المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجتمع الإيراني وسن الرشد



زوربا
04-12-2006, 11:43 AM
خشايار ديهيمي - «شرق» الايرانية


ماذا يجب ان نكتب بعد؟ هذا سؤال أليم، ولا يزال يؤلم المفكرين عند حصول تغيير في الحكومة أو في وزارة الارشاد الاسلامي. ففي العقود الثلاثة الماضية، طرح الكتاب والمفكرون والفنانون على انفسهم هذا السؤال. فبدءاً بميانتشي (أول وزير ثقافة وإرشاد بعد الثورة)، وصولاً الى صفار هرندي (وزير الثقافة والارشاد الحالي)، تغيرت السياسات الثقافية كثيراً، على نحو ما تغيرت دائرة المباح والمنهي عنه. ولكن الثابت هو دور الحكومة في تحديد ما ينشر، وما يحذف ويمنع. واحتكمت بعض السياسات الثقافية الى مزاج بعض الوزراء، فكانت النتائج مفجعة. فهل يسع الدولة تولي مسؤولية الفكر والأخلاق؟ وهل نتائج هذا التولي مجدية وإيجابية؟

فالحكومات التي تتولى مسؤولية الفكر والاخلاق تسعى الى قطع الطريق امام الافكار المضرة والانحرافات الاخلاقية. ويقول المدافعون عن هذا الطرح أن الافكار المضرة هي دعوة الى العمل بإيحاء منها.

واذا غابت الرقابة عن الافكار الضارة، ساد الهرج والمرج والفساد، وضاع المجتمع. ولذا على الحكومة، وهي ممثلة الرأي العام، ممارسة الرقابة. ويعتبر هؤلاء الحكومة دائرة الصحة العامة. فهي مسؤولة عن «صحة الثقافة». وعليه، يطبق هؤلاء سياسة الرقابة والحذف، وهي في مثابة الحجر الثقافي. ولكن هل هذه السياسات كفيلة ببلوغ هدفها؟ فالحق أن في المجتمع انواع الافكار كلها. واستمرار هذه الافكار أمر ذاتي، ولا شك في أن مواجهة الافكار المضرة لا تكون بـ «الحجر الصحي». فهذا الحجر لا يقوى على الدوام الى ما لا نهاية، وهو محكوم بالفشل. والسبيل الى مواجهة الافكار المنحرفة هو رفع مستوى «أمن المجتمع» وحصانته. وشرط هذه الحصانة والامان هو الابتلاء بالامراض، والعيش في محيط طبيعي يعج بها.

وعلى رغم نواياها السليمة والخيرة، تقضي الرقابة على مناعة المجتمع وتضعف قدراته الدفاعية. والمجتمع المبتلى بالرقابة والحذف يتقد في طبقاته الداخلية والمخفية، ولا بد أن ينفجر. ولعل مراجعة تجربة السنوات الـ28 الماضية، مفيد. فما الذي جنته الحكومة من «المنع» الذي مارسته، وما هو الهدف الذي بلغته؟ ولننظر الى الشوارع، ونرَ نتيجة الرقابة على ملابس النساء. ولنخرج من المنزل ونرَ نتيجة الرقابة على الفيديو والاقمار الاصطناعية.

ولنذهب الى اماكن بيع الموسيقى ونرَ نتيجة الرقابة على الموسيقى. لنذهب الى المكتبات ونرَ ما كانت نتيجة الرقابة على الكتاب. فمنع أصحاب الرأي الجدي والمهم أدى الى انتشار الافكار المنحطة والسهلة، وعمومها. فعندما يُراقب الادب الجاد والراقي ويُمنع، يزدهر الادب الهابط. وعندما تمنع كتب (غوستاف) فلوبير و(ميلان) كونديرا و(جايمس) جويس، تروج كتب دانييل ستيل وأمثالها. فالمجتمع الذي ينمو في ظل الرقابة والحذف، يثور عند بلوغ سن الرشد. وليس هذا الرشد في متناول اليد. فشرط الرشد القدرة على الاختيار والتقرير. ومن لا يملك حرية الاختيار يهون خداعه، وانسياقه وراء اللافتات البراقة. والحق أن المجتمع القاصر تتهدده المخاطر. فاتركوا المجتمع يبلغ رشده.

«شرق» الايرانية، 8/ 4 / 2006