المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية أم هارون الرشيد؟!..



JABER
05-17-2006, 08:10 AM
د نجم عبد الكريم - ايلاف

لم تكن من بنات الملوك، ولا من بنات السادة المترفين.. ولكن جمالها الفتّان، وشبابها الغض، وروعة عودها، وضعها يوماً في طريق الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، الذي ما رآها حتى قال: " ما أحسبها إلا من بنات الأمراء".

فقيل له: بل هي ليلى الجَرَشية، التي قال فيها بشار بن برد:
قد جُعل الأعداء ينتقصوننا وتطمع فينا ألسنٌ وعيون
إلا إنما ليلى عصا خيزرانةٍ إذا غمزوها بالأكفِ تلينُ

فقال أبو جعفر: "لم أر مثل حسنها، وجمال تكوينها مع حسن الزينة، وعُجب المشية، أمثل هذه الجارية تغدو صاحبة لبشار؟!"
.. فقيل له: لا والله يا أمير المؤمنين.. إنه ليتصدى لها كلما خرجت، وكانت تزجره حتى توّعده أبوها بالقتل، إن هو تعرّض لها!!.. ولكن بشاراً لم يرعوى، وقال فيها أيضاً:
ودعجاء المحاجرِ عن كسلٍ كأن حديثها ثمر الجنـانِ
إذا قامت لمشيتـها تثنّـت كأن عظامها من خيزرانِ
فقال أبو جعفر المنصور: "ما أجدر بمثلها أن تكون زوجة ملك.. ثم تساءل: بنت من هي؟!.."
فقيل له: أبوها العطار اليمني، تاجر عطور في شوارع بغداد!!
ففكر أبو جعفر المنصور، ثم أخذ يخاطب من حوله حيث قال: " لا أظن أن أباها يضنّ بها على أمير المؤمنين لو طلبها لتكون زوجةً إلى ولده المهدي؟!".

***
الاسم الجديد:
الخيزران هو الاسم الجديد الذي اختاره أبو جعفر المنصور لـ ليلى بنت العطار، التي دخلت إلى قصر الخلافة زوجةً لولي العهد المهدي..
وبدأ التاريخ يفتح في سجله صفحةً على كل سطرٍ فيها بصمة (الخيزران).
وفي الوقت الذي كان يتلهى فيه زوجها ولي العهد، أعطت هي عقلها كله لأبي جعفر.. لم يكن هناك حدٌ لإعجابها بالخليفة العظيم، وأسلوبه في سياسة الدولة الواسعة.. فعلى يديه تلقت أصول الحكم، وسارت على منهاجه في ممارسة القوة والسلطان، وأُعجب الخليفة بدوره بتلك المرأة الذكية، بسرعة بديهتها، وبرأيها السديد، وعينها النافذة.. فكان لا يجد راحته إلا في بيت ولده، حيث كان يستشيرها بالعديد من الأمور.
كأنما كان أبو جعفر المنصور يعهد إليها، وليس إلى ولده المهدي..
لم تنس الخيزران ذلك اليوم أبداً.. حينما مات المنصور، حتى أحسّت كأن المُلك قد انتقل إليها هي، وليس إلى زوجها الخليفة، حتى بات واضحاً للناس أن مقادير الحكم تتحدد في مخدع الخيزران، فصار كل شيء بيدها، وتهامس الحاقدون على ملك العباسيين الواسع، وكيف أصبح في يد بنت ذلك العطّار!!؟
ولكنها لم تعبأ، فزوجها يحبها إلى درجة الجنون، وكثيراً ما كان يردد: "لا أدري ما كنت أفعل لولا الخيزران؟!"
.. وكانت تفضّل ولدها موسى على ولدها الآخر هارون، لأنها مؤمنة أنه سيغدو كالخاتم في يدها، مثلما كان أبوه..
ثم يموت الخاتم الكبير، ويفضى الأمر إلى الخاتم الصغير.. إلى موسى الهادى..!!

***
وحدث الانقلاب!!
في الشهور الأولى لحكم ولدها الهادي، بالغت الخيزران في الاستبداد بالأمر دونه، كأنما تريد أن تُحجّم دوره، وتثبت له أهميتها في إدارة دفة الأمور.. استكان الخاتم في إصبع أمه لسبعة شهور، ثم ضاق بالأمر فجأةً.. وبدأ يتململ في موضعه من الإصبع الطموح..

• .. دخلت عليه يوماً في موكبها، مزهوةً، معجبةً بسلطانها على ولدها، وتحدثت إليه بلهجة الآمرة:
"طلبت إليك أكثر من مرة أن تجعل أخي الغطريف والياً لك على اليمن، فما وصلني منك ما يعزز أمر خالك، ويكيد أعداءه!!"
فأجابها: "يا أمي: لا يصلح خالي الغطريف لولاية اليمن!!"
فاحتدت، وقالت لابنها:
"بئس ما تقول في خالك!!.. ماذا لو سمع الناس أنك تقول ذلك عن أخي، وأنا من أنا في ملكك!!.. إني أعرف بالرجال منك، فانظر في أمره، ولا يكون قرارك إلا بما فيه رضاي، ورضا خالك.." وانصرفت..!!

