواة آخرين تجاهلهم الباحث تماماً، وهو حتى في طعنة للمدائني لم يكن نزيهاً تماماً، فقد اكتفى بنقل الآراء التي تضعفه ولم يورد الآراء المغايرة وأهمها رأي الرجالي السني المشهور يحيى بن معين : قال أحمد بن أبي خيثمة كان أبي ويحيى بن معين ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمر رجل على حمار فأره وبزة حسنة فسلم وخص بسلامه يحيى فقال له يا أبا الحسن إلى أين قال إلى دار هذا الكريم الذي يملأ كمي دنانير ودراهم إسحاق الموصلي فلما ولي قال يحيى ثقة ثقة ثقة فسألت أبي من هذا فقال هذا المدائني "(103)
أما المصدر الثالث فهو كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة، وقد وصف الباحث المرويات التي تشير فيه للحادثة بقوله : " وإذا ما انتقلنا إلى كتاب آخر صدر في نفس الفترة، وهو كتاب (الإمامة والسياسة) لابن قتيبة الدينوري (213 – 276)، فإننا سوف نشاهد فيلما هنديا مليئا بالبكاء والدموع والخيال اللامحدود، بدل أن نقرأ رواية علمية يعتمد عليها. وفي الحقيقة ان ابن قتيبة يعفينا عن تجشم الرد على روايته الأسطورية بالاعتراف مسبقا في مقدمة الكتاب بأنه يعتمد طريقة الجمع والقص والتأليف دون ذكر دقيق للمصادر . وهي طريقة غير علمية وتثير كثيرا من الشكوك والريبة في ما يرويه " إن الباحث ينتقد هنا مروية واحدة من مرويات ابن قتيبة حول موضوع بيعة الإمام علي(ع)، وبغض النظر عن اتهامه لابن قتيبة باللاعلمية في حين يفتقد هو شخصياً في استخدامه التهكم كطريقة للنقد وتسفيه ورفض المروية لأي قيمة علمية، فإن هذه الاتهامات لم يذكرها الباحث عندما لجأ إلى نفس المصدر في عرض مرويات تؤيد اعتمد عليها كثيراً لتأييد وجهات نظره في العلاقة بين الإمام والخليفتين، وبدا أن هذا المصدر ذو قيمة كبيرة لدى الباحث إلى أن اصطدمت بعض مروياته بآرائه، وعموماً فإن الباحث لم يوجه النقض إلا لمروية واحدة في حين تجاهل المروية الثانية والتي سبق تناولها مع أسانيدها في هذا البحث ربما لأنها منطقية وذكرت بنفس نصها في مصادر أخرى، وبالتالي فحتى على فرض صحة الاتهام الذي وجهة الباحث لابن قتيبة بالتلفيق فإن هذه المروية لا تدخل في هذا السياق نظراً لوجودها في مدونات تاريخية أخرى .
ثمة تناقض آخر وقع فيه الباحث عندما وجه انتقاداً للشيعة بسبب اعتمادهم في النقل على كتاب ابن قتيبة على أساس كونه يمثل اعترافاً سنياً رغم الطعون الموجهة إلى كتابه، في حين استخدم هو نفس الطريقة في تعامله مع كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي، ففي حين لجأ الباحث إلى احدى مروياته باعتبارها اعترافاً شيعياً، فقد قام هو نفسه بتوجيه طعن لمصداقية الكتاب في نفس البحث : " فكيف يمكن أن نثق بأية رواية فيه يرويها رجال جاءوا بعده بسنين طويلة ؟ وكيف يمكن ان نصدق رواية الثقفي عن الإمام الصادق حول عدم بيعة الإمام علي لأبي بكر إلا بعد رؤيته للدخان في بيته؟ وهل يمكن اعتبار هذه الرواية مسندة وصحيحة ؟ وإذا كان يمكن للعامة أن يحرفوا الكتاب فلماذا لا يمكن للخاصة أن يفعلوا ذلك؟ ويضيفوا عليه ما يشاءون ؟ " .

إن اتهام الباحث لابن قتيبة باعترافه أنه يعتمد التلفيق في الرواية مثير للسخرية والغرابة، فلم يسبق أن طعن أحد المؤلفين في مصداقية مُؤَلَفَه بهذا الأسلوب، والواقع أن الباحث مارس شكلاً آخر من عدم الأمانة غير المعقول في هذا الاتهام، فنص ابن قتيبة هو : " عن ابن أبي مريم، قال : حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري رضي الله عنه، وحدثنا سعيد بن كثير، عن عفير بن عبد الرحمن قال : حدثنا بقصة استخلاف رسول الله لأبي بكر، وشأن السقيفة، وما جرى فيها من القول، والتنازع بين المهاجرين والأنصار وبعضهم يزيد على بعض في الكلام، فجمعت ذلك وألفته على معنى حديثهم، ومجاز لغتهم "(104) وبالتأكيد فإن تصرف ابن قتيبة حتى لو كان غير مقبول إلا أنه لا يمكن وصفه بالاعتراف بالتلفيق أو بالتزوير خاصة أن أجزاء كبيرة من هذه المرويات وجدت بنفس نصوصها تقريباً في مصادر أخرى وبأسانيد مختلفة، فعملية التلخيص التي قام بها ابن قتيبة لم تشوه المعنى وهو ما اهتم به المؤلف أكثر من اهتمامه بالسند .
على أن اتهام الباحث ابن قتيبة بالتلفيق يفترض أن يقترن بتوضيحه عن أسبابه خاصة أن ابن قتيبة ليس شيعياً كي يسعى بتلفيقه مثل هذه الأخبار لإثبات أي من الآراء الشيعية وربما كان الأكثر إقناعاً هو قيامه بتلفيق أخبار أخرى يُنسب فيها مدح الشيخين للإمام علي(ع) على غرار المروية التي استدل بها الباحث سابقاً .
إن محاولة الباحث إسقاط مدونات تاريخية كاملة لمجرد توهين مصداقية بضعة مرويات لا تتوافق مع توجهاته بهذا الشكل الانفعالي لا يمكن اعتباره نقداً علمياً بقدر ما هو رفض ساخط نظراً لكم الحرج الذي تسببه هذه المرويات لما يروجه من أفكار، ولا يعدو الأمر حينئذ أن يكون سعياً جديداً للسيطرة على التاريخ تمهيداً لاستغلاله واستخدامه في مواجهة المخالفين، وهو يشبه تماماً الدعوات التي يطلقها الباحثين السلفيين لتنقية مصادر التاريخ الإسلامي من المرويات المعارضة للصحابة بغض النظر عن صحتها .
كما استخدم أحمد الكاتب نفس هذا الأسلوب أثناء نقده لمروية ابن عبد ربه في العقد الفريد، وما نسبه الشهرستاني في الملل والنحل للنظام المعتزلي من أقوال حول موضوع الإمامة، فقد اتهم ابن قتيبة بأن مرويته بلا سند أو دليل، على أن نفس هذه المروية ذكر البلاذري الجزء الأخير منها في كتابه أنساب الأشراف : " حدثنا سلمة بن صقر، وروح بن عبد المؤمن قالا، حدثنا ابن عبد الوهاب الثقفي، أنبأ أيوب، عن ابن سيرين قال : قال أبو بكر لعلي رضي الله تعالى عنهما : أكرهت إمارة ؟ قال : لا ولكني حلفت أن لا أرتدي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم برداء حتى أجمع القرآن كما أنزل "(105)، أما مروية ابن عبد ربه الأندلسي في العقد الفريد كما نقلها الباحث فهي : " أمر أبي بكر لعمر بمقاتلة علي والعباس والزبير الذين قعدوا في بيت فاطمة "حتى بَعث إليهم أبو بكر عمرَ ابن الخطاب ليُخرِجهم من بيت فاطمة، وقال له : إِن أبوا فقاتِلْهم. فأقبل بقَبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمةُ، فقالت: يا بن الخطاب، أجئت لتُحرق دارنا؟ قال : نعم، أو تدخلوا فيما دخلتْ فيه الأمة. فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه، فقال له أبو بكر: أكرهتَ إمارتي ؟ فقال: لا، ولكني آليتُ أن لا أرتدي بعد موت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حتى أحفظَ القرآن، فعليه حَبست نفسي " ويلاحظ أن الجزء الأخير من المروية يكاد يكون متشابه نصاً مع الجزء المروي في كتاب أنساب الأشراف والذي تشير صيغته أنه تم اقتطاعه ولم ينقل كاملاً، مما قد يشير إلى وحدة السند في المرويتين، أو على الأقل انتشارها من الناحية العلمية خاصة أن البلاذري روى مروية أخرى شبيهة لها : " المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون : أن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة، فلم يبايع . فجاء عمر، ومعه فتيلة . فتلقته فاطمة على الباب، فقالت فاطمة : يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً علي بابي ؟ قال : نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك . وجاء علي، فبايع وقال : كنت عزمت أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن "(106) .
ورغم أن هذه المروية تواجه مشكلة حقيقية في نسبتها مبايعة الإمام علي(ع) للخليفة قبل وفاة فاطمة وعدم رفضه لخلافة أبي بكر، فإن القدر القليل الذي روته من عنف عمر تجاه الزهراء(ع) مثل استفزازاً للباحث دفعه إلى اللجوء لأسلوبه المعتاد في تبسيط أي حدث يمثل حرجاً له : " وإذا صحت هذه الرواية، فإنها لا تحمل في طياتها أكثر من كشف البيت أو تفتيشه، دون اعتراف باستعمال العنف أو تهديد بإحراق البيت على فاطمة الزهراء عليها السلام. ولكن الأمور تتطور عادة عبر التاريخ، ومن الأصدقاء إلى الأعداء، فتصبح الحبة قبة، والأسطورة حقيقة " وربما يمكن للباحث نفي كلمة عنف عن ممارسة اكتفت فقط بالتهديد بالإحراق وتفتيش البيت أو كشفه، إلا أنه في ذات الوقت ينقض ادعائه السابق عن العلاقات الودية بين الإمام علي(ع) والسلطة الجديدة إذا كانت هذه السلطة تواجه الإمام بذات الإجراءات التي تتخذها أي سلطة قمعية تجاه الزعماء المعارضين لسياستها .
وهذا التناقض بين الافتراضات التي يطرحها الباحث حول هذه الدراسة وقع فيه الباحث مرة أخرى حينما ذكر في نقده للشهرستاني أن : " مجرد نقل أي كاتب لأي خبر، حتى لو كان عاريا من الدليل، لا يجعله صحيحا وصادقا، ومتواترا " وهي قاعدة نقدية حقيقية إلا أنه لم يلتزم بها ولم يحتمل ذات الاحتمال فيما نقله من نصوص تظهر وجود حالة من المودة من الأئمة (ع) تجاه الخليفتين ولم يمارس أي قدر من النقد تجاه هذه النصوص رغم نقاط ضعفها .
وقد ارتكب الباحث خطأ غير مقبول أو مبرر حيث رفض بشكل اندفاعي الآراء التي نسبها الشهرستاني في الملل والنحل لإبراهيم بن سيار النظام المعتزلي، والذي اتهم عمر بالاعتداء على الزهراء حتى إسقاطها لحملها والسعي لإحراق منزلها أثناء تواجدها فيه مع الإمام علي(ع) والحسن والحسين، وهذه الآراء لم ترق للباحث الذي لم يفكر في وسيلة لنقد المروية سوى اتهام الشهرستاني بتلفيق هذه الأقوال للنظام دون عرض أي دليل لأسباب هذا الاتهام خاصة أن النظام وجه اتهامات أخرى للإمام علي(ع) وللصحابي عبد الله بن مسعود وعرضها الشهرستاني في نفس النص(107)، بما يتوافق مع جرأة المعتزلة عموماً في توجيه اتهاماتهم وانتقاداتهم للصحابة(108) وهو قد يعد دليلاً على صحة نسبة هذه الآراء للنظام المعتزلي أكثر مما يعد دليلاً على تلفيقها له .
ومع أن الباحث لم يستند إلى أي استدلال أو افتراض بنى على أساسه هذه الأحكام المندفعة تجاه هذا النص، فقد اعتبرها حقيقة واقعية كما لو كان يرغب في فرضها عنوة على ذهنية الآخر مدعياً مرة أخرى أنها تفتقد للدليل والتواتر .
في تمهيد الباحث لنقده بعض المرويات التي يستدل بها الشيعة على حدوث عنف تجاه الزهراء(ع) وضع الباحث تحليلاً لأسباب ذيوع هذا الحدث على وجه الخصوص بين الشيعة حيث اعتبر أن السبب الرئيسي هو الخلاف السياسي بين المشروعين السُني والشيعي : " إن حدثاً جزئياً كموضوع كشف بيت فاطمة الزهراء، وإخراج من تحصن فيه من الصحابة، وإجبارهم على البيعة لأبي بكر، لو ثبت ذلك، كان يمكن أن يطوى مع التاريخ، ويذهب مع الزمان، في خضم الأحداث والتطورات الكبرى الإيجابية والسلبية التي أعقبت ذلك، ولم يكن ليستوقف الأجيال اللاحقة على مدار الزمن، لو كان المسلمون ينظرون إلى تلك الحقبة ورجالها نظرة شخصية، ولم يضفوا عليها مسحة دينية إيجابية وسلبية، إيجابية من طرف ما عرف بأهل السنة، وسلبية من طرف ما عرف بالشيعة، وذلك بعد أن حاول أهل السنة اعتبار تجربة الصحابة مقدسة ومصدرا من مصادر التشريع في الإسلام، ورووا عن الرسول الأعظم (ص) قوله : " اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " . في الوقت الذي حاول الشيعة إضفاء هالة من القدسية على أئمة أهل البيت واعتبروهم مصدرا ملحقا بمصادر التشريع إلى جانب القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وخاصة بعدما قال الإماميون بنظرية النص في الخلافة وكونها امتدادا للنبوة " .
إن هذه العبارة للباحث تحمل بالفعل قدراً كبيراً من الصحة في بعض أجزائها، حيث جرى تضخيم عدة قضايا في التاريخ الإسلامي وإكسابها قدراً كبيراً من القدسية كونها استخدمت في هذه المواجهة بين المشروعات المذهبية المختلفة .
لقد شهدت المرحلة الأولى من العصر العباسي ذروة الصراع الفكري والعقائدي بين المذاهب الدينية، والذي نتج عن تشجيع الخلفاء العباسيين في عهد أبو جعفر المنصور وبالتحديد في سنة 145 هـ لعملية تدوين العلوم وحرصهم – حتى عصر المأمون – على عدم إعلان الانتماء أو تأييد أي منها تأييداً خاصاً، وقد مثل التاريخ أحد أدوات الطعن المتبادل في الشرعية لدى المذاهب المختلفة، حيث قام الرواة المنتمون للمذاهب المختلفة بعمليات استغلال للحدث التاريخي في المواجهات العقائدية بطرق متنوعة كالاختلاق والمبالغة على الحدث الأصلي، وقد أدت هذه المحاولات إلى تحول هذه الاختلافات والمبالغات لقواعد عقائدية لا مجال للاستغناء عنها في مواجهة الآخر، وفي مواجهة عمليات التحول المتبادلة بين المذاهب، حيث لجأ أتباع المذاهب المختلفة لاستخدام هذه الاختلافات لتهييج المشاعر والعواطف المذهبية تجاه الآخر بهدف إيجاد حواجز ما بين الأتباع وبينه وإيقاف محاولات الاجتذاب والتحول .
على أن كشف بيت الزهراء(ع) لا يمكن اعتباره حدثاً جزئياً، رغم محاولة الباحث التقليدية للتقليل من أهميته أو مدلوله، فمع ما يحمله أهل البيت (ع) من قدسية، فإن هذا الأسلوب الذي استخدمته السلطة الجديدة مع الإمام علي(ع) والزهراء(ع) لا يعبر سوى عن عداء واضح، ويمثل تدليل على رفض أهل البيت (ع) للسلطة الجديدة وهو بالتالي يعد طعناً في شرعيتها، كما أنه يشكك في مصداقية كل هذه المرويات التي تم الترويج لها في عهد الخلفاء السابقين على الإمام علي(ع) وفي العهد الأموي عن فضائل الشيخين وغيرهما من الصحابة المؤيدين لهما وهم القاعدة التي تعد أساساً لبعض المذاهب .
