المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحقيق الأول من نوعه عن الصحيفة الشهيرة التي أسقطت رئيس أميركا



مرتاح
07-11-2006, 04:42 PM
الشرق الاوسط تقضي يوما كاملا في «واشنطن بوست»


واشنطن: محمد علي صالح


لم توافق جريدة «واشنطن بوست» على أن تقضي جريدة «الشرق الأوسط» يوما في «غرفة الاخبار»، إلا بعد اربعة شهور من تقديم الطلب. اعتذرت كيت كارلايل، مديرة «خدمة أخبار واشنطن بوست»، التي تملك «الشرق الأوسط» حق نشرها باللغة العربية، والتي رتبت الزيارة، وقالت ان ترتيب الزيارة لم يكن سهلا، وذلك لأن ليونارد داوني، مدير التحرير التنفيذي (رئيس تحرير الصحيفة)، كان لا بد أن يوافق، وأن يكلف شخصا يشرف على الزيارة. كلف داوني، مسؤولة الأخبار المستمرة، لكسي فيردون، التي قالت انه لم يحدث ان قضى صحافي من جريدة اخرى يوما كاملا في غرفة اخبار «واشنطن بوست» ليسجل ما يحدث. بالطبع تجول صحافيون وناشرون من مختلف أنحاء العالم، ولكن لساعة أو ساعتين فقط. داوني، بعد أن وافق، كان حريصا على أن يوزع، يوم الزيارة، رسالة «إي ميل» قصيرة لكل العاملين في غرفة الاخبار، بأن صحافيا من «الشرق الأوسط» سيقضي يوما معهم، ويرجوهم أن يقدموا له كل مساعدة ممكنة.

* «غرفة» الأخبار:

يعمل أكثر من ستمائة مخبر، ومحرر، ومعلق، ومصور في «غرفة الاخبار». (تصدر الصحيفة يوميا بخمسة اجزاء مكونة من سبعة ملاحق وصفحات متخصصة، وبعدد صفحات يتراوح ما بين ثمان وستين صفحة الى مائة وثماني صفحات، عدا عن الملاحق المتفرقة حسب ايام الاسبوع. كما تصدر ملاحق موزعة على ايام الاسبوع خاصة بضواحي العاصمة واشنطن. وفي عطلة نهاية الاسبوع تصدر الصحيفة مجلة اسبوعية، وقرابة اثني عشر ملحقا متخصصا، مثل الكتب والتلفزيون). لكن «الغرفة»، في الحقيقة، طابقان من طوابق الجريدة الستة. وينقسم هؤلاء الى اقسام حسب اخبار الجريدة: محلية (ضواحي واشنطن)، ووطنية (على مستوى الولايات المتحدة الاميركية) خارجية، رياضة، اقتصاد، الخ... وحسب الملاحق الاسبوعية: كتب، وصحة، وعقارات، و«آوت لوك» (مثل «حصاد الاسبوع»)، الخ... وهناك قسمان جديدان: «اذاعة واشنطن بوست»، و «واشنطن بوست دوت كوم».

لا يفصل بين الستمائة شخص (في طابقين) غير حواجز قصيرة تجعل الانسان لا يرى زملاءه عندما يجلس، ويراهم عندما يقف. وهناك مكاتب منفصلة (زجاجية) للمسؤولين عن الاقسام (تماما مثل صور المكان في فيلم «رجال الرئيس» الذي صدر قبل ثلاثين سنة تقريبا).

يبدأ توزيع الجريدة في الرابعة صباحا. وتدور المطبعة في منتصف الليل. وينزل آخر خبر في الحادية عشرة. وتجهز كل الصفحات في العاشرة. ويعقد المسؤولون عن الاقسام الاجتماع اليومي الثالث والاخير في السادسة مساء. والاجتماع الثاني في الثانية ظهرا. والاجتماع الاول في العاشرة صباحا. ويدخل اول صحافي غرفة الاخبار في الرابعة صباحا.

* الساعة الرابعة صباحا:

> كانت ديبي ويلغورن، أول صحافية دخلت غرفة الاخبار في ذلك اليوم، في الرابعة صباحا. تعمل في قسم «الاخبار المستمرة» الذي يتابع الاخبار في غياب بقية الصحافيين، ويعد الاخبار لـ«اذاعة واشنطن بوست» و«واشنطن بوست دوت كوم».

استيقظت «ديبي» في الثالثة صباحا، وتركت زوجها وطفليهما (سيجهز الزوج الطفلين للذهاب الى المدرسة)، وستترك المكتب بعد ثماني ساعات، في منتصف النهار، وتعود الى البيت لتنام، حتى يعود الطفلان من المدرسة.

بدأت «ديبي» اليوم بمتابعة الاخبار في التلفزيون، وفي الإنترنت، وراجعت بريدها الإلكتروني توقعا لأخبار أرسلها مراسلون محليون أو خارجيون (يعرفون انها مسؤولة في ذلك الصباح الباكر، ويرسلون نسخة من كل خبر اليها، ونسخة الى اقسامهم).

* بدأت بأول خبرين: الأول محلي: حادث سير كبير على جسر «ويلسون»، على نهر بوتوماك بالقرب من واشنطن، وبداية مشكلة مرور عملاقة مع تدفق العاملين نحو واشنطن من الضواحي.

الثاني، عالمي، من العراق: خطف مسلحون تنكروا في ملابس عسكرية، 56 شخصا في بغداد.

كتبت «ديبي» خبرا من ثلاثمائة كلمة عن الكوبري، اعتمادا على خبر من وكالة «اسوشيتدبرس»، واتصال مع شرطة المرور، وأرسلت نسخة الى «الاذاعة»، وأخرى الى «الموقع».

* الساعة الخامسة صباحا:

> وجاء، في الخامسة صباحا، فرد بارباش. قال انه استيقظ من النوم في الرابعة صباحا. وجد «فرد» خبرا من «اسوشيتدبرس» بأن المحكمة العليا ستنظر في قضية عن التفرقة العنصرية في المدارس العليا. لكن الوقت كان مبكرا للاتصال بمسؤولين للحصول على تعليقات منهم، ولهذا نسب الخبر الى الوكالة، بعد ان اضاف اليه خلفيات عن الموضوع كان كتبها في الجريدة في وقت سابق. وارسل نسخة الى «الاذاعة»، واخرى الى «الموقع».

«فرد» أكبر سنا من «ديبي»، وهو صحافي عريق في الجريدة. كان رئيس القسم الاقتصادي، وكتب عمودا فيه نصائح للمستثمرين، وكان مدير مكتب لندن، وعمل مراسلا في المحكمة العليا. وكتب ثلاثة كتب: «سوق الاوراق المالية» و«استثمار أموالك» و«كتابة الدستور الاميركي». وهو الآن مخبر في قسم الاخبار المستمرة. استغرب لسؤال عن «تخفيض منصبه». وقال انه لا يهتم بحقيقة انه اصبح مخبرا بعد ان كان رئيس قسم، وبعد ان الف ثلاثة كتب. وقال في عفوية: «اريد ان ارتاح قليلا، بعد ان انتهي من تأليف الكتاب الاخير». (كانت الجريدة سمحت له بأن يتفرغ سنة كاملة ليكتبه).

* الساعة السادسة صباحا:

> ذهبت «ديبي»، في السادسة، الى قسم «الاذاعة»، على بعد خطوتين، لمقابلة على الهواء عن حادث الكوبري. كانت اتصلت مع مسؤولين آخرين في قسم المرور، وحصلت على تصريحات منهم، واضافت بعضها الى الخبر، ولهذا كانت ربما الشخص الوحيد في واشنطن الذي يعرف كل جوانب حادث الجسر. ظلت «غرفة الاخبار» هادئة. وجاء عمال نظافة ينظفون المكان. هناك، طبعا، اوراق مبعثرة، وجرائد على الارض. لكن، شكرا للكومبيوتر، لا توجد جرائد كثيرة على الارض بالمقارنة مع منظر «غرفة الاخبار» في فيلم «رجال الرئيس».

