المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصوفيون يخرجون إلى الضوء في السعودية



فاتن
05-06-2006, 09:23 AM
بلقيس دارغوث من أبو ظبي


"اختلفت أساليب العبادة لكن حب الله يجمعنا"


: خيم الصمت على الحشد حين التقط شاب يجلس القرفصاء الميكروفون وغنى من دون عزف وموسيقى، قصيدة حول النبي محمد. وبعيون مغلقة وعمامة بيضاء وبرتقالية أنشد بجماسة هادئة كم ابتهج العالم وازدادت السماء نورا... يوم ولد النبي محمد. الرجال الذي حضروا المولد جلسوا على البسط الملونة مع هزة لطيفة إلى الأمام والخلف، فيما وزعت علب المحارم على النساء اللواتي كان يبكين وهن يشاهدن المنشد من على شاشة عرض كبيرة في الطابق العلوي. ويشكل المولد، الذي تعود تقاليده لقرون خلت، ركنا أساسيا بل الأكثر روحية لدي الصوفيين، وحتى فترة قريبة كان المولد يعتبر بدعة وضلالة في السعودية وممنوع في المملكة من قبل التيار الوهابي تحديدا.

http://www.elaph.com/elaphweb/Resources/images/Reports/2006/5/thumbnails/T_84cda626-f437-47ac-8218-9aed286ece79.JPG
حلقة تعبدية صوفية

إلا ان الانفتاح والتسامح الذي تشهده المملكة في الآونة الأخيرة جعل الصوفيين يخرجون إلى الضوء لممارسة شعائرهم وطقوسهم بحرية وبالعلن. ويرجع بعض المحللون الصوفيون التغييرات والتطورات الحاصلة في المملكة إلى أحداث 11 ايلول عام 2001، إذ من أصل 19 مختطفا كان هناك 15 سعوديا. الأمر الذي أدى إلى مراقبة الوهابين، مذهب السعودية الرسمي، من داخل وخارج البلاد، وبالتالي استفاد الصوفيون من هذا التحول في المملكة ليجدوا لأنفسهم مكانا على الخارطة المذهبية في المملكة.

وعن ذلك قال "المعلم الصوفي" سيد حبيب عدنان 33 عاما، لصحيفة واشنطن بوست الأميركية :" إن هذا من حسنات 11 أيلول، حيث لجمت بعض ممارسات الوهابين لناحية التكفير وطرد كل من هو خارج ملتهم... أدركت السلطات السعودية أن فرض معتقد ديني واحد على الجميع لم يكن بالفكرة الجيدة".

عندما انتقل عدنان الى السعودية قادما من اليمن قبل 4 سنوات كانت التجمعات الصوفية سرية في أغلب الأحيان وتقام في البساتين خارج المدينة أو في طوابق تحت الأرض وبدون مكبرات صوت خوفا من لفت الأنظار... وقال عدنان "لم يكن باستطاعتي أن البس عمامتي أو عباءتي وإلا فكنت سأصنف كـ"صوفي" ما كان يعتبر في حينه شيء خطير وممنوع ... حتى الكلمة كان محظورا لفظها... كأنك تتحدث عن المخدرات!!"

يقولو صوفيو السعودية إنهم ليسوا طائفة أو يتبعون دينا آخرا بل بعيشون حياة تتمحور حول مفهوم الإسلام عن الإحسان وفق الحديث النبوي الذي يقول أن اعبد الله كما لو انك تراه، وإن لم تراه فهو يراك... كما يتبعون قاعدة أخرى تؤمن بقوة بركة النبي وآله وصحبه.

وساد الفكر الصوفي سابقا في الحجاز، المنطقة الغربية من المملكة السعودية، وحين تولى آل سعود مقاليد الحكم سيطروا على الحجاز ومنع الوهابيون الموالد على أنها بدع، كما حطموا أضرحة السيدة خديجة زوجة الرسول وابنته فاطمة وأضرحة بعض الصحابة خوفا أن تؤدي إلى شكل من أشكال "عبادة الأصنام والإشراك بالله".


ومنح الوهابيون إدارة الشؤون الدينية في المملكة بعدما ساعدوا آل سعود في السيطرة على مناطق متعددة لتصبح المملكة العربية السعودية عام 1932.

واشتدت وتيرة كبت الصوفيين بالإضافة إلى آخرين بعدما سيطر وهابيون مسلحون على مسجد مكة المكرمة عام 1979 مطالبين بتطبيق قواعد إسلامية أكثر تشددا في البلاد. وخشية تنامي حركة واسعة ومنافستهم على الحكم، قمعت السلطات السعودية في حينها محاولة الوهابيين، إلا أنها سمحت لهم بالتحكم بزمام بعض الأمور.

http://www.elaph.com/elaphweb/Resources/images/Reports/2006/5/thumbnails/T_e231b64b-6e3e-449f-ab0b-7d60b649db75.jpg

وبعد ذلك بفترة قصير، أصدر رجال الدين فتوى كفروا بموجبها محمد علاوي المالكي ، الزعيم الروحي للصوفيين آنذاك. ومنع المالكي من إعطاء دوس في الجامع الكبير حيث علم كل من أبيه وجده، كما تم استجوابه من قبل المرجعيات الدينية ووزارة الداخلية. وبعد محاولة هجوم عليه في أحد المساجد، صدر قرار بأن يصلي تحت حراسة مسلحة.

وفي حملة دعت إلى إيقاف الصوفيين قبل أن يتناموا، هوجمت تجمعاتهم وألقي القبض عليهم. إلا أن الأحوال تغيرت في السعودية عام 2003 بإيعاز من ولي العهد حينها والملك حاليا عبد الله بن عبد العزيز، الذي ترأس سلسلة اجتماعات للاعتراف بطوائف البلاد الأخرى والمدارس الفكرية المتعددة في المملكة، وكان المالكي أحد ضيوف الملك.

وعندما توفي المالكي في العام الذي تلى، كان الملك عبد الله على رأس وفد من الوزراء والأمراء لحضور الجنازة... الأمر الذي كان بمثابة اعتراف كامل وشامل بالصوفيين. "تمت ترقيتنا من كفار إلى جهلة يمارسون شعائر الدين بشكل خاطئ" قال واصف القبلي، رجل أعمال 59 عاما.

ورغم الأجواء المشاعة بالاعتراف بهم، إلا أن شكاوى بعض الصوفيين كشفت أن الوهابيين ما زالوا يحطمون أضرحة اماكنهم المقدسة ويهاجمون تجمعاتهم.

وقد أقام الصوفيون تجمعا الشهر الماضي لمناسبة ذكرى المولد النبوي حيت احتشد أكثر من 1000 شخص. وفيما خصصت زاوية لبيع أشرطة واقراص ممغنطة للترويج للفكر الصوفي، تحدث عدنان بالإضافة إلى 4 آخرين إلى الحشد متسائلا عن أسباب مهاجمة تجمعاتهم في الوقت الذي يتجمع فيه الآلاف لحضور مباراة كرة قدم ولاء للفريق الذي يدعمون.. "أما نحن فمضطرون دائما لتفسير ولاءنا للنبي".

محمد، طالب جامعي يتخصص في قسم الإقتصاد قال إنه وعددا من الشباب السعوديين لفتهم "مفهوم التركيز على رب العالمين". وقال شاب آخر "لتكون صوفي عليك أن تصفي قلبك من كل شي سوى الله"، وأضاف "الإسلام الذي تعلمناه هو جسد بلا روح... الصوفية هي الروح.. هي ليست دينا بديلا وبإمكانها ان تحتوي كل المسلمين".

http://www.elaph.com/elaphweb/Resources/images/Reports/2006/5/thumbnails/T_7a9207e9-e84c-4f2f-af0c-f7361fef9347.gif
العودة مشاركا في المولد الصوفي ويظهر الى يساره عبد الله فدعق


وكانت قبول الداعية السعودي سلمان العودة دعوة عدنان لحضور درس الأسبوع الماضي إشارة واضحة على المصالحة مع الصوفيين.

وقال عدنان الذي كان يجلس إلى جانب العودة "صحيح هناك اختلاف في اساليب العبادة، إلا ان هذا دليل على ان الناس تفكر وهذا دليل صحة، لكن علينا أن نركز على ما يجمعنا سوية.. حب الله والنبي، علينا ان نستغل ما هو مشترك بيننا".

نبذة تاريخية
ظهرت مدرستين رئيسيتين في نشأة الصوفيين .. مدرسة يمثلها أئمة من أهل السنة تميل الى تفضيل نصوص الترهيب و الترغيب و تحض على الزهد في الدنيا (يمثله الحسن البصري والحارث المحاسبي رضي الله عنهم).
ومدرسة الكوفة ذو توجه فكري ذو جذور عرفانية. أهم أشخاصه جابر بن حيان وأبوهاشم الصوفي وعبدك الصوفي.