لقد صمد هذا الحدث في الذهن الإسلامي طوال فترة العهد الأموي والتي جرى فيها السعي بكل الطرق لتقديم سيرة الشيخين بالإضافة إلى سيرة الخليفة الثالث عثمان بن عفان كمصدراً شرعياً للسلطة الأموية وكمعبر أوحد عن الحكم الصحيح في الإسلام، في مقابل التعمية على أهل البيت (ع) أو اختلاق مرويات كاذبة بحقهم وذلك من منطلق ما مثله أهل البيت (ع) من قدسية خاصة في الوعي الإسلامي والتي فشل الأمويون عموماً في تجاوزها أو تشويهها رغم كل ما استخدموه من وسائل إعلامية، ومن غير الممكن عدم إضفاء مسحة دينية على هذه الشخصيات – كما يدعو إليه الباحث - والتي اكتسبت مصداقيتها عموماً من خلال فترة كفاحها أو قربها من النبي (ص)، وبالتالي فإن من الطبيعي أن ينظر إلى ممارساتها من خلال ما يقبله الدين الذي كافحت من أجله، وهي نظرة تنوعت طبيعتها عقب وفاة النبي (ص) مباشرة مع الصراع الذي حدث بين هذه الشخصيات وانقسام المسلمين في تأييد أي من الطرفين .
فالنظرة الإيجابية أو السلبية لهذه الأحداث هي نتيجة طبيعة لهذا الخلاف وليست نتيجة مختلقة أو مفتعلة في مرحلة متأخرة من التاريخ الإسلامي، وهو ما حاول الباحث افتراضه فيما بعد حيث لجأ للتأكيد على اختلاق الإماميون للنصوص التي تؤيد نص النبي (ص) على الإمام علي(ع) بالإمامة، واختلاقهم لتأويلات قرآنية تؤيد هذا الاتجاه، وهو ما دفعهم لاختلاق بعض الأحداث التاريخية كتأكيد لهذه النظرية في حين أن تاريخ الإمام علي(ع) ذاته يكذب هذه الرؤية – حسب رأي الباحث – ثم يتساءل : " فكيف يصح النص على الإمام بالخلافة ويقوم هو بالتنازل عن "حقه الشرعي" طواعية ويبايع أبا بكر ؟ إذن لا بد أن يكون هناك عنف وإرهاب وقمع واستضعاف له " يثبت " أنه بايع تحت الضغط والإكراه، وان بيعة أبي بكر كانت باطلة، وكذلك مبدأ الشورى والاختيار " .



98 - - أحمد بن يحيى البلاذري . م . س . ج 1 ص 586، 587 .
99 – م . س – ج 1 ص 587 .
100 - ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 7 .
101 – محمد باقر المحمودي . نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة . بيروت (بدون ذكر سنة الطبع) . طبعة مؤسسة الأعلمي للمطبوعات . ج 1 ص 44 .
102 – م . س . ج 1 ص 44 – 46 . نقلاً عن ابن أبي الحديد .
103 – ابن حجر العسقلاني . لسان الميزان . م . س . ج 4 ص 194، 195 / أحمد بن علي الخطيب البغدادي . تاريخ بغداد . بيروت . طبعة دار الكتب العلمية . نسخة كومبيوترية . موقع www.sahab.org . ج 12 ص 39، 40 .
104 - ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 7 .
105 - أحمد بن يحيى البلاذري . م . س . ج 1 ص 587 .
106 – م . س . ج 1 ص 586 .
107 - الشهرستاني . م . س . ج 1 ص 65 .
108 – أحمد أمين . ظهر الإسلام . القاهرة 1964 . مطبعة النهضة المصرية . الطبعة الثالثة . ج 4 ص 31 – 40 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 02:07 PM
إن هذا التساؤل هو الأساس الذي اعتمد عليه الباحث في التشكيك بوجود نص من النبي (ص) على الإمام علي(ع)، فإذاً، وحسب هذا التساؤل للباحث، إذا كان هناك نص من النبي (ص) للإمام علي(ع) فإن هذا يؤكد المرويات التي تشير لحدوث عنف أو اضطهاد ضد الإمام من قبل السلطة الجديدة والتي لجأت لهذا الأسلوب سعياً لتجاوز هذه الشرعية عن طريق استخدام القوة، وليس ثمة جديد يقدمه أي ناقد في هذا المجال في حال طرح كم الأحاديث الدالة على هذا النص، والتي امتلئت بها الكتب المذهبية لدى الفريقين، ولم يسعى حتى السُنة إلى نقدها بقدر ما سعوا إلى محاولة تأويلها بما لا يتعارض مع مذهبهم، إلا أن التعامل التاريخي مع هذه الأحداث يظل هو الأساس في نقد هذه الدراسة التي تتناول حادثة تاريخية .
إن فكرة وجود نص على الإمام علي(ع) كانت راسخة في الأوساط الشيعية عموماً وفي أوساط العلويين على وجه الخصوص، بما لا يمكن لأي باحث تاريخي إنكاره بمثل هذه السهولة التي يستخدمها أحمد الكاتب والتي تعتمد على إطلاق الأحكام العامة دون استدلال حقيقي وتجاوز بشكل شعاراتي أكثر مما هو حكم تاريخي يقوم على أدلة .
إن التأكيد على هذا النص بدأ عن طريق الإمام علي(ع) ذاته والذي سعى لإحيائه والاستدلال به عقب توليه الخلافة سنة 35 هـ كما نقل عنه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده : " ولأحمد عن أبي الطفيل قال : جمع علي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة، ثم قال لهم : انشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، فشهدوا أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال : " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه "(109) إن أهمية هذه المروية تنبع من توضيحها للكيفية التي فهم بها الإمام علي(ع) نص غدير خم والتي تنحاز بشكل واضح لرأي الشيعة .
وهذا التصور انتشر بشكل واضح حتى قبل خلافة الإمام علي(ع) وهو ما أطلق عليه المؤرخون السنة لقب " السبئية "، وبغض النظر عن حقيقة وجود شخصية عبد الله بن سبأ فإن هذا اللقب كان يطلق عموماً على الشيعة المؤمنين بوجود نص من النبي (ص)، والمؤكد أن هذه الآراء التي نُسبت للسبئية كان مقبولة لدى بعض الصحابة كأبي ذر وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي حذيفة، وصعصعة بن صوحان، ومحمد بن أبي بكر، ومالك الأشتر، وعبد الرحمن بن عديس البلوي، أبي الطفيل عامر بن وائلة(110) ولم تجد المدونات التاريخية السُنية مبرراً لهذا الاعتقاد لدى الصحابة سوى الادعاء بتعرضهم لخديعة على يد شخصية مجهولة من أصول يهودية كان لها الفضل في إقناعهم بهذه العقائد(111)، وبغض النظر عن سذاجة هذا التبرير، فالحقيقة الثابتة تشير إلى أن الاعتقاد بوجود نص حول الإمام علي(ع) كان متواجداً ومتداولاً في تلك الفترة، وتذكر المصادر التاريخية العديد من الأدلة على وجود هذا الاعتقاد لدى الصحابة، فيروى عن أبي ذر الغفاري أنه كان يقول في عهد عثمان : " محمد وارث علم آدم وما فضل به النبيون، وعلي بن أبي طالب وصي محمد، ووارث علمه . أيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها ! أما لو قدمتم من قدم الله، وأخرتم من أخر الله، وأقررتم بالولاية والوراثة في أهل بيت نبيكم لأكلتم من فوق رؤوسكم ومن تحت أقدامكم "(112).
وقد استمر تداول هذه الفكرة في الأوساط الشيعية طوال المراحل الزمنية اللاحقة، فالمدونات الرجالية السُنية تصف أبي هاشم بن محمد بن الحنفية بكونه من السبئية وراوي لأحاديثهم في إشارة إلى اعتقاده بوجود وصية للإمام علي(ع)(113) .
وفي العهد العباسي أدى الخلاف ما بين العلويين والعباسيين إلى شيوع هذا المعتقد بشكل كبير، وقد استدل محمد بن عبد الله الحسني بوصية النبي (ص) للإمام علي(ع) لإثبات حق العلويين في رسالته لأبي جعفر المنصور سنة 145 هـ : " وأن أبانا علياً كان الإمام، فكيف ورثتم ولايته دون ولده "(114)، ويقول في رسالته إلى أتباعه : " فلما قبض رسول الله كان أولاهم بمقامه، ليس لأحد مثله في نصرته لرسول الله وأخ ليس لهم مثله له جناحان يطير بهما في الجنة، وعم له هو سيد الشهداء في جميع الأمم، وابنان هما سيدا شباب أهل الجنة، وله سيدة نساء العالمين «زوجة» ... فأوصى بها أبو بكر إلى عمر عن غير شورى، فقام بها عمر وعمل في الولاية بغير عمل صاحبه، وليس بيده منها عهد من رسول الله ولا تأويل من كتاب الله "(115) .
إن الادعاء بأن عقيدة النص على الإمام علي(ع) هي عقيدة نشأت في مرحلة متأخرة، أو عقيدة تمت صياغتها بعيداً عن البيت العلوي والصحابة المقربين له يصطدم بالعديد من الدلائل التاريخية التي تؤكد أن هذا المعتقد كان راسخاً بين العلويين وأتباعهم وهم من تولوا نشره وترويجه سواء قبل خلافة الإمام علي(ع)، أو في أثناء الصراع مع الأمويين والعباسيين .
إن النصوص التي تنقلها المدونات السُنية ضد عقيدة النص تمثل أكبر إثبات على وجود هذه العقيدة منذ عهد النبي (ص) وكونها كانت محل خلاف بين اتجاهين من المسلمين عقب وفاة النبي (ص)، وعلى سبيل المثال وجه سؤال للسيدة عائشة عن إن كان هناك وصية للإمام علي(ع) فأجابت : " متى أوصى إليه فقد كنت مسندته إلى صدري – أو قالت : حجري – فدعا بالطست فلقد أنخنث في حجري وما شعرت أنه قد مات، فمتى أوصى إليه "(116)، ولا ريب أن هذه المقولة للسيدة عائشة كانت في مرحلة الخلاف مع الإمام علي بن أبي طالب(ع)، وإنكارها للوصية بهذا الشكل إلى درجة ادعاء أنها كانت آخر من شهد النبي (ص)، ناتج عن إذاعة الإمام علي(ع) لها بما يعني الطعن في شرعية إمامة والدها الخليفة الأول .
لقد شهد موقف السيدة عائشة تغيراً في مرحلة لاحقة عندما اعترفت أن الإمام علي(ع) هو آخر من شهد النبي (ص) كنتيجة لحالة العداء التي نشأت بينها وبين السلطة الأموية عقب قتل شقيقها عبد الرحمن في ظروف غامضة لرفضه مشروع معاوية بمبايعة ابنه يزيد كخليفة من بعده(117)، ولا مجال للجمع بين هذه المرويات المتعرضة لأم المؤمنين سوى أنها – فيما يخص الإمام علي – كانت تُخضع مروياتها لمصالح التيار السياسي الذي تؤيده، وهي لم تكن لتتكلف محاولة إنكار حقيقة كون الإمام علي(ع) هو آخر من شهد النبي (ص) في حال كانت العلاقة بينه وبين والدها الخليفة الأول بمثل هذا القدر من الود والمثالية التي يوحي بها الباحث .
لقد ربط الباحث في عبارته السابقة بشكل متعسف بين خلافة أبي بكر ومبدأي الشورى والاختيار، ورغم أنه قد سبق توضيح عدم وجود علاقة بين التجارب السابقة على الإمام علي(ع) وبين نظريتي الشورى والاختيار، إلا أنه من الضروري توضيح حقيقة النظريات السياسية التي ترتبط بهذه التجارب في الحكم .
ومن الغريب أن أحمد الكاتب لم يوضح بالضبط ما هي نظرية الاختيار والشورى التي استقاها من هذه التجارب ؟ أو كيف استدل على الشورى من المرويات التاريخية التي تروي أساليب اعتلاء هؤلاء الخلفاء للسلطة ؟ وما هي بالضبط الانتقادات التي يوجهها لعقيدة النص بالإمامة ؟ .
إن فكرة الشورى والاختيار لا يمكن اعتبارها متحققة في هذه التجارب والتي رسخت نظريتين أساسيتين : الأولى : أن الحكم في التشريع الإسلامي هو حق لقريش حسب قول أبي بكر للأنصار : " لم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً "(118)، أو ما رواه الإمام أحمد في مسنده أن أبو بكر قال لسعد بن عبادة أثناء السقيفة : " ولقد علمت يا سعد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال وأنت قاعد : قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم "(119)، فالشورى حتى لو كان لها وجود فهي قاصرة على اختيار شخصية من القرشيين، وتم تجاهل الأنصار والمسلمين الآخرين سواء من الشورى أو تولي السلطة، وهي نظرية تقوم على العصبية القبلية وتتنكر لحقيقة أن العديد من القرشيين كانت لهم مشاعرهم العدائية ضد الإسلام ورغم ذلك فقد صار من حقهم تولي السلطة وخلافة النبي (ص) لمجرد انتماؤهم لقريش .
أما الثانية : منح الخلفاء سلطة التوصية بمن يلي هذا المنصب من بعدهم بغض النظر عن رأي المسلمين، وذلك حسب الأسلوب الذي تولى به عمر بن الخطاب للسلطة(120)، وهو أسلوب لا يمكن لأحمد الكاتب وصفه بالشورى إطلاقاً .
