المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آخر ساعة في معتقل الخيام



فاطمة
05-26-2006, 02:08 PM
علي الرز
مدير تحرير "الرأي العام" الكويتية


اريد سيكارة لاني "خرمان" وابن الساقطة الذي يحرسني يريد ان يذلني حتى باشيائي الصغيرة وتفاصيلي... لم أمج مجة منذ اسبوع واكاد اضرب رأسي بالجدار المتعفن الذي تعلوه الوان العطونة الخضراء.

لم تكفه كل انواع التعذيب التي مارسها ضدي، لم يكفه ان اولادي الثلاثة حرموا من رؤية وجهي ومن كلمة بابا التي اطلقوها على اي رجل يرونه في الحارة، لم يكفه ان زوجتي مريم كرست حياتها للبحث عني فيقولون لها تارة انني انتقلت الى رحمة الله وطورا انني نقلت الى تل ابيب وينصحون اليها بان "تنسى" عودتي، لم تكفه دموع امي الحاجة رئيفة عندما سمحوا لها بزيارتي بعد اربع سنوات من غياب أي أثر لي ثم رموا "الزوادة" التي تحملها لي على الارض وداسوها بأقدامهم ونعتوها باقذع النعوت ودفعوها دفعا الى الخارج... "يا مشحرة يا رئيفة يا معترة يا صابرة"، لم يكفه ذل الحاج أبي عندما وسط المختار ليراني برفقة ضابط من العملاء فوقف امام الزنزانة منهارا من دون ان يذرف دمعة ثم اخرجوني امامه جلدة وعضمة مكبلا بالجنازير المغرزة في اللحم وانهمك الجميع في ضربي وركلي امامه كي ينهار ويقول اين يختبئ شقيقي الاكبر... الحاج تخونه قدميه فيقع على ركبتيه لكنه لا يذرف دمعة ويستجمع كل قوته ليتمتم كلاما لم اسمعه عن الله وقدرته وساعة الحق.

كل ذلك لم يكفه، فما ان شاهد ردة فعلي السعيدة على خبر مقتل جنود اسرائيليين ومتعاونين معهم بينهم قريبه، حتى ادخل علي الكلاب تعضني ثم فتش الزنزانة وعثر على علبة الدخان فاخذها حارما إياي من الوسيلة الوحيدة التي تؤخر ساعات الموت البطيء مع انها يفترض ان تسرعه، ولكن في معتقل الخيام كل شيء معكوس ولذلك لم يغمرني ألم انياب الكلاب بقدر ما اتعبتني الحاجة الى النيكوتين او السم الهاري كما تسميه الحاجة رئيفة.

منذ ان أسرت قبل خمس سنوات وانا اعيش منتظرا رحمة الله، واكثر ما كان يضايق الاسرائيليين وجماعتهم ان كل عمليات التعذيب لم تضعفني، وعبثا حاولت ان أجعلهم يستوعبون انني عندما قررت تنفيذ عملية ضد قوات الاحتلال تشهدت وتوضأت وصليت واصطحبت كفني معي متحسبا تماما للانتقال من دار الى دار. واكثر ما كان يضايقني شخصيا رؤية ابن ضيعتي سعيدا عندما يرى الاسرائيلي يحقق معي بطريقته الخاصة بعدما عجز هو عن اخذ ما يريد، وكلما انتهى التحقيق واصطحبني "المتعاون" الى زنزانتي انظر الى عينيه واسأله كيف يواجه زوجته وأولاده ووالديه عندما يعود الى المنزل، فيضرب رأسي بالجدار شاتما عرضي ويقول:"على الاقل انا اذهب الى بيتي وزوجتي واولادي واهلي اما انت فستتعفن هنا ولن تخرج... حتى ولو صار صلح مع اسرائيل لن تخرج".

ابدأ بحك ما تبقى من شعري عل النيكوتين المخزن يتحرك، احتار لماذا انا "خرمان" الى هذه الدرجة ولماذا يحرمني ابن الكلب حتى من شيء مضر، فهو يعرف انه لن يأخذ مني شيئا سوى النفي اذا كنت مرتاحا او الشتائم اذا بدأ بضربي او الدعاء عليه وعلى من انجبه اذا فقدت القدرة على النطق من شدة الالم. لن تهز رغباتي ذرة من قناعاتي ومع ذلك احك شعري آملا مع تغيير الحراس في الصباح ان يأتي من بقي لديه ضمير او من يكون "بايعها" او احد "المصورخين" فيتصدق علي بواحدة.

اسمع جلبة لا تشبه جلبة تغيير الحراس المعتادة، لا افكر كثيرا "ينفزروا كلهن سوا"... تزداد الجلبة ويزداد الصياح والصوت العالي... الله اكبر الله اكبر، اتساءل بيني وبين نفسي عن سبب الايمان الذي حل فجأة على اولاد الكلب، لكن الجواب يأتي سريعا اذ تمتد الايدي والمطارق من فتحة الباب من شباب يرددون اسمي واسماء زملاء لي في المعتقل وهم يهللون ويبشرون بان اسرائيل خرجت والمتعاونون لحقوا بها والتحرير تم.

اخرج الى النور مسرعا واصاب بألم في عيوني ولم اعد ارى سوى جموع غفيرة وأعلام ووجوه أعرفها ولا أعرفها وامي الحاجة رئيفة حافية القدمين ترقص وتغني رغم تجاوزها الثمانين غير آبهة بانسلال المنديل الابيض عن شعرها. اقع في حضنها سائلا عن زوجتي واولادي... واغيب عن الوعي.

اقلعت عن التدخين منذ 25 مايو 2000.

aliroz@alraialaam.com