تعتبر المصادر أن أول من بدأ بتأسيس التصوف ضمن مدرسة الزهد الإسلامي هو الجنيد أبو القاسم بن محمد توفي 297 هجري الذي كانت له آراء خاصة في التوحيد و النفس , ثم ظهر في ما بعد الحلاج.
شهدت الصوفية بعد ذللك قفزة جديدة بالتحول الجذري عند الإمام الغزالي الذي انقلب من مدرسة المتكلمين الى المدرسة الصوفية و كان كتابه ( احياء علوم الدين ) محاولة لتأسيس العلوم الشرعية بصياغة صوفية , تلاه اعتماد الكثير من الفقهاء أبرزهم عبد القادر الجيلاني وأبو الحسن الشاذلي للصوفية كطريقة للتربية الإيمانية , و يبدو أن الجيلاني و أبو الحسن الشاذلي وتلاميذهما الذين انتشروا في كافة بقاع المشرق والمغرب العربي عادوا بالتصوف الى الجذور الإسلامية بالتركيز مرة أخرى على تعليم القرآن و الحديث مقتدين بأشخاص مثل الحارث المحاسبي. و ينسب بعض المؤرخين لهذه المدارس الصوفية المنتشرة دورا كبيرا في تأسيس الجيش الذي ساند صلاح الدين في حربه ضد الصليبيين .

أهم الطرق الصوفية :

الطريقة الجعفرية و تنسب لسيدي الشيخ صالح الجعفري الحسيني شيخ الأزهر الشريف.
2- الطريقة الأحمدية الإدريسية: طريقة سيدي أحمد بن إدريس.
3-الطريقة الرفاعية: والتي تنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي.
4-الطريقة القادرية: وتنسب إلى الشبخ عبد القادر الجيلاني.
5-الطريقة الشاذلية : وتنسب إلى الشيخ ابو الحسن الشاذلي.
6-الطريقة التيجانية : وتنسب إلى أحمد التجاني
7- الطريقة العلية القادرية الكسنزانية : وتنسب الى السادة الشيخ عبد الكريم شاه الكسنزان والشيخ عبد القادر المهاجر والسلطان حسين الكسنزان والشيخ عبد الكريم وشيخها الحاضر الشيخ محمد الكسنزان .

الصوفية

ويحفل تاريخ الصوفية بأمثلة عن التلاحم بين العقائد إذ يشارك الصوفيون البلقان والأتراك المسيحيين في الأماكن المقدسة. ومازال الصوفيون في آسيا الوسطي يحتفظون بالتقاليد الموروثة عن الشامان والبوذيين. كما تكيّف الصوفيون في أفريقيا الغربية الناطقة بالفرنسية مع العادات المحلية، وكذلك الأمر بالنسبة للصوفيين في تركستان الشرقية الذين اقتبسوا من التعاليم الصينية مثل الكونفوشية والطاوية إضافة إلى تعلمهم فنون القتال دفاعاً عن النفس. لقد قبل الصوفيون في البلقان وتركيا ووسط آسيا العلمانية كمتراس ضد التعصب الديني واحتكار رجال الدين للأفكار الدينية.

إن نمط الحياة الذي يتبعه الصوفيون، أو ما يُعرف بالدراويش أيضاً، متنوع كتنوع توزعهم الجغرافي. يعتزل بعضهم في الخلوات ويعيشون على الأرض في التكيّات أي المساكن حيث يجتمع الصوفيون بشكل منتظم كل أسبوع للتأمل والإنشاد والطقوس الأخرى التي تعرف بالذكر أي "ذكر الله". يتخلى آخرون عن ممتلكاتهم الدنيوية ويتجولون كحجاج. لكن معظم الصوفيون في العالم الإسلامي يعيشون حياة عمل عادية وقد أصبح بعضهم غنياً؛ وقد مارست الصوفية تأثيراً، وإن يكن محدوداً، على المفكرين والباحثين عن الروحانيات في الغرب أيضاً.

ويتبع الصوفيون معلميهم - الذين يعرفون بالمشايخ أو الآباء حيث يكتسب معلمو الصوفية القبول والدعم بقدرتهم على نقل الأفكار إلى طلابهم.

جمال
05-08-2006, 09:28 AM
اليكم مقابلة مع الشيخ سلمان العودة بمناسبة زيارته للكويت

8/5/2006 - الرأي العام

الشيخ سلمان العودة لـ «الرأي العام»: الحضور الإيراني في العراق يثير مخاوف الاحتقان الطائفي وأميركا اختارت دور شرطي العالم فتقمصته بطريقة متعسفة وهذا سبب متاعب تواجهها


حاوره سالم الشطي


اكد الداعية السعودي المشرف العام لمؤسسة «الاسلام اليوم» الاعلامية الشيخ سلمان بن فهد العودة ان «اميركا اختارت ان تكون شرطية العالم رغم المتاعب التي تواجهها بسبب تقمصها لهذا الدور بطريقة متعسفة»، مشيرا الى أنها «تواجه في العراق وضعا مأسويا صعبا تحتاج الى عشرة اعوام حتى تنتصر عليه».

وقال في حديث مع «الرأي العام» ان «المنطق يقول ان اميركا لن تتدخل في سورية وايران كما فعلت في العراق، ولكن طريقة تفكير الادارة الاميركية لا تخضع بالضرورة الى المنطق».
واضاف ان «جهاد الدفع لا يتطلب ولي امر او راية ولكن يتطلب حكمة وبصيرة وتقدير المصالح»، مشيرا الى ان «ما يجري في العراق اما مقاومة للمحتل وهي جزء من الواقع الذي تم الاعتراف به او اعمال عنف عمياء، وهي فتنة يجب السعي الى اطفائها».

وافاد ان «الحضور الايراني في العراق يثير مخاوف الاحتقان الطائفي في العراق والخليج وسورية والحاجة ملحة الى ايجاد نوع من التوازن واعادة دور العرب السنة هناك».
وقال العودة: «لا يمكن الحديث عن مخاطر ايرانية نووية بعيدا عن مشاهدة اسرائيل وهي اول من امتلك السلاح في الشرق الاوسط» موضحا انه لا يفهم «ان تمتلك باكستان الاسلامية سلاحا نوويا بينما واقع مجتمعهم ابعد ما يكون عن التنمية والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية».

واضاف ان «التيارات الليبرالية لا مكان لها في العالم الاسلامي فهي نخبوية غير مؤثرة شعبيا وتأثيرها على القرار السياسي السعودي بسبب توازنات وظروف عالمية».
واشار الى ان «مقاطعة البضائع الدنماركية مازالت قائمة ولكن من طبيعة الاعمال الشعبية انها تضعف مع الوقت».

وفي ما يلي تفاصيل اللقاء:


حياكم الله في بلدكم الكويت، ما الجهة المستضيفة لفضيلتكم؟
- مكتب اللجنة الكويتية المشتركة لنصرة الدين وقيم المجتمع، بالتعاون مع الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، ووزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية.
وأشكرهم على هذه الاستضافة والدعوة المباركة، وأسأل الله تعالى أن يبارك في جهودهم ويجزيهم خيرا ويثيبهم ويوفقهم لصالح القول والعمل انه جواد كريم.
كثر الحديث في هذه الأيام عن الوسطية والدعوة اليها، فكيف تراها؟
- الوسطية من أعظم قيم الاسلام وخصوصياته، قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)، وخير الأمور الوسط، والدين وسط بين الغالي والجافي، والوسطية صفة متفق عليها عند العلماء والسلمين.
ولكن «ما هي الوسطية؟» سؤال محير، لأن كثيرين يتحدث عن الوسطية ولكن لا يحددون تعريفا واضحا لها.
فالرسول صـلى الله عليه وسلم عندما يقول (ان هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد الا غلبه، فسددوا وقاربوا وبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، والقصد تبلغوا)، فبهذا الحديث قد ينتظم مفهوم الوسطية الصحيح من جهة أنه يدل على أن الوسطية هي اليسر وعدم التشديد على الناس في الدين، فديننا يسر ومن شاده وحاول أن يجره اليه غلبه، وهذا اللفظ النبوي له معنى دقيق، فبعض الناس يحاول أن يضخ في الدين مفهوم يتناسب مع شدته وطبيعته هو العسرة، فالدين يبقى سليما من اضافات البشر ويغلبه ويصبح هذا الانسان بعيدا عنه.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام (فسددوا وقاربوا) هذا ينتمي الى الوسطية، فالتسديد يعني محاولة الوصول الى الصواب، ثم قال (قاربوا) فمن الناس من لا يستطيع التسديد مئة في المئة فعليه أن يقارب بحيث ان لم يصب يكون قريبا من الصواب، ما يدل على أن الوسطية ليست لونا واحدا أو لغة واحدة.
يفترض أن تكون الوسطية مفهوما شاملا واسعا تنتظم كثيرا من الأعمال الاسلامية، بعيدا عن أمزجة الناس المتنازعة التي تحاول كل فئة أن تنفي الفئة الأخرى، وشمولية الاسلام تقتضي أن تكون دائرة الوسط واسعة جدا، تنضوي تحتها كثير من الجماعات الاسلامية والأعمال الاسلامية، وعوام المسلمين وبسطاؤهم والمنتمون العاديون للاسلام الذين عندهم أصل الديانة وبعض الأعمال الطيبة، ولهذا يصح أن نقول ان الوسط هو الأكثر دائما والأوسع انتشارا، وأن الدوائر التي تميل الى الغلو والتشدد أو تلك التي تميل الى التساهل والتمييع والتضييع، تظل دوائر معزولة.
وقوله (وأبشروا) فالتبشير من معاني الوسطية، أن يكون الانسان مطمئن القلب وفيه سكينة وهدوء، وكثير من أسباب الغلو ترجع الى نوع من التوتر النفسي عند الانسان، والانفعال الشديد ببعض الأحداث, ثم قال (واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) يعني في العبادة والطاعة، ما يدعو الانسان الى عدم تكليف نفسه بما لا يطيق من العبادة، فمن الوسطية عدم الغلو في العبادات والدعوة، والعمل، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق، وكثير من الناس حملوا أنفسهم ما لا تطيق في تغيير الواقع أو فرض بعض المعاني فترتب على ذلك نفرة الناس منهم ولم يحققوا شيئا وربما ضروا من حيث أرادوا أن ينفعوا.
البعض يقول انه لا بد من تحسين صورة الاسلام أمام الغرب بأي طريقة، حتى نكون وسطيين؟
- تحسين صورة الاسلام واجب أمام العالم كله وليس الغرب فقط، ولكن ذلك لا يعني أن نغير صورة الاسلام، بل نقدم صورة الاسلام كما هو وليس كما يطبق في بعض المجتمعات.
الاسلام دين الله تعالى وليس دينا للعرب فحسب، وليس دينا اقليميا، وتكفل القرآن الكريم ببيان أصول هذا الدين وقواعده، وكذلك سيرة النبي صـلى الله عليه وسلم وتطبيقاته.
واقع الأمة الاسلامية وحتى مفاهيم كثير من الدعاة اليوم قد يكون فيها كثير من الصواب والخير وقد يكون جوانب من هذا الواقع.
يجب أن نقدم الاسلام للناس على أنه دين عالمي وليس اقليميا أو عنصريا أو عربيا، فالله تعالى وصف القرآن بأنه عربي ولكن لم يصف الاسلام بأنه عربي وانما قال «ذكر للعالمين»، فبعض الناس يربط الاسلام بالثوب الخليجي أو الغترة، فمن أسلم وقد يكون فليبينيا أو أوروبيا فيظن أن من مكملات تدينه أن يلبس هذه الغترة أو العمامة أو غيرها، هذا الأمر قد يوحي للبعيد أن الاسلام دين اقليمي، بينما الاسلام دين لا يفرق بين شعب وشعب، فالفئة الأولى التي قام عليها الاسلام فيها العربي والفارسي والرومي ومن كل أصناف الناس في اشارة الى شمولية هذا الدين وأنه يستوعب ثقافات الأمم الأخرى.
حينما نخاطب الأمم الأخرى بالاسلام، يفترض أن نخاطبهم بقيم الاسلام وجماليات الاسلام، فالله تعالى جاء بتأليف القلوب، هناك معان قد لا يستطيعون استيعابها الا بعد أن يدخلوا في الاسلام، فاذا دخلوا في الدين واطمأنت به قلوبهم أصبحوا يفهمون كثيرا من المعاني لأنها ارتبطت عندهم بأصل الايمان، وقد يكون من الصواب ما يقوله البعض ان: الاسلام قضية عادلة ولكن يتولى الدفاع عنها محام فاشل.
فتجد انطباع كثير من الناس في دول العالم انطباعهم ليس جيدا عن الاسلام، بل أصبح هذا الانطباع يتسلل الى بعض بلاد المسلمين، فيتأثر بالاعلام الغربي والدعايات المضللة والشبهات بعض أولاد المسلمين، ويتعزز ذلك عندهم ببعض الممارسات الخاطئة التي تقع داخل المجتمع المسلم.
لكن البعض بحجة تجميل الاسلام في نظر الغرب يتساهل في أمور الدين ويتتبع خلافات العلماء ليأخذ الأيسر؟
- اذا كانت القضية داخل خلافات العلماء أو انتقال من مباح الى مكروه، فهذا سائغ اذا كان لهدف الدعوة، أما اذا كانت المسألة تغييرا للاسلام نفسه فهذا خداع للآخرين قبل أن يكون غشا في ما يتعلق بمعرفة الاسلام، فلا نريد أن نقدم الاسلام بتصور مغاير لما جاء به النبي صلـى الله عليه وسلم، وبالتالي فالحكم هو القرآن الكريم، لو ترجمناه بلغات العالم وقدمناه للناس حتى يفهموه بصورته الصحيحة كما أنزل، لأن القرآن هو الكتاب الوحيد في الدنيا المحفوظ من الزيادة والنقص حرفيا، حتى مصحف الامام الذي كتب في عهد الخلفاء الراشدين موجود الى اليوم في بعض المكتبات بحسب ما اطلعت، فهذا التوثيق التاريخي للنص القرآني المقدس يمكن أن يكون منطلقا لتعريف العالم بالاسلام، واختيار أصول الأحاديث النبوية الصحيحة التي عليها مدار الاسلام كالأربعين النووية وما جرى مجراها وترجمة هذه المعاني للناس حتى يفهموا الاسلام وبعد ذلك يكون شأنهم أن يقبلوه أو يردوه.
البعض يهرب من الغلو فيقع في التفريط، فما توجيهك؟
- يقول السلف: ما من أَمْر أَمَر الله به الا وللشيطان فيه مسلكان اما الى افراط واما على تفريط، وكما يقول الشاعر:
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد,, كلا طرفي قصد الأمور ذميم
فالافراط والتفريط وجهان لعملة واحدة، والغلو لا يحارب بالتفريط أو بالتساهل، بل قد يكون الغلو أحيانا رد فعل على التفريط والتساهل، فالذين يريدون سكينة المجتمعات الاسلامية وانتشار الاسلام واستقرار الأحوال عليهم دائما ان يكونوا دعاة الى الوسطية، لأن الوسطية رد على الغلو والتشدد كما هي رد على التساهل والتفريط، والنبي صـلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي صححه الامام أحمد: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين )، فالعلماء والفقهاء المصلحون في كل زمان ومكان ينفون عن الاسلام اضافات الغلاة الذين يحاولون أن يحوزوا الدين اليهم، وكذلك انتحال المبطلين الذين يضيفون اليه ما ليس منه.