على أن الباحث يبدأ في مرحلة تالية باستخدام لغة الاتهام المبطن والتي قد توفر عليه الاضطرار لتقديم أي دلائل أو رؤية محددة، وعلى الرغم من أنه يتهم المؤلفين من الإمامية باختلاق نصوص تاريخية تؤيد تصورهم الجديد عن الإمامة الإلهية، إلا أن اتهاماته اتجهت إلى الطعن حتى في مرويات المدونات السُنية بلهجة غامضة ولا توضح من المقصود بالاتهام على وجه التحديد هل هم المؤلفون الشيعة أم المؤلفون من السُنة ؟ : " ولكي تتم الصورة، لا بأس بأن تروى قصة التهديد بحرق الدار عن حفيد عمر بن الخطاب عن ابن مولاه زيد بن أسلم . كما في رواية ابن أبي شيبة . وإذا لم تنهض الروايات "السنية " بتشكيل الصورة "التاريخية" فلا بأس أيضا بأن تنسج روايات خاصة "شيعية" حول الموضوع ، ويضاف إليها الكثير " وقد يكون من المقبول أن يتهم الباحث المؤلفون الشيعة بتلفيق مرويات في مدوناتهم – بغض النظر عن صحة أو خطأ هذا الاتهام – إلا أنه من غير المفهوم أو المقبول أن يدعي بأن الشيعة قد قاموا بتلفيق مرويات في المُدونات السُنية، كما يبدو ظاهراً من نصه السابق، فبالإضافة إلى أنه لا يملك دليل على هذا التخمين غير المحدد أو الواضح فإن قيام الشيعة بهذا التصرف تجاه المدونات السُنية يبدو صعباً مع حالة الاضطهاد الديني والسياسي التي تعرضوا لها، من قبل الحكومات المتعاطفة مع المذهب السُني، وما مارسه علماء السُنة والمذاهب المختلفة من رقابة على المؤلفات المنسوبة لمذاهبهم، وكانت قادرة على نفي أو رفض أي كتاب ينسب إليها في حين لا يعبر تماماً عن معتقداتها، ولعل حادثة طرد المعتزلة لابن الراوندي من بين صفوفهم لاختلافه معهم في بعض التعاليم الأساسية التي روج لها بمؤلفاته هي المثال الأكثر شهرة على حالة الانضباط والرقابة على المؤلفات المذهبية من قبل المنتمين لها(121)، خاصة مع حالة الصدام المذهبي التي سادت في الدولة العباسية وخشية علماء كل مذهب من استغلال منظرو المذاهب الأخرى لمثل هذه الثغرات في المناظرات المذهبية، وهنا نتساءل عن دور علماء السُنة في فضح واكتشاف هذا التلفيق في كتبهم ؟
إن كتاب " الإمامة والسياسة " لابن قتيبة الدينوري والذي طعن فيه الباحث رغم لجوءه إليه في مرويات هي من الأسس التي قام عليها بحثه، نموذج صريح للمصادر السُنية التي تناولت مرويات الاعتداء على أهل البيت (ع) عقب سقيفة بني ساعدة، وبينما يشكك السلفيون – في العصر الحديث – في نسبة هذا الكتاب لابن قتيبة الدينوري ونقل الباحث هذا الرأي عنهم كالعادة بشكل سلبي غير واعي دون طرح أي دليل، يعترف أكثر المؤلفين السنيين تعصباً وهو أبو بكر بن العربي المالكي (ت / 543 هـ) بنسبة هذا الكتاب إليه في كتابه العواصم من القواسم : " ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل، أو مبتدع محتال . فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب (الإمامة والسياسة) "(122)، ورغم غضب المؤلفين السُنة من وجود مثل هذه المرويات في مدوناتهم وما تمثله لهم من حرج أحياناً ومحاولة بعضهم إخفاءها بشكل مفضوح كما فعل محمد بن جرير الطبري بالرسائل المتبادلة بين محمد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان في تاريخه : " أن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية بن أبي سفيان لما ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة "(123) فإن أحد منهم لم يلجأ إلى الطعن في المصادر السنية التي تناولت الحادثة أو الادعاء بأن الشيعة هم من لفقوا هذه الأخبار فيها، وهذا الأسلوب لجأ إليه السلفيين بسبب حالة الخصومة العقائدية بينهم وبين الشيعة، وتطبيقهم لمنهجهم الذي يعتمد على النظر للتاريخ كما يريدونه هم وكما يخدم مصالحهم المذهبية لا كما هو حقيقي وواقعي، وهو منهج لخصه ابن العربي في كتابه سالف الذكر : " إنما ذكرت لكم هذا لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين، والمؤرخين، وأهل الآداب، فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين، أو على بدعة مصرين، فلا تبالو بما رووا، ولا تقبلوا رواية إلا عن أئمة الحديث، ولا تسمعوا لمؤرخ كلاماً إلا للطبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر، والداء الأكبر "(124)، فرغم انتماء هؤلاء المفسرين، والمؤرخين، وأهل الآداب للمذهب السُني فإن هذا لم يشفع لهم لدى ابن العربي لأنهم لا ينظرون إلى التاريخ بنفس أسلوبه وأسلوب أهل الحديث، والوحيد الذي حصل على اعترافه هو محمد بن جرير الطبري، ربما للجوئه إلى أسلوب الإخفاء المرويات المثيرة للإزعاج والحرج .


109 – السيوطي . م . س . ص 158 .
110 – مرتضى العسكري . م . س . المجلد الأول . ص 36 / عبد الحسين شرف الدين . م . س . ص 83 .
111 – مرتضى العسكري . م . س . المجلد 1 . 31 – 41 .
112 – أحمد بن واضح اليعقوبي . م . س . ج 2 ص 171 .
113 – جمال الدين المزي . م . س . ج 16 ص 30 .
114 – أبو العباس أحمد بن إبراهيم . المصابيح . تحقيق / عبد الله بن عبد الله بن أحمد الحوثي . صنعاء 1999 . طبعة مؤسسة الإمام زيد الثقافية . نسخة كومبيوترية . (فصل / الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الذكية . فقرة / مكاتبات بين النفس الذكية والسفاح) .
115 – م . س . (فصل / فصل / الإمام محمد بن عبد الله بن الحسن النفس الذكية . فقرة / كتابه إلى خواص أصحابه) .
116 – مسلم بن الحجاج النيسابوري . صحيح مسلم . نسخة كومبيوترية . موقع www.sahab.org. ج 3 ص 79 .
117 – مرتضى العسكري . معالم المدرستين . قم 1996 . طبعة المجمع العلمي الإسلامي . ج 1 ص 335 – 340 .
118 – جلال الدين السيوطي . م . س . ص 63 .
119 – م . س . ص 65 .
120 – م . س . ص 122 .
121 – أحمد أمين . م . س . ج 4 ص 12، 13 .
122 – أبو بكر ابن العربي . العواصم من القواسم . تحقيق / محب الدين الخطيب . تعليق / محمود مهدي الاستانبولي . القاهرة 1405 هـ . ص 261 .
123 – الطبري . م . س . ج 3 ص 68 .
124 – ابن العربي . م . س . ص 260 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 02:10 PM
ومن الطريف أن يتجاوز الباحث بشكل صارخ في هذا النص عن أحد القواعد الأربعة التي وضعها سابقاً بما يشكل توضيحاً لأسلوبه في التعامل مع التاريخ، فرغم تحذيره المتطرف في القاعدة الرابعة من اللجوء للافتراض والتخمين في طرح القضايا التاريخية، لجأ في هذا النص وبتناقض صارخ لاستخدام قدراً متطرفاً يتجاوز الافتراض والتخمين إلى درجة التخيل البحت، ولا يعني هذا التناقض سوى وقوع أحمد الكاتب في خطأ إخضاع المنهج – إذا اعتبرناه كذلك – للنتيجة المفترضة .
إن زمن هذا التلفيق حسب تصور الباحث هو القرن الثالث أو الرابع الهجري، وهذا التحديد الزمني من قبل الباحث يرتبط بغياب أئمة أهل البيت (ع) ووصول نظرية الإمامة إلى طريق مسدود – حسب تعبيره – في دلالة بارزة على غياب العقل الإسلامي وانحدار الحضارة الإسلامية .
إن الفترة الزمنية التي يعنيها الباحث هي بشكل أكثر دقة تبدأ من العام 260 هـ وتمتد لتشمل القرن الرابع الهجري، يقول الباحث : " وإذا ما عدنا إلى أواسط القرن الثالث الهجري، فانا سوف نواجه ما يسمى بـ : " الحيرة " التي ضربت الشيعة الإمامية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر) سنة 260 هـ دون خلف ظاهر معروف، وهو ما أدخل شيعته في أزمة حادة أدت إلى تفرقهم إلى أكثر من أربع عشرة فرقة، وافتراض بعضهم (وهم الأثنا عشرية) وجود ولد مستور له، قالوا انه غائب وسوف يظهر في المستقبل ... ومن ذلك الحين لم يظهر الإمام المفترض الغائب "محمد بن الحسن العسكري" مما أدى إلى أن تصبح النظرية الإمامية نظرية تاريخية وهمية غير قابلة للتطبيق . ومع ذلك فان أنصار النظرية ظلوا يتحمسون لتأييد نظريتهم ونقد نظرية الشورى والاختيار، ويحاولون قراءة التاريخ بشكل مغاير لسلوك أهل البيت والإمام علي، وكتابته من جديد. ومن أجل ذلك تشبثوا بحكاية تهديد عمر بحرق بيت فاطمة الزهراء، وحولوا التهديد المفترض إلى واقع تاريخي ثابت، وأضافوا على الحادث كثيرا من الرتوش الأخرى مثل ضرب الزهراء وعصرها وراء الباب وكسر ضلعها وإسقاط جنينها "محسن" ووفاتها على إثر ذلك " .
إن هذا التحديد الزمني للمرويات المتعرضة للاعتداء على أهل البيت (ع) قد يكون موضع مناقشة بالنسبة للمدونات الشيعية، إلا أنه ليس كذلك بالنسبة للمرويات الواردة عن طريق الرواة السُنة في المدونات السنية، والتي ذكرت هذه الحوادث نقلاً عن مدونات لمؤلفين سُنة عاشوا قبل القرن الثالث، أو كانت وفاتهم في أوائل القرن الثالث مما يعني أن نشاطهم العلمي كان في القرن الثاني كالمدائني (ت / 224 هـ) وسعيد بن كثير بن عفير (ت / 226 هـ)، وابن أبي مريم (ت/ 253 هـ) وقد وجدت في مؤلفات كتاب سُنة عاصروا الأئمة (ع) كابن قتيبة (ت / 270 هـ)، والبلاذري (ت / 277 هـ)، والطبري (ت/310 هـ) ولم يصدر نقد لآرائهم من قبل الأئمة (ع)، وهؤلاء العلماء كتبوا مصنفاتهم تحت رقابة الدولة العباسية المعادية للشيعة تقليداً من منطلق ارتباطهم بجهاز الحكم العباسي بشكل أو بآخر، وبالتالي فلم تكن لهم مؤثرات أو عواطف شيعية، بل أن المؤلفين ذوي الاتجاهات الشيعية كاليعقوبي (ت / 284 هـ) والذي كان يعمل في الإدارة العباسية ومع خضوعه – حسب وضع وظيفته – لرقابة العباسيين إلا أنه ذكر هذه الحادثة، مما يعطي تصور عن أن هذه الأحداث كانت متفق عليها بين المؤرخين وإن وجدت اختلافات حول المدى الذي وصل إليه الخلاف والصراع بين أهل البيت (ع) والسلطة، وتأخر تدوين هذه المرويات مرتبط بالأساس بتأخر عملية تدوين العلوم في العالم الإسلامي عموما حتى سنة 143 هـ عندما سمح بها أبو جعفر المنصور بعد أن كانت ممنوعة في العهد الأموي(125).
وفي كل الأحوال لا يمكن للباحث إطلاق مثل هذا الحكم بكل بساطة كعادته في هذه الدراسة خاصة أن أقصى دلائله هو احتياج الشيعة لمثل هذه الحوادث التاريخية لتماسك نظرية الإمامة عقب اختفاء الإمام المهدي(عج)، وهذا الدليل رغم معقوليته الظاهرية إلا أنه لا يعني كون الحادثة ملفقة خاصة مع وجودها بكثافة في المدونات السُنية وإن كانت بعض المرويات لجأت لتحريف نهايات الصراع بما لا يتناسب مع بداياته، إلا أنه قد يعد تبرير لسبب تطرف بعض الشيعة في ربط هذه الحادثة بالإمامة، وهذا الاتجاه في تحميل القضايا التاريخية بُعداً عقائدياً ليس خاصاً بالشيعة فقط، بل هو أسلوب تستخدمه كل التيارات الدينية المتصارعة عموماً، وقضية عبد الله بن سبأ نموذج واضح عند السُنة .
وبغض النظر عن رأي الباحث في عقيدة الإمامة ووجود الإمام المهدي(عج) والتي يجب نقاشها في إطار نقد مؤلفه الأساسي (تطور الفكر السياسي الشيعي)، فإنه قد وضع عقيدة الإمامة في مواجهة عقيدة الاختيار والشورى كما لو أنهما كانا عقيدتين مطروحتين في القرن الثالث الهجري وكان يجب على الشيعة الاختيار بينهما، إن هذه الافتراضات الخيالية للباحث لم يكن لها وجود في العصور الوسطى والتي لا يعد التاريخ الإسلامي شاذاً عنها، فكيف يمكن للباحث التحدث عن الشورى والاختيار في إطار سيطرة أسرة استبدادية تعتمد الإقطاع كنمط إنتاج كالأسرة العباسية ؟ وما هي الطائفة أو المذهب الذي طرح هذا المبدأ في مقابل عقيدة الإمامة والنص ؟
لقد اشتهر الخوارج عموماً بتبني مبادئ شبيهة بالتي يدعو إليها أحمد الكاتب، إلا أن تجربتهم في الحكم في القرن الثالث الهجري لم تختلف كثيراً عن الدول الأخرى سواء من خلال الدولة الرستمية الإباضية في تاهرت، أو الدولة المدرارية الصُفرية في سجلماسة(126)، أما السُنة فقد تحالفوا مع الدولة العباسية بداية من حكم المتوكل العباسي الذي أطلقوا عليه لقب مُحيي السُنة، بعد أن استقدم المحدثين إلى سامراء، ومنحهم الأموال بسخاء(127) ومن غير المتوقع إطلاقاً أن يكون هذا الرأي مطروحاً لديهم خاصة بعد ظهور مرويات منسوبة للنبي (ص) ووصفت بالصحة في مدوناتهم تتنبأ بأن الخلافة لن تخرج من بني العباس حتى ظهور المهدي، وكان هذا الحديث أحد أسباب التي استدل بها السيوطي على عدم شرعية الخلافة الفاطمية في مقدمة كتابه تاريخ الخلفاء(128) .
إن وصف الباحث لعقيدة الإمامة الشيعية بكونها عقيدة وهمية غير قابلة للتصديق بسبب غيبة الإمام المهدي(عج) يمثل تجاوز حانق للغاية، فانقسام الشيعة إلى 14 فرقة حول الإمام المهدي(عج) هو تصور نقله الباحث من مؤلف النوبختي فرق الشيعة(129)، وهذا العدد مبالغ فيه للغاية حيث أن مراجعة الآراء التي نادت بها هذه الفرق حول الإمام المهدي(عج) سوف يختصرها إلى 5 فرق تقريباً، فقد رأت الفرق الأولى والثانية والتاسعة والحادية عشرة أن الإمامة انتهت عند الإمام الحسن بن علي(ع)(130)، في حين رأت الفرق الثالثة والرابعة والثالثة عشرة إمامة جعفر بن علي(131)، واعتقدت الفرق الخامسة والعاشرة إمامة الأخ الثاني للإمام الحسن(ع) محمد بن علي رغم وفاته إلا أنها رأت أن الإمامة في نسله(132)، أما الفرق السادسة والسابعة والثانية عشرة والرابعة عشرة فقد اعتقدت بوجود ابن للإمام الحسن بن علي هو الإمام بعده واسمه محمد بن الحسن (عجل الله فرجه) وإن اختلفت في توقيت ولادته وكيفية ظهوره(133)، وأخيراً الفرقة الثامنة انفردت برأي غريب وشاذ عن أن " هناك حبل قائم قد صح في سرية له – الإمام الحسن بن علي(ع) – وستلد ذكراً إماماً متى ما ولدت "(134) .
على أن من الواضح تماماً أن بعض هذه الفرق وهمية، فالفرق كالخامسة والعاشرة على سبيل المثال لا يذكر التاريخ لهما أي وجود حقيقي ولم يعرف أن أحد أبناء محمد بن علي الهادي قد ادعى الإمامة بعد الغيبة، بل اقتصر هذا الادعاء على جعفر بن الإمام الهادي(ع)، أما الفرقة الثامنة فإن رأيها الغريب يدل بشكل واضح على عدم وجودها على الإطلاق من حيث كونه غير منطقي أو مقبول في الوسط الشيعي، أما الفرق التي ذكر النوبختي أنها أيدت ادعاء جعفر للإمامة فهناك بعض الشكوك حولها خاصة أن النوبختي ذكر أن إحداها أنكرت صحة إمامة الإمام الحسن بن علي(ع) وهو رأي غير مقبول خاصة مع الأخلاقيات المعلنة والمشهورة لجعفر بن علي بما لا تمكن أي موالي لتراث أئمة أهل البيت من الاعتقاد بإمامته .
والسمة الواضحة لهذه الفرق أن النوبختي لم يذكر أي أسماء لعلمائها أو مدونات لها، مما قد يشير إلى أنها على فرض صحة وجود بعضها لم تستمر لفترة طويلة كما لم تحز الكثير من الأتباع بين الشيعة .
إن الملاحظ على كتب الفرق بصفة عامة هي أنها قد تُطلق لقب فرقة على أي رأي مطروح في نطاق مذهب معين حتى لو كان يفتقد إلى مؤيدين، وليس من المُستبعد أن تكون هذه الآراء قد طُرحت وعلى الأخص الدعوة لإمامة جعفر بن الإمام علي الهادي(ع)، إلا أن عدد مؤيدي هذا الاتجاه بالتأكيد لم يكن يمثل قيمة سواء من ناحية مكانتهم العلمية أو عددهم مقارنة بالشيعة الذين التزموا بولاية الإمام المهدي(عج) .