علق صحافيون ملصقات ساخرة على مكاتبهم عن مواضيع مختلفة. هناك ملصقة عليها رأس تمثال الحرية في صورة جمجمة. وخريطة عملاقة للمستوطنات الاسرائيلية توضح انها غطت جزءا كبيرا من الضفة. وملصقة ايرانية تقول: «جهان بدون اميركا» (عالم بدون اميركا).

* الساعة السابعة صباحا:

> ذهب «فرد»، في السابعة صباحا، الى قسم الاذاعة لمقابلة على الهواء عن خبر المحكمة العليا. ولأنه كان يعرف كل جوانبه (وكتب كتابا عن الدستور الاميركي)، اجاب اجابات اكثر من كافية على كل الاسئلة التي وجهت له. ظل الصباح هادئا. ماذا لو وقعت كارثة كبرى الآن؟ ماذا اذا وقع هجوم ارهابي؟ او اذا وقع اعصار، مثل كاترينا؟. اجابت «ديبي»: «سنعلن حالة الطوارئ، وسيسرع الصحافيون الى مكاتبهم، وسيجرون اتصالات وهم في طريقهم الى مكاتبهم، لأنهم يعرفون، بحكم اختصاصاتهم، ماذا سيفعلون». قالت ان القسم الاقتصادي سيسأل عن الآثار الاقتصادية، والقسم المحلي سيسأل عن اقرباء في واشنطن لضحايا الاعصار، وهكذا.

* الساعة الثامنة صباحا:

> قدمت نشرة اخبار تلفزيون «سي ان ان»، صورا ومعلومات مفصلة عن سرقة عراقيين لملابس شرطة، وخطفهم 56 شخصا في العراق. لكن لم يظهر حتى الآن اي صحافي من القسم الخارجي.

كان نيلسون هيرنانديز وصالح سيف الدين، مراسلا الجريدة في بغداد، قد أرسلا خبرا مطولا. وفضلت «ديبي» الانتظار حتى يأتي صحافيون من القسم الخارجي. لكنها استعملت جزءا من الخبر «للموقع». ثم، في وقت لاحق، أضافت الى خبر «الموقع» التطورات الاخيرة التي شاهدتها في تلفزيون «سي ان ان».

لم تكتب اسمها على خبر «الموقع». لماذا؟ أجابت: «ولماذا اكتب اسمي؟ انا لم افعل سوى ان اخذت الجزء الاول من خبر مكتب بغداد». ولماذا كتبت اسمها على خبر الجسر؟ اجابت: «لأني تعبت فيه، واتصلت مع اكثر من مسؤول». واستغربت للسؤال عن كتابة الاسماء، وكأن الموضوع لا يحتاج الى سؤال.

الساعة التاسعة صباحا:

> وصلت، في التاسعة صباحا، لكسي فيردون، مسؤولة قسم «الاخبار المستمرة». وظيفتها الرسمية هي: نائبة مساعد مدير التحرير. كانت قبل ذلك مسؤولة عن ملحق «الصحة» الذي يصدر كل يوم ثلاثاء (منفصلا من اربع صفحات)، وعملت في القسم الداخلى، وفي اقسام اخرى.

وهي التي اشرفت على زيارة «الشرق الاوسط» لجريدة «واشنطن بوست».

وصل، بعد «لكسي» بقليل، رئيسها، مدير قسم «الاخبار المستمرة» (في وظيفة مساعد مدير التحرير، ليونارد داوني): راجيف شاندراسيكران (أصله هندي). وهو شاب انضم الى الجريدة قبل عشر سنوات فقط. كان، حتى السنة الماضية، مدير مكتب الجريدة في العراق، وقبلها كان مخبرا في شؤون التكنولوجيا. لكنه لا يعمل الآن في الاخبار المستمرة، رغم انه يجلس في «مكتب زجاجي» (مكتب مدير قسم). والسبب هو انه متفرغ، حتى نهاية السنة، لكتابة كتاب عن الفترة التي قضاها في العراق. (سيكون الكتاب عن القوات الاميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، بعنوان: «حياة امبريالية داخل مدينة خضراء»).

لهذا، عندما وصل «راجيف» في الصباح، حيا الحاضرين، لكنه لم يسأل عن الاخبار، ودخل مكتبه لمواصلة تأليف كتابه.

وصل بعده بقليل ليونارد دواني، مدير التحرير التنفيذي، وحيا الموجودين من بعيد، وذهب الى مكتبه.

* «لكسي»:

سألت «لكسي» اللذين سبقاها، «ديبي» و«فرد»، عن آخر الاخبار. واشارا الى خبري الجسر والمحكمة العليا. وطالعت «لكسي» قائمة الاخبار المتوقعة اثناء اليوم (كانت اعدتها في اليوم السابق): اولا، سيلقي الرئيس بوش خطابا عن معارضته لزواج المثليين (ستكلف به دانيلا دين). ثانيا، ستنظر المحكمة العليا موضوع التفرقة العنصرية في المدارس العليا (ستطلب من «فرد» متابعته). ثالثا، سيتضح مصير ميشيل ويي، لاعبة كرة المضرب التي ربما ستكون اصغر فتاة (15 سنة) تفوز بالبطولة الاميركية (ستكلف به وليام برانيغين). رابعا، سيصدر مجلس مقاطعة فيرفاكس المجاورة قرارا عن الضرائب (ستكلف به بيل بروبيكر).

* الساعة العاشرة صباحا:

> جاء، في العاشرة، وليام برانيغن (اكثر من 30 سنة مع الجريدة). كان، لسنتين، مخبرا في قسم اخبار الضواحي. وقبل ذلك غطى غزو العراق عندما صاحب القوات الاميركية التي دخلت بغداد. وقضى، قبل ذلك، أكثر من عشر سنوات مديرا لمكاتب الجريدة في المكسيك، وتايلند، والفلبين.

أول عمل طلبته منه رئيسته «لكسي»، هو التقاط الهاتف وكتابة رسالة صوتية من مراسل رياضي كان يغطي منافسات التنس. ملخص الخبر ان «الفتاة المعجزة ميشيل ويي» لم تفز بالبطولة. لم يجد المراسل شخصا في القسم الرياضي، فاتصل بقسم الاخبار المستمرة. وتكفل «وليام» بكتابة الخبر وتحريره، وإرسال نسخ الى «الاذاعة»، و«الموقع»، والقسم الرياضي للاستفادة منه.

لم يكتب «وليام» اسمه على الخبر، واكتفى باسم المراسل الرياضي. لماذا؟ قال انه فعل ذلك لأنه لم يضف اشياء كثيرة الى الخبر. قال: «جمعت معلومات من الوكالات وعملت خلفية للخبر، ولم أستحق نشر اسمي».

لكن اذا كانت الفتاة فازت ببطولة كرة المضرب، كان «وليام» سيشترك في كتابة خبر طويل، رغم انه لا يعمل في القسم الرياضي. وسيحدد رئيس القسم الرياضي كتابة اسمه على الخبر، أو عدم كتابته، حسب حجم إسهامه فيه.

* رؤساء الأقسام:

وصلت دانيلا دين متأخرة ساعتين، لكنها كانت أبلغت رئيستها «لكسي». «دانيلا» كانت مراسلة ومديرة مكاتب في دول كثيرة لفترة قاربت عشرين سنة. ثم عادت الى واشنطن وعملت مخبرة في قسم العقارات (يصدر القسم ملحقا كبيرا منفصلا كل يوم سبت). لم تأت في ذلك اليوم فانيسا وليامز، نائبة «لكسي». وكانت، قبل ذلك، مساعدة مسؤول قسم مدينة واشنطن (متروبوليتان). وهكذا اكتمل عقد الصحافيين في قسم الاخبار المتواصلة. وانشغلوا في إعداد ومراجعة الاخبار السابقة الذكر.