ومن المهم أن أقول ان هؤلاء العدول الذين أخبر عنهم النبي صـلى الله عليه وسلم موجودون في كل زمان ومكان، وان لم يكونوا على قلب رجل واحد، لأن من الطبيعي أن يختلفوا وقد ينتقد بعضهم بعضا، وبالتالي فكثير من الدوائر والأشخاص والجهود والأعمال الاسلامية في دائرة الوسط والاعتدال، وينطبق عليها هذا الحديث.
أثارت الرسوم الدانماركية ضجة في العالم، يرى البعض أن من أبرز محاسنها اتفاق الرؤى الاسلامية في ردة الفعل تجاه هذه الرسومات، فكيف يراها فضيلتكم؟
- ردة الفعل كانت ايجابية وغير متوقعة، حيث اتفق المسلمون في جميع الأقطار والأمصار من الخليج الى مصر الى المغرب الى أندونيسيا الى باكستان الى أوربا وأميركا، والى الدانمارك نفسها التي انطلقت منها هذه الرسوم، فكان تفاعلا ايجابيا، وربما يعد من الحالات القليلة التي كان فيها توافق اسلامي.
في بداية هذه الغضبة كانت هناك أعمال سلبية من تدمير أو تكسير أو حرق ولكن تمت ادانتها وعزلها واستمر عطاء المسلمين وتفاعلهم مع الأحداث بشكل ايجابي ومنتظم ومتزن بعيدا عن الاندفاع، ولا يزال المسلمون كذلك.
الرسوم أنتجت أشياء كثيرة أبرزها تنادي المسلمين لنصرة النبي عليه الصلاة والسلام، سواء بالاقتداء في سنته أو تعريف الناس به، أو بنشر الكتب والقاء المحاضرات وتنظيم البرامج والمهرجانات والدورات والمسابقات وأشياء كثيرة بخلاف المواقع الالكترونية والقنوات الفضائية والمؤتمرات، فكانت جهود ضخمة أفرزتها الغضبة الاسلامية ضد هذه الرسوم، ومن ضمن ذلك مقاطعة المنتجات الدانماركية التي تفاعل معها المسلمون في كل مكان بما في ذلك التجار أنفسهم بعدم عرض المنتجات الدانماركية في محلاتهم، والمستهلكون بترك شراء مثل هذه المواد، وكانت المقاطعة نموذجا طيبا للغضب للنبي صـلى الله عليه وسلم.
أين وصلت مقاطعة منتجات الدانمارك؟
- لا تزال المقاطعة قائمة، الا أن من طبيعة الأعمال الشعبية انها تضعف مع الوقت، لأن الناس تغضب أول الأمر ثم يبدأ الموضوع يتلاشى أو يتراجع شيئا فشيئا، كما حصل من مقاطعة المنتجات الأميركية التي قوطعت في فترة من الفترات، ويوجد الآن من أميركا أذية للمسلمين وأشد ما يكون ذلك في فلسطين في حصار الشعب الفلسطيني، ومع ذلك لا تجد صوتا اسلاميا ينادي باعادة مقاطعة البضائع الأميركية، ولعل السبب الأهم في ذلك والذي يجب أن نضع أيدينا عليه، هو أن المسلمين مازالوا الى الآن دون المستوى المطلوب في ما يتعلق بالتصنيع والاكتفاء الذاتي مع أنهم قادرون على ذلك، فبلاد المسلمين زراعية يمكنها الاكتفاء تماما، بالاضافة الى غناها بالمواد الخام والقوة الاقتصادية التي يمكن أن تجعل بلاد المسلمين تقوم على قدميها لتصف مصاف الدول العظمى لو أنها استطاعت أن تُفَعِّل التجارة البينية في ما بينها، وتقبل على المشاريع الاقتصادية والزراعية وغيرها، فتستطيع بهذا أن تضغط على الدول الأخرى.
هل ترى أن هذه المقاطعة استثمرت استثمارا جيدا؟ وخصوصا بعد أن تم فصل 30 سعوديا من الشركة الدانماركية بالمملكة؟
- سمعت هذا الخبر بالأمس، وهو خبر مؤلم، فصحيح أن عددا من الشركات تضررت بالمقاطعة ومنها هذه الشركة التي قالت انها ليست شركة دانماركية، وأرسلت لنا ولغيرنا أوراقا كثيرة بناء عليها زكاها عدد من العلماء أنها ليست شركة دانماركية وهي كذلك.
ولكن هذا الموقف الذي حصل واعتذروا عنه بأنه نتيجة للخسائر التي ألمت بهم نتيجة لتعرضهم جزئيا للمقاطعة، أعتقد أنه عمل غير مبرر وغير ذكي، لأنه سيعيد الشركة الى المربع الأول وتجعل الناس يتساءلون عما وراء هذا الفصل وقد يعيدون التدقيق في أوراق هذه الشركة وعلاقاتها، ولذلك أدعو هذه الشركة الى تعديل هذا القرار والتراجع عنه.
يلاحظ البعض منذ أحداث 11 سبتمبر بعض التغيرات في العالم الاسلامي ومنها انتشار الصوفية بشكل ملحوظ واعطاؤها الضوء من خلال القنوات الفضائية والمؤسسات الحكومية، فما صحة هذا الربط؟
- بعد أحداث 11 سبتمبر تغيرت أمور كثيرة، والذين قاموا بهذه الأحداث وارتبطت بهم هم مجموعة من الشباب السعودي حيث ينتشر المذهب السلفي، ما جعل كثيرا من الدوائر الغربية تنصب المذهب السلفي - أو ما تسميه أحيانا بـ ( الوهابي) - تنصبه عدوا لها، ولكنني أعتقد أن هذا الموقف مع الوقت يضعف ويتلاشى، فكما أنه لا يمكن ادانة المسلمين بفعل مجموعة منهم، فكذلك لا يمكن ادانة أي تيار بفعل مجموعة قليلة من أفرادهم، فكل قوم لهم شواذ، ولا يمكن أخذ أي فئة أو شعب من الشعوب بخطأ مجموعة من أفرادها، ولكن الغضبة الأولى تكون أحيانا عمياء لاتفرق، فتم استهداف كثير من المناشط السلفية في العالم ومحاربتها، ومن ذلك استهداف الجمعيات الخيرية، وتجفيف منابعها ومنعها من اعانة الفقراء والمساكين واقامة المشاريع الخيرية في كثير من بلاد العالم، فمثل هذا الوضع غير قابل للاستمرار، لأن السلفية ليست حزبا أو مجموعة خاصة، أو مذهبا خاصا أو بلدا معينا، ولكن السلفية تيار واسع جدا، ينتمي اليه كثرة كاثرة من المسلمين سواء سموا بالسلفيين أو لم يسموا، وسواء قالوا هذا عن أنفسهم أم لم يقولوه، لأن كل من أخذ بالكتاب والسنة فهو سلفي.
وبالتالي فلا يمكن أن يستمر ما حصل بعد أحداث 11 سبتمبر، كما أن الرهان الغربي على احداث الوقيعة بين المسلمين وبين تياراتهم وضربهم ببعض لن يكتب له النجاح أيضا.
لم تجبني فضيلة الشيخ، هل ترى فعلا أن الصوفية بدأت في الانتشار؟
- لا أعتقد أن الصوفية بدأت بالانتشار أكثر مما كانت عليه من قبل، ثمة تقارير أميركية مثل تقرير «رانس» أشار الى امكانية دعم أو تبني الصوفية، ولكنني لم الحظ على الأقل من خلال اطلاعي الخاص أن هناك نموا للتصوف أكثر مما كان عليه الأمر من قبل، وان كان في كثير من بلاد المسلمين خصوصا بلاد المشرق وما وراء النهر، قد يكون عوام المسلمين هناك لديهم تعلق ببعض الموروثات والتقاليد التي بها تصوف، ولكنهم يبقون عواما ومادة خام قابلة للتصحيح.
والصوفية ليست لونا واحدا، ويدرك كثير من العقلاء أن التصوف قد يكون منه المعتدل، وكان السلف يثنون على الرجال المعتدلين من العباد والأئمة والزهاد، كما عند ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي وغيرهم، ويحذرون من غلو الغالين كابن عربي وغيره.
وهكذا يمكن أن يقال في العصر الحاضر ان كثيرا من عوام المسلمين عندهم محبة تعبد ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحبة الأولياء والصالحين، ولكن الأفكار الغالية في الصوفية لا يكتب لها الرواج والانتشار لأنها أفكار فلسفية معارضة لقيم الاسلام، فضلا عن أن تعريتها وكشفها واجب على العلماء والدعاة والمصلحين.
كيف ترى تعامل السلطات مع الاسلاميين خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر؟
- في كثير من الدول الاسلامية توجد حالة من الترقب والخوف من الكثير من التيارات والحركات الاسلامية، وازاء ذلك وجدت بعض الأعمال التي استخدمت العنف كما نجد مثلا في السعودية والمغرب ومصر والأردن وبعض البلاد الاخرى، فكان نوع من التوجه للمصادمة بين هاتين الفئتين زيادة على أن بعض الأطراف - المذعورة من انتشار التوجه الاسلامي وانتشار الخير بين الناس - حاولت أن توسع دائرة الاتهام.