إن حالة الحيرة التي يتحدث عنها الباحث لم تؤد بالشيعة إلى إتباع مذهب السُنة وإنما أدت بالقليل منهم إلى التوجه لفرق واتجاهات شيعية أخرى استغلت هذه الفرصة للإعلان عن وجودها كالزيدية في اليمن والاتجاه الإسماعيلي، وربما كان هذا الرفض للتخلي عن الإمامة ناتج عن وعي الشيعة عموماً بأن انتهاء الإمامة – على فرض صحته – لا يعني انتهاء المذهب الذي يقوم على أفكار وآراء عقائدية وفقهية وسلوكيات تعلموها من أهل البيت (ع) لم تتوقف كما توقفت الإمامة، وإلا فقد كان من المفروض على السُنة التخلي عن مذهبهم عقب انتهاء الخلافة العباسية قبل ظهور السيد المسيح أو المهدي حسب الحديث الصحيح لديهم، وربما من المفيد بالنسبة للباحث الإشارة إلى أن الإمامة الوحيدة المستمرة حتى الآن هي الإمامة الإباضية في سلطنة عمان، ومن غير الممكن اعتبار ذلك دليلاً على صحة المذهب الإباضي بشكل عام .


125 – السيوطي . م . س . ص 243 .
126 – محمود إسماعيل عبد الرازق . الخوراج في بلاد المغرب . الدار البيضاء 1985 . طبعة دار الثقافة . ص 112 – 127، 144 – 182 .
127 – السيوطي . م . س . ص 320 .
128 – م . س . ص 8، 16، 17 .
129 – النوبختي . م . س . ص 96 .
130 – م . س . ص 96 – 98 ، 105، 108 .
131 – م . س . ص 98 – 100، 112 .
132 – م . س . ص 100 – 102، 106 – 108 .
133 – م . س . ص 102، 103، 108، هامش ص 96 . أورد النوبختي آراء ثلاثة عشرة فرقة فقط وقد نقل محقق الكتاب السيد الشهرستاني رأي الفرقة الرابعة عشرة من كتاب الفصول المختارة للسيد المرتضى .
134 – م . س . ص 103 – 105 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 02:15 PM
نقد المرويات الشيعية



يبدأ أحمد الكاتب نقاشه للمرويات الشيعية بتكرار لأسباب تدوينه لهذا البحث المرتبط بالعلاقات السُنية الشيعية : " إن الروايات التي تداولها الشيعة الإمامية عن الموضوع، ارتقت لدى بعضهم إلى درجة " التواتر والتضافر والإجماع " وشكلت بذلك شبهة أو عقدة في نظرتهم إلى عمر بن الخطاب. ومع إنهم لم يستطيعوا عبرها إن يعيدوا الخلافة إلى أهل البيت، ولكنهم نجحوا في زرع العداوة والبغضاء ضدهم في قلوب محبي أبي بكر وعمر من بقية المسلمين " إن نتائج تداول مثل هذه المرويات قد يكون لها بالفعل تبعات سلبية في العلاقات السُنية الشيعية ناتج عن نوع من ضعف الوعي لدى الجانبين، حيث يقوم كل منهما بإسقاط الخلفيات التاريخية على علاقته الحالية المباشرة بالآخر، إلا أن ذلك لا يعني تجاهل الحقيقة التاريخية أو تزييفها في سبيل تحسين أو تلفيق هذه العلاقات، إن تذكر المسلمين الشيعة للاعتداءات التي وقعت على أهل البيت (ع) من قبل السلطة الحاكمة ربما لن يعيد الخلافة إلى أهل البيت (ع) كما يقول الباحث بلهجة تهكمية، إلا أنه يمثل توعية بأصول الخلل الذي انتاب المجتمع الإسلامي عقب وفاة النبي (ص)، والمقدار الحقيقي لمصداقية ممارسات وأقوال الشخصيات التي تولت السلطة أو أيدتها بعد وفاة النبي (ص)، وهي ممارسات وأقوال تمثل قدراً كبيراً من الخلفيات العقائدية والفقهية لبعض المذاهب سواء المنقرضة كالمعتزلة أو التي مازالت تطرح نفسها على الساحة الإسلامية كالسُنة والإباضية، وتوضيح المكانة الحقيقية لأهل البيت (ع) في المعتقد الإسلامي .
ويطرح الباحث بعد استعراضه لأقوال بعض علماء الشيعة عن كون هذه المرويات متواترة تساؤلاته الافتراضية المكررة حول قيمة هذه المرويات العلمية : " بعد أن اطلعنا على روايات المؤرخين "السنة" يجدر بنا أن نطلع على حقيقة روايات الشيعة، لننظر مدى قيمتها العلمية، وفيما إذا كانت حقا متواترة؟ أم ليست سوى إشاعات وأساطير وروايات غير مسندة " .
إن المروية الأولى التي اصطدم بها الباحث هي مروية في كتاب " السقيفة " أو كتاب " المعرفة " لإبراهيم بن محمد الثقفي (ت / 280 أو 283 هـ)(135)، وكلا الكتابين مفقود وإن نقل علماء الشيعة الأوائل بعض مروياته في كتبهم، وهي : " والله ما بايع علي حتى رأى الدخان قد دخل بيته "(136) وقد نقلها السيد المرتضى الموسوي(ره) في كتاب الشافي في الإمامة، كما نقل عنه عدة مرويات أخرى ربما تمنحنا رؤية عن الأسلوب الذي بايع به الإمام علي(ع) عقب وفاة السيدة فاطمة(ع)، ولعل أهمها هذه المروية : " وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمير عن أبيه عن صالح بن أبي الأسود عن عقبه بن سنان عن الزهري قال: ما بايع علي عليه السلام إلا بعد ستة أشهر، وما اجترى عليه إلا بعد موت فاطمة عليها السلام "(137) وتفسر هذه المروية بعض نقاط الضعف في المروية الأولى التي توحي بأن مبايعة الإمام علي(ع) للخليفة الأول تمت عقب السقيفة مباشرة بما يتعارض مع ما هو معروف بأن الإمام علي(ع) لم يبايع إلا بعد ستة أشهر، على أن المروية الثانية تشير إلى وجود أعمال عنف قامت بها السلطة تجاه الإمام(ع) عقب وفاة السيدة الزهراء(ع) لإجباره على البيعة " وما اجترى عليه إلا بعد موت فاطمة عليها السلام "، الأمر الذي يُفهم منه أن الهجوم الذي تشير إليه مروية الثقفي الأولى تم عقب وفاة السيدة الزهراء عليها السلام.
إن الباحث خص هذه المروية بالرفض نظراً لتناولها الاعتداء بشكل صريح، متجاهلاً المرويات الأخرى في الكتاب عن نفس الراوي والتي تدعم المروية الأولى، وقد لجأ كالعادة إلى الطعن في الكتاب ككل على أساس فقدان النسخ الأصلية، واعتراف الشيخ النوري في المستدرك بوجود بعض التصحيفات في الكتاب من قبل النُساخ السُنة، مما يُفقد هذه المروية أي مصداقية لها من وجهة نظر الباحث .
على أن الاستدلال بفقدان النُسخ الأصلية لا علاقة له بعدم صحة وجود هذه المروية التي نقلها المرتضى في كتاب الشافي، ويشير هذا الكتاب إلى أن مؤلفات إبراهيم بن محمد الثقفي كانت متداولة ومعروفة إلى درجة أن المرتضى نصح بقراءة بعض كتبه ككتاب المعرفة : " ومن أراد أن يعتبر ما روي عن أهل البيت في هذا المعنى فلينظر في كتاب المعرفة لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي فإنه قد ذكر عن رجل رجل من أهل البيت عليهم السلام بالأسانيد البينة ما لا زيادة عليه "(138)، فالسيد المرتضى نقل عن هذا الكتاب مباشرة، وهذا التشكيك من الباحث لا يمكن تفسيره إلا في نطاق التشكيك في مصداقية السيد المرتضى بمعنى اتهامه بتلفيق هذه المروية على إبراهيم بن هلال الثقفي، وهو اتهام صرح به الباحث : " وإذا كان يمكن للعامة أن يحرفوا الكتاب فلماذا لا يمكن للخاصة أن يفعلوا ذلك ؟ ويضيفوا عليه ما يشاءون ؟ " إلا أن الباحث عموماً لم يقدم أي دليل على تلفيق أو تحريف السيد المرتضى لنص إبراهيم الثقفي، ولم يتجاوز هو كالعادة عن إثارة الاضطراب والتشويش على المصادر التي تتضمن مرويات مزعجة بالنسبة له، فالسيد المرتضى عموماً لم يكن في حاجة لمثل هذا التلفيق في كتب إبراهيم بن محمد الثقفي مع وجود مدونات أخرى للسنة نقلت هذه الأخبار، على أن الواضح أن هذا الخبر ليس غريباً على إبراهيم بن محمد الثقفي الذي تتهمه كتب الرجال السنية بالغلو في الرفض(139) وهو تعبير يفهم منه موقفه شديد السلبية من الخليفتين .
بالنسبة لدليله الثاني الخاص بموقف الشيخ النوري فقد مارس عدم الأمانة في النقل مرة أخرى عندما نقل رأي الشيخ النوري في وجود تصحيف قام به النُساخ السُنة في كتاب الغارات، بما قد يوحي بأن الشيخ النوري لا يرى أي مصداقية لهذا الكتاب، وعلى الرغم من أن المروية المنقولة في الشافي ليست في كتاب الغارات، وربما يكون السيد المرتضى قد نقلها من كتب أخرى للثقفي كالمعرفة أو السقيفة، إلا أن التصحيف الذي يشير إليه الشيخ النوري ارتبط بمروية واحدة ذكرها الثقفي في كتاب الغارات وهو العهد الذي كتبه الإمام علي(ع)، إلى واليه محمد بن أبي بكر(رض) وتضمن ذكر الوضوء، وقد نقلت في إحدى النسخ كالتالي : " اغسل كفيك ثلاث مرات و تمضمض ثلاث مرات و استنشق ثلاث مرات و اغسل وجهك ثلاث مرات ثم يدك اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق ثم يدك الشمال ثلاث مرات إلى المرفق ثم امسح رأسك ثم اغسل رجلك اليمنى ثلاث مرات ثم اغسل رجلك اليسرى ثلاث مرات "(140)، وهي بالتأكيد طريقة تختلف تماماً عن كيفية الوضوء المعروف عند الشيعة، إلا أن نفس هذا العهد نقله الشيخ المفيد عن إبراهيم بن هلال الثقفي بصيغة أخرى في هذه الجزئية فقط : " ثم أنظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة، وتمضمض ثلاث مرات، واستنشق ثلاثاً، واغسل وجهك، ثم يدك اليمنى، ثم يدك اليسرى، ثم امسح رأسك ورجليك "(141)، وبناء على هذا الاختلاف بين النُسخ الموجودة وبين النُسخة التي نقل منها الشيخ المفيد اعتبر الشيخ النوري أنه ثمة تصحيف جزئي قام به النُساخ السُنة في هذه المروية، والتصحيف والاختلاف بين نسخ الكتاب الواحد حالة معتادة عموماً في المخطوطات القديمة وينتج في الغالب عن سهو النُساخ، ولا مجال للبحث عن مخطوطة واحدة هناك اتفاق كامل بين نُسخها، إلا أن ذلك لا يُعد سبباً للتشكيك فيها أو الطعن في مصداقيتها .
إن الباحث يتساءل في نقده لمروية الثقفي : " فكيف يمكن أن نثق بأية رواية فيه يرويها رجال جاءوا بعده بسنين طويلة ؟ " وهنا يبدو أن الباحث يتجاهل عوامل التطور التي حدثت في الأوساط العلمية عقب سماح الخليفة العباسي وتشجيعه لتدوين العلوم سنة 143 هـ، فقد أصبح النقل المباشر أو الشفاهي قاصراً تقريباً على نصوص السُنة النبوية تحرياً للدقة فيها، أما العلوم الأخرى كالتاريخ فقد تم تدوينها ونسخها على يد النُساخ وساعد ذلك على انتقالها بسرعة إلى أقطار أخرى في العالم الإسلامي، وبالتالي فمن العبث البحث عن اللقاء المباشر بين المؤرخين بعد منتصف القرن الثاني الهجري، فالطبري لم يلتق مع معظم من نقل عنهم الأحداث التاريخية الخاصة بفترة النبي (ص) وما تلي وفاته من أحداث كحروب الردة وغيرها، ويمكن للباحث في هذا الإطار التشكيك في محمد بن جرير الطبري وما في كتابه من مرويات تاريخية إذا أصر على تبني هذا الأسلوب الاستسهالي في نفي كل المصادر التي تختلف عنه .
وعموماً فإن الباحث لم يثبت أن السيد المرتضى نقل هذه المروية عن كتاب الغارات الذي طعن فيه، وإن كان قد خلط بين كتابي الغارات والسقيفة للثقفي موحياً بأنهما كتاب واحد، رغم أن الشيخ الطوسي في الفهرست أشار إلى كل من الكتابين على حده(142)، وليس ثمة تفسير لهذا الخلط سوى رغبة الباحث في إدخال هذه المروية في إطار كتاب الغارات كي يشملها الطعن الذي وجهة لهذا الكتاب مستخدماً كلمات الشيخ النوري، لاحتمال أن يكون السيد المرتضى نقل هذه المروية عن كتاب السقيفة خاصة أنها ليست موجودة بكتاب الغارات .
وآخر الإشكاليات المنهجية التي وقع فيها أحمد الكاتب أثناء اندفاعه للتشكيك في كتاب الغارات للثقفي هو تناسيه أنه اعتمد عليه في إحدى مروياته الأساسية التي نقل عنها مديح الإمام علي(ع) للخليفتين في رسالته لأهل مصر مع قيس بن سعد عقب تعيينه والياً عليها، ولم يذكر أي من هذه الطعون أو التشكيكات في الكتاب والتي بالتأكيد تشمل نص المديح الذي سبق واستدل به .
المروية الثانية والتي وصفها الباحث بكونها الأكثر شهرة هي مروية كتاب سليم بن قيس (ت / 67 هـ) ، وقد أشار الباحث إلى أن هذه المروية انتشرت في القرن الرابع الهجري على يد عدد من الرواة بداية من أبان بن أبي عياش (ت / 138 هـ) وحتى أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت / 460 هـ) .
إن الباحث لم يوضح في الواقع أسباب أو دلائل تبنيه بأن كتاب سليم بن قيس قد انتشر في القرن الرابع على وجه الخصوص، إلا أن الواضح هو رغبة الباحث في إثبات نظريته عن انتشار مرويات الاعتداء على الزهراء(ع) في مرحلة لاحقة للأئمة .
لقد نقل ابن النديم (ت / 385 هـ) في كتابه الفهرست معلومات عن كتاب سليم بن قيس : " رواه عنه أبان بن أبي عياش لم يروه عنه غيره وقال أبان في حديثه وكان قيس شيخا له نور يعلوه وأول كتاب ظهر للشيعة كتاب سليم بن قيس الهلالي رواه أبان بن أبي عياش لم يروه غيره "(143) وهذا النص لابن النديم لا يتفق إطلاقاً مع رأي الباحث بل ربما يدل على أن انتشار هذا الكتاب في الوسط الشيعي كان معاصراً للأئمة خاصة أنه يصفه بأنه أول كتاب ظهر للشيعة .