• .. وبعد أيام يرسل أمير المؤمنين إلى والدته من يبلغها أنه سيولّي الغطريف على اليمن، شريطة أن يطلق زوجته، ويتنازل عن كل أمواله، ولا يدخل بغداد بعدها أبداً!!
فاشتد غضب الخيزران، إذ لم تكن تتصور أن أمير المؤمنين يرسل لها من يبلغها بهذا الأمر.. فأقسمت قائلةً:
"لا والله لا يكون هذا أبداً، وأنا الخيزران.. سأذهب إليه بنفسي إذا كان قد تمرد على البطن التي حملته!!"

• .. ولما ذهبت إليه أعرض عنها، ولم يجبها إلى طلبها.. لكن أخوها الغطريف الذي كان طامعاً في خيرات اليمن، وجد نفسه مضطراً إلى طلاق زوجته، والتنازل عن ماله، والسفر إلى اليمن..
إلا أن الخيزران لم تستفد من الدرس، وحاولت مرةً أخرى، أن تختبر ما تبقى لها من نفوذ في دولة كانت كلمتها فيها هي العليا.. فذهبت إلى أمير المؤمنين ولدها، حيث بادرته بالقول:
" يا موسى.." فرد عليها بجفاء: "بل قولي: يا أمير المؤمنين."
فصاحت: "يا ويح البطن التي حملتك".. فأجابها باقتضاب: "ما رجاؤك هذه المرة؟!"
قالت:"عبد الله بن مالك كان يتولى الشرطة لأبيك، ولك من بعده، فما دفعك إلى عزله..؟!"
أجابها: "عزلته لاستعمالي إياه في بعض شؤون المملكة!!"
.. خرجت، تكاد الأرض تميد بها من هول ما سمعت.

• وفي صباح اليوم التالي جمع موسى الهادي كل قواده، وخاصته، وكبار رجال دولته.. وطرح عليهم سؤالاً:
"أيها الناس: أيما خيرٌ؟!.. أنا، أو أنتم؟!"
فقال له الفضل بن الربيع: "بل أنت يا أمير المؤمنين.."
فطرح سؤالاً آخر: "فأيما خيرُ؟!.. أمي أو أمهاتكم؟!."
فأجابه الجميع: "بل أمك يا أمير المؤمنين.."
.. فقال لهم: "فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا، فعلت أم فلان، وصنعت أم فلان.. وقالت أم فلان؟!"
فأجابوه: "ما أحد منا يحب ذلك يا أمير المؤمنين!!"
فرد عليهم بعصبيةٍ وحدّة:
فما بال الرجال يأتون أمي، فيتحدثون بحديثها، ويتقدمون إليها بشكاواهم؟!!.. أقسم بالله لو فعلتم ذلك بعد الساعة، لوطئت أعلاكم بقدمي!!"

***
إسدال الستار:
• انهارت آمال الأم الطموح تماماً.. وغلبت عليها طبيعة المرأة، فآثرت الانزواء في أحد قصورها، بعيداً عن الحياة العامة..
ويتناقل المؤرخون في ذكر محاولة الأم التخلص من ابنها، ومحاولة الابن القضاء على أمه.. وكذلك يتحدث المؤرخون عن أرز مسموم أرسل به موسى الهادى إلى أمه.. وعن دجاجةٍ مسمومة أرسلتها الأم إلى ولدها..

• كيفما كانت حقيقة هذه المحاولات البشعة، فقد مات الهادى بعد أشهر من صدامه العنيف مع أمه، وعاشت الخيزران لترى ابنها الثاني هارون الرشيد يصل إلى أقصى ما وصل إليه خليفة من نفوذ وسلطان، ولم تجد الخيزران ما قد يحفزها على التدخل في شؤون إدارة دفة أمور الخلافة، فـ هارون كان نمطاً آخر من الخلفاء، حيث جعل منها تكتفي بالفخر والاعتزاز بكونها أماً له..

• وظلت تعيش على ذكرى أمجادها السابقة، حتى رقدت رقدتها الأخيرة، يرن في سمعها ما كانت تطرب له وهي في أوج مجدها.. يرن في سمعها قول شاعر كان ينافقها في قصيدةٍ طويلة مطلعها:
"يا خيزران هَناكِ ثم هَناكِ إن العباد يسوسُهم إبناك"
.. رغم صراعها الطويل مع ابنها موسى الهادى، لكنها لم تذكر به، مثلما يذكرها المؤرخون باسم (أم الرشيد).. وبعضهم ينعت الرشيد بلقب (ابن الخيزران)..

على
02-18-2010, 09:39 PM
ما ولدت الا جبارا عتيا