فنحن جميعا لا نقر أعمال العنف وهي مرفوضة ومرذولة ومعارضة للاسلام وللمصالح وللعقل كذلك، سواء وقعت في السعودية أو في الكويت أو في الأردن أو في أي بلد اسلامي، وهذا أمر يجب أن يتحمل مسؤوليته الذين تسببوا فيه، أما أن توسع الدائرة فتكون المناهج الدراسية مدانة، والعلماء والفقهاء مدانون، والحلقات التعليمية وحلقات التحفيظ والجمعيات الخيرية، فهذا خطأ كبير، فهذا يعد اقرارا لما يدعيه الغرب من أن البيئات والمجتمعات الاسلامية تحمل بذور وجذور الارهاب، بينما نقول انها ضحية الارهاب، سواء كان الارهاب المنبعث من داخلها وهو ارهاب مؤقت، او يتسلط عليها من خارجها كما نجد في العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه في العيش والعلاج والحياة والتعليم والسكن تحت سمع وبصر الولايات المتحدة والأمم المتحدة والعالم المتحضر، الذي لا أقول انه لا يحرك ساكنا، بل لا يفتأ دائما وأبدا يعلن أن أمن اسرائيل مسؤوليته وأنه يحافظ على أمنها وتفوقها.
على الرغم من وضوح رؤية العلماء حول الحوادث الأخيرة في دول الخليج الا أنها أخذت في الاتساع نوعا ما، والبعض يرجع ذلك الى الضغوط التي تمارس ضد العالم الاسلامي بشكل عام، فما رأيكم؟
- موقف العلماء والدعاة واضح جدا من هذه التفجيرات، وأؤكد أن هذا الموقف ليس رد فعل للتفجيرات بعد حصولها بل هو موقف أسبقي متقدم، وكان هذا الموقف يستهدف نزع الغطاء الشرعي عن مثل هذه الأعمال التي لا يرضاها الله ولا المؤمنون، هذا جانب.
ولكن ما سبب حصول هذه الأعمال واتساعها؟ هناك أسباب كثيرة جدا، منها نقص الوعي الديني عند بعض الشباب ووجود عاطفة اسلامية مشبوبة دون أن تكون مصحوبة بالعلم والمعرفة والرجوع الى العلماء، هذا أحد الأسباب، ولكن الضغوط العالمية على المسلمين لها تأثير كذلك، فشعور بعض المسلمين بالعجز ازاء هذه الضغوط والاقصاء والتهميش للعالم الاسلامي له أثر كبير، وقد يكون نقص العدالة داخل المجتمع الاسلامي، وقد يكون عدم وجود فرص للتعبير الحر الرشيد، حتى عن الرأي ولو لم يكن رأيا صوابا، فهذا يمكن تعديله من خلال مناقشته وطرحه، لأن الجراثيم لا تنمو في ضوء الشمس وانما تنمو في المناطق الركيكة المظلمة.
لا بد من البحث الجاد عن الأسباب الاجتماعية والسياسية والعلمية وغيرها وراء وجود مثل هذه الظواهر ومعالجتها حتى لا تتكرر مثل هذه الأحداث يوما بعد يوم.
مع أن رأي كبار العلماء وعموم المسلمين معروف في حوادث التفجير في دول الخليج، الا أن ضغوط أميركا مستمرة بتغريب المجتمع وتغيير المناهج وحذف الولاء والبراء، ألا ترون أن ذلك ثمن تدفعه الشعوب المسلمة نتيجة الرضوخ لتلك الضغوط؟
- الضغوط الخارجية لا يمكن أن تثمر خيرا لبلاد المسلمين، سواء كانت ضغوطا على المناهج الدراسية أو حتى ضغوطا سياسية أو اقتصادية، لا أقول ان ما عليه بلاد المسلمين هو الأفضل من الناحيتين الاقتصادية أو السياسية ولا أقول ان وسائل الاعلام أو المناهج كاملة ويجب بالتالي أن تظل كما هي.
يجب ان يكون هناك سعي دائم للاصلاح والتغيير، حتى تغيير المناهج، فالمناهج غيرت عشرات المرات، ولكن المرفوض هو أن يكون هذا التغيير استجابة لضغوط خارجية، لأنه حينئذ لن يكون اصلاحا حقيقيا يستهدف مصلحة الوطن، بقدر ما سيكون استجابة لضغط خارجي، وسيرفضه الناس الذين سيشعرون أن أي تغيير حتى لو كان رشيدا هو نتيجة الحاح خارجي، وليس هذا هو ما يريده الناس.
دعنا نركز على المملكة، تصدر بين فينة وأخرى بيانات ممهورة بأسماء علماء، فضيلتك أحدهم، تستنكر اقرار بعض القوانين في السعودية وتدعو الى الغائها، فهل ترى أن مثل هذه البيانات سحبت البساط من تحت هيئة كبار العلماء، كما يزعم البعض؟
- هيئة كبار العلماء ليس ما تحتهم هو بساط من السهل أن يسحبه أي أحد، والقضية أبسط من ذلك، فالحراك الاجتماعي والعلمي له نظم وقوانين، واذا تعود عليه الناس تقبلوه واستفادوا منه، فاذا كان هناك نوع من الحوار بين فئة وفئة أو بين الحكومة والشعب، أو الشعب وبعض فئاته، فهذا أمر طبيعي.
وقد يكون هناك نوع من الاعتراض المؤدب اللطيف على عمل معين أو تصرف ما، ليس قرارا سياديا، فقد يكون قرارا من وزارة أو ادارة أو جهة معينة، فهذا القرار قابل للدراسة والمراجعة واعادة النظر، وقد يخضع الأمر لطبيعة التعامل معه وتطبيقه، فمن الصعب أن نقول أن كل أمر يصدر من أي جهة تنتسب ولو بدرجة ضعيفة الى الدائرة الرسمية يكون محل تقديس ولا أحد يعترض عليه.
نحن نجد أن وسائل الاعلام كالصحف والتلفاز، وهو ذو طابع رسمي، قد يناقش في كثير من برامجه قرارات واجراءات وأمورا طبقت منذ سنين طويلة فينتقدها ويبين سلبياتها ويطلب اعادة النظر فيها أو الغائها ويتم الرجوع عنها، لأنها محاولات بشرية، والمجتمع ينبغي أن يتضافر في الاصلاح بعضه مع بعض، من غير أن يكون هذا معناه التناقض، فقد يعترض على قرار أو قرارين أو ثلاثة، لكن يتم الاشادة بعشرات أو مئات القرارات الأخرى.
وماذا عن بيانات العلماء التي تصدر حول المواقف الاسلامية العامة؟
- لا يلزم أن يكون التحرك مرتبطا بهيئة رسمية كهيئة كبار العلماء أو غيرها، الهيئات الرسمية في العادة لها نظام وأسلوب عمل ومسؤوليات محددة، فهيئة كبار العلماء في المملكة تجتمع مرات محدودة في السنة، وبجدول عمل محدود ومعروف، وتعالج غالبا قضايا ذات طابع فقهي أو نوازل معينة يتم ادراجها في جدول العمل ويصدر قرار خاص بشأنها.
أما الحراك الشعبي فهو أوسع من ذلك، فالرسوم الكاريكاتورية التي سألت عنها مثلا، لا تحتاج الى حراك حكومي لأن كثيرا من الحكومات مقيدة بمواقف رسمية لا تستطيع أن تفعل المقاطعة بشكل واضع لأنها مرتبطة بمنظمة التجارة الدولية، ومن هنا يأتي دور الشعوب لكي تتصرف، وهو ليس نقيضا لتصرف الحكومات ولكنه تحرك عفوي يحتاج الى الضبط، وهو متصل بشكل غير مباشر في العلماء الرسميين.
في ظل «الهيمنة الاميركية» كيف ترى مستقبل التيار الليبرالي في السعودية الذي بدأ يتنامى في الآونة الأخيرة، بحسب المراقبين، رغم تحذيرات كبار العلماء وبياناتهم؟
- التيارات الليبرالية لا مكان لها في العالم الاسلامي، وهذا ما يشهد به الواقع، فالعالم الاسلامي عالم متدين، ولهذا لا يمكن أن تقبل الا ما ينتسب وينتمي الى الدين، حتى في ما يتعلق بالاصلاح أو التنمية، فأي مشروع اصلاحي أو تنموي لا يستمد خلفيته من الاسلام لن يكون مؤثرا ولا مقبولا عند الناس، ولذلك فان التيارات العلمانية ليس لها مكان، فهي تيارات نخبوية والغرب نفسه أصبح مقتنعا بأنه لا يمكن الرهان عليها، وتتأكد هذه الحقيقة في كل فرصة تسنح في العالم الاسلامي.
وبالتالي فلا داعي للقلق الشديد فعمق الاسلام في هذه المجتمعات راسخ جدا وليس من السهل أن تزحزحه رياح عابرة.
لكن يلاحظ البعض أنه ينتشر في المملكة، ويؤثر على القرار السياسي في الدولة؟
- قد يكون في حدود معينة وليس انتشارا، فهو تيار نخبوي غير مؤثر شعبيا الا على نطاق ضيق، ولا يقاس بتأثير وانتشار الأفكار الاسلامية.
ولكن التأثير على القرار السياسي قد يكون بسبب توازنات وظروف معينة عالمية، قد يكون هناك نوع من التسلل - ان صح التعبير - من بعض الأطراف التي سرعان ما ستكشف المتغيرات هذا التسلل وتمنع من امتداده، والكثير من الكلام الذي يقال هو تخوف من أمور مستقبلية.
بينما أشعر أن علينا أن نعيش في طمأنينة، وألا يسيطر علينا القلق، فالمكاسب التي يحققها الاسلام في السعودية أو في أي مكان ضخمة جدا ولا يمكن أن يقفز عليها أحد.
البعض يرى أن الصحوة الاسلامية انحسرت في السعودية، فما أسباب هذا الانحسار برأيكم؟ أتراه الاعلام المنفتح؟

