المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مشاهدات من داخل المربع الامني لحزب الله



yasmeen
07-23-2006, 11:39 PM
داخل «المربع الأمني» لـ«حزب الله»: رائحة بارود وأنقاض منازل.. والدراجات النارية وسيلة التنقل الوحيدة


الشرق الاوسط تدخل حارة حريك.. والباقون 30% من السكان

بيروت: سناء الجاك


«انتبه خطر الموت». يمكن ترجمة هذه العبارة بجملة أخرى مفيدة هي: انتبه أنت على تخوم المربع الأمني، في حارة حريك بضاحية بيروت الجنوبية. والزيارة الى هذا المربع تقتضي بالطبع التنسيق مع «حزب الله». الموعد في الغالب يتم صباحا، ومكان اللقاء تحت جسر «الشهيد هادي نصر الله». الجسر الذي صار ركاما في اليوم الاول للعدوان الاسرائيلي على لبنان. هناك تجمع صحافيون ومصورون، مع تسجيل حضور كثيف للمراسلين الاجانب. معظمهم اعتمر خوذا وارتدى سترات مضادة للرصاص والشظايا. العابر الاول الذي لفته هذا الكم من الاعلاميين قال: «فقط انقلوا الحقيقة»، ثم نصحنا بالابتعاد عن مداخل الابنية خوفا من تساقط الزجاج المحطم فوق رؤوسنا. ولكن نقل الحقيقة لا يتم الا بوصول دليلنا غسان درويش، من الجهاز الاعلامي للحزب، ووفق إرشاداته.

يشرح درويش خطة العمل: «أولا سندخل المربع الأمني، لنبقى حوالي ربع ساعة. بعد ذلك تطلعون على وسائل الاسعاف والإغاثة وبعدها نزور العائلات الصامدة في الملاجئ». يتولى مترجمون نقل المعلومات الى الأجانب. يطلب الى الجميع ركن سياراتهم خلف المبنى في شارع خلفي، و«يللا شباب» من «الحاج غسان» لتبدأ الجولة الميدانية. ويتابع دليلنا مهمته فيقول: «نحن الآن في المربع». لا لزوم للشرح والتعريف وبلاغة الألفاظ، فالعين تتحول الى عدسة لاقطة وعاجزة عن استيعاب هذا الكم الهائل من الركام الذي غيّر جغرافية المكان، بحيث تداخلت الشوارع والمفارق. رائحة البارود تملأ الانوف والغبار يتسلل الى العيون فتدمع. الاقدام تتعثر بأغراض الناس الذين كانت لديهم منازل تؤويهم. وسادات وكراسيٍ وأجهزة كهربائية محطمة وقبعة طفل وأدوات مطبخ تمتزج بالركام والغبار. بضاعة محل «شقير للأزهار» من شجيرات وشتول احترقت وتفحمت. يعلق غسان درويش على ذهول البعض من حجم الدمار، فيقول: «فليهدموا كما يشاؤون. غدا نعيد البناء وبشكل أكثر ترتيباً وتنظيما لنحسن صورة الضاحيةً».

مسلحو الحزب يسجلون حضورا متواضعا، يرافقون الوفد من دون فرض وجود ثقيل، يمنعون المصورين من التقاط صورهم. ومن يخالف يطلبون اليه بلطف محو الصورة. يراقبون تحركنا، ويمدوننا بمعلومات سريعة. يقول أحدهم: «هنا وضعت أختي مولودها». ننظر فنرى حفرة كبيرة سوداء. هنا كانت مستشفى دار الحوراء وبنك الدم لمرضى التلاسيميا. مغلف معفر بالرماد يدل على العنوان وقربه مستندات للضمان الاجتماعي.

يقول درويش: «35 مبنى انهارت بالكامل في المربع الأمني، كلها مبان سكنية ومؤسسات طبية وتجارية، لدى الحزب شقة أو اثنتان فقط. هل يعقل أن يقصفوا الشارع ويدكوه دكاً لهذا السبب؟». نتابع سيرنا الى شارع آخر. نسبة الدمار أكبر وأشد عنفا. ويتابع مدنا بالمعلومات: «في آخر الشارع مبنى الأمانة العامة، كنا قد أفرغناه قبل قصفه. وليست لدينا معلومات عن مفقودين تحت ركامه او ركام غيره من الابنية. لم يراجعنا أحد بهذا الشأن، فقد حرصنا على تأمين خروج الجميع من دون استثناء، حتى الأجانب من بوابين وعمال. لا نريد أن نقترب أكثر خوفا عليكم من الخطر». ويخاطب أحد رفاقه: «أبو حسن أبعدهم عن مقر الأمانة العامة. هناك قنابل في الأرض».

يتسلق شابان الركام ويعلقان لافتة كتب عليها: «هنا الشموخ فلماذ السعي وراء الرضوخ؟». الدراجات النارية هي وسيلة التنقل الرسمي، على ما يبدو، في الضاحية الجنوبية. سائق إحداها يقول بعد سؤاله عن اسمه: «اكتبي سهيل». ويضيف: «أسكن على بعد شارع من المربع. منزلي ما زال صامداً، اما منزلا أختي وأخي فقد انهارا. ولكني لن أغادر المنطقة». كيف يمضي سهيل أيامه في هذه الحرب؟ يقول: « لم يبق في المنطقة سوى 30% من سكانها. الليل صعب وطويل. هو ليل الحروب ونحن صامدون. نحن شعب مقاوم. هذه هو قدرنا. لا نستطيع أن نترك وطننا لقمة سائغة للدول الكبرى. ومن يعتبر أننا السبب في خرابه يفتقد الى الشعور بالوطنية».