لا يجد الباحث أي منهج للتعامل النقدي مع المرويات المعارضة له سوى التشكيك في المدونات التي ظهرت فيها وهي الوسيلة الوحيدة التي لجأ لها في إسقاط المرويات التي تنحو منحاً مخالف لنتيجته المحسومة مسبقاً، ومن ضمنها مروية كتاب سليم بن قيس، وهو بذلك لا يتجاوز على الإشكاليات المنهجية لديه فقط، وإنما يستُر حالة العجز البحثي لديه، وربما يحتاج الباحث إلى إدراك أن ضعف مروية أو حتى وضوح زيفها لا يعني أن الكتاب ملفق بالكامل، ومن الممكن للباحث التاريخي عموماً عن طريق دراسته الطبيعة الآراء المطروحة في الفترة الزمنية التي عاشها المؤلف والخلفيات الثقافية والدينية له وطبيعة نشاطاته الاجتماعية والسياسية إلى اكتشاف الأجزاء المضافة إلى المدونة والتي لا تتناسب مع أفكار أو عقائد المؤلف، خاصة أن الادعاء بتزييف المدونات التاريخية لا يفيده هو شخصياً، في هذا العصر هو الذي ظهرت فيه مدونات أخرى كصحيح البخاري، وصحيح مسلم ومسند أحمد وغيرها من المدونات التي تمثل الأساس بالنسبة للتراث الإسلامي .
إن أحد التشكيكات التي وجهها الباحث لكتاب سليم هو أن معظم من نقلوا مروياته لم يرووها بإسناد متصل، وعلى فرض صحة هذا الادعاء فإن الإسناد المُتصل ليس دليلاً على مصداقية أو تزييف أي مروية تاريخية خاصة بالنسبة للشيعة كمعارضين سياسيين تعرضوا للقمع على يد السلطات الحاكمة الأموية والعباسية .
على أن كتاب سليم بن قيس ذُكرت له سبع طرق ثلاث منها تنتهي إلى الشيخ الطوسي وواحدة إلى محمد بن صبيح وواحدة إلى ابن عقدة وواحدة إلى الشيخ الكشي وواحدة إلى الحسن بن أبي يعقوب الدينوري، وقد انتشرت هذه النُسخ عن طريق ثلاثة علماء من الذين تلقوا الكتاب عن ابن أذينة، وهم : عبد الرازق بن همام، حماد بن عيسى، وابن أبي عمير، وقد انتشرت نسخة عبد الرازق بن همام عن طريق ابن عقدة (333 هـ)، محمد بن همام بن سهيل (332 هـ)، محمد بن صبيح (334 هـ) .
النسخة الثانية وهي لحماد بن عيسى انتشرت عن طريق الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي، أما نسخة ابن أبي عمير فقد انتشرت عن طريق الشيخ الطوسي بأربع طرق متصلة إلى سليم بن قيس الهلالي(144) .
إن هذه الأسانيد ليست دليلاً على صحة كل مرويات كتاب سليم بن قيس الهلالي، ولا يرى الشيعة عموماً صحة كل ما يحتويه أي كتاب، خاصة مع كثرة التشكيكات التي أوردها بعض العلماء في الكتاب كالشيخ المفيد(ره) والتي نتفق فيها مع الباحث : " وأما ما تعلق به أبو جعفر – رحمه الله – من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عياش، فالمعنى فيه صحيح، غير أن هذا الكتاب غير موثوق به، ولا يجوز العمل على أكثره ، وقد حصل فيه تخليط وتدليس ، فينبغي للمتدين ان يتجنب العمل بكل ما فيه ولا يعوّل على جملته والتقليد لرواته ، وليفزع الى العلماء فيما تضمنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد "(145)، وعلى الرغم من هذا التشكيك الواضح للشيخ المفيد في كتاب سليم بن قيس، فإن الشيخ أيد صحة الحديث الذي نقله الصدوق عن كتاب سليم حول الحديثين المختلفين، مما قد يوحي بأن كلمة الشيخ المفيد ليس المقصود بها إنكار كل ما في الكتاب عموماً وإنما كانت إشارة إلى أن بعض المرويات في الكتاب غير صحيحة ولا يجب العمل بها قبل الرجوع للعلماء .
إن الملاحظ أن الباحث استغل الطعون الموجهة لبعض مرويات كتاب سليم بن قيس الهلالي كي يدعي ولو بشكل غير واضح أن المروية الواردة في كتاب سليم هي أصل المرويات الأخرى، متناسياً تماماً وجود مرويات سابقة لدى المدونات السنية، ووجود مرويات أخرى لدى الشيعة في تاريخ اليعقوبي وكتاب الغارات، وبالتالي فمرويات الاعتداء على الزهراء(ع) لم تبدأ مع كتاب سليم بن قيس، كما أنه من الغريب جدا ما طرحه الباحث من تصور حول الأئمة الإثنى عشر : " ورغم أن الكتاب يعتبر " أصل القول في حصر عدد الأئمة باثني عشر إماما " كما يقول المؤرخ الشيعي المسعودي في (التنبيه والإشراف) إلا انه تضمن أيضا رواية تشير إلى أن عددهم (ثلاثة عشر) وهي الرواية التي تقول: إن النبي (ص) قال لأمير المؤمنين عليه السلام : " أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق " . وقد نقلها الكليني في الكافي. وهذا ما دفع هبة الله بن احمد بن محمد الكاتب ، حفيد أبى جعفر محمد بن عثمان العمري ، الذي كان يتعاطى (الكلام) لأن يؤلف كتابا في الإمامة ، ويقول فيه : ان الأئمة ثلاثة عشر. ويضيف إلى القائمة المعروفة (الإمام زيد بن علي) كما يقول النجاشي في (رجاله). وربما كان اختلاف روايات (كتاب سليم) حول عدد الأئمة يعكس التذبذب والاختلاف الذي كان يعاني منه الشيعة الإمامية في (عصر الحيرة) قبل أن يستقر رأيهم على اثني عشر إماما، ثم يعرفوا بـ : " الاثني عشرية " في نهاية القرن الرابع الهجري "(146) وعلى الرغم من أن موضوع الإمامة ليس هو الموضوع الأساسي بالنسبة لهذا البحث فالباحث لا يترك أي فرصة دون محاولة الدخول في جدل ولو عابر يحاول فيه إثارة الشكوك حول هذه العقيدة، وهنا لم يكن الباحث موفقاً أبداً في محاولته، فقد وصف المسعودي بالشيعي كي تبدو مقولته أشبه باعتراف بوجود إشكالات على الإمامة حتى لدى الشيعة رغم أن كتب المسعودي المعروفة لا تشير إلى تبنيه للمعتقد الشيعي إطلاقاً وهناك خلاف عموماً حول مذهبه فقد عده السبكي شافعياً، في حين رأى آخرون أنه من المعتزلة، كما ترجم له الشيخ النجاشي باعتباره من الشيعة(147)، ومن الممكن أن يكون المسعودي قد تنقل ما بين هذه المعتقدات بالفعل، إلا أنه على كل حال لم يكن شيعياً حين تأليفه لكتاب التنبيه والإشراف وهو آخر مؤلفاته، وبإضافة هذه الكلمات للمسعودي مع رأي الباحث الذي طرحه في ذات السياق بأن كتاب سليم بن قيس انتشر في القرن الرابع الهجري فالمحصلة النهائية هي اعتقاد المسعودي بأن كتاب سليم بن قيس ظهر في القرن الرابع الهجري، وهو أول كتاب يشير إلى كون الأئمة إثنى عشر إماماً، وهذه هي النتيجة التي رغب أحمد الكاتب في إظهارها .
يقول المسعودي : " والكلام بين متكلمي العثمانية والزيدية من معتزلة البغداديين القائلين بإمامة المفضول، وغيرهم من البترية، وفرق الزيدية والقطعية بالإمامة الاثنا عشرية منهم الذين أصلهم في حصر العدد ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه، الذي رواه عنه أبان بن أبى عياش أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام " أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق " ولم يرو هذا الخبر غير سليم بن قيس "، إن المسعودي يستعرض في هذا النص وجهة نظره، على اعتبار مصداقية نسبة الكتاب إلى سليم بن قيس كما يبدو من ظاهر النص، والملاحظ أنه لم يلتفت إلى نص الحديث المروي في كتاب سليم والذي قد يصل بعدد الأئمة إلى ثلاثة عشر إمام ربما لإدراكه أن هذا الخطأ يرتبط بسهو النُساخ، خاصة أن كتاب سليم يحتوي على مرويات أخرى حددت عدد الأئمة بإثنى عشرة إمام(148) مما قد يؤكد أن نص الحديث قد تعرض للتصحيف، إلا أن اعتقاد المسعودي بانفراد سليم بن قيس برواية عدد الأئمة ليس دقيقاً إطلاقاً، والاعتقاد بكون الأئمة إثنى عشر ليس بدعة شيعية خاصة أنه مروي من طرق السُنة كذلك، وقد ذكر السيوطي عدد من محاولات بعض علماء السنة وضع معايير لتحقيق أسماء الأئمة الإثنى عشر الذين ورد ذكرهم في أحاديث النبي (ص)(149).
أما ما ذكره النجاشي عن هبة الله بن أحمد الكاتب، فقد أساء الباحث فهم عبارة الشيخ النجاشي عن هبد الله : " هبة الله بن أحمد بن محمد الكاتب، أبو نصر، المعروف بابن برنية، كان يذكر أن أمه أم كلثوم بنت أبي جعفر محمد بن عثمان العمري. سمع حديثا كثيرا، وكان يتعاطى الكلام، ويحضر مجلس أبي الحسين بن الشبيه العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتابا، وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين، واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي : إن الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين عليه السلام . له كتاب في الإمامة، وكتاب في أخبار أبي عمرو وأبي جعفر العمريين و رأيت أبا العباس بن نوح قد عول عليه في الحكاية في كتابه أخبار الوكلاء. وكان هذا الرجل كثير الزيارات، وآخر زيارة حضرها معنا يوم الغدير سنة أربع مائة بمشهد أمير المؤمنين عليه السلام "(150) والواضح من عبارة الشيخ النجاشي أن صاحب الترجمة ألف هذا الكتاب مجاملة لابن الشبيه العلوي أو تأثراً به وليس نتيجة عن وجود حقيقي لهذا الرأي أو المعتقد في الوسط الشيعي كما توحي عبارة الباحث، وكما صرح به في كتابه " تطور الفكر السياسي الشيعي " من تزعم هذا الشخص لفرقة خاصة باسم الثلاث عشرية التي ابتكرها من مخيلاته(151) وهو الذي ينتقد مجرد الفرضيات، ومثل هذه الآراء الشاذة والفردية حول العقيدة متواجدة في أوساط كافة المذاهب الإسلامية لكنها في الغالب لا تتمكن من تحقيق شعبية أو الحصول على أتباع .


135 – ابن حجر العسقلاني . لسان الميزان . م . س . ج 1 ص 77 ، 78 .
136 – السيد المرتضى . الشافي في الإمامة . تحقيق / عبد الزهراء الحسيني الخطيب . نسخة كومبيوترية www.aqaed.com . ج 3 ص 241 .
137 – م . س . ج 3 ص 242 .
138 – م . س . ج 4 ص 116 .
139 - ابن حجر العسقلاني . لسان الميزان . م . س . ج 1 ص 77 ، 78 .
140 – إبراهيم بن محمد الثقفي . الغارات . نسخة كومبيوترية .www.al-shia.com . ج 1 ص 154، 155 .
141 – الشيخ محمد بن النعمان (المفيد) . الأمالي . تحقيق / حسين الاستادولي ، علي أكبر غفاري . بيروت 1993 . طبعة دار المفيد . ص 267 .
142 – الشيخ الطوسي . الفهرست . نسخة كومبيوترية . www.al-shia.com . ص 4 – 6 .
143 – محمد بن إسحاق بن النديم . الفهرست . بيروت 1978 . طبعة دار المعرفة . نسخة كومبيوترية . www.sahab.org . ص 223 .
144 – محمد باقر الأنصاري . تحقيق كتاب سليم بن قيس . قم 1420 هـ . طبعة مطبعة الهادي . ص 65 – 68 .
145 – الشيخ المفيد . تصحيح اعتقادات الإمامية . تحقيق / حسين دركاهي . طبع مع كتاب الاعتقادات للشيخ الصدوق . بيروت 1993 . طبع دار المفيد . ص 149، 150 .
146 – رجع الباحث في هذه الفقرة إلى المصادر الآتية :
المسعودي . التنبيه والإشراف . نسخة كومبيوترية . موقع يعسوب الدين . www.yasoob.com . ص 198، 199 .
الشيخ أحمد بن علي النجاشي . الرجال . تحقيق / السيد موسى الشبيري الزنجاني . قم (بدون سنة النشر) . نسخة كومبيوترية . طبعة مؤسسة النشر الإسلامي . موقع يعسوب الدين www.yasoob.com . ص 440 .
147 – صائب عبد الحميد . المسعودي، المؤرخ، إمام المؤرخين وفلاسفة التاريخ . مجلة المنهاج . بيروت 2000 . العدد 19 السنة الخامسة . ص 245، 246 .
148 – سليم بن قيس الهلالي . كتاب سليم بن قيس " أسرار آل محمد " . تحقيق / محمد باقر الأنصاري . قم 1420 هـ . طبعة مطبعة الهادي . ص 352، 399، 400، 426، 443 .
149 – السيوطي . م . س . ص 11 – 13 .
150 – النجاشي . م . س . ص 440 .
151 – أحمد الكاتب . تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى لولاية الفقيه . نسخة كومبيوترية . موقع صحوة الشيعة www.newshia.com . ص 97 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 02:22 PM
والغريب أن يدعي الباحث أن الإثنى عشرية عرفوا بهذا اللقب في آخر القرن الرابع الهجري، في حين اعتمد هو شخصياً على كتاب فرق الشيعة للنوبختي المعتقد وفاته في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الهجري في الإشارة إلى عصر الحيرة والفرق المتنوعة التي نشأت عقب غيبة الإمام المهدي (عج)، وفي هذا الإطار أشار النوبختي إلى استقرار الغالبية من الشيعة على الاعتقاد بإمامة الإثنى عشر إماماً(152)، بالإضافة إلى أن أواخر القرن الثالث قد شهدت بداية عصر الغيبة الصغرى وتولي الوكلاء كملية الاتصال بين الشيعة والإمام (ع) والتي تعني بشكل منطقي الاستقرار على الاعتقاد في إثنى عشر إماماً بشكل نهائي، والواقع أن أحمد الكاتب لا يتكلف تجنب التضارب بين استنتاجاته التاريخية المتتابعة والتي لا يمكن الجمع بينها في إطار نظري واحد على الإطلاق .
إن التساؤل الأساسي، وبغض النظر عن رأي العلماء في كتاب سليم، هو عن مصداقية مرويات الاعتداء في الكتاب، وهو ما لم يحاول الباحث بذل أي مجهود في المقارنة بينها وبين غيرها من المرويات التي نقلتها المدونات الأخرى .
لقد نسبت هذه المروية إلى سلمان الفارسي، وهي روايته لأحداث السقيفة، وبعض أحداثها صحيح أو على الأقل لم ينفرد كتاب سليم به وعلى سبيل المثال : " فلما أن كان الليل حمل علي(ع) فاطمة(ع) على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين(ع)، فلم يدع أحداً من أصحاب رسول الله (ص) إلا أتاه في منزله، فناشدهم الله حقه ودعاهم إلى نصرته . فما استجاب له منهم رجل غيرنا الأربعة، فإنا حلقنا رؤوسنا وبذلنا له نصرتنا، وكان الزبير أشدنا بصيرة في نصرته "(153)، وقد روى ابن قتيبة الدينوري هذه الحادثة في الإمامة والسياسية مع بعض الاختلافات، وإن كان سليم بن قيس قد رواها كحادثة سابقة على الاعتداء على بيت الزهراء(ع)، في حين رواها ابن قتيبة بعد الاعتداء(154)، كما ذكرها معاوية بن أبي سفيان في رسالته للإمام علي(ع) : " وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صحاب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة "(155) .