جمال
05-08-2006, 09:33 AM
متابعة باقي المقابلة ....


- ما هي الصحوة الاسلامية؟ من يقول أن الصحوة انحسرت قد يقصد نشاطا معينا، أو ظاهرة معينة، بينما الصحوة أوسع من ذلك، فهي بالسعودية والعالم الاسلامي بدأت تتحول الى برامج، ما يدل على تطور كبير، أن تتحول الى برامج اقتصادية أو اعلامية، أو اجتماعية، حتى برامج سياسية، فهذا هو التطور الطبيعي وهو الذي يحدث في كل بلاد الاسلام.
لكن الوسائل قد تختلف، فشريط الكاسيت كان يوما من الأيام هو الوسيلة يوم لم يكن هناك شيئ غيره، أما اليوم فأصبحت الوسيلة هي الموقع الالكتروني الذي يدخله الملايين، أو القناة الفضائية التي يشاهدها عشرات الملايين، أو المؤسسات العاملة سواء كانت خيرية أو اعلامية أو اقتصادية أو اجتماعية، وهذا يدل على نمو ضخم جدا.
وبغض النظر عن مصطلح الصحوة، لكن تيار الخير والهدى والاستقامة والرغبة في التدين يتسع ويتنامى بشكل مذهل في العالم الاسلامي.
هل تعني أن ثمة تحولا من العمل الفردي الى العمل المؤسسي؟
- في بداية التحول.
المرأة الخليجية اقتحمت جميع مجالات العمل، وانتهت بفرق لكرة القدم والسلة وألعاب القوى والسباحة، فهل قانون عمل المرأة الجديد في المملكة بداية لنهاية ما وصلت اليه دول الخليج بالنسبة للمرأة؟
- أرجو ألا يكون الأمر كذلك، وموضوع المرأة حساس جدا، فهي في المجتمع الاسلامي زينتها بحجابها وعفافها وصيانتها وبعدها عن مواقع الاحتكاك بالرجال والتعامل اليومي معهم، وهذه احدى الميزات الجميلة في مجتمعات المسلمين التي يتطلع اليها كثير من العقلاء في العالم كله.
ولست أدري أي معنى لأن يعلن مثلا أن امرأة تترشح للرئاسة في أفغانستان في وقت نعرف أن المرأة مسحوقة في بيتها وفي السوق ولا تجد لقمة العيش ولا البيت الذي تسكنه، انما هي مجرد فقاعات وفلاشات يتم الاعلان كنوع من تحسين الصورة في نظر الذين لا يعرفون الصورة الا من خلال الأخبار الاعلامية، ولست أدري أي معنى لتكوين فرق كرة قدم نسائية في باكستان وعدد من الدول العربية - أرجو ألا تكون دول الخليج من بينها - فهذه رياضة لا تناسب أنوثة المرأة، فجمالها وأنوثتها في رقتها ونعومتها لا في عظلاتها وسواعدها المفتولة أو قوامها الخشن!! وليس الذكر كالأنثى، فهذا تبادل للأدوار.
وما عجب أن النساء ترجلت,,, ولكن تأنيث الرجل عجيب
وفي المقابل نجد أن بعضا من الشباب يقلدون الاناث ويتشبهون بهن في أشكالهم وملابسهم، فمراعاة الفطرة أولا ومراعاة الشريعة التي جاءت موافقة لهذه الفطرة ثانيا تقتضي ألا نسير سير الأعمى وراء التقاليد والأنماط الغربية والرسوم الغربية التي تعتبر أن المساواة مبدأ مطلق بين الذكر والأنثى وهذا ليس بصحيح.
الاسلام لم يأت بمساواة مطلقة بين الجنسين، والله لم يخلق الجنسين لمساواة مطلقة بينهما، والا فما معنى أن يكون هذا رجل وهذه امرأة؟ هناك فاصل وفارق بينهما، فالاسلام فضل المرأة في مواقع، كما قال النبي صـلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن البر قال (أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك)، وفضل الرجل في مواقع كما قال تعالى (الرجال قوامون على النساء)، وساوى بين المرأة والرجل في أغلب الأشياء.
ولكن من الواضح أن المرأة في خلقتها وفي وظائف جسمها وأعضائها، وفي عقلها وتفكيرها وعاطفتها ومهماتها الحياتية مختلفة عن الرجل، وليس المطلوب حصار المرأة أو منعها من العمل والتعليم، أو منعها من حقوقها والمطالبة بحقوقها، كلا فهذا كله جاء به الاسلام، ويفترض أن يكون هناك نظام في المجتمعات الاسلامية يكفل للمرأة هذه الحقوق من دون أن يكون استنساخا لما هو موجود في الغرب مما ينتمي الى ثقافة مختلفة كلية عن الثقافة الاسلامية.
كيف يقيم الشيخ سلمان العودة خطابه الدعوي السابق الذي يغلب عليه التحدي والمصادمة والاثارة في التسعينات، وخطابه الحالي المائل الى التهدئة والاعتدال ؟ وما أسباب هذا التحول؟
- لا أوافقك أنه يغلب عليه كما قلت التحدي والاثارة والمصادمة، هذا نوع من الاختزال ليس بدقيق، خطابنا خطاب بشري عادي يخضع للظروف والمتغيرات، والانسان ليس بعيدا عن تأثيرات الظروف السياسية والاجتماعية وغيرها، ونلاحظ أن الدول تتعامل مع الأحداث بما يقتضيه المقام وقد تتعامل بعد فترة بطريقة أخرى مختلفة، فهذا أمر طبيعي وهو جزء من سنة الحياة، فليس مفترضا أن يستمر الانسان في البداية التي كان عليها الى أن يموت، يفترض أن يكون للانسان قدرة على تطوير الأداء والاستفادة من التجارب ومن الآخرين، ومراعاة الظروف والمتغيرات.
لكن في نفس الوقت من العدل أن يكون هناك توازن في الرؤية والنظرة، خطابنا في السابق واللاحق كان بعيدا عن الغلو، والحرب على الغلو كانت معلنة عندنا بلا مواربة وهناك كتب وأشرطة ونصوص كثيرة جدا في هذا الجانب، وهذا خط أحمر أساسا.
خطابنا كان يحارب العنف واستخدامه في فرض الرأي منذ البداية ويحذر من هذه المزالق وينتقدها بشكل واضح، ويبقى أن هناك معالجات مرتبطة بظروف معينة، زالت هذه الظروف، وربما جعلت التجارب الخطاب أكثر نضجا.
وزد على ذلك أن الانسان أصبح يشعر أنه يخاطب شرائح أوسع من الناس ويحاول أن يحتوي هموم الكثيرين من الناس، وصار هناك احساس وشعور بأن المهم هو البناء وتقديم البدائل، فلو بقينا نشتم الظلام وننتقد الأخطاء الى الأبد قد لا يتغير شيء، ولكن عندما نقدم للناس البدائل ونشجعهم على النهوض، ونحاول أن نرحب بالمبادرات الايجابية والطيبة، فأعتقد أن هذا قد يجعل المجتمع أكثر فاعلية ويقرب الهوة بين الفئات المختلفة في المجتمع، فمجتمعاتنا الخليجية وغير الخليجية مركبة من أطياف عديدة، وليس من المصلحة أن تنكشف هذه اللحمة ويحول هذا الحوار الى حرب وصراع وعداء يحضر الى معارك أهلية على نمط ما يمكن أن يحدث في العراق أو في أي بلد آخر.
المحافظة على هذه الوحدة مطلب، والسعي في حوار علمي هادئ مطلب كذلك.
لمناسبة تطرقكم لموضوع العراق، شدد بن لادن في خطابه الأخير أن في احتلال أميركا للعراق واليهود في فلسطين خيانة لله ورسوله، فما رأيكم؟
- لم أسمع الخطاب، ويعرف الجميع أن المسلمين يرفضون احتلال العراق وفلسطين بكل صوره وأشكاله، ولكن المطلوب هو ماهو الموقف الرشيد الناضج من مثل هذه المعاناة، فالفلسطينيون مثلا يحتاجون الى لقمة العيش، وجرة الدواء، وراتب الموظف والعالم، وأن تقف الشعوب الاسلامية وتساندهم في هذا الموقف الصعب، وهذه مسؤولية الحكومات والشعوب الاسلامية على حد سواء، وكذلك الشعب العراقي الذي يحتاج في هذه المرحلة الى من يقف معه، وتهدئة الصراع الداخلي، ونوع من التوافق في ما بينهم للوصول الى حل أمثل لمشكلاتهم، وأصبح المواطن العراقي يحتاج الى الأمن والكهرباء والماء والغذاء.
ليس مطلوبا أن تظل الدماء تنزف في البلاد الاسلامية فقط، وأن تكون الصور البشعة على شاشات التلفزة تنتمي الى البلاد الاسلامية، وليس مطلوبا أن تكون 28 من أصل 30 صراعا في العالم موجودة فقط في العالم الاسلامي، وكأن العالم الاسلامي لا يتقن حل مشكلاته الا من خلال فوّهة البندقية، ومن خلال الاقصاء والضراوة في الحرب والعداء، فالناس بحاجة الى هدوء وسكينة وتفاهم فيما بينهم حتى يصلوا الى معنى مشترك ومصلحة مشتركة.