وصلت، في الساعة العاشرة تقريبا، أعداد كبيرة من الصحافيين، ومنهم رؤساء الاقسام. وبدأ هؤلاء من حيث وقف قسم الاخبار المتواصلة: اولا، قرر رئيس القسم الخارجي التركيز على خبر العراق، واتصل مع مكتب بغداد لإرسال مزيد من التطورات.

ثانيا، قرر مسؤول القسم المحلي نشر خبر الجسر، وعلم ان رئيس قسم التصوير أرسل مصورين لالتقاط صور للحادث.

ثالثا، قرر مسؤول القسم الوطني نشر خبر بوش (بدأت «دانيلا» تعمل فيه)، ونشر خبر المحكمة العليا (سيتابعة «فرد»).

رابعا، قرر رئيس القسم الرياضي عدم التركيز على موضوع فتاة التنس (لأنها لم تفز).

* إدارة «لكسي»:

كيف تدير «لكسي» قسمها؟ بداية بكتابة الاسم على الخبر. قالت: «كل شيء يعتمد على إسهام الصحافي في الخبر»: أولا، لا يستحق الصحافي كتابة اسمه إذا أضاف جملا قليلة الى خبر وكالة أو خبر صحافي آخر.

ثانيا، يفوز دائما بكتابة الاسم الصحافي الذي شاهد الحدث. واذا اضاف صحافي آخر معلومات الى الخبر، يوضع اسمه تحت اسم الاول، او في نهاية الخبر (اعتمادا على حجم وأهمية اضافاته).

ثالثا، «لا يتعارك الصحافيون حول كتابة اسمائهم». استغربت «لكسي» لكثرة الاسئلة عن هذا الموضوع، واوضحت انه ليس موضوعا مهما. وقالت ان التركيز يجب ان يكون على المعلومات الجديدة في كل خبر، وليس على من يكتب اسمه، ومن لا يكتبه. وتندرت بأن مجلة «ايكونوميست» البريطانية لا تكتب أسماء، وقالت انها لم تعرف اسم رئيس تحرير «ايكونوميست» إلا بعد ان استقال، وتفرغ لكتابة كتاب عن سنوات عمله فيها.

* رئيس ومرؤوس:

واستغربت «لكسي»، ايضا، لكثرة الاسئلة عن العلاقة بينها كرئيسة وبين العاملين في قسمها (ستة). وقالت انها لا تفكر كثيرا في الموضوع. واضافت انها تعرف «اهمية وجود شخص على رأس القسم لينسق ويرتب. لكننا نعمل معا كفريق رياضي، وليس كفصيلة في القوات المسلحة».

وأكدت ذلك بطريقة تعاملها مع العاملين في القسم. قالت انها مثل لاعب «كورترباك» (كابتن) في فريق كرة قدم اميركي: ينزل الى الملعب مع فريقه لينفذ الخطة التي وضعها المدرب، ويتشاور مع اللاعبين سريعا، ويكلف كل واحد بمهمة معينة.

وقالت ان نقابة الصحافيين تعالج كثيرا من المواضيع التي لها صلة بالعمل، مثل ساعات العمل والاجازات، والعلاج الصحي، الخ...

* الالتزام بالمواعيد:

واستغربت «لكسي» بسبب أسئلة عن الانضباط في العمل، والالتزام بالمواعيد، وقالت ضاحكة: «ألا تقولون اننا نحن الاميركيين نعبد العمل؟ نحن هنا نعبد العمل كأميركيين، ونحبه كصحافيين». وقالت ان نسبة كبيرة من الصحافيين في الجريدة تخرجوا من كليات صحافة اميركية، وان الكليات «لأنها تركز على ان يكون الخبر نزيها، تركز، ايضا، على ان يكون الصحافي نزيها، ليس فقط في كتابة الخبر، ولكن، ايضا، في سلوكه، داخل المكتب على الاقل».

وقالت انها، كرئيسة قسم: أولا، لا تتابع الصحافي كل الوقت. ثانيا، لا تتدخل في شؤونه الخاصة. ثالثا، لا تلزمه بمواعيد محددة. رابعا، لا تتوقع منه ان يكون في المكتب طول الوقت الرسمي. خامسا، تهتم بالإنتاج أكثر من الدوام. سادسا، «لا تهتم بالشكليات» («آي جست دونت كير»).

لكنها قالت انها، في نفس الوقت، تتوقع من الصحافيين ان يلتزموا بالمواعيد، ويقدموا عملا جيدا. وقالت انها لا تتذكر اي مرة عاتبت فيها صحافيا لأنه قصر في العمل، او اهمل، او لم يعمل. واضافت: «ربما حدث، لكني لا اتذكره».

* نشر أسماء الصحافيين:

واستغربت «لكسي» بسبب اسئلة عن نشر اسماء الصحافيين مع الاخبار التي يكتبونها. وقالت: «نحرص على كتابة اسم كل كاتب خبر ليس ليلمع اسمه، ولكن لثلاثة اسباب اهم من ذلك: الاول، لنسأله اذا احتجنا الى معلومات اضافية. والثاني، ليتحمل مسؤولية الخطأ، اذا حدث. والثالث، لأن الخبر، مثل البحث العلمي، لا بد أن يكون له مؤلف». وقالت انها لا تتذكر أي مرة احتج فيها صحافي لأن اسمه لم يظهر في خبر. أو احتج لأن اسمه كتب تحت اسم آخر. او تعارك مع آخر حول كتابة اسميهما. وقالت: «ربما حدث، لكني لا أتذكره».

لكنها قالت ان «هذا المكان ليس جنة. توجد مشاكل مثلما توجد مشاكل في كل مكان يجتمع فيه أكثر من شخص، ناهيك عن مئات الناس. يوجد تنافس، وغيرة، وحسد. لكن الغيرة عاطفة، وليست منطقا، ونفضل ألا نخلطها بالعمل». وأضافت: «العمل منطق».

وقالت: «يوجد هنا كثير من الـ«بي سي» (بوليتكالي كوريكت) لتحاشي المشاكل. نفضل أن يصمت الشخص بدلا من أن يقول كلمة تغضب. وأن يصمت بدلا من أن يقول كلمة ربما تغضب. نفضل تحاشي المشاكل، وتحاشي احتمال المشاكل».

وقالت ان هذا ربما سر الصمت العام في المكان، رغم كثرة العاملين فيه.

مرتاح
07-11-2006, 04:49 PM
واشنطن: محمد علي صالح «غرفة» الأخبار:

يعمل أكثر من ستمائة مخبر، ومحرر، ومعلق، ومصور في «غرفة الاخبار». (تصدر الصحيفة يوميا بخمسة اجزاء مكونة من سبعة ملاحق وصفحات متخصصة، وبعدد صفحات يتراوح ما بين ثمان وستين صفحة الى مائة وثماني صفحات، عدا عن الملاحق المتفرقة حسب ايام الاسبوع. كما تصدر ملاحق موزعة على ايام الاسبوع خاصة بضواحي العاصمة واشنطن. وفي عطلة نهاية الاسبوع تصدر الصحيفة مجلة اسبوعية، وقرابة اثني عشر ملحقا متخصصا، مثل الكتب والتلفزيون). لكن «الغرفة»، في الحقيقة، طابقان من طوابق الجريدة الستة. وينقسم هؤلاء الى اقسام حسب اخبار الجريدة: محلية (ضواحي واشنطن)، ووطنية (على مستوى الولايات المتحدة الاميركية) خارجية، رياضة، اقتصاد، الخ... وحسب الملاحق الاسبوعية: كتب، وصحة، وعقارات، و«آوت لوك» (مثل «حصاد الاسبوع»)، الخ... وهناك قسمان جديدان: «اذاعة واشنطن بوست»، و «واشنطن بوست دوت كوم».

لا يفصل بين الستمائة شخص (في طابقين) غير حواجز قصيرة تجعل الانسان لا يرى زملاءه عندما يجلس، ويراهم عندما يقف. وهناك مكاتب منفصلة (زجاجية) للمسؤولين عن الاقسام (تماما مثل صور المكان في فيلم «رجال الرئيس» الذي صدر قبل ثلاثين سنة تقريبا).