وفي المقابل تبدو المروية غير متقنة في كثير من أحداثها والتي تعد مبالغة لحد كبير وغير مقبولة، مثل ما تضمنته من بيعة الإمام علي(ع) قبل مرور ستة أشهر وقبل وفاة الزهراء(ع)، وفضح الإمام (ع) للصحيفة الملعونة(156) ولا أعتقد أن أحداً من السلطة الجديدة كان سيسمح له بمثل هذا التصريح، بالإضافة إلى تكرار بعض الأحداث في عدة مواقع في المروية، الأمر الذي قد يوحي بكونها مكونة من مقاطع لعدة مرويات مختلفة، وبالتالي فمن الممكن الاتفاق مع الباحث حول وجود إشكاليات في مرويات السقيفة التي تتضمن الاعتداء بكتاب سليم رغم أنها تتفاوت في مصداقيتها، فمروية الكتاب لقضايا السقيفة على لسان البراء بن عازب تكتسب مصداقية خاصة في عدم تعارضها مع التطورات المتفق عليها للأحداث، كما رويت في مصادر أخرى غير هذا الكتاب ونقلها ابن أبي الحديد(157) في شرحه لنهج البلاغة، كما أن مروية الكتاب عن ابن عباس رغم تشابهها مع نظيرتها المنقولة على لسان سلمان الفارسي في كثير من التفاصيل إلا أنها أفضل من ناحية الصياغة وتبدو أكثر معقولية .
لقد سبق ومارس أحمد الكتاب الانتهازية في مؤلفه " تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه " في التعامل مع كتاب سليم بن قيس حيث استعان بإحدى مرويات الكتاب التي قد تبدو مؤيدة له، ثم شكك في مصداقيته بموضع آخر من كتابه(158)، وإذن لا تبدو هذه الانتهازية في التعامل مع المصادر الشيعية أو المصادر المعارضة لتوجهاته عموماً حالة طارئة لدى أحمد الكاتب، بل هي وسيلة للتجاوز والقفز على المآزق التي تعترض بحثه .
إن المرويتين السابقتين هما كل ما تمكن الباحث من انتقاده في مرويات الاعتداء على الزهراء(ع)، وعلى الرغم من وجود مرويات أخرى حول هذا الموضوع فإن الباحث فيما يبدو اعتبر أن المرويتين يمثلان نموذجاً باعتبار أنهما الأقدم في الصدور – من وجهة نظره – وبالتالي فباقي المرويات قد اعتمدت في الصياغة على المرويتين، وهذا التصور لم يسعى الباحث لإثباته عن طريق استعراض هذه المرويات ومقارنتها بمروية سليم بن قيس وإنما فرض نتائجه واستنتاجاته على الآخرين، ثم ينتقد افتراضات بعض الباحثين الشيعة والتي تحمل السلطة الجديدة وممارساتها العنيفة ضد الزهراء(ع) مسئولية سقوط المحسن بن الإمام علي(ع) جنيناً : " وهكذا، وبواسطة الافتراض والتخمين، يحاول الميلاني أن يكمل الصورة، وأن ينسب إلى أفضل الصحابة أبشع الاتهامات " .
والواقع أن ما يفترضه بعض الباحثين الشيعة من مرويات الاعتداء من مسئولية للسلطة الجديدة عن إسقاط جنين الزهراء(ع) كنتيجة لهذا الاعتداء هو موضع تساؤل حقيقي لم يجب عنه الباحث رغم أنه تعرض له واتهم طارحيه من الشيعة بالتجني على أفضل الصحابة – حسب تعبيره – بناء على افتراضات، ورغم ذلك لم يسعى هو لتوضيح حقيقة الحدث، فجنين الزهراء(ع) المسمى المحسن ليس اختلاقاً شيعياً بل اعترفت به المدونات السنية وأشارت إلى وفاته سقطاً(159) وهنا يطرح تساؤل نفسه بالفعل عن أسباب تعرض هذا الجنين للسقوط رغم صغر سن الزهراء(ع) ؟ خاصة أن حالتها عقب وفاة النبي (ص) كما يبدو ووفاتها المبكرة ربما تشير إلى تعرضها لقدر كبير من الضغوط النفسية، وهي بكل تأكيد ليست ناتجة فقط عن الحزن لوفاة النبي (ص) وبالتالي فسواء كان سقوط هذا الجنين ناتج عن عنف مباشر مورس ضدها أو عن الحزن بسبب الأحداث التي تلت وفاة النبي (ص) وكان للسلطة فيها دخل كبير بالتأكيد، فلا ريب أن السلطة الجديدة تتحمل قدر كبير من المسئولية عن هذا الحادث .
وأخيراً يقع أحمد الكاتب في تضارب آخر حيث يحمل الدولة الصفوية مسئولية انتشار سب الخلفاء في إيران، ونشرها لتشيع محرف ومشوه أطلق عليه اسم التشيع الصفوي، وهو هنا يستخدم مصطلحات الشهيد علي شريعتي وإن كان مدلولاتها مختلفة بكل تأكيد، فانتقادات الشهيد شريعتي لم تتضمن الرغبة في الدفاع عن أي من الصحابة الذين تورطوا في مواجهات ضد الإمام علي(ع)، بقدر ما كان ينتقد الاستغراق في الشكليات المظهرية والابتعاد عن الجوهر الاجتماعي والثوري والفلسفي للتشيع، الأمر الذي أنتج تشيع تغييبي في حين أن التشيع في الأساس يمثل ثورة دينية واجتماعية على الواقع الذي فرضه الإقطاع والذي تبنى بدوره المذهبين السنيين الأشعرية والسلفية .
إن ممارسة هذا الكم من الانتقاد على الدولة الصفوية بالنسبة للشهيد شريعتي هو مجرد استخدام للرمز أكثر منه تحقيقاً لواقع تاريخي، فعادة سب الخلفاء لم تبدأ مع الصفويين، بل مورست في البداية على يد الدولة البويهية الشيعية، يقول السيوطي في أحداث سنة 351 هـ : " كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية، ولعنة من غصب فاطمة حقها في فدك، ومن منع الحسن أن يدفن مع جده، ولعنة من نفى أبا ذر، ثم أن ذلك محي في الليل، فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي (لعن الله الظالمين لآل رسول الله(ص)) وصرحوا بلعنة معاوية فقط "(160)، كما مورست كذلك على يد الفاطميين سواء في المغرب أو مصر، بل يذكر السيوطي في سنة 393 هـ : " أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي؛ فطيف به على حمار، ونودي عليه : هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم ضرب عنقه "(161)، كما يذكر في أحداث سنة 395 هـ : " قتل الحاكم (الحاكم بأمر الله) بمصر جماعة من الأعيان صبراً، وأمر بكتابة سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع، وأمر العمال بالسب "(162)، وعندما تمكن الشاه إسماعيل الصفوي من بسط سيطرته على إيران قام بممارسة كانت منتشرة بالفعل في الأوساط الشيعية والتي كانت تعاني من القمع والاضطهاد، كما كانت كراهيتها للخليفتين متأصلة بالفعل .
وعلى الرغم من أنني قد اتفق مع أحمد الكاتب بالفعل في رفض استخدام أسلوب السب في التعامل مع الشخصيات التاريخية إلا أن الباحث يتطرف في محاولته استهجان هذا الأسلوب لدرجة تبريره للفتوى الهمجية التي أصدرها مفتي استانبول السُني بإباحة دم الشيعة في إيران بحجة سبهم للصحابة، وهذا التبرير المخجل لفتوى مغرقة في الهمجية هو محاولة لتجاوز ما تسببه مثل هذه الفتاوى من إحراج لبعض المتحولين للفكر السلفي، والذين يرغبون في التأكيد على تحمل الشيعة وحدهم مسئولية العداء الطائفي المتبادل بين الشيعة والسُنة، وإلا فإن سب الشيعة للصحابة ليس مبرراً للحكم بالردة أو للدعوة لتطهير البلاد منهم .
يستعرض الباحث تجربة مؤتمر النجف الأشرف في القضاء على هذه البدعة الصفوية، كما يحلو له تسميتها، وهو مؤتمر يرى السُنة أنه عقد برعاية نادر شاه بين علماء من الشيعة وآخرون من السُنة تم بعده الاتفاق بين الطرفين على نبذ سب الصحابة والاعتراف بفضائلهم، ويبالغ الشيخ عبد الله السويدي مفتي العراق السُني راوي هذه القصة حيث يقول : " أنه حين تم توقيع العلماء على المحضر صار لأهل السنة فرح وسرور لم يقع مثله في العصور ولا تشبهه الأعراس والأعياد، فكان يوما مشهودا من عجائب الدنيا، والحمد لله على ذلك.. وصار ذكر الصحابة ومناقبهم في كل خيمة من المعسكر وعلى لسان العجم كلهم بحيث كانوا يذكرون لأبي بكر وعمر وعثمان مناقب وفضائل يستنبطونها من الآيات والأحاديث مما يعجز عنه فحول أهل السنة، وأخذوا يسفهون رأي الشاه إسماعيل (الصفوي) في سبهم "(163) وبعيداً عن الجملة الأخيرة والتي تذكر أن أن الشاه الصفوي هو من ابتدع سب الخلفاء وهذا غير صحيح كما أسلفت، فربما لو لم يستخدم الشيخ السويدي هذا الأسلوب في المبالغة كان من الممكن لبعض الباحثين تلقي مثل هذه القصة بالقبول، إلا أن الشيخ السويدي – أو بالأحرى أحمد الكاتب – يطلب من الشيعة تصديق أن بعض علمائهم الذين نشئوا في أوساط معادية للخليفتين، وتثقفوا بثقافة دينية معادية لهما كذلك، تحولوا فجأة وبلا أي عناء إلى امتداحهم بل وتفوقوا على نظرائهم السُنة في هذا المجال، ولا شك في أن هذا التصور المضحك غير مقبول على الإطلاق ولا يمكن لعلماء أي مذهب نفي عقائد وعادات وتقاليد مذهب آخر في مؤتمر، وإلا فقد كان على الشيخ السُني مخترع هذا المؤتمر تذكر أن كلاً من العراق وإيران يتواجد بهما أبناء طوائف وديانات عدة لم يتمكن أحد حتى الآن من دفعها للتخلي عن عقيدتها رغم أن بعضها يتسم بالسذاجة والبدائية، بالإضافة إلى أنه لا أثر ترتب عليه مثل هذا المؤتمر المزعوم وما أطلقه من بيانات في الصراع الإيراني / العثماني الذي اكتسب مظهراً شيعيا / سنياً على العراق .
إن الجزء الأساسي الذي يكتسب مصداقية في هذه القصة الساذجة التي رواها السويدي هو سعي نادر شاه إلى اعتراف الدولة العثمانية بالمذهب الجعفري كمذهب خامس، ومنعه لسب الصحابة في إيران، وهذه حقيقة تاريخية بالفعل كمحاولة للقضاء على حالة سعي العثمانيين لمذهبة صراعهم الاستعماري مع الصفويين في إيران وما كان ينتج عنها من مذابح متبادلة من كلا الدولتين لأبناء المذهب المخالف، وهي محاولة لا مجال لإنكار قيمتها بالفعل، إلا إنها لم تجد صدى لدى الطرف الآخر ولم يقبل العثمانيون الاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس وتواصلت المذابح والاضطهادات العثمانية للشيعة .
إن فترة قيام كل من الدولتين الصفوية والعثمانية كانت فترة السقوط النهائي للحضارة الإسلامية بفعل التخلف والرجعية التي عانت منهما الأقطار الإسلامية عموماً تحت سيطرة الإقطاع وعدم قدرة الطبقة التجارية في الشرق كما حدث في أوروبا الغربية، على مواجهته فضلاً عن انتهازيتها وتحالفها مع الإقطاع ضد الطبقات الكادحة في اللحظات الحاسمة للصراع .
إلا أن الملاحظ في هذا الشأن هو عدم قدرة الإقطاع على الثبات في المناطق الشيعية وكثرة الاضطرابات التي شهدتها إيران سواء في المرحلة الصفوية أو المرحلة القاجارية وقصر عمر الدولتين في مقابل بقاء الدولة العثمانية طوال هذه المدة (رغم هشاشتها) تدليل على مدى التناقض ما بين التشيع والإقطاع، في حين مثل المذهب السُني بشقيه الأشعري والسلفي الدعم الأساسي لبقاء الإقطاع غير المركزي الذي عبرت عنه الدولتان العباسية والعثمانية، وكلاهما استمرتا في البقاء بشكل ظاهري لفترات طويلة .
على أنني في المقابل أتفق تماماً مع الباحث في انتقاده لقيام بعض العلماء بتحميل الأحداث والقضايا التاريخية بعداً عقائدياً أو مذهبياً واستغلالها في الصدام مع الآخر بعيداً عن واقع الحقيقة التاريخية، بل واللجوء لتكفير أو نفي كل من يسعى لاستجلاء حقيقة هذه الأحداث، وهذه الممارسة موجودة لدى السُنة والشيعة وقد بدت بوضوح في قضية عبد الله بن سبأ التي أثارها كل من الدكتور الهلابي والدكتور حسن فرحان المالكي في السعودية، وقضية الاعتداء بالضرب على الزهراء(ع)، التي أثيرت بناء على آراء سماحة المرجع السيد فضل الله .
أخيراً يختتم الباحث دراسته بعنوان فرعي ( واقع الشيعة اليوم ) حيث بدأ بمحاولة غريبة وغير مفهومة للترويج بوجود تحول لدى الشيعة في موقفهم من الشيخين قائلاً : " بيد إن مما يسرّ المرء هو حدوث تطور إيجابي كبير لدى عامة الشيعة تجاه هذا الموضوع، وإعادة النظر إلى أسبابه، فان الشيعة اليوم في الحقيقة، يرفضون تلك الاتهامات الأسطورية الفظيعة، ويستنكرونها أشد استنكار، ويكنون احتراما كبيرا للشيخين، وذلك لأن الشيعة اليوم أقرب الى الشورى والديموقراطية منهم الى الفكر الإمامي التقليدي، وليس لهم من " الإمامية " إلا الاسم، ولا يتمسك منهم بتلك الأباطيل إلا فئات صغيرة تميل الى " الإخبارية الحشوية " التي ترفض العلم والاجتهاد وترفض تسليط أي ضوء على التاريخ " وهذه المقولة تدخل في نطاق ممارسة الدجل، ومن الواضح أنها ليست موجهة لقارئ شيعي سيدرك تماماً من واقعه أنها مقولة كاذبة وإنما يوجهها أحمد الكاتب إلى القارئ السُني الذي يجهل واقع المجتمعات الشيعية .