فالرسول صـلى الله عليه وسلم حينما جاء الى المدينة كان فيها اليهود والمشركون الى جوار المسلمين ونبتت فرقة رابعة وهم المنافقون الذين كانوا يظهرون الاسلام ويبطنون الكفر، ومع ذلك لم يسع الرسول عليه الصلاة والسلام الى تأجيج الصراع بين هذه الأطياف بل على النقيض من ذلك دعا الى تهدئة الأمر بينها، وعقد المصالحة مع اليهود ودعا الوثنيين بحكمة وهدوء، ولما همّوا أن يقتتلوا في يوم من الأيام بدأ يسكنهم ويخفضهم عليه الصلاة والسلام.
فأعتقد أن فكرة خلط الأوراق فكرة غير سليمة، وتصور أن اشعال الحريق في أي بلد هو مصلحة بالعكس هو ضرر على الاسلام وعلى البلد نفسه لأنه بلد ينتمي الى الاسلام، وقد يشعل النار من لا يستطيع اطفاءها.
أميركا تدعو الى الديموقراطية والحرية والعدل والمساواة بزعمها، وسحبت دعمها الى هذه المبادئ حينما وصلت حماس الى البرلمان والسلطة الفلسطينية، وقطعت عنهم المعونات؟!
- هذا يدل على أن الغرب يكيل بمكيالين، فهو يتلاعب بالقيم خصوصا اذا كانت بشعوب غربية، ومن أسوأ وأحط ما يمكن أن يتم التلاعب بقضية مثل قضية حقوق الانسان، تستخدم عند اللزوم ولأغراض سياسية مكشوفة.
فمثلا في ايران عندما تقع مشكلة تخصيب اليورانيوم تبدأ نبرة الحديث عن حقوق الانسان داخل ايران ترتفع، وهكذا عندما تبدأ بالصين أو في أي بلد اسلامي، هذا دليل على أن هناك نوعا من الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة» عندهم، ولا توجد معيارية صحيحة للقيم التي يتحدثون عنها، فالديموقراطية طبقت والانتخابات تمت بشكل شفاف في فلسطين، مما يجعل هذا الحصار الشديد؟ لماذا لا يفكر الغرب أن يعطي حماس فرصة أن تؤدي دورها ويختبرها الشعب الفلسطيني وقد تنجح نجاحا باهرا أو جزئيا أو لا تنجح، فهذا أمر يخضع لمنطق الواقع وما يمكن أن يحدث.
أما أن تشن حرب حصار مبكرة على الشعب الفلسطيني كله، وليس على حماس، فأعتقد أن هذا سعي أحمق غبي الى تأجيج نار صراع الحضارات كما تسمى، بحيث تتولد لدى الشعوب المسلمة قناعات مرة بعد أخرى أن الغرب يتجاهل حقوقهم، ولا يتعامل معهم كبشر.
البعض يرى أن الحملة العالمية لمقاومة العدوان ينطبق عليها المثل «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا» فما تقييمكم لها؟
- هذه الحملة ولدت في ظروف معينة وعقدت مؤتمرا في قطر وتنادى اليه المئات من الشخصيات الاسلامية، ولكن من الأمانة أن أقول أنه ليس لدي اتصال مباشر مع هذه الحملة، وبالتالي لا أستطيع أن أتحدث عن أعمالها.
بالنسبة للعراق، بعض الحكومات ترى أن ما حدث فيها ويحدث هو تحرير، بينما يراه آخرون احتلالا وغزوا، فكيف تراه؟
- باعتراف الأمم المتحدة وأميركا ذاتها أن ما يحدث في العراق هو احتلال، ولكن ما دوافع هذا الاحتلال؟ هنا يقول الأميركان أنهم جاؤوا من أجل نشر الديموقراطية والقضاء على الدكتاتورية والتسلط وشيء من هذا القبيل، وأعتقد أن الوضع الذي كان يعيشه العراقيون قبل الغزو الأميركي كان وضعا مأساويا وكان الشعب العراقي مرتهنا بالبطش والتنكيل والجرائم التي ربما لم تكشف الوثائق الا جانبا منها.
وبعد الغزو يعاني الشعب العراقي الأمر ذاته أيضا، فالقتل والخوف والرعب والخطف أصبح يتنامى، وبدلا من أن تكون السلطة وحدها في الوضع السابق هي التي تمارس هذا الدور، أصبحت أطرافا كثيرة جدا وبعضها قد يكون مجهولا تمارس مثل هذه الأدوار، ونسمع كثيرا عن مجموعة من العراقيين وجدوا مقتولين وقد مُثّل بجثثهم أو شوهت أو تعرضت للتعذيب، وهناك اتهامات لجهات رسمية داخل الحكومة السابقة أنها تمارس مثل هذه الأدوار وهذا وضع مؤلم، والذي نتمناه بغض النظر عن كل ما مضى أن ينجح العراقيون الآن في التوافق فيما بينهم ووضع حد لنزيف الدماء وأن ينجحوا في اقامة حكم عادل متوازن يراعي حقوق الأطراف المختلفة، ولا يستقوي بطرف خارجي في هذه الظروف.
ما رأيكم في الجهاد في العراق، فالبعض يراه افسادا للدين والدنيا لأنه بلا راية ولا ولي أمر يقوده؟
- ما يجري في العراق أنواع، ويجب أن يكون هناك دقة في الحديث: فهناك مقاومة للمحتل، وهذه تعد جزء من الواقع الذي تم الاعتراف به، حتى أن الرئيس العراقي الحالي صرح قبل أسبوع أنه تفاوض مع سبع مجموعات من أجل دمجها في العملية السياسية، وذلك لأن التوصيف القانوني لما يحدث في العراق لا يخرج عن كونه غزوا في الأصل.
وفي المقابل هناك أعمال عنف عمياء في العراق تستهدف الأبرياء والمدنيين والعراقيين والمنشآت، لا تفرق بين أحد وأحد، ليست لها أهداف واضحة، وهذه لا شك أنها تعد فتنة يجب السعي في اطفائها وستكون من أهم التحديات التي ستواجه العراقيين في المرحلة المقبلة.
وماذا عن اشتراط الراية وولي الأمر الذي يقود للجهاد؟
- جهاد الدفع لا يتطلب ولي أمر أو وجود راية، ولكن يتطلب الحكمة والبصيرة، وتقدير المصالح وغير ذلك.
ما الأسلوب الأمثل للتعامل مع الغير سواء من التيارات والطوائف الأخرى أو حتى من الديانات الأخرى؟
- الاسلام لم يأت بالقضاء على المعاني الأخلاقية ومعاني التواصل بين الناس، فهناك حق الجوار وحق المعرفة والخلق الفاضل مطلوب لكل أحد، فأن تقابل شخصا أو تصافحه أو تبتسم له أو تحييه التحية الطيبة هذا من مكارم الأخلاق، سواء كان موافقا لك في المذهب والمشرب أو مخالفا لك، وحتى لو كان مخالفا لك في الدين وفعلت ذلك فهذا من مكارم الأخلاق.
والتعامل يكون بالبر والاقساط، كما قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم، ان الله يحب المقسطين، انما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على اخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون)، فالتعامل مع غير المحاربين بالبر والاقساط، فالاقساط هو العدل، لكن البر أكثر من العدل وهو الفضل، أن تتفضل عليهم، وهنا يقول الله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى)، فقد تتعاون معهم على البر والخير والمصالح المشتركة، سواء كانت مصالح اقتصادية أو صحية، كتعاون دول العالم أجمع مثلا في حرب انفلونزا الطيور أو حرب المخدرات، فهذه مصالح مفيدة للمسلمين وغيرهم وهم جزء من العالم لا يمكن أن ينأوا بأنفسهم عن مثل هذه الأشياء.
كيف ترى امتلاك ايران لليورانيوم ونجاحها في تخصيبه، في ظل التهديدات التي تمر فيها المنطقة؟
- أتمنى للبلاد الاسلامية أن تكون متجهة بشكل جاد الى الصناعات التنموية التي تحقق للانسان الرفاهية والراحة والانجاز والابتكار، وقد كسب الغرب كثيرا من انتاج السيارات والطائرات والأدوات الحياتية المستعملة أكثر مما كسب من انتاج الأسلحة النووية وغيرها التي ربما كلفت ميزانيته الكثير دون أن يستخدمها الا في حالات نادرة.
ولكن لا يمكن الحديث عن مخاطر ايرانية بعيدا عن مشاهدة أن أول دولة امتلكت أسلحة نووية في الشرق الأوسط هي اسرائيل، وأنها تملك مئات الرؤوس النووية، فتظل اسرائيل هي العدو الأكبر للعرب والمسلمين والخطر الماثل الداهم، ولا يمكن أن تغمض وتطأطأ الرأس عن امتلاك اسرائيل للأسلحة النووية وتكون الحرب دائما موجهة أمام أي بلد عربي أو اسلامي يمتلك مثل هذا السلاح.
يقول البعض أن المملكة العربية السعودية اذا امتلكت الأسلحة النووية فانها تحدث توازنا للقوى الموجودة على الساحة في المنطقة؟
- امتلاك القوة العسكرية لأي بلد تعد مطلبا في النهاية، ويجب أن يكون كل بلد قادر على حماية نفسه وعلى الدفاع بقوة الردع على الأقل.