يبدأ توزيع الجريدة في الرابعة صباحا. وتدور المطبعة في منتصف الليل. وينزل آخر خبر في الحادية عشرة. وتجهز كل الصفحات في العاشرة. ويعقد المسؤولون عن الاقسام الاجتماع اليومي الثالث والاخير في السادسة مساء. والاجتماع الثاني في الثانية ظهرا. والاجتماع الاول في العاشرة صباحا. ويدخل اول صحافي غرفة الاخبار في الرابعة صباحا.

الساعة الرابعة صباحا:

> كانت ديبي ويلغورن، أول صحافية دخلت غرفة الاخبار في ذلك اليوم، في الرابعة صباحا. تعمل في قسم «الاخبار المستمرة» الذي يتابع الاخبار في غياب بقية الصحافيين، ويعد الاخبار لـ«اذاعة واشنطن بوست» و«واشنطن بوست دوت كوم».

استيقظت «ديبي» في الثالثة صباحا، وتركت زوجها وطفليهما (سيجهز الزوج الطفلين للذهاب الى المدرسة)، وستترك المكتب بعد ثماني ساعات، في منتصف النهار، وتعود الى البيت لتنام، حتى يعود الطفلان من المدرسة.

بدأت «ديبي» اليوم بمتابعة الاخبار في التلفزيون، وفي الإنترنت، وراجعت بريدها الإلكتروني توقعا لأخبار أرسلها مراسلون محليون أو خارجيون (يعرفون انها مسؤولة في ذلك الصباح الباكر، ويرسلون نسخة من كل خبر اليها، ونسخة الى اقسامهم).

بدأت بأول خبرين: الأول محلي: حادث سير كبير على جسر «ويلسون»، على نهر بوتوماك بالقرب من واشنطن، وبداية مشكلة مرور عملاقة مع تدفق العاملين نحو واشنطن من الضواحي.

الثاني، عالمي، من العراق: خطف مسلحون تنكروا في ملابس عسكرية، 56 شخصا في بغداد.

كتبت «ديبي» خبرا من ثلاثمائة كلمة عن الكوبري، اعتمادا على خبر من وكالة «اسوشيتدبرس»، واتصال مع شرطة المرور، وأرسلت نسخة الى «الاذاعة»، وأخرى الى «الموقع».

الساعة الخامسة صباحا:

> وجاء، في الخامسة صباحا، فرد بارباش. قال انه استيقظ من النوم في الرابعة صباحا. وجد «فرد» خبرا من «اسوشيتدبرس» بأن المحكمة العليا ستنظر في قضية عن التفرقة العنصرية في المدارس العليا. لكن الوقت كان مبكرا للاتصال بمسؤولين للحصول على تعليقات منهم، ولهذا نسب الخبر الى الوكالة، بعد ان اضاف اليه خلفيات عن الموضوع كان كتبها في الجريدة في وقت سابق. وارسل نسخة الى «الاذاعة»، واخرى الى «الموقع».

«فرد» أكبر سنا من «ديبي»، وهو صحافي عريق في الجريدة. كان رئيس القسم الاقتصادي، وكتب عمودا فيه نصائح للمستثمرين، وكان مدير مكتب لندن، وعمل مراسلا في المحكمة العليا. وكتب ثلاثة كتب: «سوق الاوراق المالية» و«استثمار أموالك» و«كتابة الدستور الاميركي». وهو الآن مخبر في قسم الاخبار المستمرة. استغرب لسؤال عن «تخفيض منصبه». وقال انه لا يهتم بحقيقة انه اصبح مخبرا بعد ان كان رئيس قسم، وبعد ان الف ثلاثة كتب. وقال في عفوية: «اريد ان ارتاح قليلا، بعد ان انتهي من تأليف الكتاب الاخير». (كانت الجريدة سمحت له بأن يتفرغ سنة كاملة ليكتبه).

الساعة السادسة صباحا:

> ذهبت «ديبي»، في السادسة، الى قسم «الاذاعة»، على بعد خطوتين، لمقابلة على الهواء عن حادث الكوبري. كانت اتصلت مع مسؤولين آخرين في قسم المرور، وحصلت على تصريحات منهم، واضافت بعضها الى الخبر، ولهذا كانت ربما الشخص الوحيد في واشنطن الذي يعرف كل جوانب حادث الجسر. ظلت «غرفة الاخبار» هادئة. وجاء عمال نظافة ينظفون المكان. هناك، طبعا، اوراق مبعثرة، وجرائد على الارض. لكن، شكرا للكومبيوتر، لا توجد جرائد كثيرة على الارض بالمقارنة مع منظر «غرفة الاخبار» في فيلم «رجال الرئيس».

علق صحافيون ملصقات ساخرة على مكاتبهم عن مواضيع مختلفة. هناك ملصقة عليها رأس تمثال الحرية في صورة جمجمة. وخريطة عملاقة للمستوطنات الاسرائيلية توضح انها غطت جزءا كبيرا من الضفة. وملصقة ايرانية تقول: «جهان بدون اميركا» (عالم بدون اميركا). الساعة السابعة صباحا:

> ذهب «فرد»، في السابعة صباحا، الى قسم الاذاعة لمقابلة على الهواء عن خبر المحكمة العليا. ولأنه كان يعرف كل جوانبه (وكتب كتابا عن الدستور الاميركي)، اجاب اجابات اكثر من كافية على كل الاسئلة التي وجهت له. ظل الصباح هادئا. ماذا لو وقعت كارثة كبرى الآن؟ ماذا اذا وقع هجوم ارهابي؟ او اذا وقع اعصار، مثل كاترينا؟. اجابت «ديبي»: «سنعلن حالة الطوارئ، وسيسرع الصحافيون الى مكاتبهم، وسيجرون اتصالات وهم في طريقهم الى مكاتبهم، لأنهم يعرفون، بحكم اختصاصاتهم، ماذا سيفعلون». قالت ان القسم الاقتصادي سيسأل عن الآثار الاقتصادية، والقسم المحلي سيسأل عن اقرباء في واشنطن لضحايا الاعصار، وهكذا. الساعة الثامنة صباحا:

> قدمت نشرة اخبار تلفزيون «سي ان ان»، صورا ومعلومات مفصلة عن سرقة عراقيين لملابس شرطة، وخطفهم 56 شخصا في العراق. لكن لم يظهر حتى الآن اي صحافي من القسم الخارجي.

كان نيلسون هيرنانديز وصالح سيف الدين، مراسلا الجريدة في بغداد، قد أرسلا خبرا مطولا. وفضلت «ديبي» الانتظار حتى يأتي صحافيون من القسم الخارجي. لكنها استعملت جزءا من الخبر «للموقع». ثم، في وقت لاحق، أضافت الى خبر «الموقع» التطورات الاخيرة التي شاهدتها في تلفزيون «سي ان ان».

لم تكتب اسمها على خبر «الموقع». لماذا؟ أجابت: «ولماذا اكتب اسمي؟ انا لم افعل سوى ان اخذت الجزء الاول من خبر مكتب بغداد». ولماذا كتبت اسمها على خبر الجسر؟ اجابت: «لأني تعبت فيه، واتصلت مع اكثر من مسؤول». واستغربت للسؤال عن كتابة الاسماء، وكأن الموضوع لا يحتاج الى سؤال.

الساعة التاسعة صباحا:

> وصلت، في التاسعة صباحا، لكسي فيردون، مسؤولة قسم «الاخبار المستمرة». وظيفتها الرسمية هي: نائبة مساعد مدير التحرير. كانت قبل ذلك مسؤولة عن ملحق «الصحة» الذي يصدر كل يوم ثلاثاء (منفصلا من اربع صفحات)، وعملت في القسم الداخلى، وفي اقسام اخرى.

وهي التي اشرفت على زيارة «الشرق الاوسط» لجريدة «واشنطن بوست».

