المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمروا القرويين بالرحيل وقصفوهم عندما نفذوا الأمر



yasmeen
07-29-2006, 12:32 PM
روبرت فيسك - الاندبندنت


هم في المدارس، في المشافي الخالية، في الصالات والمساجد والشوارع. اللاجئون الشيعة في جنوب لبنان، والذين طردهم الإسرائيليون من منازلهم، يصلون إلى صيدا بالآلاف، حيث يعتني بهم المسلمون السنة وبعد ذلك يذهبون شمالاً للانضمام إلى 600.000 نازح لبناني في بيروت. مر أكثر من 34.000 شخص من هنا خلال الأيام الأربعة الماضية وحدها، موجة من البؤس والغضب. سيستغرق الأمر سنوات قبل أن تندمل جراحهم، وسيحتاجون إلى مليارات الدولارات لإصلاح ممتلكاتهم المدمرة.

من يستطيع أن يلومهم على هربهم؟ للمرة الثانية على مدى ثمانية أيام، ارتكب الإسرائيليون جريمة حرب أول من أمس. أمروا القرويين في قرية حدودية بمغادرة منازلهم ومن ثم قصفت الطائرات الإسرائيلية إحدى الحافلات التي تقلهم فقتلوا ثلاثة وجرحوا 13 مدنياً. الصاروخ الذي قتلهم يعتقد أنه من نوع "هيلفاير" الأمريكي الصنع.

منذ تسعة أيام، أمر الجيش الإسرائيلي سكان قرية مجاورة، مروحين، بمغادرة منازلهم وبعد ذلك قصفوا إحدى الشاحنات التي تقلهم وقتلوا النساء والأطفال الذين كانوا فيها. وهذه هي نفس القوى الجوية الإسرائيلية التي امتدحها واحد من أعظم المدافعين عن إسرائيل في الولايات المتحدة - أستاذ القانون في جامعة هارفارد آلان ديرشوتيز - لأنها "تتخذ أقصى الخطوات لتقليص الضحايا المدنيين".

ولم يوفر الإسرائيليون صيدا. كومة من الركام والجدران المهدمة هو كل ما تبقى من مسجد فاطمة الزهراء، وهو تابع لحزب الله في وسط المدينة، انهارت مئذنته وقبته تستند الآن إلى الأسمنت، وهناك راية سوداء ما زالت ترفرف في قمتها. عندما وصلت الطائرات الحربية الإسرائيلية صباح أول من أمس، لم يكن هناك وقت لخادم المسجد الذي يبلغ 75 سنة من العمر حتى يهرب، فأصيب ومات بعد ساعات متأثراً بجراحه. كرسي البلاستيك الأبيض الذي كان يجلس عليه لا يزال مرمياً قرب البوابة. من غير المحتمل أن يكون المسجد يستخدم لأغراض عسكرية، هناك مدرسة تابعة لعائلة الحريري القوية قرب المسجد، ولا يمكن أن يكونوا قد سمحوا بدخول أسلحة إلى المبنى.

هذا ليس معناه أن حزب الله - الذي قتل مدنيين إسرائيليين آخرين بصواريخه في حيفا أول من أمس - احترم صيدا، والتي يشكل المسلمون السنة 95% من سكانها. حاولوا أن يطلقوا صواريخهم إيرانية الصنع من كورنيش البحر ومن قرب مسلخ المدينة الأسبوع الماضي. وفي كلتا الحالتين، منعهم السكان بالقوة من إطلاق النار.

مؤسسة الحريري البالغة الثراء ساعدت 24.000 لاجئ شيعي من الجنوب وفي بيروت لكن كرمها لم يتم قبوله دائماً بسعادة. إحدى مجموعات اللاجئين في إحدى المدارس التقنية في المهينية هاجموا وضايقوا العاملين في مؤسسة الحريري. وفي مناطق أخرى، تعرض موظفو المؤسسة للشتم من قبل العوائل الهاربة. قالت بنت أخت رفيق الحريري، واسمها غنى الحريري "إنهم يقولون لنا إننا نعمل لدى الأمريكيين وإن هذا هو السبب الذي نخرجهم من أجله. هذا الأمر يستنزف طاقتنا. نحن نعمل على مدى 24 ساعة في اليوم وفي نهاية الأمر هم يلعنوننا. لكني أشعر بالأسى من أجلهم.