وليس من الصعب التأكيد على ممارسة أحمد الكاتب لهذا الدجل مع متابعة أسلوبه على الإيحاء بحقيقة ما يردده من أكاذيب، خاصة مع استدلاله بموقف سماحة السيد محمد حسين فضل الله(دام ظله) وسماحة السيد مرتضى العسكري(دام ظله) السلبي من زيارتي عاشوراء والجامعة دون توضيح دوافعهما لهذا الموقف، كي يوحي بأن العالمين الكبيرين في عالم التشيع يؤيدان طروحاته، والواقع أن مصداقية الزيارتين وحقيقة صدورها عن الأئمة (ع) من منطلق مهمتهما الأساسية في الحفاظ على تراث أهل البيت (ع) هو ما يشغل العالمين الكبيرين في نقدهما لزيارة عاشوراء وليس الموقف من الشيخين بأي حال حيث أجاب على تساؤل وجه له حول زيارة عاشوراء : " الزيارة المشهورة غير ثابتة سنداً مع الملاحظة على ما ورد فيها من اللعن حيث لم يعهد صدوره من الأئمة (ع) وقد جاء عن الإمام الصادق (ع) ما أيسر ما رضي الناس منكم كفوا ألسنتكم عنهم "(163)، وإلا فإن موقف السيد فضل الله(دام ظله) من الشيخين يعد الأكثر سلبية ورسوخاً من منطلق اعتماده على القراءة الواعية لتجربتهما مقارنة بتجربة الإمام علي(ع) والأئمة من بعده، يقول سماحة السيد تعليقاً على سعي عمر بن الخطاب لاقتحام منزل الزهراء(ع) لفض الاعتصام الذي قام به معارضو السلطة الجديدة : " إنّ هذه الكلمة تشير إلى روحية القوم وما كانوا يهيئون له، مع أنهم لو فتحوا باب الحوار الإسلامي من خلال الكلمات الطيبة، لرأوا أن علياً هو إنسان الحوار كما كان في كل حياته حتى بعد أن أصبح خليفة، ولوجدوا أن فاطمة هي إنسانة الحوار، لأن القرآن الذي كانت فاطمة أكثر الناس التزاماً به كان كتاب الحوار، لكن القوم كانوا قد تجاوزوا مرحلة الحوار عندما جمعوا الحطب لإحراق بيت الزهراء (ع)، وقال قائلهم تلك الكلمة جواباً لقولهم إن فيها فاطمة، فقال ((وإن))، والتي تعبر عن أبشع الظلم الذي تعرضت له الزهراء (ع) "(164) وبعيداً عن العداء غير الواعي لبعض علماء الدين للشيخين فإن دعوة سماحة السيد للوحدة الإسلامية وترفعه عن السب ليس نتاجاً عن تعاطف مع الشيخين أو اقتراب من الرؤية السُنية وإنما عن التزام بسلوكيات أهل البيت (ع) وعن الوعي الحقيقي بسلبيات تجربة الشيخين والتي تحتاج إلى النقد العلمي بعيداً عن العصبية المذهبية : " إننا لا نتصور أن شعار الوحدة الإسلامية يعني دعوة الشيعة إلى أن يتنازلوا عن التزاماتهم الثقافية العقيدية في ما يستنبطونه من التاريخ، أو أن يتنازل السنة عما اقتنعوا به من القضايا التاريخية، وهكذا الشأن في القضايا الفقهيّة والعقائدية، بل إن مسألة الوحدة الإسلامية تنطلق من المنهج الموضوعي الذي يدرس الواقع التاريخي الإسلامي بطريقة علميّة "(165)، أما سماحة السيد مرتضى العسكري فإن القراءة الأولية لمؤلفاته كمعالم المدرستين تشير إلى حقيقة موقفه من التجارب السياسية المخالفة لرؤية أهل البيت (ع) .
إن الموقف الشيعي من الشيخين ليس محدثاً أو ناتجاً عن عناد شخصي وإنما هو نتاج تراث ضخم راسخ في الوعي الشيعي سواء على المستوى الشعبي أو على المستوى العلمائي، ومن السذاجة محاولة الإيحاء بأنه قابل للتغير أو الانتهاء، لمجرد أن أحمد الكاتب أو غيره قد وجهوا له ولعقيدة الإمامة انتقادات مهما يكن مستواها خاصة أن الطرح البديل الذي يضعه الكاتب مشوش وغير واضح المعالم كما أنه يفتقد للمصداقية التاريخية وحتى التطبيقية .
إن وصف الكاتب لعقيدة الإمامة بألفاظ كـ " البائد واللامعقول " لا يعدو أن يكون سباباً من نفس النوع الذي انتقده على الإمامية، وقد كان عليه وهو يسعى بحماس لنقض عقيدة الإمامة أن يثبت مصداقية تصوراته أيضاً وقد قرر هو فيما يبدو تجاوز هذا المبحث ربما لأنه لا يملك تصوراً شاملاً لفكرة الشورى التي يدعو إليها بأسلوب تغلب عليه الشعاراتية الصارخة أكثر من المنهجية العلمية وينسبها بشكل تلفيقي للوسط السُني عن طريق استخدام لغة شتائمية وغير نزيهة .
أخيراُ لقد وقع أحمد الكاتب في إشكالية نتجت بالأساس من تحميله المتعسف والانفعالي للشيعة فقط حالة العداء بين أبناء المذهبين متخيلاً أن هذه الحالة من الممكن أن تنتهي تماماً في حال تراجع الشيعة عن موقفهم تجاه أبي بكر وعمر والتزموا بالتراث الذي يتخيله هو عن أئمة أهل البيت (ع)، إن أحمد الكاتب لم يطرح تساؤلاً عن أسباب الخلاف والتكفير المتبادل بين السلفية والأشعرية من السُنة في حال كانت كل المشكلة هي الموقف من الشيخين، لكن المشكلة الحقيقية هي في طبيعة الفكر السُني ذاته الذي نشأ تحت رعاية السلطة الإقطاعية الحاكمة وهو بالتالي غير قادر على تقبل الآخر في الأساس، ولئن كان الأشاعرة أكثر قدرة في الفترة الحالية على تطوير فكرهم وخطابهم الديني بما يتلائم مع طبيعة العصر فإن الفكر السلفي غير قادر أو حتى راغب في القيام بنفس المهمة، كما أن مشكلته مع الشيعة ليست قاصرة على الموقف من الخليفتين أو حتى الصحابة لكن الأمر يمتد كذلك للموقف من شخصيات لا يمكن للشيعة تقبلهم إطلاقاً كمعاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية، وثمة خلافات أخرى حول الموقف من بعض العقائد، فما هي رؤية أحمد الكاتب لتجاوز هذه الخلافات خاصة وهو يعترف أن الشيعة منذ أيام الإمام علي(ع) يتخذون من الخليفة الثالث عثمان بن عفان موقفاً سلبياً وبالتأكيد ينسحب هذا الموقف السلبي على شخصيات أخرى كالزبير وطلحة وعائشة ؟
إن المشكلة بين أتباع المذهبين لم تنتج عن طرف واحد بكل تأكيد، كما لا يمكن أن تتوقف أو تنتهي بالتنازل المفتعل عن ما يظهر لكل منهما من حقائق تاريخية أو تجاهلها، وإنما عن طريق الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع القضايا الدينية وعدم اللجوء إلى نفي الآخر، أو إكساب القضايا التاريخية والصراعات السياسية لأبعاد عقائدية بحيث يبدو كل فريق حريصاً على إبقاء هذه القضايا في حالة سخونة دائمة لاستغلالها في مواجهة الآخر .


152 – النوبختي . م . س . ص 108 – 112 .
153 – سليم بن قيس . م . س . ص 148 .
154 – ابن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 16 .
155 - مرتضى العسكري . م . س . المجلد الأول ص 137 .
156 - سليم بن قيس . م . س . ص 154، 158 .
157 – سليم بن قيس . م . س ص 138 – 142 / ابن أبي الحديد . م . س . ج 1 ص 219، 220، ج 2 ص 52 .
158 – أحمد الكاتب . م . س . ص 11، 92 .
159 – جمال الدين المزي . م . س . ج 20 ص 168 .
160 – السيوطي . م . س . ص 370 .
161 – م . س . ص 382 .
162 – م . س . ص 382 .
163 – مكتب سماحة السيد فضل الله . www.bayynat.org.lb . الاستفتاءات الكاملة . فئة دعاء – زيارات .
164 – السيد محمد حسين فضل الله . الزهراء القدوة . إعداد وتنسيق / الشيخ حسين أحمد الخشن . بيروت 2000 . دار الملاك . ص 109 .
165 – م . س . ص 41، 42 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 03:04 PM
رؤية حول الاعتداء على الزهراء(ع)



إن استعراض واقع الوضع الاجتماعي والسياسي في المدينة عشية وفاة النبي (ص) يشير إلى مدى التداخلات والتناقضات بين عدة مشروعات كانت قائمة في تلك الفترة، لقد أدرك النبي (ص) مدى خطورة هذه التناقضات على الدين الإسلامي وبالتالي فقد سعى لحسم الموقف عن طريق إعلان توليته للإمام علي بن أبي طالب(ع) في غدير خم(166)، ، ثم محاولته المشهورة لترك وصية مكتوبة بتوليته لعلي في أثناء مرضه الأخير والتي جوبهت بمعارضة من عمر بن الخطاب يبدو أنها تطورت عما تشير إليه المرويات الأمر الذي دفع النبي (ص) للتراجع مؤقتاً والسعي لإخلاء المدينة المنورة من قادة هذه التحزبات الطبقية المتناحرة عن طريق تجهيز جيش بقيادة أسامة بن زيد لمواجهة الروم انتقاماً لاستشهاد والده في معركة مؤته، إلا أن هذه القيادات أدركت ما يهدف إليه النبي (ص) وحاولت محاولات ناجحة تعطيل مسير الجيش لأقصى درجة على أمل وفاة النبي قبل خروجه(167) .
إن حدة هذه التناقضات والمصالح المتداخلة والتي خدمت موقف أبي بكر ومكنته من تولي الخلافة لم تكن في واقع الأمر تسمح لأي من الفصائل المتعارضة بالكثير من الخروج على السياقات الاجتماعية والدينية خشية استغلالها من قبل أطراف أخرى، وعلى الرغم من أن الصراع شهد خروقات كثيرة للمبادئ الإسلامية، إلا أن حداثة اعتناق العرب للإسلام سمح للسلطة بقدر كبير من التحايل لإخفاء هذه الخروقات، لكن رغم ذلك كان من الصعب على السلطة تبرير أي تصرف يمثل خرقاً لعادات عرفية تسالمت عليها القبائل العربية وتوارثتها خاصة إذا كان الإسلام لم يرفض هذه العادات.
لقد ذكرت المرويات التاريخية أن هناك اعتصاماً حدث في منزل السيدة الزهراء احتجاجاً على تولي أبو بكر للخلافة، وقد أشارت بعض المرويات إلى أسماء من حضروا هذا الاعتصام وهم بالإضافة إلى الإمام علي بن أبي طالب وبني هاشم الزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي ومن الأنصار أبو الهشيم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري، وقد أشارت مرويات أخرى إلى أن الاعتصام كان يحتوي على بعض المهاجرين والأنصار(168) .
لقد مثل هذا الاعتصام استفزازاً ضخماً للخليفة بسبب ما قد يؤدي إليه من استقطاب للجمهور الذي أُكره على مبايعة أبي بكر عن طريق قبيلة أسلم، خاصة مع إدراك الخليفة أن بعض جماعات الأنصار طرحت في السقيفة فكرة مبايعة الإمام علي بن أبي طالب(ع)(169)، ويبدو أن هذه الفكرة طرحت مرة أخرى في الاجتماع الذي عقده الأنصار عقب السقيفة ولقيت تأييداً من بعض القيادات الأنصارية التي خشيت من سيطرة قريش على الدولة بالإضافة إلى الموالين لعلي بن أبي طالب(ع) منهم(170) .
والواقع أن هذه المرويات لم تحدد بدقة المدة الزمنية بين مبايعة أبي بكر وحدوث الاعتصام لكن يبدو أنه تم بعد أيام قليلة جداً من البيعة بسبب سعي المعارضة الموالية للإمام علي(ع) لمحاولة تجميع صفوفها استعداداً لإسقاط السلطة القائمة سريعاً قبل أن تتمكن من توطيد نفوذها(171)، وبالتأكيد كان أبي بكر يدرك أنه يجب أن يحصل على بيعة علي بن أبي طالب(ع) وبني هاشم بأقصى سرعة كي تكتمل شرعية حكومته، وبالتالي فقد وجد أن هذا الاعتصام ربما يمثل الفرصة المناسبة لإجبار علي وبني هاشم على البيعة، وتتفق المرويات على أنه كلف عمر بن الخطاب بأن يدعو علي بن أبي طالب للبيعة، إلا أنها تختلف في تطوراتها فيما بعد حيث تتوزع على ثلاث أقسام، القسم الأول : يمثل المرويات السنية التي تشير إلى أن علي والزبير بايعا الخليفة عقب الهجوم الذي شنه عليهم عمر بن الخطاب، وتمثل مرويات محمد بن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك نموذجاً واضحاً لهذا النوع : " وتخلف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يبايع علي فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر : خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر، فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعباً وقال لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان ! فبايعا "(172) .
القسم الثاني : يمثل قسم كبير من المرويات السنية والشيعية التي تؤكد رفض علي للمبايعة لمدة ستة أشهر رغم هذا الهجوم على منزله ومحاولة إرغامه على البيعة، وتشير العديد من المرويات المتنوعة إلى ذلك لعل أهمها المروية التي أوردها أبو بكر الجوهري في السقيفة والطبرسي في الاحتجاج : " وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة، منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقال لهم : انطلقوا فبايعوا، فأبوا عليه، وخرج إليهم الزبير بسيفه، فقال عمر : عليكم الكلب، فوثب عليه سلمة بن أسلم . فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به وبعلي ومعها بنو هاشم، وعلي يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له : بايع فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفو لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون . فقال عمر : انك لست متروكا حتى تبايع ، فقال له علي : احلب يا عمر حلبا لك شطره، اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا، لا والله لا اقبل قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايعني لم أكرهك، فقال له عبيدة : يا أبا الحسن، انك حديث السن، وهؤلاء مشيخة قريش قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، واشد احتمالا له، واضطلاعا به، فسلم له الأمر وارض به، فإنك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك . فقال علي : يا معشر المهاجرين، الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته الى بيوتكم ودوركم، دفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن ـ أهل البيت ـ أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القاريء لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بالسنة، المضطلع بأمر الرعية، والله انه لفينا، فلا تتبعوا الهوى، فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد : لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر، ما اختلف عليك اثنان، ولكنهم قد بايعوا . وانصرف علي إلى منزله، ولم يبايع، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع "(173) .
القسم الثالث : يمثل المرويات الشيعية وقد أضافت إلى الأحداث تعرض السيدة فاطمة الزهراء للضرب وإلى حرق بابها وإسقاطها لجنينها (المحسن)، وهي المرويات التي وردت معظمها في المصادر الشيعية وإن كان بعض المعتزلة قد اشتركوا في روايتها، والواقع أنه لا يوجد تصور واحد لهذه الحادثة حيث تتنوع الاتهامات التي وجهت للمهاجمين، ما بين الاعتداء بالضرب على السيدة الزهراء(ع) وحرق بابها، وإسقاط جنينها (المحسن)، كما يوجد خلاف حول المتهم الرئيسي في هذا الاعتداء فبينما تشير بعض المرويات لشخصية عمر بن الخطاب، توجد مرويات أخرى تشير لشخصية قنفذ وهو مولى عمر بن الخطاب أو أبو بكر، كما تشير مروية لشخصية المغيرة بن شعبة(174) .
إن النموذج الأبرز لمثل هذه المرويات هي مروية سليم بن قيس الهلالي عن ابن عباس : " ... فانطلق قنفذ فأخبر أبا بكر . فوثب عمر غضبان، فنادى خالد بن الوليد وقنفذاً فأمرهما أن يحملا حطباً وناراً . ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي (ع)، وفاطمة (ع) قاعدة خلف الباب، وقد عصبت رأسها ونحل جسمها في وفاة رسول الله (ص). فأقبل عمر حتى ضرب الباب، ثم نادى : " يا ابن أبي طالب افتح الباب "، فقالت فاطمة (ع) : " يا عمر، مالنا ولك ؟ لا تدعنا وما نحن فيه "، قال : " افتحي الباب وإلا أحرقناه عليكم " ! فقالت : " يا عمر، أما تتقي الله عز وجل، تدخل علي بيتي وتهجم على داري " فأبى أن ينصرف. ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب؛ ثم دفعه عمر. فاستقبلته فاطمة (ع) وصاحت : " يا أبتاه ! يا رسول الله " ! فرفع السيف وهو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت. فرفع الصوت فضرب به ذراعها فصاحت : " يا أبتاه " !
فوثب علي بن أبي طالب (ع) فأخذ بتلابيب عمر ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (ص) وما أوصى به من الصبر والطاعة، فقال : " والذي كرم محمداً بالنبوة يا بن صهاك، لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي ".
فأرسل عمر يستغيث. فأقبل الناس حتى دخلوا الدار. وسل خالد بن الوليد السيف ليضرب فاطمة (ع) ! فحمل (ع) عليه بسيفه، فأقسم على علي (ع) فكف "(175) .