وصل، بعد «لكسي» بقليل، رئيسها، مدير قسم «الاخبار المستمرة» (في وظيفة مساعد مدير التحرير، ليونارد داوني): راجيف شاندراسيكران (أصله هندي). وهو شاب انضم الى الجريدة قبل عشر سنوات فقط. كان، حتى السنة الماضية، مدير مكتب الجريدة في العراق، وقبلها كان مخبرا في شؤون التكنولوجيا. لكنه لا يعمل الآن في الاخبار المستمرة، رغم انه يجلس في «مكتب زجاجي» (مكتب مدير قسم). والسبب هو انه متفرغ، حتى نهاية السنة، لكتابة كتاب عن الفترة التي قضاها في العراق. (سيكون الكتاب عن القوات الاميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، بعنوان: «حياة امبريالية داخل مدينة خضراء»).

لهذا، عندما وصل «راجيف» في الصباح، حيا الحاضرين، لكنه لم يسأل عن الاخبار، ودخل مكتبه لمواصلة تأليف كتابه.

وصل بعده بقليل ليونارد دواني، مدير التحرير التنفيذي، وحيا الموجودين من بعيد، وذهب الى مكتبه.

«لكسي»:

سألت «لكسي» اللذين سبقاها، «ديبي» و«فرد»، عن آخر الاخبار. واشارا الى خبري الجسر والمحكمة العليا. وطالعت «لكسي» قائمة الاخبار المتوقعة اثناء اليوم (كانت اعدتها في اليوم السابق): اولا، سيلقي الرئيس بوش خطابا عن معارضته لزواج المثليين (ستكلف به دانيلا دين). ثانيا، ستنظر المحكمة العليا موضوع التفرقة العنصرية في المدارس العليا (ستطلب من «فرد» متابعته). ثالثا، سيتضح مصير ميشيل ويي، لاعبة كرة المضرب التي ربما ستكون اصغر فتاة (15 سنة) تفوز بالبطولة الاميركية (ستكلف به وليام برانيغين). رابعا، سيصدر مجلس مقاطعة فيرفاكس المجاورة قرارا عن الضرائب (ستكلف به بيل بروبيكر).

الساعة العاشرة صباحا:

> جاء، في العاشرة، وليام برانيغن (اكثر من 30 سنة مع الجريدة). كان، لسنتين، مخبرا في قسم اخبار الضواحي. وقبل ذلك غطى غزو العراق عندما صاحب القوات الاميركية التي دخلت بغداد. وقضى، قبل ذلك، أكثر من عشر سنوات مديرا لمكاتب الجريدة في المكسيك، وتايلند، والفلبين.

أول عمل طلبته منه رئيسته «لكسي»، هو التقاط الهاتف وكتابة رسالة صوتية من مراسل رياضي كان يغطي منافسات التنس. ملخص الخبر ان «الفتاة المعجزة ميشيل ويي» لم تفز بالبطولة. لم يجد المراسل شخصا في القسم الرياضي، فاتصل بقسم الاخبار المستمرة. وتكفل «وليام» بكتابة الخبر وتحريره، وإرسال نسخ الى «الاذاعة»، و«الموقع»، والقسم الرياضي للاستفادة منه.

لم يكتب «وليام» اسمه على الخبر، واكتفى باسم المراسل الرياضي. لماذا؟ قال انه فعل ذلك لأنه لم يضف اشياء كثيرة الى الخبر. قال: «جمعت معلومات من الوكالات وعملت خلفية للخبر، ولم أستحق نشر اسمي».

لكن اذا كانت الفتاة فازت ببطولة كرة المضرب، كان «وليام» سيشترك في كتابة خبر طويل، رغم انه لا يعمل في القسم الرياضي. وسيحدد رئيس القسم الرياضي كتابة اسمه على الخبر، أو عدم كتابته، حسب حجم إسهامه فيه.

رؤساء الأقسام:

وصلت دانيلا دين متأخرة ساعتين، لكنها كانت أبلغت رئيستها «لكسي». «دانيلا» كانت مراسلة ومديرة مكاتب في دول كثيرة لفترة قاربت عشرين سنة. ثم عادت الى واشنطن وعملت مخبرة في قسم العقارات (يصدر القسم ملحقا كبيرا منفصلا كل يوم سبت). لم تأت في ذلك اليوم فانيسا وليامز، نائبة «لكسي». وكانت، قبل ذلك، مساعدة مسؤول قسم مدينة واشنطن (متروبوليتان). وهكذا اكتمل عقد الصحافيين في قسم الاخبار المتواصلة. وانشغلوا في إعداد ومراجعة الاخبار السابقة الذكر.

وصلت، في الساعة العاشرة تقريبا، أعداد كبيرة من الصحافيين، ومنهم رؤساء الاقسام. وبدأ هؤلاء من حيث وقف قسم الاخبار المتواصلة: اولا، قرر رئيس القسم الخارجي التركيز على خبر العراق، واتصل مع مكتب بغداد لإرسال مزيد من التطورات.

ثانيا، قرر مسؤول القسم المحلي نشر خبر الجسر، وعلم ان رئيس قسم التصوير أرسل مصورين لالتقاط صور للحادث.

ثالثا، قرر مسؤول القسم الوطني نشر خبر بوش (بدأت «دانيلا» تعمل فيه)، ونشر خبر المحكمة العليا (سيتابعة «فرد»).

رابعا، قرر رئيس القسم الرياضي عدم التركيز على موضوع فتاة التنس (لأنها لم تفز).

إدارة «لكسي»:

كيف تدير «لكسي» قسمها؟ بداية بكتابة الاسم على الخبر. قالت: «كل شيء يعتمد على إسهام الصحافي في الخبر»: أولا، لا يستحق الصحافي كتابة اسمه إذا أضاف جملا قليلة الى خبر وكالة أو خبر صحافي آخر.

ثانيا، يفوز دائما بكتابة الاسم الصحافي الذي شاهد الحدث. واذا اضاف صحافي آخر معلومات الى الخبر، يوضع اسمه تحت اسم الاول، او في نهاية الخبر (اعتمادا على حجم وأهمية اضافاته).

ثالثا، «لا يتعارك الصحافيون حول كتابة اسمائهم». استغربت «لكسي» لكثرة الاسئلة عن هذا الموضوع، واوضحت انه ليس موضوعا مهما. وقالت ان التركيز يجب ان يكون على المعلومات الجديدة في كل خبر، وليس على من يكتب اسمه، ومن لا يكتبه. وتندرت بأن مجلة «ايكونوميست» البريطانية لا تكتب أسماء، وقالت انها لم تعرف اسم رئيس تحرير «ايكونوميست» إلا بعد ان استقال، وتفرغ لكتابة كتاب عن سنوات عمله فيها.

* رئيس ومرؤوس:

واستغربت «لكسي»، ايضا، لكثرة الاسئلة عن العلاقة بينها كرئيسة وبين العاملين في قسمها (ستة). وقالت انها لا تفكر كثيرا في الموضوع. واضافت انها تعرف «اهمية وجود شخص على رأس القسم لينسق ويرتب. لكننا نعمل معا كفريق رياضي، وليس كفصيلة في القوات المسلحة».

وأكدت ذلك بطريقة تعاملها مع العاملين في القسم. قالت انها مثل لاعب «كورترباك» (كابتن) في فريق كرة قدم اميركي: ينزل الى الملعب مع فريقه لينفذ الخطة التي وضعها المدرب، ويتشاور مع اللاعبين سريعا، ويكلف كل واحد بمهمة معينة.

وقالت ان نقابة الصحافيين تعالج كثيرا من المواضيع التي لها صلة بالعمل، مثل ساعات العمل والاجازات، والعلاج الصحي، الخ...