ولكن يجب أن نسير في الطريق من بدايته، لا أفهم أن تمتلك دولة اسلامية كباكستان مثلا سلاحا نوويا في وقت نجد أن واقع المجتمع الباكستاني أبعد ما يكون عن التنمية والتقدم والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية!! أعتقد أن هناك أهمية كبيرة لاعادة ترتيب الأولويات في هذا الجانب.
وكيف تقرأ التهديد الأميركي مرة الى ايران ومرة الى سورية؟
- أميركا شرطي العالم وهي تريد أن تكون كذلك رغم المتاعب الكبيرة التي تواجهها بسبب تقمصها لهذا الدور بطريقة متعسفة، وأميركا واجهت في العراق وضعا مأساويا صعبا، يبعد معه أن تفكر بالتدخل بالطريقة ذاتها في أي بلد آخر في الفترة الحاضرة، يقول كثير منهم أن أميركا محتاجة الى عشر سنوات للنصر في العراق,, هذا اذا حدث ذلك (,,,).فكيف ستفكر أميركا أن تتدخل في سورية أو ايران، وان كان منطق الأشياء يقتضي عدم التدخل، لكن طريقة الأشياء التي تفكر بها الادارة الأميركية قد لا تخضع بالضرورة الى هذا المنطق، وقد تكون مدفوعة بدوافع الولاء الأعمى لاسرائيل والحرص الأعمى على أمنها ومواجهة أي تهديد بجدية.
وكيف تنظر الى تحذير ملك الأردن من هلال شيعي في المنطقة، وتصريح رئيس مصر أن ولاء الشيعة ليس لبلدهم؟!
- الحضور الايراني في العراق بدأ يثير مخاوف الكثيرين من الاحتقان الطائفي في العراق ودول الخليج وسورية وغيرها، وفي نظري أن مثل هذا التخوف ناتج عن فراغ في المنطقة.
فالمنطقة منطقة سنية في غالبها، والعالم الاسلامي في غالبه سني مع وجود مجموعات بطبيعة الحال شيعية قد تكون في عدد من البلدان بالاضافة الى ايران ذات الأغلبية الشيعية، والواقع أن هناك حاجة ملحة الى وجود نوع من التوازن واعادة الأمور الى نصابها، واعادة الدور للعرب في العراق، واعادة الدور الى السنة في العراق، الذين شعروا بمحاولات التهميش ضدهم، بحيث لا تستثمر الأوضاع العراقية المضطربة لتعزيز جانب على آخر، ويجب حجب تدخل دول الجوار في العراق بحيث يترك أمر العراق للعراقيين أنفسهم يتدبرون أمرهم في ما بينهم.
وهذه مرحلة خطيرة ومهمة جدا، اذا أمكن تجاوزها فقد يكون العالم العربي والاسلامي أكثر استقرارا.
بدأت تنتشر موجة الفساد وتعلو في المجتمع الخليجي، حتى بدأت تعلو أصوات السماح في الخمور والخنا، ما توجهيكم؟
- هذا من الأمور التي حسمها القرآن الكريم (انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)، وقال في الآية التي بعدها (انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة)، اذن هذه الدعوات هي دعوات لاحداث العداوة والبغضاء داخل المجتمع الواحد، وشق المجتمع، وهي كذلك صد عن ذكر الله وعن الصلاة لأنها دعوة الى شغل العقول والنفوس والحياة بالمعاصي والذنوب والاستجابة لنزغات الشيطان، ولذلك في ظل المعاناة النفسية التي يواجهها كثير من الناس وضغوط العمل وغيرها، ينبغي أن يكون العزاء في ذكر الله وفي الصلاة وفي الايمان بالله سبحانه وتعالى وتحريك معاني الخوف من الله في النفوس والقلوب، ومحاربة جميع صور الانحلال الأخلاقي التي هي من أسباب فساد المجتمع وضياعه.
ألا ترى أن احساس الدعاة بذنب لم يقترفوه بعد أحداث 11 سبتمبر، أدى الى تقصيرهم في الدعوة وبالتالي انتشار الفساد؟
- هذا ليس أمرا جديدا ولا داعي لاختصار الموضوع في جانب معين، فهذا بسبب تقصير الجميع، لأن هذا المجتمع مسؤولية الجميع، ولا يمكن تصور أن أي مجتمع سعودي أو كويتي مثلا أنه مجتمع الدعاة، هو مجتمع شعب واسع ومسؤولين ودعاة وطلبة علم وتجار ورجال أعمال، وهؤلاء كلهم ولله الحمد مسلمون، وبالتالي عليهم مسؤولية عند الله تعالى.
قد يكون الداعي والخطيب عليه مسؤولية الوعظ والارشاد وبيان الحجة والتحذير، والمسؤول عليه مسؤولية التدقيق في القرارات والأنظمة الغاء كل ما يعارض الشريعة منها، والتاجر عليه مسؤولية في الصرف والتمويل والتعامل والبيع والشراء وتجنب ما لا يحل منه، وعامة الناس عليهم مسؤولية في التعامل مع القضايا، فلو ترك العامة شيئا معينا لن يكون له رواج، فالسلع المحرمة التي تباع لو لم يشترها الناس لم تعرض، فالسوق يجلب فيه ما يشترى ويطلب، ومعروف قانون العرض والطلب.
وكذلك القنوات الفضائية التي تزداد يوما بعد يوم في تقديم برامج أكثر ميوعة وأكثر تفسخا، هذه القنوات لو لم يتم استقبالها في البيوت والأسر والتفاعل معها من خلال الرسائل والاتصالات لن تستمر ولن تنجح، اذن نحن - جماهير الناس وعوام الناس - وقود هذه الأشياء، وبقدر ما يكون لدينا من التقوى والوعي نستطيع أن نفشل ونجهض أي مشروع لا يتفق مع ديننا وقيمنا.
ولكن للأسف أن الجماعات الاسلامية والدعاة بدأوا ينشغلون بأنفسهم والردود على بعضهم البعض ونشر الغسيل أمام الملأ، في ظل الهجمات الأخلاقية وحتى العقدية والتعدي على ثوابت الأمة التي بدأنا نلمسها في الآونة الأخيرة.
- مؤسف جدا أن ينشغل بعض الدعاة بصراعات أحيانا صغيرة يصعب على الناس أن يفهموها ويستوعبوها، ولكنهم يكتشفون منها أن هؤلاء الناس مهمومون بقضايا لا تستحق، ثم الاطاحة بالأخلاق، فالاختلاف قد يكون مفهوما أحيانا، ولكن أن يكون حول قضية تستحق وأن يكون اختلافا راقيا نكرس من خلاله المفهوم الناضج للاختلاف، وليس أن يكون الاختلاف أداة لتبادل التهم والتشنيع والسب والاطاحة وغير ذلك من الأشياء البعيدة عن المنهج العلمي والأخلاقي.
وهل ترى فضيلتكم أن قضية مثل الطواف حول القبور أوالاحتفال بالمولد النبوي تستحق الاختلاف حولها؟
- يجب علينا أولا التواصي بالسكينة والحكمة في مناقشة المسائل ليتحقق الهدف الأسمى وهو الهداية والتأثير وتأليف القلوب على الخير، ولئلا يضيع الحق في لجّة الخصام.
وثانيا: فالطواف بالقبور مثل الدعاء عند القبور له حالتان:
الحالة الأولى: أن يطوف لله، أو يدعو الله ولكن عند هذه البقعة، فهذا فعل لا أصل له في الشريعة، وهو منكر وبدعة, وهذه من الظواهر السلبية المدمرة للعقل المسلم والتي يجب على المصلحين السعي الدؤوب لحماية عوام المسلمين منها والرقي بهم الى الصفاء والنقاء.
والحالة الثانية: أن يطوف تقربا الى صاحب القبر أو أن يدعو صاحب القبر، فهذا صرف لنوع من أنواع العبادة لغير الله، وهو من الشرك.
بيد أن هذا لا يعني الحكم على من وقع في هذا الفعل بأنه مشرك، لأن الأصل بقاء المسلم على اسلامه، وقد يكون فعله جهلاً أو تأولا فيه برأ عنه التكفير وتوجه اليه الدعوة والاصلاح.
أما المولد فهو من الأعمال المحدثة، ولم يفعله الصحابة ولا من بعدهم، والأولى بالمسلم أن يكون ذاكراً للرسول صـلى الله عليه وسلم بالصلاة عليه في كل حين، كما في حديث أبي بن كعب: أجعل لك صلاة كلها,, الحديث.
وعلينا أن نبين هذا أيضا بهدوء واعتدال وصبر، فهي من المسائل التي قد تخفى أو تلتبس على كثير من الناس.
أقامت جمعية الاصلاح الاجتماعي معرضا للكتاب الاسلامي، ومنعت فيه وزارتا الاعلام والأوقاف كتب أئمة السلف في القديم والجديد كابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبدالوهاب وابن باز والعثيمين والألباني والفوزان وغيرهم، فماذا تقول في ذلك؟
- بلغني ذلك، وهو أمر غريب ونوع من الوصاية على الفكر والعلم، وأعتقد أن عصر الفضائيات والانترنت تجاوز مثل هذا القرار، فهي موجودة في المواقع الالكترونية ولا معنى لحجبها، فضلا عن أن بعض هذه الكتب هي لعلماء أجلاء مجتهدين معروفين يشهد لهم بالطرح الوسطي المعتدل.