يطلب منهم الإسرائيليون الآن مغادرة قراهم على الأقدام وعليهم أن يسيروا عشرات الكيلومترات في هذا الجو الحار". ليس من الصعب أن يرى المرء كيف تؤذي هذه الحرب الإطار الطائفي الهش الموجود في لبنان. إحدى مجموعات العائلات الشيعية - التي لجأت إلى مدرسة في جبال الشوف الدرزية - حاولت أن ترفع رايات حزب الله الصفراء على السطح لكن عناصر من الحزب التقدمي الاشتراكي التابع لوليد جنبلاط مزقوها. ربما أنقذ ذلك حياة اللاجئين.

ومع ذلك لمس الكثيرون من هؤلاء الشيعة مدى لطف جيرانهم السنة. تساءلت نازك كدنة وهي تجلس في زاوية مسجد بناه رفيق الحريري وكرسه لوالده الحاج بهاء الدين "نحن هنا، أين يمكن لنا أن نذهب؟ لكنهم يعتنون بنا هنا مثل إخوتهم وأخواتهم ونحن في أمان الآن".

هذه المشاعر تثير بعض التساؤلات السوداء. لماذا، مثلاً، لا يلمس هؤلاء الفقراء المساكين نفس التعاطف من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي يدعي أنه شعر به تجاه سكان كوسوفو عندما طردوا من منازلهم على يد الصرب؟ هؤلاء الآلاف هم خائفون وبلا مأوى تماماً مثل مسلمي كوسوفو الذين هربوا إلى مقدونيا عام 1998 والذين ادعى بلير في ذلك الوقت أنه يشن حرباً أخلاقية من أجلهم. ولكن من أجل الشيعة الذين ليس لديهم مأوى في صيدا لن تكون هناك مواقف أخلاقية، ولا اقتراحات بوقف إطلاق النار من السيد بلير الذي تحالف مع الإسرائيليين والأمريكيين.

وما هو بالضبط الهدف من تهجير أكثر من نصف مليون شخص من منازلهم؟ الكثيرون من هؤلاء المساكين يجلسون وهم يقبضون بإحكام على مفاتيح منازلهم، تماماً كما فعل الفلسطينيون في الجليل عندما وصلوا إلى لبنان منذ 58 سنة ليقضوا باقي حياتهم كلاجئين.
نعم، قد يعود الشيعة اللبنانيون إلى منازلهم، ولكن ماذا سيجدون؟ حرباً بين حزب الله وقوة تدخل غربية؟ أم قصفاً إسرائيلياً آخر؟.

اللاجئون في صيدا لديهم الآن 36 مدرسة ليلجأوا إليها لكنهم المحظوظون، في جميع أرجاء الجنوب اللبناني، يستمر موت الأبرياء. أحدهم كان طفلاً في الثامنة من العمر قتل في غارة جوية إسرائيلية على قرية قرب صور. جرح ثمانية مدنيين آخرين عندما ضرب صاروخ إسرائيلي سيارة خارج مستشفى نجم في صور. وخلال فترة الصباح، قتلت صحفية لبنانية من مجلة الجرس، واسمها ليلى نجيب، وهي ترسل صورها أيضاً لوكالة الصحافة الفرنسية، وهي في سيارتها خلال قصف جوي إسرائيلي قرب قانا، وهي نفس القرية التي تعرضت لمجزرة ذهب ضحيتها 106 مدنيين في قاعدة تابعة للأمم المتحدة تعرضت لقصف مدفعي إسرائيلي عام 1996، كان عمر الصحفية 23 عاماً فقط.

وفي بيتها ذي الجدران الرخامية فوق صيدا، جلست بهية الحريري وهي مقطبة الوجه، وبالكاد تسيطر على غضبها العارم. تقول "نحن في وضع سيئ جداً ولكن ليس لدينا أي نافذة لحل هذا الوضع". وتابعت بهية الحريري: رفيق الحريري لم يعد معنا. المجتمع الدولي ليس معنا. من معنا؟ الله. واللبنانيون والعالم العربي، على ما نأمل، سوف يساعدوننا. المقاومة الوحيدة التي نستطيع أن نبديها هي في البقاء موحدين في لبنان. ولكن ليس لدينا إلا هامش صغير لنحلم فيه.