* الالتزام بالمواعيد:

واستغربت «لكسي» بسبب أسئلة عن الانضباط في العمل، والالتزام بالمواعيد، وقالت ضاحكة: «ألا تقولون اننا نحن الاميركيين نعبد العمل؟ نحن هنا نعبد العمل كأميركيين، ونحبه كصحافيين». وقالت ان نسبة كبيرة من الصحافيين في الجريدة تخرجوا من كليات صحافة اميركية، وان الكليات «لأنها تركز على ان يكون الخبر نزيها، تركز، ايضا، على ان يكون الصحافي نزيها، ليس فقط في كتابة الخبر، ولكن، ايضا، في سلوكه، داخل المكتب على الاقل».

وقالت انها، كرئيسة قسم: أولا، لا تتابع الصحافي كل الوقت. ثانيا، لا تتدخل في شؤونه الخاصة. ثالثا، لا تلزمه بمواعيد محددة. رابعا، لا تتوقع منه ان يكون في المكتب طول الوقت الرسمي. خامسا، تهتم بالإنتاج أكثر من الدوام. سادسا، «لا تهتم بالشكليات» («آي جست دونت كير»).

لكنها قالت انها، في نفس الوقت، تتوقع من الصحافيين ان يلتزموا بالمواعيد، ويقدموا عملا جيدا. وقالت انها لا تتذكر اي مرة عاتبت فيها صحافيا لأنه قصر في العمل، او اهمل، او لم يعمل. واضافت: «ربما حدث، لكني لا اتذكره».

مرتاح
07-11-2006, 04:53 PM
* نشر أسماء الصحافيين:

واستغربت «لكسي» بسبب اسئلة عن نشر اسماء الصحافيين مع الاخبار التي يكتبونها. وقالت: «نحرص على كتابة اسم كل كاتب خبر ليس ليلمع اسمه، ولكن لثلاثة اسباب اهم من ذلك: الاول، لنسأله اذا احتجنا الى معلومات اضافية. والثاني، ليتحمل مسؤولية الخطأ، اذا حدث. والثالث، لأن الخبر، مثل البحث العلمي، لا بد أن يكون له مؤلف». وقالت انها لا تتذكر أي مرة احتج فيها صحافي لأن اسمه لم يظهر في خبر. أو احتج لأن اسمه كتب تحت اسم آخر. او تعارك مع آخر حول كتابة اسميهما. وقالت: «ربما حدث، لكني لا أتذكره».

لكنها قالت ان «هذا المكان ليس جنة. توجد مشاكل مثلما توجد مشاكل في كل مكان يجتمع فيه أكثر من شخص، ناهيك عن مئات الناس. يوجد تنافس، وغيرة، وحسد. لكن الغيرة عاطفة، وليست منطقا، ونفضل ألا نخلطها بالعمل». وأضافت: «العمل منطق».

وقالت: «يوجد هنا كثير من الـ«بي سي» (بوليتكالي كوريكت) لتحاشي المشاكل. نفضل أن يصمت الشخص بدلا من أن يقول كلمة تغضب. وأن يصمت بدلا من أن يقول كلمة ربما تغضب. نفضل تحاشي المشاكل، وتحاشي احتمال المشاكل».

وقالت ان هذا ربما سر الصمت العام في المكان، رغم كثرة العاملين فيه.

* الاجتماع الصباحي الأول الساعة العاشرة > عقد اجتماع الساعة العاشرة صباحا، أول ثلاثة اجتماعات تحريرية كل يوم، في مكتب روبرت مكارتني، مساعد مدير التحرير للشؤون المحلية.

علق على الحائط سبورة فيها قائمة أخبار (تتأثر بالزمن)، وقائمة تقارير غير اخبارية («فيتشر»، لا تتأثر بالزمن). استغرق الاجتماع ربع ساعة، وكان وديا، وجادا، ومباشرا، وأداره مكارتني، رئيسه، في عفوية، وبدون تكلف، وبدون مناكفة.

بالاضافة الى أخبار الصباح الباكر (الجسر، والضرائب، الخ...)، توقع الصحافيون أخبارا أخرى خلال اليوم. وناقشوا تقارير (لا تتأثر بالزمن) كانت جاهزة منذ يوم أو أيام:

أولا، تواجه مدارس ثانوية في منطقة واشنطن مشكلة زيادة استئذان التلاميذ للذهاب الى الحمام خلال الحصص (وصعوبة منع من يريد ان يذهب). وقررت المدارس منح درجات اضافية لكل من لا يذهب الى الحمام كثيرا خلال الحصص. (ضحك الحاضرون للخبر، واعتبروه «خفيفا»، ويقلل جدية أخبار الحرب والجرائم. ورشحوه للصفحة الاولى، في اجتماع الساعة الثانية ظهرا).

ثانيا، تقرير عن الجالية الصومالية في واشنطن، وكيف تتابع تطورات الصومال.

ثالثا، تقرير عن «المدرس الخاص» وسط السود في واشنطن، وهل يجب ان تدفع الحكومة تكاليفه بالنسبة للفقراء، اذا كان الاغنياء يقدرون على دفع تكاليفه.

وقدم كل واحد معلومات عن الصور والرسوم البيانية التي سترافق كل موضوع (كانت كلها جاهزة). واصبح واضحا ان نسبة الاخبار الى نسبة التقارير (فيتشر) ستكون متساوية تقريبا.

* الساعة الثانية عشر ظهرا:

> رغم ان الوقت منتصف النهار، امتلأت «غرفة الاخبار» بحوالي نصف الصحافيين فقط. واستمر الهدوء في المكان. واستمر العمل المتواصل مع احاديث جانبية قليلة جدا. تحدثت «لكسي» و«دانييل» عن اطفالهما، وعن حفل تخرج واحدة منهم في اليوم السابق، ووعدت الام باحضار صور التخرج في اليوم التالي، واستغرق الحديث ثلاث دقائق تقريبا.

وقالت ثالثة انها ستتجول في المكتب لثلاث دقائق لأنها تعبت من الجلوس امام الكمبيوتر (لا بد انها ستتحدث مع آخرين خلال جولتها، لكنها ستكون احاديث قصيرة وسريعة). وقال واحد انه ذاهب للغداء.

واستغرب «بيل» لسؤال عن استجابته سريعا لطلب من رئيسته بأن يضيف جملة الى خبر. كانت طلبت منه، في وقت سابق، كتابة خبر جاء بالهاتف. وقال: «ما دمت هنا، سأعمل أي شيء تطلبه مني». «عمل، عمل، عمل».

* اجتماع الساعة الثانية ظهرا:

> عقد رؤساء الأقسام، اجتماع الساعة الثانية ظهرا في قاعة اجتماعات التحرير، برئاسة داوني، مدير التحرير التنفيذي. كان هذا هو أكبر الاجتماعات اليومية وأهمها. وكان، مثل الاجتماع السابق، وديا ورسميا في نفس الوقت. ترأسه داوني في عفوية وبدون تكلف ومناكفة. وتندر على شيء حدث في اليوم السابق، وضحك بعض الحاضرين، بدون أن يقهقهوا بأصوات عالية. وكانت روح الاجتماع ودية جدا (لا غالب ولا مغلوب). «اوكي. اوكي. اوكي». لبس الرجال والنساء ملابس ما بين رسمية (بدلة وربطة عنق، أو فستان أنيق)، وغير رسمية (بدون بدلة وبربطة عنق، او بدون الاثنين، وفستان محترم). لكن لا الرجال ولا النساء لبسوا ملابس غير محترمة.

علقت على الحائط نسخة صفحة «واشنطن بوست» التي فيها استقالة الرئيس نيكسون (سنة 1975). وصورة بنجامين برادلي، مدير التحرير السابق (وعندما استقال نيكسون). وعلم اميركي تاريخي.

* رؤساء الأقسام:

عرض رئيس كل قسم أهم ما عنده:

اولا، عرض رئيس القسم المحلي تقرير مشكلة الحمام في المدارس الثانوية، و ضحك كل الصحافيين تقريبا، وقال داوني ان الخبر يستحق الصفحة الاولى، ولم يعترض احد. وتوقع رئيس القسم خبرا عن ادانة حراس سجن بعد ان هرب من سجنهم مسجونون. وخبرا عن تشييع جثمان جندي اميركي قتل في العراق في مقابر ارلنغتون. وقال انه اتصل برئيس قسم التصوير لتجهيز الصور.