الواقع أن عناصر المبالغة واضحة تماماً في المرويات المرتبطة بالقسمين الأول والثالث، فمن الواضح أن الرواة السُنة حرصوا على إثبات التزام علي بن أبي طالب بالبيعة سريعاً لإضفاء الشرعية على خلافة أبي بكر، فتخلف علي بن أبي طالب لمدة ستة أشهر كما تؤكد المرويات في القسم الثاني يعني ثباته على اعتقاده بوجود وصية له بالخلافة، بينما مبايعته السريعة تشير إلى أن الصراع لم يكن سوى صراعاً سياسياً بحتاً، على أن الوقائع التاريخية واعتراف عائشة بنت أبي بكر بوفاة السيدة فاطمة الزهراء غاضبة على أبي بكر(176) يشير إلى مصداقية المرويات التي تؤكد رفض علي البيعة طوال ستة أشهر.
على الجانب الآخر فإن الرواة الشيعة حاولوا الاستغراق في تصوير حجم الإهانة والظلم الذي تعرضت له السيدة فاطمة الزهراء عقب السقيفة رداً على المبالغات التي رواها الرواة السُنة كفضائل للخليفتين الأول والثاني بتحريض من الأمويين والعباسيين، وهو ما استدعى من بعض الرواة المبالغة بطريقة عكسية(177)، على أن المبالغة في سعي هؤلاء الرواة لإسقاط الصورة الوهمية للخليفتين دفعتهم لارتكاب بعض الأخطاء (من المنظور الشيعي للتاريخ) لعل أهمها أن المروية تشير في نهايتها إلى مبايعة علي لأبي بكر في نفس يوم الهجوم على منزله : " ... ثم مد يده من غير أن يفتح كفه فضرب عليها أبو بكر ورضى منه بذلك. ثم توجه إلى منزله وتبعه الناس "(178)، وهو مخالف لأغلب النصوص سواء الشيعية والسُنية التي تؤكد أن الإمام علي لم يبايع إلا بعد ستة أشهر عقب وفاة السيدة فاطمة الزهراء(179)، كما أن الرواية عموما تثير بعض التساؤلات حول الاعتداءات الواردة بها، فقيام عمر بحرق الباب والذي يعني ضرورة امتداد الحريق لباقي المنزل يشير إلى رغبة عمر في إرغام من بداخله على الخروج وهو ما يتناقض مع دخوله المنزل واعتداءه على السيدة فاطمة (ع) متجاهلا النار المشتعلة في المنزل التي من الممكن أن يكون أحد ضحاياها مع الموجودين، ولم يذكر الراوي كيف تم التعامل معها في خضم الأحداث، ولا تأثيرها على المنزل بل اكتفى بذكر أن الإمام عاد إليه في نهاية الموقف كما لو أن الحريق لم يكن له أي تأثير.
إن المرويات الإسلامية تشير إلى أن فكرة الاعتداء على النساء بالضرب لم تكن بهذه البساطة، وقد أشار الإمام علي إلى مدى أهمية هذا العرف لدى العرب : " ولا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أُمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفُس والعقول. إن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات. وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالفهر والهراوة فيعير بها وعقبة من بعده "(180) .
وتشير المرويات الإسلامية حول سبب نزول الآية (الرجال قوامون على النساء) إلى أنها نزلت في سعد بن الربيع، وزوجته حبيبة بنت زيد بن أبي هريرة، حيث قام الزوج بلطم زوجته على أثر خلاف بينهما، فذهب أبوها معها إلى النبي (ص) يشكو تصرف الزوج قائلاً : " أفرشته كريمتي فلطمها "(181)، وهي تشير بوضوح أن ضرب المرأة كان عليه محذورات كثيرة حتى بالنسبة للزوج.
وعلى الرغم من أن هذه القاعدة قد يكون لها استثناءات بالطبع فإن هذا الاستثناء يعتمد على قيمة المرأة التي تم عليها الاعتداء، وبالنسبة للسيدة فاطمة الزهراء (ع) فقد كان هناك العديد من المحظورات تجاه الاعتداء عليها، فبالإضافة إلى خطورة انتهاك أحد الأعراف العربية المهمة خاصة مع هذا الصراع الضخم عقب وفاة النبي (ص)، فإن انتماء السيدة فاطمة الزهراء إلى بني هاشم والأهم كونها ابنة النبي (ص) الوحيدة كان يمثل مصدر خطورة آخر لا يمكن تجاوزه.
إن بعض المرويات تشير بوضوح إلى مدى خطورة الدور السياسي للسيدة الزهراء (ع) في هذا الحدث، وربما تكون المروية التي نقلها الخواجوئي المازندراني من أكثر المرويات توضيحاً لهذا الدور : " خرج عمر في نحو ستين رجلاً، فاستأذن الدخول عليهم، فلم يؤذن له، فشغب، وأجلب . فخرج إليه الزبير مصلتاً سيفاً، ففر الثاني من بين يديه حسب عادته، وتبعه الزبير، فعثر بصخرة في طريقة، فسقط لوجهة، فنادى عمر : " دونكم الكلب ". فأحاطوا به، وأخذ سلمة بن أسلم سيفه، فضربه على الصخرة فكسره. فسيق إليه الزبير سوقاً عنيفاً، إلى أبي بكر، حتى بايع كرهاً.
وعاد إلى الباب واستأذن. فقالت فاطمة : عليك بالله إن كنت تؤمن بالله أن تدخل علي بيتي، فإني حاسرة. فلم يلتفت إلى مقالها، وهجم.
فصاحت : " يا أبه . ما لقينا بعدك من أبي بكر وعمر.
وتبعه أعوانه، فطالب أمير المؤمنين (ع) بالخروج، فلم يمتنع عليه، لما تقدم من وصية رسول الله، وضن بالمسلمين عن الفتنة.
... وخرج معهم، وخرجت الطاهرة في إثره، وهي تقول لزفر : يا ابن السوداء، لأسرع ما أدخلت الذل على بيت رسول الله.
قال : ولم تبق من بني هاشم إمرأة إلا خرجت معها. فلما رآها أبو بكر مقبلة هاب ذلك، فقام قائماً، وقال : ما أخرجك يا بنت رسول الله ؟! فقالت : أخرجتني أنت، وهذا ابن السوداء معك "(182).
إن هذه المروية من الممكن أن تعطي صورة واضحة حول الدور السياسي السيدة الزهراء(ع) ومدى إدراك السلطة القائمة لخطورته وهو ما يتفق مع كلمة أبي بكر التي أوردها ابن قتيبة الدينوري : " لا أُكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه "(183)، فمن غير الممكن على كل حال المخاطرة بالاعتداء عليها خاصة وأن السلطة لم تكن مضطرة للجوء لهذه الأساليب في هذا التوقيت على وجه الخصوص.
لقد رويت في المصادر الشيعية بعض المرويات التي تفيد تهديد عمر بن الخطاب بإحراق المنزل وتراجعه في مواجهة المعترضين عليه، لعل أهمها المروية التي أوردها الطبرسي في الاحتجاج : " إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال : والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل "(184)، وتؤيد هذه المروية، ما روي عن الإمام الباقر(ع) رداً على سؤال أبي الجارود عن وقت ظهور قائم آل البيت، حيث ذكر فيه الإمام الباقر الحطب الذي استخدمه المهاجمون في تهديدهم لحرق بيت فاطمة(ع) قائلاً : " وذلك الحطب عندنا نتوارثه "(185)، وهي إشارة إلى أنه لم يستخدم بالفعل، كما تشير مروية أخرى أوردها الكليني بالكافي إلى دفاع السيدة الزهراء(ع) عن نفسها في مواجهة عمر : " إن فاطمة (ع) لما أن كان من أمرهم ما كان، أخذت بتلابيب عمر، فجذبته إليها، ثم قالت : أما والله يا ابن الخطاب، لولا إني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني سأقسم على الله، ثم أجده سريع الإجابة "(186) .
لقد حدثت مواجهة أخرى بين الزهراء والخليفة حول " فدك " وهي ميراث الزهراء من النبي (ص)، فقد فوجئت الزهراء بالخليفة يطرد وكيلها بفدك ويضمه لبيت المال(187)، وكان الخليفة يهدف من وراء هذا التصرف تجريد الإمام علي(ع) من وسائل التمويل المالي التي من الممكن أن يستغلها في تقوية الموالين له، ورغم إثبات السيدة الزهراء في خطبتها المشهورة لحقها في " فدك " إلا أن الخليفة أصر على الاستيلاء عليها(188)، ويبدو أنه سعى بعد فترة إلى محاولة استرضاء الزهراء(ع) في أواخر مرضها عقب تطور الأمور في الجزيرة العربية إلى حد أصر فيه الخليفة أن اللجوء للقوة، وبالتالي فقد كان لازماً عليه الحصول على رضا السيدة الزهراء(ع) وتوحيد جبهة المدينة ومكة تحت قيادته، وتذكر المرويات أن الخليفة وعمر بن الخطاب طلبا من الإمام علي أن يستأذن لهما من السيدة الزهراء كي يتحدثا معها، ورغم حدوث مواجهة كلامية ثالثة بين الزهراء(ع) والخليفة أعلنت خلالها غضبها على الخليفة وعمر بن الخطاب فإنها لم تتطرق لحادثة الاعتداء(189)، كما أنه في حالة لجوء عمر بن الخطاب أو أي من أتباع الخليفة لضرب الزهراء(ع) فلا أظن أن الإمام علي(ع) أو الزهراء(ع) كانا سيسمحان للخليفة بالدخول عليها أثناء مرضها .



166 - إسماعيل بن كثير . البداية والنهاية . نسخة كومبيوترية (برنامج المحدث) . ج 5 (فصل خطبته صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة) .
167 - محمد رضا المظفر . السقيفة . قم 1415 . ص 77 – 84 / عبد الحسين شرف الدين الموسوي . م . س . ص 268 – 272 .
168 - أحمد بن علي الطبرسي – الاحتجاج – تعليق / محمد باقر الخراسان – نسخة كومبيوترية – مركز الأبحاث العقائدية – ج 1 ص 97 / أبو بكر الجوهري . م . س . ص 60، 61 .
169 - محمد بن جرير الطبري . م . س . ج 3 ص 202 .
170 - محمد رضا المظفر . م . س . ص 120، 121 .
171 - الجوهري . م . س . ص 46، 47 .
172 - الطبري . م . س . ج 3 ص 203 .
173 - الجوهري . م . س . ص 60، 61 / الطبرسي . م . س . ج 1 ص 95، 96، 79 .
174 - جعفر مرتضى العاملي . مأساة الزهراء (شبهات وردود) . بيروت 1997 . دار السيرة . ج 2 ص 51 .
175 - سليم بن قيس الهلالي . م . س . ص 386، 387 .
176 - الطبري . م . س . ج 3 ص 207 .
177 - عبد الصمد شاكر . نظرة عابرة إلى الصحاح الستة . (بدون ذكر مكان وسنة الطبع) . ص 397، 434، 435، 436، 499 / مرتضى العسكري . القرآن في روايات المدرستين . نسخة كومبيوترية . ج 2 (خصائص المجتمع الإسلامي على عهد بني أمية) .
178 - سليم بن قيس . م . س . ص 390 .
179 - محمد رضا المظفر . م . س . ص 149، 150 / الإمام علي بن أبي طالب (ع) . م . س . ص 393 .
180 - الإمام علي (ع) . م . س . ص 325 .
181 - الواحدي النيسابوري . أسباب النزول . القاهرة (بدون ذكر سنة الطبع) . ص 118 .
182 - جعفر مرتضى العاملي . م . س . ج 2 ص 176، 177 .
183 - عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري . م . س . ج 1 ص 16 .
184 - الطبرسي . م . س . ج 1 ص 105 .
185 - جعفر مرتضى العاملي . م . س . ج 2 ص 56، 57 .
186 - م . س . ج 2 ص 55 .
187 - الطبرسي . م . س . ج 1 ص 119 - 121 .
188 - الجوهري . م . س . ص 98 – 101 .
189 - ابن قتيبة . م . س . ج 1 ص 17 .

باباك خورمدين
07-29-2006, 03:08 PM
خاتمــــة :
منهجية مذهبة التاريخ



إن دراسة تعتمد على تحديد النتائج قبل الشروع في البحث وكل هذا التضارب بين الآراء التي تتبناها، وتباين الموقف من المصادر بحسب قابلية نصوصه للاستغلال، واللجوء إلى عزل النصوص عن الحالة والموقف الحقيقي التي تتبناه بل والكذب المتعمد في بعض الأحيان، لا يمكن أن اعتبارها بحثاً تاريخياً بقدر ما هو بحث عن وسائل جديدة للاستغلال الإعلامي في مواجهة الآخر .
وتعتمد مثل هذه الأبحاث في الغالب على إضفاء شكلاً عقلانياً ومنهجياً على كتاباتها وهي لا تتجاوز الشكل في الواقع حتى لو توصلت في بعض الأحيان لنتائج حقيقية، فالملاحظ أنها تنطلق من فروضات مرتبطة بحالة طائفية يراد إما مهاجمتها أو الدفاع عنها وهو ما يتعارض مع الالتزام بالمنهجية التي تنظر إلى التاريخ نظرة عامة لا تتوقف عند المشكلات التاريخية لطائفة محددة، أو انزعاج أحد الباحثين مما تتبناه طائفة أخرى من أفكار عقائدية وتاريخية .
إن سلبيات هذا الأسلوب ترتبط بكونه محاولة لمنهجة الرؤية المذهبية للتاريخ وإضفاء شرعية على مثل هذا الاستغلال السيئ للنصوص التراثية بغض النظر عن طبيعة مدلولاتها، وهي محاولات صارت شائعة في الفترة الأخيرة حتى بين العلمانيين الذين تبنى بعضهم هذه الأساليب في مواجهته للإسلام بحيث يتحول التاريخ إلى مجرد وسيلة لتبادل الطعون بين الطوائف الدينية أو بين المتدينين واللادينيين وفي كلا الحالتين لا يبدو أن هناك أي أهمية أو قيمة تذكر للحقيقة .
وعلى الرغم من نقاط الضعف المتعددة التي يمكن للباحث التاريخي ملاحظتها ببساطة في كل دراسة من هذا النوع فمن الواضح أن هذا الأسلوب أصبح منهجاً في حد ذاته يتميز بالسهولة ولا يتطلب إلا بعض الثقافة المذهبية وقدر من الدراية بالمذاهب أو الأفكار المغايرة ومهارة أكبر على تقطيع النصوص وصياغتها بشكل واثق يوحي بالمصداقية، ويمكن للقارئ أن يتخيل وحدة نتيجة البحث حتى قبل قراءته بمجرد معرفته بالانتماء الفكري أو الطائفي للباحث .
إن هذا الابتذال المتعمد للتاريخ إنما يخضع للتطورات الجديدة التي فرضت على الساحة السياسية والمذهبية منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران وتبنيها مواقف معادية للإمبريالية ولخطاب إسلامي ذا طبيعة شيعية رغم النداء الوحدوي لقيادتها الأمر الذي أثار بعض الاضطراب لدى بعض القوى السياسية والدينية، ومن الواضح إن الغرض الحقيقي للكثير من هذه الأبحاث التي تتناول الشيعة إنما هو ولاية الفقيه التي تقوم عليها الدولة في إيران، ويبدو من المثير للسخرية أن يقوم أحد الباحثين السلفيين " الشيخ محمد مال الله " بتأليف كتاب عن ولاية الفقيه وإثبات عدم مشروعيتها حسب القواعد الشيعية وهي محاولة مع سذاجتها إلا أنها تشير بوضوح إلى أن محاولات تحويل التاريخ إلى مجرد وسيلة في الصراع الطائفي والفكري إنما تخضع لمصالح قوى إمبريالية متضررة من وضع الدولة في إيران والذي يبدو أنه يتجه إلى قدر أكبر من الحصول على مواقع القوة في المواجهة مع هذه القوى .

باباك خورمدين
07-29-2006, 03:10 PM
دراسة أحمد الكاتب منشورة على هذا الرابط
http://alkatib.co.uk/fatema.htm