يصعب أن تلتقي في الجولة الميدانية بمن يعارض مبدأ المقاومة والصمود أو يخاف أو ينتقد أو حتى يشكو. تقترب مذيعة تلفزيون «المنار» التابع لحزب الله من مراسل أجنبي، تسأله بالانجليزية: «هل تعتبر ما تراه عملا عادلا؟» يجيبها: «بالطبع لا. ولكن لا يمكن تبسيط الأمور. أظن أنها معقدة. والمسؤولية تقع على أكثر من طرف أقليمي وعالمي، لا سيما أن المدنيين يدفعون الثمن، أرواحهم وأملاكهم».

عبد الهادي صيداني صاحب معمل للطحينة والحلاوة في أحد مفارق المربع الأمني، يطل للمرة الأولى على المكان. يريد أن يسحب البضاعة من مواد غذائية ويوزعها على النازحين.

صخر غزال، سوري يحرس ورشة بناء في شارع خلفي قال: «أريد أن أوجه نداءً الى سورية. هناك عائلات سورية تحاول مغادرة لبنان لأنها من دون مأوى ومن دون ماء وكهرباء. لكن أصحاب سيارات الأجرة يطلبون ألف دولار لينقلونا ونحن معدمون لا نملك قرشا واحداً».

يحلق الطيران الاسرائيلي في الجو، فيسأل أحد المراسلين: «هل يمكن أن يبدأ القصف؟». يجيب درويش: « قصفوا كل الابنية وهجروا المدنيين. طائرات الـ«M.K.» (يطلق عليها اللبنانيون اسم «أم كامل») تصور كل دقيقة. سابقا كان الطيران يقصف بعد تحليقها بعشر دقائق، أما الآن فلا أهداف جديدة لديها». يطلب غسان درويش الى الوفد الاعلامي مغادرة المربع الأمني. يقول: «يكفيكم خرابا. سنأخذكم الآن الى مراكز الصمود لتكتشفوا قدرة أهلنا على الصمود في أصعب الظروف».

نعود الى مدخل الضاحية الجنوبية. نستقل سياراتنا ونسير في موكب باتجاه حي ماضي الآمن نسبيا، حيث نجد بانتظارنا سيارات اسعاف «الهيئة الصحية الاسلامية». يقول أحد المسعفين: «نحن لا نغادر الضاحية. عندما تحصل الغارة ننتظر قليلاً ثم نتوجه لتفقد المكان وفق التعليمات. لكن المؤلم أن نشعر بالعجز عندما يصبح القصف مجنونا ومن دون فاصل زمني، فلا نستطيع ان نصل الى حيث يجب. الخطر يحيط بنا وبعض سياراتنا تعرضت للقصف، لأن العدو لا يفرق بين العمل الانساني والعمل الحربي».

مرة ثانية الى السيارات. والمفروض هذه المرة أن نقود بسرعة كبيرة ولا نتجاوز الموكب أو نفقد أثره. تجربة جديدة وخطيرة بعض الشيء، أسفرت عن وقوع راكبي دراجة نارية على الارض، لكنهما سرعان ما نهضا وتابعا الجولة، التي أوصلتنا الى برج البراجنة. علي كريم، صاحب محل بقالة يستضيف الوفد الاعلامي ويقدم للجميع المياه والعصير مجانا. يقول: «نعمل على تأمين السلع الأساسية يوميا. أحيانا يفرغ المحل. لكننا نعود لنملأه. نشتري البضائع بأسعار مرتفعة من السوق السوداء ونبيعها بخسارة. المهم أن ندعم صمود أهلنا. صندوق الشمع ارتفع سعره الى 16 دولاراً. أحيانا نشتري قارورة الغاز بسعر خيالي لنبيعها فقط بـ11 دولاراً. أسعار البضائع بالاجمال ارتفعت إجمالا بنسبة 20% بسبب جشع التجار الكبار.

لكننا مستمرون في تأمين ما يلزم للناس». أعلام المونديال ما زالت ترفرف على بعض الشرفات في الشارع الضيق. الغلبة للعلم الألماني. يطلب الينا عدم تصوير المحال التجارية المفتوحة. «نريد فقط إظهار صمود الأهالي». بالفعل «الصامدون» كانوا بالانتظار. يقول نعيم جلول: «حضرنا كل الحروب واكتشفنا أن اسرائيل دولة جبانة لا تملك الجرأة للنزول الى الارض ومواجهة شبابنا». يتبرع باصطحابنا الى أحد الملاجئ، لكن دليلنا يصوب المسيرة ويقودنا الى ملجأ آخر شبه فارغ. يوضح: «تخرج النساء كل صباح للاهتمام بالمنازل وتحضير الطعام وكذلك الاطفال يغادرون للاستحمام وتنشق الهواء.

ويعود الجميع حوالي الساعة الثالثة». الملجأ مزود بالكهرباء وجهاز التلفزيون على قناة «المنار» يبث آخر المستجدات الأمنية. تجلس عجوز على حصير وتستند الى الحائط. تبدأ بالدعاء لأمين عام حزب الله الشيخ حسن نصر الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري... وتشتم بقية السياسيين اللبنانيين، وطبعا الاسرائيليين والاميركيين والعرب. تقول: « دكوا البيوت الله لا يردها. المهم الأرض.

قتلوا الشباب، ستلد النساء غيرهم. المهم ان تبقى المقاومة». تثير حماسة شباب المنطقة الذين رافقونا، فيشاركونها المدح والذم بانفعال. ويوجهون التهم الى السياسيين اللبنانيين الذين انتقدوا نصر الله والمقاومة، متهمين اياهم بالعمالة لإسرائيل. تسأل صحافية نمساوية عن معنى الكلام الغاضب، يشرح لها أحدهم بالفرنسية. فتجيبه: «هذا الكلام مخيف، أشم رائحة الحرب الأهلية».