ثانيا، عرض رئيس القسم الخارجي خبر خطف 56 شخصا في العراق. وتوقع خبرا عن متهمين بالارهاب اعتقلوا في كندا. وخبرا عن سيطرة الاسلاميين على الصومال. وتقريرا عن مشاكل النساء الحوامل في افغانستان. وقال داوني ان خبر العراق يستحق الصفحة الاولى، ولم يعترض احد.

ثالثا، عرض رئيس القسم الوطني تقريرا عن عبور الاجانب للحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك. وخبرا عن مناقشة الكونغرس لمشكلة زواج المثليين. وخبرا عن مناقشة المحكمة العليا لمشكلة التفرقة العرقية في المدارس الثانوية.

وتوقع خبرا عن رحلات اعضاء الكونغرس الترفيهية، وخبرا عن شهادة رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي). وقال داوني ان الصفحة الاولى تحتاج، كالعادة، الى تقرير (فيتشر)، وسأل اذا كان موضوع الحدود مع المكسيك به صور وخرائط، وأجاب رئيس القسم الوطني بالإيجاب، وقال داوني «الحدود». ولم يعترض أحد.

وعرض رؤساء بقية الاقسام أهم ما عندهم. وكان داوني هو الذي يقرر الأخبار والتقارير التي ستنشر في الصفحة الاولى، بعد نقاش قصير وودي. لم يعترض رئيس قسم على قرارات داوني، وكان واضحا ان داوني هو صاحب القرار النهائي، لكنه فعل ذلك في عفوية، وبدون تكلف، وفي جمل قصيرة وسريعة: «لنتابع العراق»، «لننتظر خبر الدستور»، «لنتذكر خطاب بوش».

* رئيس القسم المحلي:

يجلس كيث هاريستون، رئيس القسم المحلي (وظيفته: نائب مدير التحرير للشؤون المحلية «متروبوليتان») في مكتب زجاجي، مثل غيره من رؤساء الاقسام. قال انه ولد وتربى في واشنطن (اسود، وعلق على الحائط صور مالكولم اكس، ومارتن لوثر كينغ، وآخرين).

يرأس «كيث»، 150 صحافيا يعملون لتغطية عشر صفحات أخبار محلية كل يوم. لكن المكان شبه خال. أين بقية الصحافيين؟ كيف يعرف من يعمل ومن لا يعمل؟ هل استأذن منه الغائبون؟ استغرب لمثل هذه الاسئلة، وقال ان «الثقة» متوفرة بينه وبين الذين يرأسهم.

وقال ان داوني، مدير التحرير، أعطى رئيس كل قسم، خلال الاجتماع، قائمة بعدد الصفحات المتوفرة لكل واحد (بعد الاعلانات). وان نصيب الاخبار المحلية في اليوم التالي سيكون خمس صفحات، من جملة عشر صفحات. وقال انه سيجتمع مع كبار المسؤولين في قسمه لمتابعة ملء هذه الصفحات بالأخبار والتعليقات. قال: «سوزي عندها خبر قتل الرجل لعشيقته. خبر ممتاز، لكنه قصير. تعال معي، لنذهب الى مكتبها، ونرى امكانية زيادة كلماته». ذهب، وسألها، وقالت «اوكي»، وقال هو «اوكي». «اوكي. اوكي. اوكي».

* فصل صحافي؟

عمل «كيث» في أقسام أخرى، قبل أن يصبح رئيس القسم المحلي. ما هي وظيفة رئيس القسم؟ قال: «المخبرون يجمعون الاخبار، والمحررون يحررونها، ونحن نقرر نشرها». كيف يقيم الصحافيين في قسمه؟ قال: «مرة كل سنة اكتب تقييما عن كل واحد اعتمادا على نشاطه خلال السنة. لهذا لا نركز على النشاط اليومي، وعلى مواعيد العمل اليومي».

هل فصل صحافي لأنه قصّر؟ «انا لم افصل اي شخص». هل يعرف ان صحافيين فصلوا لأنهم قصروا؟ «نادرا. لا بد ان يكون الصحافي رديئا جدا ليفصل».

هل تراقب عدد ساعات عمل كل واحد؟ «لا نلتزم التزاما دقيقا. لا تنس اننا نختار صحافيين عملوا في جرائد قبل «واشنطن بوست»، ويعرفون واجباتهم». وسأل: «كيف تكون صحافيا بدون أن تحب الاخبار؟». رئيس القسم الخارجي:

> كيث رتشبيرغ («كيث» آخر، وأسود آخر)، رئيس القسم الخارجي، يجلس، ايضا، داخل مكتب زجاجي، ويشرف على العاملين في القسم: 24 مراسلا في الخارج، يوجد في كل مكتب واحد، ما عدا مكتبي الصين والعراق.

ويوجد ثلاثة في واشنطن (واحدة منهم هي نورا البساتي، أصلها لبناني، وتكتب مرتين في الاسبوع عن أخبار السفارات والزوار الاجانب، اقل من الف كلمة كل مرة. لكنها تعمل أشياء اخرى أحيانا).

ويوجد خمسة آخرون يعملون في مراجعة أخبار المراسلين وتحريرها. كان قسم مراجعة وتحرير الاخبار (ايديتنغ) في كل الجريدة مركزيا، لكنهم غيروا ذلك، ووضعوا في كل قسم محررين لمراجعة اخبار القسم.

عمل «كيث» مع الجريدة لعشرين سنة تقريبا. وعمل مراسلا في ست دول، منها ثلاث في افريقيا، وبعد ان عاد من افريقيا، كتب كتاب «خارج من افريقيا: اميركي اسود يواجه افريقيا»، قال فيه انه اصيب بخيبة امل بسبب الافارقة.

* المراسلون حول العالم:

كيف يدير «كيث» مكاتب الجريدة في الخارج؟ أولا، يشرف على تحديد وإرسال ميزانية المكتب (يرسلها الاداريون ويتابعون طريقة صرفها). ثانيا، ينقل شكاوى المراسلين المالية الى الاداريين، ويتابع حلها.

ثالثا، يتصل بالمراسلين لتنسيق رسائلهم، ومتابعة التطورات الجديدة. تأتي المبادرات من الجانبين: منه، اذا قرأ خبرا يستحق المتابعة، ومن المراسلين.

رابعا، ينسق بين المراسلين والمحررين في القسم (يضيف محرر واشنطن اسمه في خبر المراسل اذا «اضاف اضافات هامة»).

مثلا: «إذا أشار بوش الى اسم شخص معين في العراق، نريد من مكتب العراق أن يكتب عن الشخص». «إذا أصدرت الخارجية بيانا هاما عن موضوع معين، نريد من مكاتبنا أن تكتب عن ردود الفعل في العالم». «إذا أعلن البيت الابيض ان رئيس وزراء اليابان سيزورنا، نريد من مراسلنا هناك مقابلته أو الكتابة عن الزيارة».

هل هناك فرق بين عمله كمراسل في الخارج، وعمله كمسؤول عن المراسلين في الخارج؟ قال مازحا: «لم يقدر رؤسائي على متابعة تحركاتي في الخارج». لكنه قال ان نوع العمل يختلف، لأنه الآن «يدير الاخبار» و«يدير المكاتب»، وكان في الماضي «يكتب» فقط.

كيف يحكم على عمل المراسلين في الخارج؟ «الجريدة لا ترسل صحافيا جديدا ليكون مراسلا في باريس او لندن. هؤلاء صحافيون عريقون، ويملك بعضهم تجارب أكثر من تجاربي. أنا أثق فيهم».

هل هناك مشاكل؟ «طبعا إذا وجدت ان واحدا لم يرسل اي موضوع خلال شهر، واذا اشتكت الادارة بأنه يصرف في بذخ. لكن هذا لم يحدث لي». لكن «كيث» هذا، مثل «كيث» الاول، ومثل المسؤولين عن الاقسام الاخرى، قلل من اهمية المتابعة اليومية لكل صحافي يعمل في قسمه.

* الاجتماع الثالث الساعة السادسة مساء: > عقد الاجتماع اليومي الثالث في نفس غرفة الاجتماع الثاني (الذي عقد في الثانية ظهرا)، وبرئاسة داوني. لكن الاجتماع الثالث لم يكن مهما مثل الثاني، الذي وضع الخطوط العريضة لعدد اليوم التالي. ولهذا كان أسرع وأقصر.

ركز الثالث على آخر الاخبار، خاصة في واشنطن، لأن الدوام الرسمي ينتهي في الخامسة مساء، ويعود كثير من الصحافيين الى الجريدة من المكاتب والاجتماعات التي ذهبوا اليها في الصباح.

أولا، وصل خبر خطاب رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي)، وقرر داوني ان يوضع في الصفحة الاولى، لأن فيه «قلقا على زيادة نسبة التضخم». ولم يعترض أحد.

ثانيا، وصل خبر زيارات اعضاء الكونغرس الخارجية، وقرر داوني ان يوضع في الصفحة الاولى، لأن فيه إشارة الى «بذخ»، وهدايا من جمعيات اللوبي. ولم يعترض أحد.

ثالثا، وصل خبر خطاب بوش عن زواج المثليين، وأضيف، حسب اقتراح داوني، الى خبر عن مناقشة الكونغرس لنفس هذا الموضوع. لكن دواني لم يختره للصفحة الاولى، ولم يعترض أحد.

* آخر الاخبار:

بدأ، بعد اجتماع السادسة، الجانب الخبري من العمل، لأن كل تحقيق (فيتشر) كان جاهزا. وزاد عدد الصحافيين في «غرفة الاخبار» (لكنها لا تزال غير ممتلئة، ولا تزال هناك مكاتب كثيرة فارغة، وغادر الصحافيون الذين كانوا وصلوا في الصباح الباكر). «لكسي»، مديرة قسم الأخبار المستمرة، استعدت للعودة الى منزلها (متأخرة)، لكنها، قبل ان تفعل ذلك، جهزت جدول الاخبار والتقارير المتوقعة لليوم التالي. وقالت: «سأتابع الاخبار في البيت بعد العشاء». هل هذا عمل رسمي؟ «لا اعرف، ولا افرق». واذا حدث حادث كبير؟ «سأتصل من البيت وأرتب». سيرسل آخر خبر رئيسي في العاشرة ليلا. وسيرسل آخر خبر طارئ في الحادية عشرة. وستدور المطبعة في منتصف الليل. وستظهر الجريدة في الشوارع في الرابعة صباحا.

* العدد في اليوم التالي:

1. الصفحة الاولى: خبر: رئيس مكتب الاحتياطي. خبر: رحلات اعضاء الكونغرس. خبر: خطف 56 شخصا في العراق (مع اضافات عما كان عليه في صباح اليوم السابق). تقرير: عبور الاجانب للحدود مع المكسيك (مع صورة وخريطتين). تقرير: والد يقابل ابنته الهاربة. تقرير: رفع درجة كل طالب لا يزور الحمام كثيرا.

2. الصفحات الداخلية: خبر: المحكمة العليا تنظر موضوع التفرقة العنصرية. خبر: الكونغرس يناقش زواج المثليين. خبر: وضع نصب تذكاري في البنتاغون. تقرير: أدوية علاج الربو. تقرير: ظاهرة المدرس الخاص. 3. الصفحات الخارجية: خبر: محمود عباس يستعد للاستفتاء. خبر: اتهام المعتقلين في كندا بالإرهاب. خبر: الميليشيا تدخل مقديشو. خبر: غارسيا يفوز في انتخابات بيرو. تقرير: نساء افغانستان لا يجدن رعاية كافية لأطفالهن.

4. صفحات واشنطن (مترو): خبر: معاقبة رجال شرطة مسؤولين عن هروب سجناء. خبر: اتهام رجل بقتل عشيقته. خبر: اتحاد المعلمين يوقع على عقد عمل جديد. خبر: إغلاق الجسر (وضع في مكان غير بارز لأنه لم يعد مهما، واختصر كثيرا). تقرير: الجالية الصومالية تتابع أخبار الصومال.

ملاحظات:

أولا، توجد موازنة بين الاخبار والتقارير. قال «كيث» الاول: «غدا سيشتري القارئ الجريدة بعد ان يكون عرف اخبار اليوم من الاذاعة والتلفزيون والإنترنت. لهذا نحن سنقدم له غدا تفاصيل الاخبار، وسنقدم له تقارير عن خلفياتها (فيتشر)». يشبه هذا ان تنشر «الشرق الاوسط» تقارير «حصاد الاسبوع» كل يوم، واحد منها في الصفحة الاولى، كل يوم.

ثانيا، يعمل نصف الصحافيين تقريبا في التقارير (فيتشر). وربما يفسر هذا عدم وجود كثير من الصحافيين في مكاتبهم، وعدم التشدد على المواعيد، والتركيز على الانتاج ونوعيته.

جون بومفريت، كاتب تقرير الحدود مع المكسيك (1600 كلمة)، تنشر الجريدة له مرة واحدة كل اسبوع تقريبا. نشرت له، في الاسبوع السابق، تقريرا عن المكسيكيين في كليفورنيا (1200 كلمة، بالاشتراك مع سونيا غايز). ونشرت له، في الاسبوع الذي قبله، تقريرا عن تكنولوجيا مراقبة الحدود (1400 كلمة، بالاشتراك مع سبنسر هسو).

ثالثا، «يوم في واشنطن بوست» كان، في الحقيقة، يوما في «غرفة الاخبار»، بأقسامها. لم يشمل الملاحق الاسبوعية («آوتلوك» وكتب، وفنون، وسياحة، وعقارات، الخ...). ولم يشمل قسم الرأي والافتتاحية (اوب ايد). ولم يشمل الادارة والمطبعة والاعلانات، الخ... وعن قسم الرأي، قال بنجامين برادلي (في تقرير نشرته «الشرق الاوسط» في الاسبوع الماضي): «لم نكن نريد أن تتأثر الاخبار والتعليقات بالرأي. ناشرو الجريدة ينشرون آراءهم عبر صفحات الرأي التي هي ملكهم. لكنهم لا يستطيعون خدمة مصالحهم بالتأثير على رئيس التحرير». وعن الادارة، قال: «لم أحضر اجتماعات مجلس الادارة، ولا هم حضروا اجتماعات التحرير. هذا يشبه الفصل بين الدولة والدين» في الدستور الاميركي.

رابعا، وأخيرا، يبدو واضحا ان اهم مقررات كليات الصحافة الاميركية (كتابة الخبر النزيه)، أثر على الصحافي الاميركي تأثيرا كاملا، شمل عمله وحياته الخاصة. علّمه انه يجب ان يكون ليس فقط كاتب خبر نزيه، ولكن ان يكون، ايضا، صحافيا نزيها، وان يتصرف تصرفات نزيهة، في حياته العامة والخاصة.

ربما نزاهة الصحافي الاميركي، والاميركيين بصورة عامة (نتيجة زواج شرعي بين الحرية والحضارة)، هي أهم حصيلة لقضاء يوم في غرفة أخبار «واشنطن بوست». ولا بد ان النزاهة هي سبب عدم الاهتمام الكثير بقيود العمل المكتبي، وبمراقبة كل صحافي، كل دقيقة، كل يوم.

ولا بد ان النزاهة هي سبب عدم توقع تقصير، وسبب عدم الخوف من تقصير.

وذلك لأن «العمل مع شخص بدون الثقة فيه لا بد أن يكون جحيما»، كما قالت «لكسي»، مديرة قسم الأخبار المستمرة.

وتستمر، وتتكرر، في هذه القاعة العملاقة، كلمة: «اوكي. اوكي. اوكي».